المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدعوى والإثبات في الإسلام



د/سالي جمعة
02-10-2007, 10:07 AM
الدعوى والإثبات في الإسلام



تمهيد :

القاضي لا ينظر منازعات الناس وخصوما تهم إلا إذا رفعوها إليه في دعوى طالبين الفصل فيها ونظر القاضي وفق قواعد وضوابط معينة يسمى أصول استماع الدعوى، كما أن الدعوى تثبت عند القاضي بوسائل معينة معتبرة شرعا تسمى وسائل الإثبات. والغرض من هذه القواعد والأصول هو تنظيم عملية القضاء وجعلها معروفة للمتخاصمين وعلى نحو من السهولة والوضوح وتيسير التوصل إلى إظهار الحق وإثباته وإيصاله إلى صاحبه بطريق مأمون خال من الخطأ والعثار والتطويل وبأقصر وقت ممكن هذا ومما تنبغي الإشارة إليه أن أول ما ينظره القاضي في مجلس القضاء بعد انتهاء إجراءات تسلمه لوظيفته، دون طلب من أحد،هو قضايا المحبوسين خشية أن يكون فيهم من لا يستحق البقاء في السجن ، فيتحقق في أمرهم ويخرج من السجن من يستحق الإخراج منه ثم ينظر القاضي ـ بدون طلب من أحد في أمر الأوصياء الناظرين في أموال اليتامى والمجانين وتفرقة الوصية بين المساكين فيقصدهم القاضي بالنظر فيبقي منهم القوي الأمين على وصيته ويضم إليه من يعينه إن كان ضعيفا أو يعزله إن كان فاسقا . ثم ينظر في أمر الضّوال واللقطة التي تولى القاضي السابق له حفظها فيبيع ما في بيعه مصلحة ويحفظ ثمنه لصاحبه ، ويبقي ما يرى فيه مصلحة إلى أن يظهر صاحبه.

الدعوى وشروط قبولها :

الدعوى هي القول الذي يصدر من المدعي أمام القاضي لإخباره بأن له حقا معينا في ذمة المدعى عليه ، وأنه يطالبه به ويريد من القاضي الحكم له به على المدعى عليه . وليست هناك صيغة معينة للدعوى بحيث لا تجوز الدعوى ولا تقبل إلا بها، وإنما القاعدة هنا هي أن كل كلام يفيد ما قلناه في تعريف الدعوى فإنه يصلح أن يكون صيغة لها والدعوى التي يسمعها القاضي هي الدعوى الصحيحة وهي التي توفرت فيها الشروط التالة:

1/ أن يكون كل من المدعي والمدعى عليه عاقلا.
2/ أن يكون الحق المدعى به معلوما ويدخل تحت ولاية القضاء وتجري عليه الأحكام.
3/ ألا يكون المدعى به مستحيلا عقلا ولا عادة ، فالأول كما لو ادعى أن فلانا ابنه وكان أكبر منه سنا ، والتاني كما لو ادعى فقير مشهور بالفقر أنه أقرض شخصا أموالا طائلة .
4/ أن يترتب على ثبوتها حكم ملزم للمدعى عليه ،فلو ادعي شخص أنه فقير وأن فلانا من سكان محلته غني ويطلب شيئا من ماله لمجرد غناه لم تسمع دعواه لأنها لو ثبتت لم بترتب عليه إلزام الغني بإعطائه شيئا من ماله.


مجلس القضاء وآدابه

وقبل أن نتكلم عن كيفية رفع الدعوى ينبغي أن نشير إلى أن مجلس القضاء ـ وهو المحكمة ـ ينبغي أن يكون مكان جد وسكينة ووقار ولا مجال فيه للعبث والتطاول وسوء الأدب من قبل الحاضرين سواء كانوا من خصوم الدعوى ، أو الشهود أو غيرهم . وإذا جلس القاضي في مجلسه للقضاء فيجب أن يكون في حالة نفسية هادئة راضية حتى يكون مستعدا تمام الاستعداد لسماع الدعاوى وما يقدمه الخصوم من بينات ودفوع ، وبهذا جاء الحديث الشريف الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ) فنص صلى الله عليه وسلم علي الغضب ونبه على ما في معناه ، ولهذا قال الفقهاء ينبغي أن يكون القاضي خاليا من الجوع الشديد والعطش والفرح الشديد والحزن الكثير والهم العظيم والوجع المؤلم ومدافعة الأخبثين أو أحدهما ، والنعاس ، لأن هذه الأشياء ونحوها مثل الغضب من جهة تأثيرها في حالة القاضي النفسية وحضور ذهنه لمقتضيات الدعوى واستعداده المطلوب لسماع أقوال الخصمين . وينبغي أن يكون القاضي في مجلس القضاء غاض البصر كثير الصمت قليل الكلام، يقتصر كلامه على سؤال أو جوابه ولا يرفع بكلامه صوتا إلا لزجر أو تأديب، وأن يلزم العبوس، من غير غضب ، وأن يكون جلوسه بسكينة ووقار وأن لا يتضاحك ولا يتكلم بما لا علاقة له بأمور الدعوى التي ينظرها .
كما أنه ينبغي، أن يكون على وضع يزيد من هيبته في قلوب الناس، حتى في هيئته لباسه، وهندامه . ولا يتكلم الخصمان إلا إذا وجه القاضي الكلام أو السؤال إليهما أو أذن لهما فيتكلم من أذن له بالكلام وعلى خصمه أن يستمع ولا يقاطع خصمه أثناء كلامه ، فإذا انتهي من كلامه جاز له أن يستأذن القاضي ليتكلم ، فإذا أذن له تكلم ، وإن لم يأذن له سكت . والقاضي يستمع لكلام الخصمين دون ضجر ولا ملل ولا إنهاء إلا أن يكون منهما لغط فينهرهما أو ينتهر اللاغط منهما .

د/سالي جمعة
02-10-2007, 10:08 AM
شروط قبول الدعوى


ترفع الدعوى إلى المحكمة المختصة بنظر الدعوى ، وهذه المحكمة في الأصل هي محكمة محل إقامة المدعى عليه ، وعلى هذا فإن المدعى يرفع دعواه إلى قاضي البلد أو المحل الذي يقيم فيه عادة المدعى عليه . وترفع الدعاوى شفاهاً إلى القاضي بأن يحضر أصحابها فيدخلهم الحاجب على القاضي،حسب الأسبق في الحضور ، فإذا دخل سأله عن دعواه ونظر فيها ، وقد جرى العرف على أن كاتب القاضي يقوم بكتابة دعاوى الناس بذكر أسم المدعي والمدعى عليه ، وموضوع الدعوى والشهود ، ويضع كل دعوى في محفظة ، ويجمع دعاوى كل شهر ومحافظها كل محفظة على حدة ويقدمها للقاضي ، فيقوم القاضي بالتحري عن شهود كل دعوى وتزكيتهم تمهيدا للنظر فيها . والأصل أن صاحب الحق هو الذي يرفع الدعوى إلى القاضي إذا كان أهلا لمباشرة هذا الحق بأن تتوفر فيه الشروط الإلزامية بأن يكون بالغا عاقلا غير محجور عليه لسفه ونحوه . ولكن مع هذا يجوز لصاحب الحق أن يوكل غيره ليرفع دعواه نيابة عنه إلى القاضي ويرافع فيها نيابة عنه أيضا، ويشترط لصحة هذه الوكالة أن يكون صاحب الحق الموكل كامل الأهلية فإن كان ناقصا أو عديما ناب عنه في إقامته الدعوى وليه الشرعي . وقد صرح الفقهاء بجواز الوكالة في الخصومة سواء كانت بأجر أو بغير أجر، إلا أنها إن كانت بغير أجر فهي إحسان ومعروف تلزمه إذا قبلها واستمر فيها .وإذا كان صاحب الحق أو وكيله أو وليه الشرعي هو الذي يرفع الدعوى إلى القاضي للمطالبة بحقه في الدعوى المدنية والجزائية فإن النيابة العامة ( أو الادعاء العام ) تملك رفع الدعوى الجزائية ضد المجرمين والمطالبة بإنزال العقاب بهم ، وذلك لأن الجرائم أفعال محرمة شرعا فهي معاص وضرر بمصلحة الأفراد والمجتمع، وفساد في الأرض ، والشريعة الإسلامية تأمر بإزالة الضرر والفساد، فمن واجب ولي الأمر أن يتخذ كافة الوسائل المباحة لتحقيق هذا الغرض ، ومن هذه الوسائل تعيين هيئة النيابة العامة لتقوم بمهمة ملاحقة الجرائم ورفع الدعاوى على المجرمين. وتعتبر وهي تمارس عملها هذا-نائبه عن المجتمع والأفراد المتضررين بالجريمة.


المحـاكـمة

قبل أن يباشر القاضي المرافعة فيستمع دعوى المدعى وبينته ، ودفوع المدعي عليه أو إقراره فإنه يقوم بإحضار المدعى عليه إذا لم يحضر من تلقاء نفسه فإذا حضر هو وخصمه مجلس القضاء لزم القاضي التسوية بينهما وأجلسهما أمامه بحيث يستطيع أن يسمع كلامهما ويستطيعون أن يسمعوا كلامه دون حاجة إلى رفع صوت . والقاضي مأمور بالتسوية بين الخصمين فيما يقدر عليه من أمور التسوية ومعانيها ومظاهرها، فمن ذلك أن القاضي يسوى بينهما في النظر ولين الكلام والبشاشة، فلا يبتسم لأحدهما ويعبس في وجه الآخر، ولا يظهر الاهتمام و الإصغاء لأحدهما دون الآخر ، ولا يكلم أحدهما بلغة لا يفهمها الآخر ما دام قادراً على الكلام بلغة يفهمها الخصمان كلاهما، ويفعل القاضي ذلك بين جميع المتخاصمين حتى أنه يجب عليه أن يسوى بين الأب وابنه والخليفة والرعية وبين المسلم وغير المسلم ويمهد القاضي بأن يعظ الخصمين من الخصومة بالباطل ،ثم يسأل القاضي المدعي عن دعواه ويأمر كاتبه بكتابتها ويرد الدعوى إن كانت فاسدة ،فإن كانت صحيحة توجب للمدعى عليه بطلب الإجابة عن الدعوى ولا تخلوا إجابة المدعى عليه من ثلاثة أمور:

1-الإقرار فإن أقر كتب إقراره وآمر بأداء ما أقر به .

2-الإنكار فإن أنكر طلب من المدعي البينة من شهود أو نحوهم فإن لم تكن له بينة أو كانت له بينت غير صحيحة عرضت عليه يمين المدعى عليه فإن حلفت ردت الدعوى وإن امتنع ثبتت عليه دعوى المدعي.

3-الامتناع عن الجواب فإن امتنع المدعى عليه عن الجواب ثبتت الدعوى عليه.

وإذا كان الأصل في المرافعة أن تكون علانية لا خفاء فيها ويحضرها من شاء ، فإنه قد يرى القاضي المصلحة في جعلها سرية لا يحضرها أحد من الناس ، بل وحتى أعوانه فتبقى مختصرة عليه وعلى أطراف الدعوى فقط وذلك إذا كانت طبيعة الدعوى تتعلق بأمور لا ينبغي إظهارها كأن تكون في أمور شنيعة بين الرجال والنساء ( أو تكون في أمور مضحكة لا يؤمن أن يؤدى سماعها إلى ما يكره )

د/سالي جمعة
02-10-2007, 10:16 AM
وسائل الإثبات

إذا رفع المدعي دعواه فإن القاضي، بعد أن يطلب منه أن يبين دعواه، يسأل المدعى عليه المدعي، فإن أقر بما يثبت بإقراره الحق، الذي يدعيه المدعي صدر الحكم به .وإذا أنكر المدعى عليه ما يدعيه المدعي طلب القاضي من المدعي أن يقدم بينته التي يثبت بها ما يدعيه كالشهود العدول مثلا فإن قدم البينة ثبتت الدعوى وصدر الحكم بها وإن عجز المدعي عن تقديم البينة عرض عليه القاضي حق تحليف خصمه اليمين فإن طلب تحليفه وحلف المدعى عليه رد القاضي الدعوى ، وإن نكل المدعى عليه عن اليمين على المدعى حكم به للمدعى وحلفه كما سنبينه إن شاء الله تعالى .
إذا فوسيلة إثبات الحق الذي يدعيه المدعي قد تكون إقرار المدعى عليه أو بينة المدعي ( الشهود العدول ) أو نكول المدعى عليه عن حلف اليمين ، وهناك وسائل أخرى أو دلائل لإثبات الحق المدعى به تفاصيلها في كتب الفقه والقضاء وسنتناول كل واحدة من هذه الوسائل بشيء من الإيجاز .

أولا : الإقـرار :
وهو الاعتراف بثبوت حق للغير على نفس المقر ولو في المستقبل . ولا بد أن يكون الإقرار بلفظ دال على ثبوت الحق للغير على نفس المقر نحو أن يقول : لفلان عندي ألف دينار . ويقوم مقام اللفظ إشارة الأخرس المفهومة كما تقوم الكتابة أيضا مقام اللفظ .
ومع أن الإقرار سيد الأدلة كما يقولون، وحجيته ثابتة بالكتاب والسنة ، إلا أنه يعتبر حجة قاصرة على المقر لا يتعداه إلى غيره ، فيؤاخذ به المقر وحده دون سواه لأن المقر لا ولاية له إلا على نفسه . ويشترط في المقر أن يكون بالغا عاقلا مختاراً غير سكران . كما يشترط في المقر به ألا يكون مما لا يمكن عقلا ولا شرعا ، كأن يقر بأنه ابن فلان وهو أكبر منه سنا أو يقر الابن بالتسوية بينه وبين أخته في الميراث ،فالأول محال عقلا ، والثاني مخالف لأصول الشرع في الميراث أما المقر له فيشترط فيه أن يكون ممن يثبت له الحق ، فإن لم يكن كذلك لم يصح الإقرار له كما لو أقر لبهيمة أو لدار بمبلغ من المال لم يصح إقراره وكان باطلا لأن البهيمة والدار لا تملك المال مطلقا إلا أن يكون شخصاً إعتباريا (معنوياً) كالوقف والشركة.كما يشترط أيضا إن كان المقر له أهلا للاستحقاق ألا يكذب المقر في إقراره . وإذا توفرت في الإقرار الشروط المطلوبة لزم المقر ما أقر به من مال أو قصاص ، ولا ينفعه الرجوع إلا إذا أقر بحد فله الرجوع عن إقراره كما لو أقر بالزنا والسرقة ولكنه يلزمه رد المال المسروق .

ثانيا : الشهـادة
وهي إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة لإثبات حق على الغير وتسمى البينة لأنها تبين ما في النفس وتكشف الحق فيما اختلف فيه . ويشترط في قبول الشهادة :
1) أن يكون الشاهد بالغا عاقلا مسلما عدلا غير متهم في شهادته لعداوة أو قرابة وأن يكون عالما بما يشهد به .
2) تقدم الدعوى بالحق المشهود به - إلا في شهادة الحسبة- حتى لا يكون الشاهد مدعيا وشاهداً في الوقت نفسه، وذلك في حقوق الله تعالى كحد الزنا والشرب والسرقة وقطع الطريق.
3) طلب المدعى أداء الشهادة من الشاهد فلا تكون الشهادة إلا بطلب من المدعي .
4) إذن القاضي للشاهد بأداء شهادته .
5) نطق الشاهد بكلمة (أشهد ) في مستهل شهادته ولا يقوم غيرها مقامها كقوله ( أعلم ) أو ( أتحقق ) .
6) أن يقتصر الشاهد في شهادته على ما ادعاه المدعي .
7) أن يؤدي الشاهد ما تحمله من الشهادة مصرحا به بلفظه ،فلا يقبل من الشاهد أن يقول : أشهد بمثل ما شهد به هذا الشاهد ، بل لا بد من تصريحه هو بما تحمله وقت أدائه الشهادة .
8) أن ينقل الشاهد ما سمعه أو رآه من وقائع إلى القاضي ،لا أن يشهد بما يستنتجه هو مما رآه. لأن تكييف الوقائع وما يستنتج منها وما يترتب عليها من آثار وأحكام كل ذلك متروك لتقدير القاضي واجتهاده .
9) إذا ارتاب القاضي في الشهود فله أن يفرقهم ويسأل كل واحد عن شهادته على حده فإن اختلفوا سقطت شهادتهم ، وإن اتفقوا حكم بها القاضي إن عرف عدالتهم .
10) أن يبلغ عدد الشهود النصاب المحدد حسب ما يشهدون عليه ففي الشهادة على الزنا : لا يقبل أقل من أربعة رجال عدول مسلمين .
وفي بقية الحدود وهي القذف والسرقة والحرابة وشرب الخمر والردة وكذلك القصاص فإن نصاب الشهادة المقبول هو شهادة رجلين عدلين . وفي النكاح والطلاق والرجعة والإيلاء ونحو ذلك يشترط شهادة رجلين ذكرين أو شهادة رجل وامرأتين .
وفي الأموال وحقوقها كالقروض والإتلاف والديات والبيوع ونحوها نصاب الشهادة هو رجلان أو رجل وامرأتان باتفاق .
وفي الولادة والرضاع وعيوب النساء تحت الثياب تقبل شهادة النساء وحدهن دون أن يكون معهن رجل

ثالثا : علم القاضي :
كما لو سمع القاضي شخصا يطلق امرأته ، ثم ترافعا إليه ، فهل يجوز له أن يحكم بما علمه من حالتهما قبل الترافع . إن القاضي لا يقضي بعلمه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم الحف بحجته من بعض ، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها ).
ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن القاضي إنما يقضي بالأدلة المسموحة كالإقرار والشهود ولا يقضي بما يعلمه هو في ضميره إذا لم نقم عليه بينة ظاهرة .

رابعا :القرائن :
أخذ الفقهاء بالقرائن واعتبروها وسيلة من وسائل الإثبات وطريقا من طرق الحكم ، فمنهم من صرح بالأخذ بها والتعويل عليها ومنهم من رتب عليها أحكاما فقهية دون أن يصرح باعتبارها. ومن ذلك ما ذهب إليه المالكية من إقامة حد الزنا على امرأة ظهر حملها ولا زوج لها،وإقامة حد الخمر على من تقيأها .

د/سالي جمعة
02-10-2007, 10:20 AM
الحكم في الدعوى وقواعده

قلنا فيما سبق إن القاضي يتخذ بطانة من أهل العلم يشاورهم في أمور القضاء والدعاوى التي ينظرها وهذه المشاورة من القاضي لهؤلاء مندوب إليها ولو كان القاضي عالما ،لأن فيها فائدة مؤكدة للقاضي لأنها تساعد على انكشاف ما غمض أو خفي عليه . والقاضي مطالب بالإسراع في الحكم بعد سماع البيانات والمشاورة وظهور الحق في القضية المطروحة أمامه ، لأن الغرض من نصب القاضي فصل الخصومات وحسم المنازعات، وكلما كان الفصل سريعا أوفي وقت قصير كان ذلك أحسن لوصول الحق إلى صاحبه .
ويكتب القاضي أو كاتبه ـ بأمر منه وقائع الدعوى وبينات الخصوم ودفوعهم وهذا المكتوب هو الذي يسميه الفقهاء المحضر ، فإن زاد عليه كتابة قرار الحكم سمي( السجل ) وتكتب نسختان من المحضر أو السجل .هذا وينبغي للقاضي أن يدعو الخصمين إلى الصلح، ولو ظهر له الحق في مسألة الدعوى قبل أن يصدر حكمه في المسألة فإن أجابا إلى الصلح فالصلح خير فينبغي أن يردهما إليه ولا يقضي حتى ييأس من الصلح بينهما وذلك لأن القضاء يورث الضغينة والبغض لذا ينبغي أن يبذل وسعه للبعد عنه مهما أمكن خاصة إذا كانت الدعوى بين الأقارب أو خشي القاضي من الفتنة إذا حكم فيها بغير الصلح
وإذا كانت القوانين الوضعية في كثير من البلدان توجب تسبيب الأحكام لما في ذلك من ضمان للمتقاضين وحمل القضاة على بذل الجهد في تمحيص القضايا والتعمق في البحث القانوني حتى تجيء أحكامهم ناطقة بعدالتها وموافقتها للقانون مما ينير السبل للخصوم للنزول عندها أو الطعن فيها وعندئذ يسهل على محكمة الطعن الفصل في صواب الحكم أو خطئه إذا كان كذلك فإن فقهاء الشريعة الإسلامية ـ وإن لم يوجبوا نسيب الأحكام هو أن ينص القاضي في حكمه على النص القانوني ( أو الشرعي ) الذي بني عليه حكمه إلا أن ذلك من الأمور الاجتهادية التي يقدرها ولاة الأمور حسبما تمليه المصلحة ، فإذا أمروا بها كان ذلك واجبا شرعا . على أنه قد ورد في بعض صور السجلات ما يدل على أن الفقهاء عرفوا فكرة تسبيب الأحكام واستخدامها. وينبغي للقاضي أن يقرأ الحكم في نهاية الجلسة بصوت عال يسمعه الجميع وبصورة علنية ثم يشهد عليه الشهود وبعد سماعهم له كما ينبغي له أن يفسر للخصم الذي حكم عليه ويبين له حتى يعلم أنه قد فهم حجته ، وقضى عليه ما فهم . هذا ولا يصدر القاضي حكمه في الدعوى إلا بعد سماع كافة حجج الخصمين ويقرر ختام المرافعة بعد أن يقول الخصمان لم يبق لنا قول نقوله ولا حجة ندلي بها، يقول ابن فرحون :( ولا يحكم القاضي على أحد إلا بعد أن يسأله : أبقيت لك حجة : فيقول : لا ؟


نقض الحكم وقواعده

إذا أصدر القاضي حكما في قضية ثم ظهر له أن هذا الحكم خطأ يتعين نقضه، قام هو بنقضه. وكما أن للقاضي الذي أصدر الحكم أن ينقض حكم نفسه فإن لغيره من القضاة أن ينقضوا أحكام غيرهم إذا رفعت إليهم هذه الأحكام أو نظروها من تلقاء أنفسهم كما لو نظر القاضي الجديد أحكام سلفه . إلا أن نقض الحكم القضائي له جملة من الضوابط والقواعد التي تنظمه حتى لا يكون مسرحا للفوضى فتنتقض الأحكام دون مبرر يقضى بذلك ، وأهم هذه القواعد :

أولا : أن الاجتهاد لا ينقض بمثله : سواء كان مصدر الاجتهاد الثاني هو نفس القاضي الأول أو كان غيره، وذلك بهدف استقرار الأحكام ووثوق الناس بها وإنهاء، الخصومات وقطع الطريق على حكام السوء الذين قد يتذرعون بالاجتهاد لنقض أحكامهم أو لنقض أحكام غيرهم لأغراض غير مشروعة .

ثانياً : السوابق القضائية لا تقيد القاضي ولا تلتزم : فإذا قضى القاضي في مسألة اجتهادية بحكم معين فإنه لا يتقيد به في القضايا المماثلة للقضية الأولى فله أن يحكم فيها بحكم جديد إذا تغير اجتهاده في هذه القضايا وبالتالي لا يجوز له أن ينقض حكمه القديم بحجة حكمه الجديد .

ثالثا : ينقض الحكم المخالف للنص أو الإجماع : فإذا حكم القاضي بحكم يخالف نص القرآن أو السنة أو الإجماع فإن هذا الحكم يستحق النقض . وقد أضاف القرافى كذلك مخالفة القياس الخالي عن المعارض أو القاعدة الشرعية العامة السالمة من المعارض.

رابعا: التهمة تؤثر في حكم القاضي وتعرضه للنقض : لأن القاعدة- كما يقول القرافى ـ أن التهمة تقدح في التصرفات إجماعا من حيث الجملة وهي- أي التهمة- مختلفة المراتب فأعلى رتب التهمة معتبر إجماعا مثل حكم القاضي لنفسه فإن هذا الحكم ينقض بلا خلاف بين الفقهاء، أدنى رتب التهم مردود إجماعا إذ لا تأثير له في سلامة حكم لجيرانه وأهل بلدنه مثلا. والوسط من التهم مختلف فيه هل يلحق بالأول فينقض الحكم به، أم يلحق بالثاني فلا يؤثر في الحكم ولا ينقض به وأصلها قوله صلى الله عليه وسلم : (لا تتقببل شهادة خصم ولا ظنين) أي متهم

خامسا : تدقق أحكام قليل الفقه ومن لا يستشير فيبرم منها الصحيح وينقض منها ما كان خطأ بينا وذلك حفاظا على حقوق الناس وتحقيقا للعدل.

سادسا :إذا كان الحكم المنقوض صحيحا فإن الحكم الناقص ينقض ويبرم الحكم المنقوض : قال القرافى: (و مما ينقض: ما لا ينتقض فإذا قضى بأن ينقض حكم الأول- وهو مما لا ينقض نقص الثالث حكم الثاني لأن نقضه خطأ ويمضي الأول ).


تنفيذ الحكم ووسائله

تنفيذ الحكم هو المرحلة الأخيرة من القضاء ذلك أن للقضاء مراتب ثلاث :
المتربة الأولى : الثبوت
المرتبة الثانية : الحكم
المرتبة الثالثة : تنفيذ الحكم
والقضاء بدون تنفيذ لا قيمة له إذ لا معنى للحكم إلا التنفيذ ولهذا جاء في كتاب القضاء لعمر بن الخطاب رضي الله عنه الموجه إلى أبي موسى الأشعرى ـ هو من أهم المصادر الأولى للقضاء في الإسلام ـ ( فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له ) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في كتابه للأشتر النخيعي : ( وأعط القاضي من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ) ولا شك أن هذه المنزلة تقاس بمدى تنفيذ أحكام القاضي فالقاضي الذي لا تجد أحكامه تنفيذا لا احترام له ولا منزلة ، وإلا فما قيمة الاحترام والمنزلة بدون ذلك لهذا نجد أن العلماء يضفون على تنفيذ الأحكام قدسية ومنزلة عظيمة حيث جعلوه من حق الله تعالى ومن الفروض، بل جعلوا الدولة تعلن الحرب على من لم يذعن له هذا بصرف النظر عن اعتبار القرآن الكريم تنفيذ الأحكام في قوله تعالى : (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)) مرتبط بالإيمان والكفر ، فأي حماية وأي ضمان لنزاهة القضاء أعظم من ذلك على أن تنفيذ الحكم قد يكون بواسطة القاضي نفسه أو بواسطة شخص يعينه الحاكم لذلك . فإذا أصدر القاضي حكمه فإنه ينفذه بنفسه إن أمكن ذلك قال الماوردي : ( فإذا ثبت عليه عند القاضي حق وهو حاضر استوفاه منه لمستحقه ولم يكتب به إلى غيره ) وعلى هذا فإذا كان المحكوم به عقارا أو حيوانا أو عروضا استحقه المحكوم له وألزم المحكوم عليه بتسليمه بنفسه إذا أمكن التسليم كما لو كان المحكوم به عقارا معروفا ظاهرا . وإن كان المحكوم به قصاصا استوفاه ولي القتيل إن أمكنه ذلك وقدر عليه فإن لم يقدر على الاستيفاء أمره القاضي بتوكيل غيره حتى يستوفيه عنه .
أما العقوبات الأخرى فقد قالوا : لا يقيم الحدود إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام ذلك ، بدليل أنه لم يقم حد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه ولا في أيام الخلفاء الراشدين إلا بإذنهم لأن حق الله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه الحيف فلم يجز بغير إذن الإمام . وقد يكون قيام القاضي بتنفيذ حكمه عن طريق الكتابة إلى قاض آخر بتنفيذه لما روى الضحاك قال : كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي الآخر إذا عرف المكتوب إليه خط القاضي الكاتب وختمه ، سواء كان من أرسل إليه الكتاب معينا أو غير معين باسمه كأن يذكره بوصفه بقوله قاضي محكمة كذا .
ويجوز لولي الأمر تعيين قضاة خاصين لتنفيذ الأحكام يقومون بهذه المهمة دون غيرهم من القضاة .هذا وللقاضي عدة وسائل لحمل المحكوم عليه على تنفيذ الحكم منها منعه من السفر إذا كان مدينا حتى يؤدى الدين ، ومنها حبسه حتى يقضي دينه ومنها الحجز على ماله ومنها بيع ماله إذا امتنع عن الأداء


خــــــاتمة

تعرضنا في الصفحات السابقة بصورة موجزة للنظام القضائي في الإسلام وعرفنا ما قام عليه من دقه وإحكام وما كان يتمتع به رجاله من حصانة واستقلال وما كان يراعى في اختيارهم من غزارة العلم والتقوى والورع وكيف أن الدولة الإسلامية قد عزّت بعدل قضائها وسمو قضائها ومتانة قانونها الذي تحكم به ولقد حكمت هذه الشريعة في أزهى العصور فما قصرت عن حاجة ولا تخلفت عن الوفاء بمطلب .
إن عالمية الشريعة الإسلامية قد اقتضت أن تكون صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان ولذلك صيغت نصوصها بحيث لا يؤثر عليها مرور الزمن ولا يبلي جدتها ولا يقتضي تغير قواعدها العامة ونظرياتها الأساسية فجاءت نصوصها من العموم والمرونة بحيث تحكم كل حالة جديدة وتستجيب لجميع مطالب الحياة . والحق أن أحوال العالم اليوم وما فيه من مشاكل وحروب وصراعات دفعت إليها حضارته المادية الخاوية من الروح كل ذلك يقوم شاهدا على نقص البشر ويعطي الفرصة للإسلام بعقيدته السليمة الصالحة ومبادئه التي تعنى بالفرد والمجتمع معا، وبالدنيا والآخرة، وبالروح والجسم جميعا .
إن النظام القضائي في الإسلام يتميز بخصائص لم يسجلها التاريخ لأي نظام قضائي آخر في الماضي والحاضر، وفيما تعيشه المجتمعات البشرية مستقبلا فهو يمتاز بالنزاهة المطلقة والبساطة الحكيمة الخالية من كل التعقيدات والشكليات والبعد عن الهيمنة والاستعلاء والتأله، وحرية المتقاضين في الدفاع عن حقوقهم دون خوف أو تعثر، كما يتميز بالسلوك المثالي للقضاة خوفا من الله تعالى وتجنبا للعقاب الأخروي.
وإذا كان عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة ، فإن المنتصر بالله أحد ملوك الأندلس يقول : ( إن أكبر مصيبة تحدث في المملكة هي أقل خطرا من مصابها بموت القاضي العادل لأن وفاة أحد القواد أو الوزراء لا تتأثر لها الحياة العمومية تأثرها بوفاة القاضي العادل) وما دمنا نتحدث عن النظام الإسلامي للقضاء وعن أهم خصائصه وهي العدل فيحسن بنا أن نورد هذه القصة التي نجعلها خاتمة لهذا البحث نتبين من خلالها حرص الإسلام على العدل حتى مع غير المسلمين ، وحتى في حالة الحرب في الإسلام .فقد كتب عمر إلى عامله في العراق أن ينصب لهم قاضيا خاصا ( وهو أشبه بقاضي دائرة الاستئناف في عصرنا الحاضر ) فنصب لهم قاضيا أسمه جميح بن حاضر الباجي فسمع شكواهم وحالهم مع القائد قتيبة وحكم بخروج المسلمين من سمرقند وأن يعود أهل سمرقند إلى حصونهم وينابذهم قتيبة على سواء ( أي يخبرهم بأنه سيغزوهم علنا قبل غزوه لهم ) ثم يحاربهم إن أبوا . وخضع القائد العظيم وجيشه لحكم القاضي ( جميح ) وهم المسلمون بالانسحاب من المدينة فلما رأى أهل سمرقند أن الأمر جد وأنهم لم يشهدوا عدلا مثل هذا العدل قالوا :( مرحبا بكم سمعنا وأطعنا) وصدق الله العظيم حين يقول : ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين )

أهـم المصـادر والمراجـع
1- نظام القضاء في الإسلام / للمستشار جمال صادق المرصفاوي طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1401ه – 1981م
2- نظام القضاء في الشريعة الإسلامية / للدكتور عبد الكريم زيدان الطبعة الأولى 1404ه 1984م مطبعة العاني بغداد
3- القضاء في الإسلام / للدكتور / محمد عبد القادر أبو فارس / مكتبة الأقصى عمان – الطبعة الأولى 1398ه – 1978م
4- السلطة القضائية وشخصية القاضي في النظام الإسلامي / د. محمد عبد الرحمن البكر / الطبعة الأولى 1408ه – 1988م الزهراء للإعلام العربي – القاهرة
5- القضاء في الإسلام – تاريخه ونظامه / إبراهيم بخيت محمد عوض / مجمع البحوث الإسلامية – القاهرة 1975م – 1395ه
6- تاريخ القضاء في الإسلام / محمود بن محمد بن عرنوس / المطبعة المصرية الحديثة
7- أدب القاضي / للماوردي – تحقيق محمد هلال السرحان / وزارة الأوقاف بالعراق 1391ه – 1971م بغداد
8- أدب القضاء / لبن أبي الدم – تحقيق د. محمد مصطف الزحيلي / مجمع اللغة العربية بدمشق 1395ه – 1975م
9- شرح أدب القاضي / للخصاف – تحقيق محي هلال السدحان / وزارة الأوقاف بالعراق 1397ه – 1977م الطبعة الأولى
10-تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام / لابن فرحون المدني الطبعة الأولى المطبعة الأميرية 1306ه دار الكتب العالمية بيروت
11-لسان الحكام في معرفة الأحكام / لابن الشخينة / مصطفى الحلبي الطبعة الثانية 1393ه – 1973م
12-معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين / للطرابلسي / مصطفى الحلبي 1393ه 1973م
13-الأحكام السلطانية / للماوردي / تعليق خالد عبد اللطيف السبع / دار الكتاب العربي
14-روضة القضاة وطريق النجاة / لأبى القاسم الرهبي السماني تحقيق صلاح الدين الناهي مؤسسة الرسالة بيروت دار الفرقان عمان
15-الطرق الحكمية في السياسة الشرعية / لأبن قيم الجوزية / تعليق الشيخ بهيج غزاوي دار إحياء العلوم العربية بيروت .
16-المغني / لابن قدامة المقدسي تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي ود. عبد الفتاح محمد الحلو الطبعة الثانية 1413ه – 1992م هجر للطباعة القاهرة
17-مواهب الجليل لشرح مختصر خليل / للحطاب الطبعة الثالثة دار الفكر 1412ه – 1992م
18-نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج / للرملي / مصطفى الحلبي 1386ه – 1976م
19-حاشية ابن عابدين على الدر المختار شرح تنوير الأبصار الطبعة الثانية 1386ه – 1966م مصطفى الحلبي
20-الفروق / للعراقي / دار المعارف بيروت

.islamtoday.net