المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حريق الرايخستاغ: مرافعة ديمتروف أمام المحكمة (1)



د/سالي جمعة
30-06-2011, 01:21 AM
حريق الرايخستاغ: مرافعة ديمتروف أمام المحكمة (1)
بقلم:
جيورجي ديمتروف
ديسمبر 1933

ديمتروف: بموجب الفقرة 258 من قانون أصول المحاكمات الجنائية، يحق لي أن أتكلم كمدافع، وكمتهم

الرئيس: يحق لك أن تكون آخر المتكلمين، إنني أعطيك الكلمة، الآن.

ديمتروف: و بموجب هذا القانون، يحق لي أن أناقش النيابة العامة، و إثر ذلك أن أدلي ببيان أخير.

أيها السادة القضاة، أيها السادة المتهمين ( بكسر الهاء )، أيها السادة المدافعين، لقد سبق لي عند بدء المحاكمة منذ ثلاثة أشهر، أن وجهت بصفتي متهما، رسالة إلى رئيس المحكمة. و قد أعربت فيها عن أسفي لأن مداخلاتي أدت الى منازعات مع القضاة. لكنني كنت أحتج بعزم و تصميم ضد تفسير سلوكي بصفته استغلال مقصود لحقي في طرح الأسئلة و القيام ببيانات ذات أغراض دعائية. و مفهوم أنه نظرا لكوني متهما رغم برائتي، فإنني أسعى لأدافع عن نفسي، بجميع ما أملك من وسائل ضد الاتهامات الكاذبة.

و قد كتبت في رسالتي إلى رئيس المحكمة: إنني أقر بأن بعض المسائل لم تطرح من جانبي بصورة صحيحة من وجهة ملائمة و بالصيغة التي كنت أريدها. لكن هذا لا يفسر إلا بجهلي للقانون الألماني. و من جهة أخرى، فهذه أول مرة في حياتي أدخل فيها مثل هذه المحاكمة القضائية. و لو كان لدي محام اخترته أنا، إذن لكنت تلافيت بالتأكيد إشكالات مزعجة، بالنسبة لدفاعي.

و قد سميت عدة محامين. لكن المحكمة الإمبراطورية رفضت بحجج مختلفة، جميع اقتراحاتي، بعضها اثر البعض الآخر. إنني لا أكن ريبة شخصية إزاء السيد الدكتور تايشيرت، لا كشخص، و لا كمحام. لكنني، و الأمور على ما هي عليه اليوم في ألمانيا، لست استطيع أن أشعر بالثقة الضرورية نحو تايشيرت، في دوره كمحام رسمي.لذلك أجهد لأدافع عن نفسي بنفسي، و بديهي أنه يحدث لي أن ارتكب مخالفات من الوجهة الحقوقية.

و في صالح دفاعي أمام المحكمة، و كذلك، كما اعتقد، في صالح السير الطبيعي للمحاكمة، أتوجه مرة أخرى – و أخيرة – إلى المحكمة العليا، طالبا إليها أن يأذن للمحامي مارسيل ويلار، الذي خولته شقيقتي اليوم كامل الصلاحيات، بأن يشترك في الدفاع عني. فإذا ما رفض هذا الاقتراح الأخير، هو أيضا، فلن يبقى أمامي سوى الدفاع عن نفسي بنفسي، بأفضل شكل أستطيعه.

و نظرا لأن هذا الاقتراح قد رفض، فقد قررت أن اضطلع بالدفاع عن نفسي. و لما لم تكن لي حاجة لا إلى عسل و إلى سم بلاغة المحامي الذي فرض علي، فقد دافعت وحدي عن نفسي طوال وقائع المحكمة.

و واضح تماما أنني لا اشعر بأنني مرتبط بأي شكل بمرافعة الدكتور تايشيرت. و الشيء المهم الوحيد بالنسبة لدفاعي، هو ذلك الذي أعلنته أنا نفسي أمام المحكمة، و ما سأعلنه الآن. و لست أريد إهانة رفيقي في الحزب، ( تورغلر) – ففي رأيي أن محاميه قد قسا عليه، و أهانه، كفاية – لكن علي أن أقول بكل صراحة: إنني أفضل أن يحكم علي بالموت، بريئا، من قبل المحكمة الألمانية، أفضل ذلك على الحصول على تبرئتي بواسطة دفاع كدفاع الدكتور ساك لصالح تورغلر.

الرئيس ( مقاطعا ديمتروف )، لا يحق لك تقديم انتقادات من هذا النوع.

ديمتروف – أقر بأنني أتكلم بلغة خشنة و حادة، لكن نضالي و حياتي كانا كذلك أيضا.

بيد أن كلامي مخلص و صريح. إنني أسعى لان اسمي الأشياء بأسمائها. و لست محاميا عليه هنا واجب الدفاع عن موكله.

إنني أدافع عن نفسي بنفسي كشيوعي متهم

انني ادافع عن شرفي السياسي، شرفي كثوري

ادافع عن أفكاري، و معتقداتي الشيوعية

ادافع عن معنى ومضمون حياتي

لذلك فان كل كلمة أتلفظ بها أمام المحكمة، لهي، إذا صح التعبير دم دمي ولحم لحمي. و كل كلمة هنا هي التعبير عن عميق استيائي ضد الاتهام الظالم، ضد واقع أن مثل هذه الجريمة المعادية للشيوعية تنسب إلى الشيوعيين.

كثيرا ما اخذ علي انني لا آخذ مأخذ الجد المحكمة العليا الألمانية. و هذا مأخذ لا يدعمه أي تبرير على الإطلاق.

صحيح أنه بالنسبة لي، أنا الشيوعي، فان القانون الأعلى هو برنامج الأممية الشيوعية، و محكمتي العليا هي لجنة الرقابة للأممية الشيوعية.

لكن المحكمة العليا هي بالنسبة لي، بصفتي متهما، هي سلطة يحسن النظر إليها بأقصى الجدية، ليس فقط لأنها مؤلفة من قضاة ذوي كفاءة حقوقية عالية، بل أيضا لان هذه المحكمة هي أهم هيئة حقوقية في الدولة الألمانية، و النظام الاجتماعي السائد، وهي سلطة تستطيع في النهاية أن تحكم بالعقوبة القصوى.

انني استطيع أن أعلن، بضمير مطمئن، بأنني، أمام المحكمة و بالتالي أمام الرأي العام أيضا، لم أقل سوى الحقيقة حول جميع الأمور. و في صدد حزبي، المجبر على العمل السري، و اللاشرعية، فقد رفضت تقديم أية شهادة مهما كانت. لقد تكلمت دائما بصورة جدية، و بأعمق ما لدي من اقتناع و يقين.

الرئيس – انني لن اسمح بان تقوموا، هنا، في هذه القاعة بالدعاية الشيوعية. لقد فعلتم ذلك طوال الوقت. فإذا تابعتم في هذا الاتجاه، فسوف أمنعكم من حق الكلام.

ديمتروف - علي أن احتج بحزم و تصميم ضد التأكيد بأنني استهدفت أغراضا دعائية. و يمكن اعتبار أن دفاعي أمام المحكمة كان له اثر دعائي معين. و أقر كذلك بان سلوكي امام المحكمة يمكن أن يخدم بمثابة مثال لكل متهم شيوعي، و لكن لم يكن هذا هو هدف دفاعي. لقد كنت أهدف الى دحض الاتهام الهادف الى إقناع الناس بان ديمتروف و توغلر و بوبو ف و تانيف و الحزب الشيوعي الألماني و الاممية الشيوعية لهم علاقة معينة بالحريق.

أنا اعلم بانه ما من احد في بلغاريا يصدق اشتراكنا المزعوم في جريمة حريق الرايخستاع. و اعرف ايضا انه من غير المحتمل أن يكون ثمة اشخاص في الخارج، يصدقون ذلك. لكن الظروف في المانيا مختلفة، فهنا يمكن تصديق هذه التأكيدات الغريبة. لذلك أردت اثبات أن الحزب الشيوعي لم تكن له و ليست له أية علاقة بالاشتراك في هذه الجريمة.

و إذا كان الحديث عن الدعاية، فان مداخلات كثيرة هنا، اتخذت هذا الطابع. إن خطب غوبلز و غورنغ قد مارست كذلك دعاية غير مباشرة لصالح للشيوعية. و لكن ما من احد يستطيع اعتبارهم مسؤولين عن كون كلماتهم كان لها الأثر الدعائي ( حركة و ضحكات في القاعة ).

إن الأمر لم يقتصر على أن الصحافة قدحت في و ذمتني بجميع الأشكال – و هذا ما لا أبالي به مطلقا – و لكن عبر شخصي، وصف الشعب البلغاري ب "المتوحش "و " البربري "، و قد وصفت ب "الشخص البلقاني المشبوه "، ب "البلغاري المتوحش "، و لست استطيع أن ألزم الصمت إزاء هذا الأمر.

صحيح أن الفاشية البلغارية متوحشة و بربرية. لكن الطبقة العاملة و فلاحي بلغاريا، و مثقفي الشعب البلغاري ليسوا برابرة و لا متوحشين. إن مستوى الشروط المادية في البلقان هو بالتأكيد ادنى منه في سائر البلدان الأوروبية، و لكن من الخطأ، من الوجهة الثقافية و السياسية، القول أن جماهيرنا الشعبية هي على مستوى ادنى من مستوى جماهير البلدان الأوروبية الأخرى. إن شعبنا عاش طوال خمسمائة عام تحت النير الأجنبي دون أن يفقد لغته و لا قوميته، شعبا من العمال و الفلاحين ناضل و مازال يناضل ضد الفاشية البلغارية، ليس بربريا و لا متوحشا. إن البرابرة و المتوحشين في بلغاريا، هم الفاشيون وحدهم، لكنني اسالكم، يا سيدي الرئيس، في أي بلد ليس الفاشيون برابرة و لا متوحشين ؟

الرئيس ( مقاطعا ديمتروف ) الست تلمح بهذا الى الوضع في المانيا ؟

ديمتروف ( بابتسامة ساخرة ) – طبعا، لا يا سيدي الرئيس...

في العهد الذي كان فيه إمبراطور المانيا شارل كنت يقول انه لا يتحدث باللغة الألمانية إلا مع حصانه، و حين لم يكن النبلاء الألمان و الرجال المثقفون يكتبون إلا باللاتينية و كانوا يخجلون بلغتهم الأم، كان سيريل و ميتود في بلغاريا " البربرية " قد ابتكروا و نشروا الأبجدية البلغارية القديمة.

لقد ناضل الشعب البلغاري بجميع قواه و بكل صلابته ضد النير الأجنبي. لذلك فإنني احتج ضد الهجمات التي يتعرض لها الشعب البلغاري، ولست اخجل من كوني بلغاريا، بل أعتز بكوني ابنا للطبقة العاملة البلغارية.

قبل الوصول الى المسالة الأساسية، علي أن أسجل ما يلي: لقد أخذ الدكتور تايشيرت علينا اننا نحن بانفسنا وضعنا انفسنا في وضع متهمين بحريق الرايخستاغ. على هذا اجيب بان زمنا طويلا قد مر منذ 9 آذار، يوم اعتقالنا، حتى بدء المحاكمة، و خلال هذه الفترة كان يمكن جلاء جميع النقاط التي تستثير الشكوك.و اثناء التحقيق، تحدثت الى موظفين في لجنة التحقيق حول حريق الرايخستاغ، و قد أعلن لي هؤلاء الموظفون اننا، نحن البلغار، ليس لنا ضلع بالجريمة. هناك تهمة واحدة توجه الينا و هي جوازاتنا مزورة، و تحمل اسماء مستعارة، و اننا لم نسجل اسماءنا في الدوائر المختصة الخ...


الرئيس – إن ما تتحدث عنه الآن لم تجر مناقشته في المحاكمة، و بالتالي، فلا يحق لك أن تتكلم عنه هنا.

ديمتروف – سيدي الرئيس، لقد كان ينبغي خلال هذه المدة من الزمن التحقق من جميع المعطيات لدرء هذا الاتهام عنا، في الوقت المناسب. إن القرار الاتهامي ينص على أن " ديمتروف و بوبوف و تانيف يؤكدون بانهم مهاجرون بلغار. ولكن ثبت انهم كانوا يقيمون في المانيا لاغراض العمل السياسي اللاشرعي".

كما جاء في القرار الاتهامي ان "موسكو ارسلتهم الى المانيا و كلفتهم باعداد ثورة مسلحة فيها ".

كما جاء في الصفحة 83 من القرار الاتهامي: " رغم ان ديمتروف قد صرح بانه كان غائبا عن برلين بين 25 و 28 شباط، فهذا لايغير شيئا، و لا يبرئه، هو ديمتروف، من تهمة الاشتراك في حريق الرايخستاغ ".

و قد ورد، اثر ذلك في القرار المذكور، يظهر هذا بوضوح، ليس فقط من افادات هيللمر بل ثمة وقائع اخرى تشهد كذلك بان...

الرئيس – لا ينبغي لك ان تقرأ هنا قرار الاتهام بكامله، فنحن نعرفه تمام المعرفة.

ديمتروف – لابد لي من القول بان ثلاثة أرباع كل ما قاله في المحاكمة النائب العام و المحامون، يعرفه الجميع منذ زمن طويل، و مع ذلك فقد رددوه هنا ( حركة و ضحكات بالقاعة ). لقد شهد هيللمر بان ديمتروف و فان ديرلوب كانا موجودين في مطعم بايرنهوف. و بعد ذلك اقرأ في القرار الاتهامي:

اذا كان ديمتروف لم يقبض عليه في مكان الجريمة، فهذا لاينفي كونه قد اشترك في حريق الرايخستاغ.

لقد ذهب الى ميونيخ لكي يؤمن لنفسه دفعا بالغيبة (3). ان الكراريس التي عثر عليها عند ديمتروف تثبت بانه كان يشترك في الحركة الشيوعية الالمانية.

هذا هو اساس هذه التهمة المتسرعة التي تبين انها عملية اجهاض.

الرئيس – ( مقاطعا ديمتروف ) لا ينبغي لك استخدام امثال هذه التعبيرات غير اللائقة لدى الحديث عن الاتهام.

ديمتروف – ساجهد للعثور على تعابير اخرى.

الرئيس – على ان لا تكون غير مقبولة كتلك.

ديمتروف – ساعود الى طرائق الاتهام، و الى التهمة، الى وجهة نظر أخرى.

لقد حدد طابع هذه المحاكمة بهذه الموضوعة و هي ان حريق الرايخستاغ هو من عمل الحزب الشيوعي الالماني، و الاممية الشيوعية. هذا العمل المعادي للشيوعية – حريق الرايخستاغ – قد نسب الى الشيوعيين، بصفته يجب ان يكون الاشارة للانتفاضة الشيوعية، اشارة للاطاحة بالدستور الالماني الحالي.

و بواسطة هذه الموضوعة طبعت المحاكمة كلها بطابع معاد للشيوعية:

ان الاتهام يتمسك بوجهة النظر القائلة بان هذه المؤامرة الاجرامية كان ينبغي ان تخدم كدعوة،كاشارة لاعداء الدولة، الذين كانوا يريدون اثر ذلك أن يشنوا الهجوم العام ضد الدولة الالمانية لابادتها تنفيذا لامر الاممية الثالثة و اقامة ديكتاتورية البروليتاريا مكانها. أي دولة سوفياتية.

ليست هذه هي اول مرة ينسب فيها مثل هذا الادعاء الى الشيوعيين. و لا استطيع ان اذكر هنا جميع ايها السادة القضاة !

الامثلة التي من هذا النوع. و انني اذكر بالجريمة التي ارتكبها ضد السكة الحديدية هنا، في المانيا، قرب جوتيربورغ، و هي جريمة ارتكبها مغامر غير سوي، واستفزازي، في ذلك الحين، ليس فقط في المانيا، و لكن ايضا في البلدان الاخرى، جرى طوال اسابيع الترويج للاشاعة بان الجريمة هي من فعل الحزب الشيوعي الالماني، و انها عمل ارهابي قام به الشيوعيين. و قد تبين فيما بعد ان ذلك كان من عمل شخص مجنون، هو المغامر ماتوشكا. و قد اعتقل هذا و حكم عليه.

و اليكم مثالا آخر، و هو اغتيال غورغولوف لرئيس الجمهورية الفرنسية. و هنا ايضا، كتبت الصحف في جميع البلدان ان يد الشيوعيين ظاهرة في هذه الجريمة. و كان يجري تصوير غورغولوف بصفته شيوعيا، و عميلا سوفياتيا. فماذا كانت الحقيقة ؟ لقد تبين ان هذه الجريمة قد نظمها الحرس الابيض، وثبت ان غورغولوف كان استفزازيا قصد من وراء عمله قطع العلاقات بين الاتحاد السوفياتي و فرنسا.

و اريد التذكير ايضا بمحاولة نسف كاتدرائية صوفيا. هذه الجريمة لم ينظمها الحزب الشيوعي البلغاري، و مع ذلك فقد كان هذا الحزب عرضة للملاحقات. لقد قامت العصابات الفاشية بتذبيح ألفين من العمال و الفلاحين و المثقفين بصورة وحشية بحجة ان الشيوعيين قد نسفوا الكاتدرائية. هذا الاستفزاز، حيث جرى تفجير كاتدرائية صوفيا، قد نظمته الشرطة البلغارية. و منذ عام 1920، نظم بروتكين، قائد شرطة صوفيا، جرائم بواسطة القنابل، - أثناء اضرابات عمال السكك الحديدية – كوسيلة استفزازية ضد العمال البلغار.

الرئيس – هذا لا علاقة له البتة بهذه المحاكمة.

ديمتروف – لقد تحدث هنا موظف الشرطة هيللر عن الدعاية الشيوعية للحرائق، الخ. و قد سألته اذا لم يكن يعرف حالات قام فيها مقاولون باشعال حرائق لقبض قيمة التامين. ثم نسبت هذه الحرائق الى الشيوعيين. لقد كتبت ال "فويلكشير بيوباختر " في 5 تشرين الاول ان شرطة ستيتن

الرئيس – هذا المقال لم يقدم بين وثائق المحاكمة ( ديمتروف يحاول متابعة الكلام حول نفس النقطة).

الرئيس – انني امنعك من التحدث هنا عن هذا الموضوع، نظرا لان هذه الواقعة لم يرد ذكرها في المحاكمة.

ديمتروف – ان سلسلة كبيرة من الحرائق...

الرئيس ( يقاطع ديمتروف مجددا )

ديمتروف – لقد جرى الحديث عن ذلك اثناء التحقيق لان سلسلة من الحرائق قد نسبت الى الشيوعيين. و تبين اثر ذلك ان مالكي العمارات قد اشعلوا فيها النار " لتحريك عجلة العمل ". و انا اود كذلك ان اعالج، لحظة،مسالة الوثائق المزيفة. هناك عدد كبير من الوثائق المزيفة التي استخدمت ضد الطبقة العاملة.و امثلة ذلك كثيرة. و اريد ان اذكر، مثلا، برسالة زينوفييف الشهيرة. فهذه الرسالة لم يكتبها زينوفييف ابدا. بل جرى تلفيقها. و قد استخدمها المحافظون الانكليز ضد الطبقة العاملة. و اود التذكير ايضا بمجموعة من الوثائق المزيفة التي لعبت دورا في السياسة الالمانية.

الرئيس – هذا خارج عن اطار هذه المناقشات.

ديمتروف – جرى التاكيد هنا ان حريق الرايخستاغ كان القصد منه ان يستخدم كاشارة للبدء بانتفاضة مسلحة. و قد سعي لتاسيس هذا التاكيد كما يلي:

لقد اعلن غورنغ، هنا،في المحاكمة، ان الحزب الشيوعي، حين وصل هتلر الى الحكم، كان ملزما باستثارة هيجان الجماهير و القيام بعمل عنيف ما.

و قال: " لقد كان الشيوعيين مجبرين على أن يفعلوا شيئا ما – و الا فقدوا فرصتهم الى الابد ".

و قد أكد بان الحزب الشيوعي كان قد دعا منذ أعوام طوال الى النضال ضد الاشتراكية - الوطنية و انه لم يبق بالنسبة للحزب الشيوعي الألماني، حين كان الاشتراكيون – الوطنيون يستولون على الحكم، سوى شن الانتفاضة – الآن و إلا ضاعت الفرصة الى الأبد. و قد حاول المدعي العام هنا أن يصوغ نفس الموضوعة اكثر وضوحا و حذاقة.

الرئيس – لا اسمح بان تهين النائب العام.

ديمتروف – ان ما اكده غورنغ بصفته الرئيس الاتهامي الأعلى، قام النائب العام بتوسيعه هنا. لقد قال النائب العام، الدكتور ورنر:

كان الحزب الشيوعي يعاني هذا الوضع و هو إما أن يضطر للاستسلام دون خوض المعركة أو أن يقبل القتال، حتى و ان كانت الاستعدادت لذلك لم تنته بعد. كانت هي الفرصة الوحيدة الباقية للحزب الشيوعي في الشروط المعطاة. فاما ان يتخلى عن هدفه دون مقاومة، و اما تقرير القيام بعمل مجازف، و المقامرة بكل شيء، مما كان يمكن ان يغير الوضع حينئذ ما كان له ان يصبح اكثر سوءا مما لو تراجع الحزب دون ان يقاتل.

ان الموضوعة، المصاغة هنا، و المنسوبة الى الحزب الشيوعي، ليست موضوعة شيوعية.و هذا الافتراض يبين ان اعداء الحزب الشيوعي الالماني يعرفونه معرفة سيئة. ان من يريد مقاتلة خصمه بصورة جيدة، يجب ان يعرفه معرفة جيدة. ان حظر الحزب، و حل المنظمات الجماهيرية، و فقدان الشرعية، هي ضربات جدية موجهة الى الحركة الثورية، لكن هذا لا يعني بعد، اطلاقا، ان كل شيء قد ضاع بسبب ذلك.

في شباط 1933، كان الحزب مهددا بالحظر. و كانت الصحافة الشيوعية محظورة، و كان منع الحزب الشيوعي وشيكا. و كان الحزب الشيوعي الالماني يتوقع ذلك، و كان الحديث يجري عن ذلك في المنشورات، و الجرائد، و كان الحزب الشيوعي الألماني يعرف جيدا ان الاحزاب الشيوعية محظورة في العديد من البلدان، لكنها، رغم ذلك،كانت تواصل العمل و الكفاح. ان الاحزاب الشيوعية محظورة في بولونيا، و بلغاريا، و ايطاليا و في بعض البلدان الاخرى.

و اريد ان اتحدث عن ذلك، بالاستناد الى تجربة الحزب الشيوعي البلغاري. هذا الحزب قد حظر عقب انتفاضة 1923، لكنه تابع العمل، و مع ان ذلك قد كلفه العديد من الضحايا، فقد اصبح اقوى منه قبل عام 1923. ان كل شخص يتمتع بذهن انتقادي يدرك اهمية الظاهرة.

ان الحزب الشيوعي الالماني، حتى و لو كان غير شرعي، يستطيع، حين يكون الوضع ملائما، أن يحقق الثورة. و تثبت ذلك تجربة الحزب الشيوعي الروسي. لقد كان الحزب الشيوعي الروسي غير شرعي، و كان يصاب باعمال اضطهاد دامية، لكن الطبقة العاملة، على راسها الحزب الشيوعي، قد ظفرت بالسلطة. ان قادة الحزب الشيوعي الالماني ما كانوا ليفكروا على هذا النحو: عند حظر حزبهم يضيع كل شيء، و كان الخيار يطرح هكذا: اما الانتفاضة، او النهاية. لم يكن يمكن ان تكون لدى قيادة الحزب الشيوعي فكرة بلهاء الى هذا الحد. لقد كان الحزب الشيوعي يعرف، بفطنة، ان العمل اللاشرعي سيكلف تضحيات باهظة و سيتطلب نكران ذات و شجاعة، لكنه كان يعرف ايضا ان قواه الثورية سوف تتوطد و انه سيكون قادرا على تحقيق المهمات المناضلة به. لذلك من المفترض بان الحزب الشيوعي الالماني قد اراد ان يقامر بكل شيء في هذه الفترة، يجب استبعاده كليا.

و لحسن الحظ، فان نظر الشيوعيين ليس قصيرا كنظر خصومهم و هم لا يفقدون صوابهم في الشدائد.

و يحسن ان نضيف الى هذا ان الحزب الشيوعي الالماني و الأحزاب الشيوعية الاخرى هي فصائل من الاممية الشيوعية. ما هي الاممية الشيوعية ؟ انني اورد هنا مقطعا من نظامها الاساسي:

هذا هو نص الفقرة الاولى:

ان الاممية الشيوعية، الرابطة الدولية للشغيلة، هي تنظيم الاحزاب الشيوعية لمختلف البلدان في حزب شيوعي عالمي واحد. و الاممية الشيوعية، المرشدة و المنظمة لحركة البروليتاريا، الثورية العالمية، ورائدة مبادئ الشيوعية و اهدافها، تناضل لاجل كسب اكثرية الطبقة العاملة و الفئات الواسعة من الفلاحين الفقراء، في سبيل مبادئ الشيوعية و اهدافها، و لاجل اقامة الديكتاتورية العالمية للبروليتاريا، و انشاء الاتحاد العالمي للجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، و لاجل الالغاء التام للطبقات و تحقيق الاشتراكية، المرحلة الاولى للمجتمع الشيوعي.

ان الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي هو اقوى حزب، في هذه الرابطة الاممية العالمية، التي تضم ملايين الشغيلة. انه الحزب القائد للاتحاد السوفياتي، اعظم دولة في العالم. ان الاممية الشيوعية، هذا الحزب الشيوعي العالمي، تقوم بتحليل الوضع السياسي بصورة مشتركة مع قيادات الاحزاب الشيوعية لجميع البلدان.

ان الاممية الشيوعية، المسؤولة امامها بصورة مباشرة جميع الفصائل، ليست منظمة من المتآمرين، بل هي حزب عالمي. و هذا الحزب العالمي لا يلعب بالانتفاضات و بالثورة. و هذا الحزب العالمي لا يستطيع ان يقول رسميا لملايين من الاعضاء شيئا، و ان يفعل في الوقت نفسه، بصورة سرية، شيئا آخر. هذا الحزب، يا صاحبي الممتاز الدكتور ساك، لا يعرف المحاسبة ذات القيد المزدوج ( حسابات الدوبيا ).

الدكتور ساك – رائع، تابع دعايتك الشيوعية !


ديمتروف- ان هذا الحزب، حين يتوجه الى ملايين البروليتاريين، وحين يتخذ قراراته حول التكتيك و المهمات المباشرة، انما يقوم بذلك بصورة جدية، مع الوعي التام بمسؤوليته. و اورد فيما يلي قرار الاجتماع العام الثاني عشر للجنة التنفيذية للاممية الشيوعية. ونظرا لان هذه القرارات قد ورد ذكرها في المحاكمة، فان لي الحق بان اقرأ منها.

ان المهمة الاساسية للحزب الشيوعي الالماني، طبقا لهذه القرارات كانت تتلخص فيما يلي:

تعبئة ملايين الشغيلة للدفاع عن مصالحهم الحيوية، ضد نهبهم المفترس من قبل الرأسمال الاحتكاري، ضد الفاشية، و ضد المراسيم الاشتراعية، وضد النزعة القومية المتطرفة، و الشوفينية، بالنضال في سبيل الاممية البروليتارية، بتنمية الاضرابات الاقتصادية و السياسية، و التظاهرات، مع قيادة الجماهير الى الاضراب السياسي العام، كسب الجماهير الرئيسية للاشتراكية – الديمقراطية، التصفية بحزم وتصميم لنواحي ضعف الحركة النقابية. إن الشعار الرئيسي الذي ينبغي للحزب الشيوعي الالماني ان يعارض به الشعار الرئيسي للديكتاتورية الفاشية ( " الرايخ الثالث ") و كذلك شعار الحزب الاشتراكي – الديمقراطي (" الجمهورية الثانية ") يجب أن يكون: جمهورية العمال و الفلاحين، أي ألمانيا الاشتراكية، السوفياتية، التي تضمن أيضا امكان الارتباط الطوعي لشعوب النمسا و المناطق الألمانية الأخرى (2).


العمل الجماهيري، النضال الجماهيري، المقاومة الجماهيرية، الجبهة الموحدة

تلك هي أسس التكتيك الشيوعية.!بدون أية مغامرة

لقد عثر في بيتي، على نداء من اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية. و أرى أن بالإمكان الاستشهاد به أيضا.إن في هذا النداء نقطتين تتصفان بأهمية خاصة. و هكذا، يتحدث النداء عن مهمات الحزب الشيوعي في نضاله ضد الإرهاب القومي – الاشتراكي، و كذلك لأجل الدفاع عن منظمات الطبقة العاملة و صحافتها. و من جملة ما جاء في هذا القرار ما يلي:

إن العقبة الرئيسية في طريق تحقيق الجبهة لنضال العمال الشيوعيين و الاشتراكيين – الديمقراطيين كانت و ما زالت هي سياسة التعاون مع البورجوازية، هذه السياسة التي تنتهجها الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية، التي قادت حاليا و عرضت البروليتاريا العالمية لضربات العدو الطبقي. إن سياسة التعاون هذه مع البرجوازية، المعروفة باسم سياسة " أهون الشرين "، قد أدت، في الواقع، في ألمانيا إلى انتصار الرجعية الفاشية.

إن الأممية الشيوعية و الأحزاب الشيوعية لجميع البلدان قد أكدت أكثر من مرة إرادتها في النضال بصورة مشتركة مع العمال الاشتراكيين – الديمقراطيين ضد هجوم الرأسمال، و الرجعية السياسية و خطر الحرب. و قد كانت الأحزاب الشيوعية منظمة النضال المشترك للعمال الشيوعيين ضد الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية التي كانت تحطم بصورة منهجية الجبهة الموحدة للجماهير العمالية.

ففي 20 تموز من العام الماضي، بعد انهيار حكومة فون بابن الاشتراكية – الديمقراطية البروسية، وجه الحزب الشيوعي الألماني إلى الحزب الاشتراكي – الديمقراطي و إلى المنظمة المركزية لنقابات ألمانيا، الاقتراح لتنظيم إضراب مشترك ضد الفاشية.

لكن الحزب الاشتراكي – الديمقراطي و المنظمة النقابية المركزية، بموافقة مجمل الأممية الثانية، وصفت هذا الاقتراح لتنظيم الإضراب المشترك، بأنه استفزاز..

و قد جدد الحزب الشيوعي الألماني اقتراحه للعمل المشترك حين كان هتلر يصل إلى السلطة، داعيا – أي الحزب – اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي – الديمقراطي و قيادة المنظمة المركزية للنقابات الألمانية لتنظيم مقاومة الفاشية، بصورة مشتركة. لكن اقتراحه رفض هذه المرة أيضا. بل و أكثر من ذلك، فحين قام شغيلة النقليات في برلين، في تشرين الثاني من العام الماضي، بإضراب إجماعي ضد تخفيض الأجور، نسفت الاشتراكية – الديمقراطية جبهة النضال الموحدة. إن ممارسة الحركة العمالية العالمية مليئة بأمثلة مشابهة.

بيد أن نداء مكتب الأممية العمالية الاشتراكية في 19 شباط من هذا العام، يتضمن بيان الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية المنتسبة إلى هذه الأممية، و هو يؤكد إرادتها في إقامة الجبهة الموحدة مع الشيوعيين في سبيل النضال ضد الرجعية الفاشية في ألمانيا. و هذا البيان يتناقض تناقضا فاضحا مع جميع أعمال الأممية الاشتراكية و الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية حتى هذا اليوم.إن كل سياسة و نشاط الأممية الاشتراكية حتى الآن تعطي للأممية العمالية و للأحزاب الشيوعية الحق بان لا تصدق إخلاص بيان مكتب الأممية العمالية الاشتراكية، الذي أصدر هذا البيان في الحين الذي بدأت الطبقة العاملة، في مجموعة من البلدان، و في ألمانيا قبل كل شيء، تأخذ بيديها هي نفسها، تنظيم الجبهة الموحدة للنضال.

و مع ذلك، و بوجود الفاشية التي تهاجم الطبقة العاملة الألمانية، و تطلق من عقالها جميع قوى الرجعية العالمية، تدعو اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية جميع الأحزاب الشيوعية للقيام بمحاولة جديدة لبناء الديمقراطية بواسطة أحزاب اشتراكية – ديمقراطية. إن اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية تقوم بهذه المحاولة مع اقتناعها الراسخ بأن الجبهة الموحدة للطبقة العاملة ضد البورجوازية ستصد هجوم الرأسمال و الفاشية و ستعجل إلى حد كبير النهاية الحتمية، التي لا مرد لها، لكل الاستثمار الرأسمالي.

و نظرا للشروط الخاصة لكل بلد و تنوع المهمات النضالية الملموسة المطروحة أمام الطبقة العاملة في كل منها، فإن الاتفاق بين الأحزاب الشيوعية و الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية بغية القيام بأعمال و نضالات محددة ضد البورجوازية، يمكن تحقيقه بأكبر النجاح في إطار كل بلد. لذلك فإن اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية توصي الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية المنتسبة إلى الأممية الاشتراكية بالعمل المشترك ضد الفاشية وضد هجوم الرأسمال.و هذه المحادثات

يجب أن تكون قاعدتها الشروط الأولية للنضال المشترك ضد هجوم الرأسمال و الفاشية. و بدون برنامج ملموس للعمل ضد البورجوازية، فإن كل اتفاق بين الأحزاب سيكون موجها ضد مصالح الطبقة العاملة.

أمام مجمل الطبقة العاملة العالمية، تعلن اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية هذه المقترحات و تدعو جميع الأحزاب الشيوعية، و بالدرجة الأولى الحزب الشيوعي الألماني، دون انتظار نتيجة المحادثات و الاتفاقات حول النضال المشترك مع الاشتراكية – الديمقراطية، للقيام فورا بتنظيم لجان للنضال المشترك، سواء مع العمال الاشتراكيين الديمقراطيين و مع العمال ذوي النزعات الأخرى جميعها.

لقد اثبت الشيوعيون بنضالهم طوال أعوام مديدة بأنهم كانوا و سيظلون دائما في الصفوف الأولى للنضال من أجل الجبهة الموحدة لا بالكلام بل بالعمل، في الأعمال و النضالات الطبقية ضد البرجوازية.

إن اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية على اقتناع راسخ بان العمال الاشتراكيين – الديمقراطيين، و اللاحزبيين، بمعزل عن مواقف قادة الاشتراكية – الديمقراطية، يدعمون إنشاء الجبهة الموحدة، و أنهم سيتغلبون على جميع العقبات و يحققون، بصورة مشتركة مع الشيوعيين، الجبهة الموحدة لا بالكلام، بل بالفعل.

و الآن على الأخص، و قد نظمت الفاشية الألمانية بغية سحق الحركة العمالية في ألمانيا، استفزازا لم يسبق له مثيل ( حريق الرايخستاغ، وثائق مزورة خاصة بالانتفاضة، الخ ) فان على كل عامل أن يفهم واجبه الطبقي في النضال ضد هجوم الرأسمال و الرجعية الفاشية ".

إن، هذا النداء لا يقول شيئا عن نضال فوري لاستلام الحكم. و هذه المهمة لم يضعها لا الحزب الشيوعي الألماني و لا الأممية الشيوعية. و من الصحيح طبعا أن نداء الأممية الشيوعية لا يستبعد إمكانية انتفاضة مسلحة.

لقد استنتجت المحكمة من ذلك بصورة خاطئة انه منذ اللحظة التي يضع الحزب الشيوعي لنفسه بمثابة هدف انتفاضة مسلحة، فذلك يعني، إذن، أن هذه الانتفاضة قد أعدت فعليا و ينبغي أن تندلع فورا. و هذا شيء غير منطقي، و غير مضبوط، لكي لا نقول أكثر. نعم، بالطبع، إن النضال في سبيل ديكتاتورية البروليتاريا هو مهمة الأحزاب الشيوعية للعالم بأسره. و هذا هو مبدأنا، و هدفنا. لكن هذا برنامج محدد بدقة، تلزم لأجل تحقيقه ليس فقط قوى الطبقة العاملة، بل أيضا الفئات الأخرى من الشغيلة.

أما أن الحزب الشيوعي الألماني قد قال بالثورة البروليتاريا، فالجميع يعرفون ذلك. لكن هذه ليست، البتة، المسالة التي يجب حلها في هذه المحاكمة. إن المسالة هي معرفة ما إذا كانت انتفاضة مسلحة قد حددت فعليا في 27 شباط للاستيلاء على الحكم، بارتباط مع حريق الرايخستاغ.

ماذا نتج عن التحقيق القضائي، أيها السادة القضاة ؟ إن الأسطورة الهادفة لإقناع الناس بان حريق الرايخستاغ كان من عمل الشيوعيين قد انهارت كليا.و لن أورد هنا الشهادات المقدمة، على نحو ما فعل المدافعون الآخرون، بمن فيهم المحامون. لكن هذه المسالة يمكن اعتبارها موضحة بجلاء تام بالنسبة لكل رجل طبيعي الإدراك. إن حريق الرايخستاغ ليست له أية علاقة بنشاط الحزب الشيوعي، وليس فقط بانتفاضة، بل و بتظاهرة أو إضراب أو أي عمل آخر من هذا النوع. و هذا ما أثبته تماما التحقيق. و حريق الرايخستاغ – و لا أتكلم عن تأكيدات الأشرار و الشاذين – يفهمه أي إنسان بصفته إشارة للانتفاضة. و لم يسمع أحد حينئذ شيئا في هذا الصدد. و جميع الثرثرات و الأقاويل حول هذه النقطة ترتبط بفترة أقرب زمنا بكثير.لقد كانت الطبقة العاملة حينئذ في حالة دفاعية ضد هجوم الفاشية. و كان الحزب الشيوعي الألماني يجهد لتنظيم مقاومة الجماهير، و دفاعيتها.

و لكن جرى الإثبات بأن حريق الرايخستاغ قد قدم الذريعة، و كان التمهيد لحملة تدميرية مصممة على نطاق واسع ضد الطبقة العاملة و طليعتها الحزب الشيوعي. و قد أثبت بصورة لا تدحض بأن ممثلي الحكومة المسؤولين لم يفكروا حتى مجرد تفكير يومي 27 و 28 شباط بأن الانتفاضة الشيوعية كانت وشيكة.

لقد طرحت بهذا الصدد عددا من الأسئلة على الشهود الذين ورد ذكرهم في هذه المحاكمة. و قد سألت بادئ بدء هيللر، و كارواهن ( ضحك في القاعة )، و فراي، و الكونت هيلدروف و موظفي الشرطة. و رغم بعض الفروق البسيطة، فقد أجابني الجميع بأنهم لم يسمعوا بان انتفاضة شيوعية كان مقدرا أن تندلع. و هذا يعني أن الأوساط الحاكمة لم تتخذ إطلاقا أي تدبير ضد إمكانية مثل هذه الانتفاضة.

الرئيس – و مع ذلك، فقد تلقت المحكمة إفادة من رئيس الدائرة الغربية للشرطة حول هذه النقطة.

ديمتروف – إن رئيس الدائرة الغربية للشرطة قد أبلغ، في إفادته، بأن غورنغ قد استدعاه و أعطاه تعليمات شفهية بصدد مكافحة الاجتماعات الشيوعية، و الإضرابات، و التظاهرات، و الحملة الانتخابية، الخ. و لكن حتى هذه الإفادة ذاتها لا تقول أن تدابير قد اتخذت ضد الانتفاضة الشيوعية "الوشيكة ".

إن المحامي سايفرت قد تحدث أيضا عن هذا الأمر، البارحة. و قد استخلص بأنه ما من احد في الأوساط الحاكمة كان يتوقع انتفاضة في تلك اللحظة. و كان سايفرت يستشهد بغوبلز، مشيرا إلى أن هذا لم يصدق بادئ بدء نبأ حريق الرايخستاغ. فهل هذا صحيح ؟ تلك مسالة أخرى.

و في هذا الصدد، نجد برهانا آخر في المرسوم التشريعي الصادر عن الحكومة الألمانية بتاريخ 28 شباط 1933. لقد صدر هذا المرسوم بعد الحريق مباشرة. اقرؤوه، فماذا يقول ؟ لقد جاء فيه أن هذه المواد أو تلك من مواد الدستور قد ألغيت، و هي المواد الخاصة بحرية التنظيم، و حرية الصحافة، و حرمة الشخص، و حرمة المنزل، الخ. هذا هو أساس المرسوم التشريعي، و فقرته الثانية الهجوم على الطبقة العاملة..

الرئيس –ليس ضد العمال، بل ضد الشيوعيين..

ديمتروف – علي أن أقول أنه، بموجب هذا القانون لم يعتقل شيوعيون فقط، بل و عمال اشتراكيون – ديمقراطيون و مسيحيون، و قد حظرت تنظيماتهم. وأود التأكيد على أن المرسوم الاشتراعي لم يكن موجها، طبعا، قبل كل شيء، ضد هذا الحزب – بل أيضا ضد الأحزاب و الجماعات المعارضة الأخرى. و هذا القانون كان ضروريا لفرض حالة الطوارئ، و هو مرتبط ارتباطا عضويا، مباشرة بحريق الرايخستاغ.

الرئيس – إذا واصلت مهاجمة الحكومة الألمانية، فسأمنعك من الكلام.

ديمتروف – هناك مسالة لم يجر إيضاحها مطلقا، في هذه المحاكمة.

الرئيس – حين تتكلم، عليك أن تتوجه إلى القضاة، و ليس إلى الحضور في القاعة، و إلا فيمكن أن يعتبر خطابك بمثابة دعاية.

ديمتروف – هناك مسالة لم يجر إيضاحها، لا من قبل النيابة العامة، و لا من قبل الدفاع. و لست أدهش لكونهم لم يعتبروا ذلك غير ضروري. إنهم يخشون كثيرا هذه المسالة. إنها مسالة معرفة كيف كان الوضع السياسي في ألمانيا في شباط 1933. و سأتوقف عند هذه النقطة. في نهاية شباط، كان الوضع السياسي بحيث أن الصراع كان يجري داخل معسكر الجبهة الوطنية...

الرئيس – أنت تسير في طريق منعتك أكثر من مرة، من السير فيها.

ديمتروف – لابد لي من التذكير بالاقتراح الذي قدمته إلى المحكمة، و هو استدعاء شهود أمثال شلايشر، و بروننغ، و بابن، و دويستربرغ، الخ.

الرئيس – يسوؤني أن أقاطعك بلا انقطاع في بيانك الختامي، لكن عليك التقيد بأوامري الدقيقة.


ديمتروف – هذا الصراع الداخلي في المعسكر القومي استمر بارتباط مع الصراع الذي كان يجري في الكواليس بين قادة الاقتصاد الألماني. و كان الصراع مستمرا بين أوساط تيسين و كروب ( الصناعة الحربية) التي مولت طوال أعوام الحركة الاشتراكية – الوطنية، و بين مزاحميها الذين اجبروا على الرجوع إلى المرتبة الثانية.

و كان تيسين و كروب يريدان أن يقيما في البلاد ديكتاتورية سياسية، و سيطرة مطلقة، تحت قيادتهما الشخصية، و لهذا الغرض كان ينبغي سحق البروليتاريا الثورية.و كان الحزب الشيوعي يجهد، في تلك الفترة، لإنشاء الجبهة الموحدة لتجميع كافة القوى بغية مقاومة محاولات الاشتراكيين – الوطنيين لإبادة الحركة العمالية. و كان قسم من العمال الاشتراكيين – الديمقراطيين يحسون بضرورة الجبهة الموحدة للطبقة العاملة، و كانوا يدركون ذلك. و قد انضم آلاف من العمال الاشتراكيين – الديمقراطيين إلى صفوف الحزب الشيوعي. لكن المهمة القائمة في إنشاء الجبهة الموحدة لم تكن تعني إطلاقا، في شهري شباط و آذار، الانتفاضة و لا إعدادها، و لكن فقط تعبئة الطبقة العاملة ضد حملة الرأسماليين الاغتصابية و ضد عنف القوميين – الاشتراكيين.

الرئيس ( مقاطعا ديمتروف ) – لقد أكدت دائما على أنك تهتم فقط بالوضع السياسي في بلغاريا، و الحال، فان تحليلاتك التي تقوم بها الآن تثبت بأنك أظهرت اهتماما كبيرا جدا بالمسائل السياسية الألمانية.

ديمتروف – يا سيدي الرئيس، انك توجه إلي تأنيبا.و لا أستطيع أن أرد عليك إلا بما يلي: إنني بصفتي ثوريا بلغاريا، اهتم بالحركة الثورية لجميع البلدان. إنني أهتم، مثلا، بالمسائل السياسية لأمريكا الجنوبية، و اعرفها جيدة تقريبا مثل معرفتي للمسائل الألمانية، رغم أنني لم يسبق لي أبدا أن ذهبت إلى أمريكا. و على كل حال، فهذا لا يعني البتة انه إذا ما احترق مقر برلمان ما، في أمريكا الجنوبية، فسيكون ذلك من فعلي. إنني اهتم بالسياسة الألمانية، لكنني لا أتدخل في شؤون ألمانيا السياسية.

أثناء هذه المناقشات، تعلمت أشياء كثيرة، و بفضل حسي السياسي، رأيت بوضوح كثيرا من التفاصيل.

لقد كان الوضع السياسي لهذه الفترة يتضمن عاملين أساسيين: الأول، هو جهد الاشتراكيين – الوطنيين للوصول إلى الحكم، و العامل الثاني – يتعارض مع الأول – هو نشاط الحزب الشيوعي الهادف لإنشاء جبهة العمال الموحدة ضد الفاشية. و في رأيي أن هذا قد تبين كذلك أثناء هذه المناقشات.

لقد كان الاشتراكيون – الوطنيون، بحاجة لمناورة الهائية، لتحويل الانتباه عن الصعوبات التي كانت قائمة داخل المعسكر الوطني و لتحطيم جبهة العمال الموحدة.و كانت الحكومة الوطنية بحاجة لحجة صالحة لإصدار مرسومها الاشتراكي بتاريخ 28 شباط، الذي ألغى حرية الصحافة، و حرمة الشخص، و دشن نظاما للقمع البوليسي، و معسكرات الاعتقال، و غيرها من التدابير لمكافحة الشيوعيين.

الرئيس- ها أنت وصلت إلى الحد الأقصى، تقوم بالغمز و اللمز.

ديمتروف – أريد فقط أن أوضح الوضع السياسي في ألمانيا عشية حريق الرايخستاغ، حسب فهمي لهذا الوضع.

الرئيس – لا مجال هنا للغمزات الموجهة ضد الحكومة، و لا لتأكيدات دحضت منذ زمن طويل.

ديمتروف – لقد كان على الطبقة أن تدافع عن نفسها بجميع قواها ـ و لأجل هذا حاول الحزب الشيوعي تنظيم الجبهة الموحدة، بالرغم من مقاومة ويلز و برايتشايد اللذين يطلقان الآن، في الخارج، صيحات هستيرية.

الرئيس – عليك أن تنتقل إلى دفاعك، إذا كنت تريد ذلك، و إلا فلن يبقى لك وقت كاف للقيام بذلك.

ديمتروف – لقد سبق لي أن أعلنت بأنني متفق حول نقطة واحدة مع القرار الاتهامي. و علي الآن أن أكد هذا الاتفاق. و هي النقطة المتعلقة بمسالة معرفة ما إذا فان دير لوبه قد نظم الحريق وحده أو انه كان لديه شركاء.

لقد أعلن ممثل الاتهام هنا، باريزيوس بان الإجابة على السؤال لمعرفة ما إذا كان لدى فان دير لوبه شركاء أم لا، إنما تتوقف على المتهمين ( بفتح الهاء ). و أجيب على هذا: كلا، و ألف كلا. إن هذا الاستنتاج من قبل النائب العام هو غير منطقي. و في رأيي أن فان دير لوبه لم يكن فعلا وحده في إحراق الرايخستاغ. إن تقارير الخبراء و المعطيات التي برزت من هذه المناقشات تحملني على الاستنتاج بان الحريق في قاعة اجتماعات الرايخستاغ كان من نمط يختلف عن نمط الحريق الذي أشعل في مطعم الطابق الأرضي، الخ. إن النار التي أشعلت في قاعة الاجتماعات قد قام بها أشخاص آخرون، و بطريقة أخرى. إن الحريق الذي أوقده فان دير لوبه و الحريق في قاعة الاجتماعات متطابقة زمنيا فقط، و بالنسبة لسائر الأمور، فهما مختلفان اختلافا جذريا. و الشيء الأكثر احتمالا، هو أن فان دير لوبه كان أداة هؤلاء الأشخاص، اللاواعية، الأداة التي جرى استغلالها، انه لا يقول كل الحقيقة هنا. و هو ما زال حتى الآن مصرا على الصمت. و رغم انه كان هناك شركاء في الجريمة، فهذا الواقع لا يقرر مصير المتهمين الآخرين. إن فان دير لوبه لم يكن وحده، هذا صحيح، لكن الذين كانوا معه ليسوا هم توغلر، و لا بوبوف، و لا تانيف، و لا ديمتروف.

أفلا يحتمل أن فان دير لوبه قد التقى في هوينغسدورف بشخص أقنعه بمشاركته في محاولاته لإحراق دار البلدية و القصر ؟ و أن هذا الشخص قد قال له بأن جميع هذه الحرائق ليست سوى ألعب أطفال، أن العمل الجدي، سيكون إحراق الرايخستاغ أثناء الانتخابات ؟ و أليس محتملا أن يكون حريق الرايخستاغ قد انبثق من الاتحاد السري بين الجنون السياسي و الاستفزاز السياسي ؟ إن حليف جانب الجنون السياسي هو على مقاعد المتهمين.

أما حلفاء جانب الاستفزاز السياسي فإنهم مطلقو السراح. و في حين كان دير لوبه الساذج يقوم بمحاولاته غير البارعة لإشعال النار في المطعم، و في الرواق و في الطابق الأسفل، ألم يكن مجهولون يستخدمون ذلك السائل المحرق السري الذي تحدث عنه الدكتور ساك،يرتكبون الحريق في قاعة الاجتماعات ؟ ( أخذ فان دير لوبه يضحك. كان جسمه كله يهتز بضحك صامت. و في هذه اللحظة تركزت أنظار القاعة كلها، و القضاة و المتهمين، على لوبه ).

ديمتروف ( مشيرا إلى لوبه )

إن الشركاء المجهولين في الجريمة قد سهروا على جميع الاستعدادات للحريق. و هذا المفيوستوفيليس (الشيطان) قد استطاع الاختباء دون أن يترك أثرا. و ها نحن نرى هنا الأداة الحمقاء، فوست المسكين، ضحية الجريمة و أداتها الضعيفة، في حين أن " الشيطان " قد اختفى. و الأمر الأكثر احتمالا، هو أن جسرا قد مد، في هوينغسدورف بين فان دير لوبه و ممثلي الاستفزاز السياسي، عملاء أعداء الطبقة العاملة.

لقد أعلن النائب العام ورنر هنا بان فان دير لوبه هو شيوعي، و قال اثر ذلك انه حتى و لو لم يكن شيوعيا، فقد قام بعمله لمصلحة الحزب الشيوعي و بارتباط مع هذا الحزب. و هذا تأكيد خاطئ.

من هو فان دير لوبه ؟ هل هو شيوعي ؟ كلا، إطلاقا، هل هو فوضوي ؟ كلا. انه عامل خارج على طبقته، انه شخص حطمه البؤس، فأصبح متمردا على المجتمع، و مخلوق خدع و استخدم ضد الطبقة العالمة. كلا، انه ليس شيوعيا. و هو ليس فوضويا. فما من شيوعي واحد في العالم، و ما من فوضوي يمكن أن يتصرف أمام المحكمة كما فعل فان دير لوبه. إن الفوضويين كثيرا ما يرتكبون أعمالا طائشة، لكنهم دائما أمام القضاة يتحملون مسؤولياتهم و يشرحون أهدافهم. و لو كان شيوعي قد فعل شيئا مماثلا، فما كان له أن يصمت أمام المحكمة، في حين يجلس إلى جانبه على مقعد الاتهام أربعة أشخاص أبرياء. كلا، إن فان دير لوبه، ليس شيوعيا، و لا فوضويا ن بل إنه أداة استخدمتها الفاشية.

مع هذا الشخص، مع هذه الأداة البائسة التي جرى استعمالها للإضرار بالشيوعية، لا يمكن أن يكون ثمة أي شيء مشترك، لا يمكن أن يكون ثمة آية علاقة بينه و بين رئيس الكتلة الشيوعية في الرايخستاغ، و لا بينه و بين الشيوعيين البلغار.

و ينبغي لي أن أذكر هنا بأن غورنغ قد اصدر بلاغا حول الحريق، في صباح 28 شباط، و قد أعلن هذا البلاغ أن تورغلر و كوينن قد فرا من مبنى الرايخستاغ في الساعة العاشرة مساء. و هذا النبأ أذيع بواسطة الراديو في جميع أنحاء البلاد. و قد قال البلاغ أن الشيوعيين هم الذين أشعلوا النار. و مع ذلك، فان لم يجر تحقيق حول تصرفات فان دير لوبه في هوينغسدورف. إن الشخص الذي قضى الليل مع فان دير لوبه في مركز الشرطة لم يعثر عليه...

الرئيس – ( مقاطعا ديمتروف ) متى تنوي إنهاء خطاباتك ؟

ديمتروف – سأتكلم أيضا لمدة نصف ساعة. علي أن أعرض نظرتي إلى هذه المسألة.

الرئيس –ليس بالإمكان على كل حال التكلم بلا نهاية.

ديمتروف – طوال الأشهر الثلاثة التي استغرقتها المحاكمة، أجبرتني، يا سيدي الرئيس، على الصمت، مرارا لا تحصى، واعدا إياي بأنني سوف أتمكن من أن أتكلم بالتفصيل لدى نهاية المحاكمة. و هذه النهاية للمحاكمة قد حلت. لكنك، خلافا لوعدك، تحد مجددا من حقي في الكلام. إن مسالة معرفة ما حدث في هوينغسدورف هي مهمة إلى أقصى حد. إن واشنسكي الذي قضى الليل مع فان دير لوبه، لم يعثر عليه. و قد اعتبر اقتراحي للبحث عنه بلا جدوى. إن التأكيد بأن فان دير لوبه قد التقى في هوينغسدورف بشيوعيين هو أكذوبة لفقها الشاهد الاشتراكي – الوطني، الحلاق غراف. فلو أن فان دير لوبه التقى في هوينغسدورف مع شيوعيين، لكان الأمر قد أوضح منذ زمن طويل، سيدي الرئيس. و لكن ما من أحد اهتم بالعثور على واشنسكي.

Brand bourg إن الشاب الذي حضر إلى مفوضية الشرفة لبوابة

للإبلاغ بأول نبأ عن حريق الرايخستاغ لم يتم البحث عنه، و هو ما زال حتى الآن مجهولا. و قد ضل التحقيق السبيل. إن الدكتور ألبريخت، النائب الاشتراكي الوطني، الذي كان قد غادر الرايخستاغ فورا بعد الحريق، لم يتم استجوابه. و لم يجر البحث عن فاعلي الحريق حيث هم موجودون، بل حيث لا يوجدون. كان يجري البحث عنهم بين صفوف الحزب الشيوعي، و كان ذلك خطأ.

و قد أتاح ذلك لفاعلي الحريق الحقيقيين بأن يتواروا عن الأنظار. لذلك فقد تقرر ما يلي: أنه نظرا لأنه لم يقبض، و لم تكن هناك الجرأة لقبض على آخرين، على محرقين – بدائل " إذا صح التعبير، للرايخستاغ ".

الرئيس – إنني أمنعك من أن تقول هذا، أعطيك أيضا عشر دقائق.

ديمتروف – إن لي الحق بان أقدم و ابرر قضايا تتعلق بقرار الاتهام. لقد عالج النائب العام جميع إفادات الشيوعيين بصفتها غير جديرة بالتصديق. و لن أتخذ موقفا معاكسا. لن أؤكد، مثلا، أن جميع الشهود الاشتراكيين – الوطنيين هم كاذبون. إنني اعتقد بان بين ملايين الاشتراكيين- الوطنيين يوجد أيضا أشخاص شرفاء.

الرئيس – إنني أمنعك من الإدلاء بهذه الملاحظات السيئة النية..

ديمتروف – أليس من الأمور ذات الدلالة أن جميع شهود الاتهام الرئيسيين هم نواب اشتراكيون – وطنيون، و صحفيون و أنصار للاشتراكية – الوطنية ؟ أفلم يقل النائب الاشتراكي – الوطني كارواهن بأنه شاهد تورغلر برفقة فان دير لوبه في الرايخستاغ ؟ إن النائب الاشتراكي – الوطني فراي قد صرح بأنه شاهد بوبوف مع تورغلر في الرايخستاغ. و هيللمر، نادل المطعم الاشتراكي – الوطني قد شهد بأنه رأى فان دير لوبه مع ديمتروف. كما أن الصحفي الاشتراكي – الوطني ويبرستيدت زعم أنه شاهد تانيف مع فان دير لوبه. فهل هذا من قبيل المصادفة ؟

إن الدكتور دروشر الذي تكلم هنا بصفته شاهدا و الذي هو في الوقت ذاته محررا في صحيفة فويلكشير بيوباختر، و زيمرمان

الرئيس ( مقاطعا ديمتروف)

هذا لم يتم إثباته.

ديمتروف – قد أكد أن ديمتروف هو منظم الانفجار في كاتدرائية صوفيا، و هذا ما جرى تكذيبه، كما قال أنه رآني في الرايخستاغ مع تورغلر. إنني أعلن، بيقين تبلغ درجته مئة بالمئة، أن دروشر و زيمرمان، ليسا سوى شخص واحد أحد...

الرئيس – أنا أنفي ذلك، إذا لم يقم عليه دليل أو إثبات.

ديمتروف – إن موظف الشرطة هيللر قد أورد هنا قصيدة شيوعية قبض عليها في كتاب صدر عام 1925، لكي يثبت أن الشيوعيين هم الذين أحرقوا الرايخستاغ عام 1933.

و سأسمح لنفسي كذلك بان أورد أبياتا لأكبر شاعر ألماني، غوته:
تعلم أن تكون أكثر ذكاء
إن إبرة ميزان السعادة الكبير
نادرا ما تظل هادئة:
عليك إما أن ترتفع
أو أن تهبط.
عليك أن تسيطر و تربح
أو أن تخدم و تخسر.
أن تتألم أو تنتصر
أن تكون السندان أو المطرقة

اجل، إن أيا كان، لا يريد أن يكون السندان،يجب إن يكون المطرقة، إن الطبقة العاملة الألمانية، في مجملها، لم تفهم هذه الحقيقة لا في عام 1918، ولا في 1923، و لا في 20تموز 1932، و لا في كانون الثاني 1933. و جريرة ذلك تقع على عاتق القادة الاشتراكيين – الديمقراطيين، على عاتق أمثال ويلس، و سيفيرنغ و براون، و لايبارت، و غراسيمان.

!طبعا إن العمال الألمان سيتمكنون من فهم المسألة

لقد جرى الحديث كثيرا هنا عن القانون الألماني و الشرعية، و لابد لي من إبداء رأيي أيضا في هذا الصدد. إن حكم محكمة ما، يتأثر دائما، بلا جدال، بالتراكيب السياسية للساعة الحاضرة، و بالاتجاهات السياسية السائدة.

إن وزير العدل كيرل هو، دون أي شك، بالنسبة للمحكمة، سلطة صالحة. و قد عبر عن رأيه في مقابلة نشرتها الصحف.

لقد صرح قائلا: إن الوقاية التي يتخذها القانون الليبرالي الصريح، تقوم في التأكيد بأنه يجب أن يكون لدى العدالة تقديس للموضوعية، و قد توصلنا الآن إلى مصدر الابتعاد بين الشعب و العدالة و الذنب في هذا الابتعاد يقع دائما في خاتمة المطاف على العدالة.

و ماذا تكون العدالة حين يقاتل الشعب من أجل وجوده ؟ و هل أن الجندي المقاتل، و الجيش المقاتل، يعرفان الموضوعية ؟ إن الجندي و الجيش لا يعرفان سوى سؤال واحد: ما العمل لإنقاذ الحرية و الشرف ؟ و كيف ننقذ الوطن ؟

و هكذا، فمن البديهي أن عدالة شعب يكافح في نضال مستميت، لا يمكن أن تكون لديها عبادة موضوعية ميتة، إن تصرفات المحكمة، والنيابة العامة، و المحامين، يجب أن يمليها فقط هذا الاعتبار، وهو: ما المهم بالنسبة لحياة الأمة ؟ و ما الذي سينقذ الشعب ؟

ليس هو الموضوعية اللافقارية التي تعني الركود. و على هذا الأساس ذاته، التحجر، الابتعاد إزاء الشعب، كلا، بل إن جميع الأعمال، و جميع التدابير المتخذة من قبل الجماعة في مجملها، و من قبل كل فرد يجب أن تكون خاضعة للحاجات المباشرة للشعب، للأمة.

و هكذا، فإن القانون هو مفهوم نسبي...

الرئيس – لا علاقة لهذا بالموضوع، عليك أن تقدم اقتراحاتك.

ديمتروف – لقد اقترح النائب العام تبرئة الاظناء البلغار، لعدم توفر الأدلة المدنية.

اقترح النائب العام تبرئة ساحة البلغار المتهمين، لعدم توفير الأدلة. لكن هذا لا يمكن أن يرضيني البتة. فالمسالة ليست بسيطة إلى هذا الحد.

إن هذا لن يبعد الشكوك كليا. فخلال المحاكمة، اثبت بصورة قاطعة بأنه لا علاقة لنا بحريق الرايخستاغ و انه، بالتالي، لا يوجد أي أساس لتبرير-شكوك ضدنا.إننا، نحن، البلغار، و كذلك تورغلر، يجب أن تبرأ ساحتنا لا لعدم وجود أدلة، بل، لأننا، نحن الشيوعيين، لا علاقة لنا، و ما كان يمكن أن تكون لنا علاقة بعمل مناهض للشيوعية.

إنني اقترح، إذن، إصدار الحكم التالي:

1 – تقر المحكمة العليا ببراءتنا في القضية، و أن الاتهام ليس مبررا: و هذا صحيح بالنسبة لنا، بالنسبة لي، و تورغلر، و بوبوف، و تانين.

2- الإعلان بان فان دير لوبه كان أداة استخدمت ضد مصلحة الطبقة العاملة و للإضرار بها.

3 –التعويض علينا على حساب هؤلاء المذنبين، عن الوقت المضاع، و الصحة المصابة، و الآلام المتحملة.

الرئيس – إن ما تسميه اقتراحاتك، ستأخذها المحكمة بعين الاعتبار أثناء المداولات حول الحكم الواجب اتخاذه.

ديمتروف – سيأتي الوقت الذي ستسدد فيه هذه الحسابات مع الفوائد. إن الضوء الكامل على مسالة حريق الرايخستاغ و فاعلي الحريق الحقيقيين، إنما سوف تتكفل به، طبعا، محكمة الشعب لدى ديكتاتورية البروليتاريا، المقبلة.

في القرن السابع عشر، مثل مؤسس الفيزياء العلمي غاليلر غاليليه أمام محكمة التفتيش القاسية، التي كان عليها أن تحكم بيقين عميق و تصميم:

" و هذا المبدأ العلمي قد أصبح فيما بعد !" و مع ذلك فالأرض تدور

تراث البشرية بأسرها.

( الرئيس يقاطع ديمتروف بفجاجة، ينهض، و يجمع أوراقه، ويتأهب للخروج ).

ديمتروف ( مكملا) – إننا، نحن الشيوعيين، نستطيع أن ننادي اليوم بتصميم لا يقل عن تصميم غاليليه الشيخ:

" إن عجلة التاريخ تدور، و تتقدم نحو أوروبا ! "و مع ذلك فهي تدور

سوفياتية، نحو الاتحاد العالمي للجمهوريات السوفياتية.

و هذه العجلة، التي تدفعها البروليتاريا تحت قيادة الأممية الشيوعية، لن يمكن وقفها لا بتدابير الإبادة، و لا بالأحكام بالأشغال الشاقة، و لا بعمليات الإعدام، إنها تدور و ستظل تدور حتى الانتصار النهائي للشيوعية.

( رجال الشرطة يمسكون بديمتروف و يجبرونه على الجلوس على مقعد الاتهام ).

الرئيس و هيئة المحكمة يبتعدون للمداولة في مسالة معرفة ما إذا كان يستطيع ديمتروف أن يتابع خطابه.

و بعد المداولة، تعود هيئة المحكمة و تعلن أن ديمتروف قد حرم نهائيا من حق الكلام !

ـــــــــ

(1) كانون الأول 1933.

لن تنسى البشرية مأثرة جيورجي ديمتروف البطولية في محاكمة حرق الرايخستاغ . ففي هذه المسرحية الملفقة التي دبرتها النازية ضد الحزب الشيوعي الألماني والكومنترن ، سدد ديمتروف اول ضربة قاصمة للفاشية وازاح القناع عن الوجه القبيح لطبيعتها المعادية للوطنية والإنسانية .

في ليلة 27 شباط ( فبراير ) 1933 كان ديمتروف في طريقه بالقطار من ميونخ الى برلين ، وفي صحف الصباح قرأ عن الحريق الذي شبّ في مبنى الرايخستاغ . وقد إمتلأت الصحف بعناوين بارزة تزعم أن الحريق قد ارتكب من قبل الحزب الشيوعي الألماني . ولقد كان واضحا لديمتروف بأن النازيون هم الذين دبّروا هذه المؤامرة عشية الأنتخابات البرلمانية التي كان من المؤمل أن تجرى في الخامس من آذار ( مارس ) 1933 بغية الفوز بالأكثرية المستقلة في هذه الأنتخابات . وقد ادرك النازيون بأنهم بدون ضرب القوى المعادية للفاشية وبدون سحق الحزب الشيوعي الذي يشكل الجزء الأهم في هذه القوى ، سوف لن يستطيعوا بلوغ اهدافهم . وتنفيذا لهذا المخطط الدنيء تقوم السلطات النازية في المانيا بإلقاء القبض على جيورجي ديمتروف وإعتقاله اثناء وجوده في برلين ملفقة ضده تهمة حرق الرايخستاغ .

لقد حرص فاشيو المانيا الهتلرية على أن يحولوا محاكمة جيورجي ديمتروف عبر فبركة الوقائع وتلفيق الأدلة الى وسيلة لتجريمه ومن ثم تصفية الحساب الشخصي معه من جهة ، ولإدانة الحركة الشيوعية والعمالية العالمية وإلصاق تهمة الإرهاب الدولي بها ليتسنى لهم إستباحتها فيما بعد من جهة ثانية .إنهم لايتورعون حتى عن وضع سيناريو مسبق لمحاكمة لايبزغ سيئة الصيت والتي يبدأونها في الحادي والعشرين من سبتمبر عام 1933 هادفين من وراء ذلك حبك خيوط مؤامراتهم الدنيئة بصورة افضل ، إلا أن ديمتروف أطاح بكل حساباتهم ومخططاتهم السوداء.وقاوم ديمتروف هذه المحاولة الدنيئة الرامية الى النيل من شرفه كشيوعي وثوري وذلك بتلفيق اكذوبة حرق الرايخستاغ .

وفي سجن موابيت إنكب ديمتروف على دراسة القانون والتاريخ الألماني والمراحل المختلفة لتاريخ العالم وطبيعة الحروب ، معمقا بذلك معارفه الفلسفية ومحسنا لغته الألمانية .فكان يقرأ بشغف افضل مصنفات الأدب الألماني والعالمي . فقرأ لغوتة وشكسبير وبايرن ودانتي وشيلر وآخرين بالإضافة الى مؤلفات سوفوكليس وهوميروس . ففي الوقت الذي اشعل النازيون النار في كتب المفكرين العالميين ، بحث سجينهم عن الإلهام في الكتب نفسها . فقد كان يجد راحة كبيرة في قراة قصائد غوتة التي تدعو الى الصلابة والشجاعة والأفكار النبيلة ،" تفقد المال تفقد قليلأ ، تفقد الشرف تفقد كثيرأ ، تفقد الشجاعة تفقد كل شيء "

كان جيورجي ديمتروف يدرك أن امامه نضالأ شاقا .فهو لم يهيء نفسه للمحاكمة كفرد قادر على إثبات براءته ، بل اعدّ نفسه كشيوعي ومناضل بروليتاري لابد له أن يستفيد من المنبر الذي توفره له المحكمة كي يدافع عن قضية الحزب الشيوعي وشرفه الثوري . وبذل ديمتروف واصدقاءه جهودهم للفوز بمحام مناسب للدفاع عنه ، وكان هناك الكثير من المحامين البارزين من بلغاريا ، المانيا ، فرنسا وامريكا على إستعداد للمرافعة امام المحكمة للدفاع عن ديمتروف ، غير أن المحكمة النازية رفضت ذلك وعينت محاميا المانيا ليتولى الدفاع عن البلغار الثلاثة . وكان واضحا لديمتروف انه لايمكن الركون الى شخص عينته المحكمة ليتولى الدفاع عنه ، فاختط لنفسه نهج الدفاع السياسي المستقل وأجهد نفسه ليمثل امام المحكمة كمتهم وكذلك كمحامي دفاع .إن الخطة التي اعتمدها في الدفاع لم تهدف الى تبرئة ذمته بقدر ما كانت تهدف الى تعرية السياسة والممارسات النازية والدفاع عن الحزب الشيوعي وصرّح قائلا :" إن المجانين واعداء الشيوعية فقط بمقدورهم حرق الرايخستاغ ." و وجد نضال ديمتروف في المحكمة النازية رد فعل عظيم بين الشغيلة والمثقفين في جميع انحاء العالم .

وفي السادس عشر من كانون الأول ( ديسمبر )1933 ادلى ديمتروف بتصريح سياسي حاد قائلأ :" أنا ادافع عن نفسي كشيوعي متهم وانا ادافع عن شرفي الشيوعي الثوري ، ادافع عن افكاري ومبادئي الشيوعية ، ادافع عن معنى وجوهر حياتي .لذا فإن كل كلمة قلتها امام المحكمة ، هي قطرة من دمي وقطعة من لحمي ، وكل كلمة تفوهت بها تعبرعن سخطي العميق على الإتهام الباطل وعلى تلفيق جريمة معادية للشيوعية كهذه وتنسب الى الشيوعيين ."

وفي 23 كانون الأول ( ديسمبر )1933 تنتهي محاكمة حرق الرايخستاغ التي تمّ التخطيط لها كحملة معادية للشيوعية . ففي هذه المحاكمة فضح ديمتروف الفاشية امام العالم، ليس كعدوة للطبقة العاملة ، بل كعدوة لجميع الفئات الأجتماعية في المجتمع . واكدّ على ضرورة توحيد القوى الديمقراطية في جبهة موحدة واسعة للنضال ضد الفاشية. إن الأستنتاجات التي توصل اليها ديمتروف في نضاله غير المتكافئ مع النازية دوّت بقوة في كل انحاء العالم ولم تضعف حتى هذا اليوم .(بلقيس الربيعي)

(2) موضوعات، وقرارات و احكام الجمعية العامة الثانية عشرة للجنة التنفيذية للاممية الشيوعية مكتب المنشورات. باريس 1933، ص 15 ( ملاحظة من هيئة تحرير الطبعة الفرنسية ).

(3) دفع بالغيبة: ادعاء المتهم انه كان في مكان آخر عند وقوع الجريمة. ( ملاحظة من المترجم ).