المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التجربة الماليزية في التنمية الإنسانية



د/سالي جمعة
06-05-2011, 01:54 AM
التجربة الماليزية في التنمية الإنسانية

؛ أضواء و دروس أبريل 2008
*
جامعة عين شمس مركز الدراسات المعرفية
كلية الآداب بالقاهرة
قسم الاجتماع



التحديث و التغير في مجتمعاتنا؛ تقييم للتجارب و استكشاف للآفاق


التجربة الماليزية في التنمية الإنسانية؛ أضواء و دروس


دكتور/ علي عبد الرازق جلبي

أستاذ علم الاجتماع – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية





أبريل 2008
مقدمة

تمثل ماليزيا واحدة من التجارب الناجحة في مجال تصميم، و إنجاز، و تنسيق السياسات الاجتماعية بين الدول النامية، و قد حققت تقدما ملحوظا في ميدان التنمية الاجتماعية و الاقتصادية. والهدف الأولي من متابعة هذه التجربة، هو البحث عن إطار توجيهي و استرشادي منها، ليس بقصد إعادة تطبيقها كما حدثت بالضبط؛ و إنما بهدف التعرف على المواقف الاقتصادية، و المؤسسية، والسياسية المختلفة التي تعوق إمكانية عدم تطبيقها، و ذلك في إطار المفهوم الحديث للسياسة الاجتماعية كما تبلور أخيرا في تراث دراسات التنمية، و كذلك التعرف على المناهج و الآليات المستخدمة في التصميم و الإنجاز و التنسيق، و كذلك تقويم السياسات التي اتبعتها ماليزيا، و فهم المتغيرات الحاكمة في هذا الصدد، و التوصية بالمقترحات المحددة التي قد تساعد في صياغة رؤية اجتماعية شاملة ربما تبنتها مجموعة البلدان العربية و الإسلامية لتحديث تجاربها التنموية، أو تعزيز و دعم هذه التجارب

و ربما كان من المنطقي في البداية أن نتوقف أمام حالة ماليزيا بالتعريف، و تأكيد أهمية دراسة تجربتها التنموية، و توضيح الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من وراء هذه الدراسة. و تقع ماليزيا في جنوب شرق آسيا قرب خط الاستواء، و تبلغ مساحتها 329.757 كيلو مترا مربعا، و تتكون من شبه جزيرة ماليزيا ( ماليزيا الغربية )، و صباح، و سراواك، و ولاية لابوان الفيدرالية ( ماليزيا الشرقية )، و تدخل في أرخبيل الملايو؛ و هي مجموعة جزر متقاربة، و تمثل أكبر أرخبيل في العالم، بينها جزر أندونيسيا، و الملايو، و الفلبين، و سنغافورة، و بروناي. و قد بلغ عدد سكان ماليزيا أخيرا 22 مليون نسمة، ينقسمون إلى مجموعات عرقية رئيسة لكل منها دينها، و لغتها، وحضارتها، و تمثل أكثر الشعوب تعددية في العالم؛ أهمها شعب الملايو، و هو أكبر و أهم هذه المجموعات - 57 % في ماليزيا الغربية، و 55 % في ماليزيا الشرقية - لأنه يتمتع بمكانة متميزة بين باقي الأعراق؛ حيث ينص دستور البلاد على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، و اللغة الملايوية هي اللغة الرسمية للبلاد، يليهم الصينيون و نسبتهم 28 % في ماليزيا الغربية، و 23 % في ماليزيا الشرقية، و هم يسيطرون على معظم الاقتصاد خاصة التجارة و السياحة، و تنتشر بينهم البوذية، و بعضهم اعتنق النصرانية، ثم الهنود و نسبتهم 10 % في ماليزيا الغربية، و 1 % في ماليزيا الشرقية، و يعملون في الزراعة، و الصناعة، و مزارع المطاط. و بلغ معدل الكثافة السكانية 59.1 في كل كيلو متر مربع، و معدل نمو السكان 3.2 % سنويا. و تتألف ماليزيا من 13 ولاية، بالإضافة إلى العاصمة الاتحادية كوالالمبور ( 1

و تتضح أهمية دراسة التجربة الماليزية في التنمية، أولا في أن ماليزيا تعتبر بمثابة نموذجا أكثر صلاحية للاستفادة من تجربتها في البلدان العربية و الإسلامية، و التعرف على ما تنطوي عليه من آليات و محركات للنهضة. و هي تجربة أثبتت تميزها بين مجموعة البلدان المصنعة حديثا أو النمور الآسيوية في جنوب شرق آسيا، و هو الأمر الذي تم الاعتراف به على المستويين الإقليمي و العالمي؛ بفضل الدور الذي قامت به دولة ماليزيا في مجال تخطيط و تنفيذ عملية التنمية؛ بهدف التصدي لمشكلاتها العرقية و الاجتماعية دون تفريط في قيمها الثقافية و الاجتماعية الخاصة، و قدمت نموذجا تنمويا فريدا يجمع بين أصالة التراث الماليزي، و حداثة التكنولوجيا المعاصرة.

و بناء عليه، تسعى الورقة الحالية إلى تسليط الضوء على الأبعاد المختلفة للسياسة الاجتماعية في ماليزيا و تحليلها في سياق التنمية، بالتركيز على السمات العامة لها، و تطورها، و تشكيلها، وصياغتها، و معرفة الإطار المؤسسي لها، و تكاملها مع الخطط الاقتصادية و القومية للتنمية والتنسيق بين عناصرها. و كذلك، التعرف على مستويات التنمية البشرية في ماليزيا و تحليل مؤشراتها في ضوء أهداف الألفية الثالثة، بالتركيز على إنجازاتها في تنمية الموارد البشرية؛ وخاصة في مجالات الصحة، و التعليم، و تحقيق هدف التشغيل الكامل، و الأمن الاجتماعي، والقضاء على الفقر، ثم محاولة استخلاص الدروس المستفادة من تحليل واقع التجربة الماليزية، سواء أكانت دروسا تعكس نجاحا حقيقيا لهذه التجربة، أو الكشف عن عناصر القوة و أهم المتغيرات التي حكمت التجربة الماليزية في التنمية و النهضة.

و لذلك، تم تقسيم الورقة إلى العناصر التالية، أولا: التجربة الماليزية في التراث و الدراسات السابقة؛ الأهمية و الأهداف، و ثانيا: السياسة الاجتماعية و سياق التنمية في ماليزيا، و ثالثا: مستويات التنمية البشرية في ماليزيا و أهداف الألفية الثالثة، و أخيرا، الدروس المستفادة من التجربة الماليزية في التنمية

أولا: التجربة الماليزية في التراث و الدراسات السابقة؛ الأهمية و الأهداف

تمتد التجربة الماليزية في التاريخ إلى أكثر من نصف قرن، بدأت منذ استقلالها عام 1957 واستمرت تنمو و تحقق طفرات واسعة و حتى الآن، على نحو استوقف الباحثين و المهتمين بتجارب التنمية في العالم. و كانت المحصلة تراثا ضخما و ثريا من الدراسات السابقة، كتب أغلبه باللغة الإنجليزية، و بعضه باللغة العربية؛ الأمر الذي قد يمثل صعوبة أمام أية محاولة للإحاطة بهذا التراث الهائل، أو حتى الإقدام على إضافة بعض الجديد في هذا الإطار. و لتجاوز هذه الصعوبة، كان من الضروري أن نختار من هذا التراث بعضه الذي قد يسهم في إلقاء الضوء على موضوع الدراسة الحالي ( التجربة الماليزية في التنمية الإنسانية: أضواء و دروس )، و نرصد بعض الثغرات والملاحظات، و التي ربما كان في معالجتها بعض الإضافة إلى هذا التراث ( 2).

ففي عام 2000 نشرت دراسة عن ( العرب و التجربة الآسيوية: الدروس المستفادة ) في محاولة لإجراء تقويم موضوعي لخبرة البلدان الآسيوية الناهضة في مجال التنمية و التطوير الاقتصادي والثقافي؛ و ذلك بهدف استخلاص الدروس لإنارة الطريق أمام راسمي السياسة في الأقطار العربية في مجال التنمية و النهوض الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي. و ركزت الدراسة على خمسة بلدان رئيسة هي ( سنغافورة، و ماليزيا، و كوريا الجنوبية، و تايلاند، و الصين )، و التي تمثل كلا منها تجربة متميزة في مجال التنمية المعجلة و النهضة الاقتصادية؛ بهدف الإجابة على سؤال أين يكمن الخط الجامع بينها؟ و كيف تقدمت بلدان آسيا و تخلفت الأقطار العربية. و قد انقسمت الدراسة إلى ثلاثة أقسام، قسم يركز على التجارب التنموية في هذه البلدان الآسيوية الخمسة؛ سنغافورة كنموذج منصة التصدير، و ماليزيا كتجربة للنمو السريع، و كوريا الجنوبية أنضج النمور الآسيوية، و تايلاند نمرآسيا المريض، و الصين تجربة السير على ساقين. و قدم القسم الثاني نظرة تحليلية تقويمية لأهم السياسات الإنمائية في هذه البلدان؛ السياسات الصناعية، و العلم و الثقافة، والاستثمارات الإقليمية، و اشتراكية السوق. و قدم القسم الثالث نظرة تقويمية جامعة لماهية وأساسيات نموذج التنمية و النهضة ( 3 ).
و رغم ثراء التجربة الآسيوية و تعدد أبعادها الاقتصادية، و التكنولوجية، و الاجتماعية، والسياسية، و الثقافية، و الحضارية ... الخ، فالملاحظ أن الدراسة قد استغرقت في إلقاء الضوء على الأبعاد الاقتصادية و التكنولوجية على نحو واضح، سواء بالنسبة للتجربة الآسيوية ككل، أو بالنسبة للتجربة الماليزية، و الاهتمام بتحليل الأخيرة بالمقارنة بمجموعة البلدان الآسيوية الأخرى المشار إليها، و ربما كان في تناول الأبعاد الاجتماعية و الحضارية في التجربة الماليزية خاصة ما يسمح باستخلاص بعض الدروس الهامة الأخرى. و في عام 2002 عقد اجتماع بين صناع السياسة حول السياسات الاجتماعية في منطقة الإسكوا ESCWA، و انطلاقا من مدخل نقدي للسياسات الاجتماعية لفهم تدهور الظروف الاجتماعية، و تحليل الأزمات الاجتماعية و التوترات التي تزايدت نتيجة للفشل في التعامل مع الآثار الاجتماعية لسياسات الإصلاح الاقتصادي، و التكيف الهيكلي الذي فرضته سياسات العولمة، و هو فشل يعزى في الأصل إلى السياسات الاجتماعية غير الكافية و التي تفتقر إلى التنسيق في البلدان الأعضاء. و لذلك، حدد الهدف من الاجتماع الذي عقد في القاهرة (10-12) ديسمبر 2002 في مساعدة الدول الأعضاء في الإسكوا على صياغة رؤية متكاملة أوسياسة اجتماعية يمكن إدماجها في الإطار الاقتصادي و الاجتماعي لهذه البلدان، و تطوير مفهوم للسياسات الاجتماعية، و مراجعة بعض التجارب الناجحة في ابتكار هذه السياسات في بعض البلدان المتقدمة مثل كندا و النرويج، و بعض البلدان التي حققت تنمية اقتصادية و اجتماعية ذات دلالة مثل كوريا، وماليزيا، و تونس، و تسليط الضوء على الخصائص السائدة للسياسات الاجتماعية في العالم العربي، و التركيز على مكانة السياسة الاجتماعية داخل الإطار الاقتصادي و الاجتماعي لكل بلد، والسياسات في مجالات التعليم، و التشغيل، و الصحة، و الأمن الاجتماعي، و دور الحكومة و المجتمع المدني ومؤسسات القطاع الخاص، و مراكز البحث المتخصصة، و المجالس البرلمانية، ثم الآليات التي تحتاجها عمليات التنسيق عند التخطيط و الإنجاز، و نماذج الدعم المادي و دعم الموارد المالية لصالح البرامج الاجتماعية. و قد انقسم التقرير الذي نشر عن هذا الاجتماع إلى ثلاثة أقسام، يتعلق الأول بتنظيم العمل، و يقدم الثاني ملخصا لأوراق العمل و المناقشات و كان من بينها ورقة حول التجربة الماليزية باعتبارها من بين النماذج الناجحة و الدروس المستفادة، أما القسم الأخير فإنه يعرض للمقترحات و التوصيات، و صياغة و تطبيق رؤية أو سياسة اجتماعية متكاملة في البلاد الأعضاء في الإسكوا؛ من حيث المفهوم، و الإطار العام، و صياغة و التنسيق بين السياسات على المستويات القومي و المنطقة، و المتابعة و التقويم، و توصيات تتعلق بوسائل الإعلام، و دور ومسؤولية الإسكوا( 4 ) . و قد سلط التقرير الضوء على خبرات الدول الأعضاء في الإسكوا و البلدان العربية في مجال محدد انحصر في السياسات الاجتماعية، و هو نفس الجانب الذي ركز عليه في تناول التجربة الماليزية باعتبارها نموذجا ناجحا يمكن استخلاص دروس هامة منه، و لكن ربما كان في الاهتمام بتسليط الضوء على أبعاد أخرى اجتماعية و حضارية في هذه التجربة الأخيرة ما قد يسمح باستخلاص مجموعة أخرى من الدروس المستفادة.

و في عام 2005 نشرت اللجنة الاقتصادية و الاجتماعية لغربي آسيا - الإسكوا تقريرا تحت عنوان ( نحو سياسات اجتماعية متكاملة في الدول العربية: إطار و تحليل مقارن ) بهدف تقديم تحليل للسياسات الاجتماعية، و التعرف على السبل الكفيلة برفع مستوى تكاملها و فاعليتها في الدول العربية، و هو تحليل مقارن يشمل دولا متقدمة و أخرى لا تزال في مراحل مختلفة من التطور مثل ماليزيا، و كوريا الجنوبية، و النرويج؛ و الهدف بالتحديد توضيح المقصود بالسياسة الاجتماعية، وتوضيح سياق السياسات الاجتماعية، و التعرف على العوامل الفاعلة و المنظمة، و توضيح وظائف السياسات الاجتماعية و تقويم نتائجها، و وصفها في سياق المشكلات الاجتماعية و التنمية المجتمعية، و وصف النماذج الحالية لمسار هذه السياسات كما تطبقها الدول التي يشملها التحليل، ووضع الخطوط العريضة لنموذج شامل، و تحديد و مناقشة الظروف التمكينية أو المانعة التي تؤثر على رسم السياسات و تنفيذها، و تقديم التوصيات. و قد انقسم التقرير إلى خمسة عناصر تغطي هذه الأهداف ( 5 ). و ربما كان التقرير تطويرا لما جرى من مناقشات في اجتماع صناع السياسة الذي عقد عام 2002 و المشار إليه سلفا، غير أن بحثه عن سياسات اجتماعية متكاملة في الدول العربية من خلال المقارنة مع دول متقدمة و أخرى في مراحل تطور و منها ماليزيا، و إغفاله عناصر أخرى اجتماعية و حضارية و إنسانية اشتملت عليها التجربة الأخيرة؛ ربما كان يدفعنا إلى تحري هذه العناصر بحثا عن دروس أخرى يمكن الاستفادة منها

و في نفس العام 2005 نشرت أعمال المؤتمر الأول الذي عقده برنامج الدراسات الماليزية التابع لمركز الدراسات الآسيوية لتحليل النموذج الماليزي للتنمية، و الذي انعقد في أبريل عام 2004. ومن خلال مجموعة أوراق بحثية، يمكن للباحث، و المثقف العربي، و القاريء العادي استخلاص أهم أبعاد التجربة التنموية الماليزية، و أهم عوامل نجاحها، و كيفية تخطيها للعقبات التي واجهتها. و يقع التقرير في أحد عشر فصلا، تناولت في مجملها مختلف جوانب النموذج الماليزي للتنمية؛ من حيث تحديات التنمية في ماليزيا: خلفية متعددة الأبعاد، و دور الدولة الماليزية في التنمية، و المتغير الثقافي و التنمية في ماليزيا، و السياسة التعليمية و تنمية الموارد البشرية في ماليزيا، و البعد الاقتصادي للتجربة التنموية الماليزية من حيث مصادر و تمويل التنمية، و دور الموارد الأجنبية في التجربة الماليزية، و استراتيجية التصنيع في ماليزيا، و العلاقة بين التنمية و الديموقراطية في ماليزيا، والنموذج الماليزي للتنمية و إدارة الأزمات، و البعد الاجتماعي في النموذج الماليزي للتنمية، والآثار المترتبة على التحولات في بنية النظام الدولي على النظام الإقليمي لمنطقة جنوب شرق آسيا؛ وبالتالي على ماليزيا. و ينطوي التقرير على دروس و عبر مستفادة من التجربة الماليزية، مما يعين صانع القرار السياسي في بلدان الجنوب على رسم و إدارة السياسات التنموية بأكبر قدر من الفاعلية و الكفاءة ( 6 ). و يسلط التقرير الضوء على النموذج الماليزي للتنمية، و على مختلف جوانب هذه التجربة الثرية، و بخاصة الأبعاد الاقتصادية، و السياسية، و الاجتماعية، و الثقافية، و الإدارية، وأثر بنية النظام الدولي على ماليزيا. و مع ذلك، لا يزال هناك جوانب أخرى في هذا النموذج في حاجة إلى مزيد من البحث، ربما كان في مقدمتها بعض ما يتعلق بالسياسة الاجتماعية في ماليزيا، خاصة السياسة الصحية، و سياسة الحماية الاجتماعية، و تخفيض الفقر ... الخ. فضلا عن بعض ما يتعلق بالدولة التنموية، و الوحدة القومية، و الأيديولوجية السياسية ...، و كلها جوانب تحتاج إلى تسليط الضوء عليها، و أن نتوقف عندها لاستخلاص الدروس المستفادة

و في عام 2007 نشرت دورية النهضة بحثا تحت عنوان ( التحولات الاقتصادية و الاجتماعية في البلدان الأقل تقدما: التجربة الماليزية )، و حدد هدفه في تسليط الضوء على الظروف التنموية الأساسية، و السياسات التي ساعدت على تحول المجتمع الماليزي المتخلف إلى أمة متقدمة، وتوضيح كيف أن البلدان المصنعة حديثا LDC الأخرى أن تستفيد من هذه التجربة في تحقيق التحول الاقتصادي و الاجتماعي. و لذلك، يركز المقال على ست نقاط أساسية؛ فحص الظروف الاقتصادية و الاجتماعية في ماليزيا، و دراسة السياسات التنموية الأساسية و الاستراتيجيات التي تم تبنيها منذ عام 1970، و تحليل قاعدة الموارد البشرية في ماليزيا، و تسليط الضوء على الإنجازات التنموية الرئيسة في هذا البلد، و مناقشة العوامل الأساسية و الظروف التي أسهمت في التحول الاقتصادي والاجتماعي في ماليزيا، و عرض للظروف الأساسية و السياسات الضرورية لمساعدة البلدان النامية الأخرى على أن تكسر الدائرة المفرغة للتخلف و تحقيق تحول اقتصادي اجتماعي إيجابي ( 7 ) . وعلى الرغم من أن البحث قد انطلق من تصور التحول الاقتصادي و الاجتماعي، و أضاف بعدا جديدا في تحليل التجربة الماليزية، إلا أنه لا تزال هناك مضامين لم يتم الكشف عنها في التجربة الماليزية، يرتبط بعضها بالسياسة الاجتماعية، و يتعلق بعضها الآخر بالتنمية البشرية، و تحتاج إلى التوقف عندها، و تسليط الأضواء عليها، و استخلاص الدروس المستفادة منها.

و في هذا السياق، نستطيع تأكيد أهمية دراسة التجربة الماليزية، و ذلك في ضوء نتائج هذه الدراسات السابقة؛ لأن التجربة الآسيوية في النهوض و التنمية لا تقتصر على تجربة النمور الأربعة، و إنما هناك بلدان مهمة أخرى أخذت تتقدم في مضمار السباق، و سوف تظهر قوتها بشكل أوضح في القرن القادم؛ مثل الصين، و ماليزيا، و الهند، و إندونيسيا. كما أن تجربة النمور قد نشأت في بلدان صغيرة الحجم – باستثناء كوريا الجنوبية – و بالتالي يسهل تحقيق زيادة ملموسة و سريعة في مستوى الدخل الفردي، و كذا مستوى الرفاهية للمجتمع في جملته، الأمر الذي يصعب حدوثه في البلدان ذات الكثافة السكانية الأعلى. و لذا، فإن النماذج الأكثر صلاحية للاستفادة من تجربتها في الوطن العربي و الإسلامي هي المجموعة التالية من بلدان آسيا الناهضة و في مقدمتها ماليزيا. لذلك، فإن فهم آليات و محركات النهضة على الطريقة الآسيوية، و في ظروف تاريخية مغايرة؛ يدفعنا إلى أن ندرس بعناية تجارب بلد مثل ماليزيا ( 8 ). و إنه من بين تجارب الدول الصناعية الجديدة في جنوب الشرق الآسيوي، يكتسب النموذج الماليزي للتنمية تميزه على المستويين الإقليمي و العالمي من خلال إدراكنا للدور المهم الذي قامت به الدولة الماليزية في تخطيط و تنفيذ عملية التنمية بهدف التصدي لمشكلاتها العرقية و الاجتماعية، و ذلك دون التفريط في قيمها الثقافية و الاجتماعية الخاصة. فلقد استطاعت ماليزيا أن تقدم نموذجا تنمويا فريدا يجمع بين أصالة التراث الماليزي، وحداثة التكنولوجيا المعاصرة ( 9

إذن هناك مجموعة من العوامل و الأسباب تؤكد أهمية دراسة التجربة الماليزية، و الاستمرار في تسليط الضوء على جوانبها التي لم تحظ باهتمام الدراسات السابقة، و استخلاص دروس أخرى يمكن أن تضاف إلى مجموعة الدروس التي سبق و أن كشفت عنها دراسات التراث، و يمكن الاستفادة منها في صياغة تجارب التنمية في عالمنا العربي و الإسلامي. و تأسيسا على ذلك، يمكن بلورة مجموعة من الأهداف و التساؤلات نحاول في الدراسة الحالية تحقيقها و الإجابة عليها
1

تسليط الضوء على الأبعاد المختلفة للسياسة الاجتماعية في ماليزيا و تحليلها في سياق التنمية، بالتركيز على السمات العامة لها، و تطورها، و تشكيلها أو صياغتها، و الإطار المؤسسي لها، وتكاملها مع الخطط الاقتصادية و القومية للتنمية، و التنسيق بين عناصرها

لأن السياسة الاجتماعية مسؤولية وطنية، و إن كل بلد عليه أن يحدد مساره الخاص في التنمية والتقدم. و هناك أهداف عامة كثيرة تلتزم الحكومات الوطنية و غيرها من الجهات الفاعلة على المسرح العالمي بالسعي إلى تحقيقها؛ و هي القضاء على الفقر و تحقيق التشغيل الكامل، و تعزيز الاندماج الاجتماعي في مجتمعات تكون مستقرة و آمنة و عادلة تحترم حقوق الإنسان. و هناك وصفات عالمية تعطي شرعية للسياسة الاجتماعية و لا غنى عنها في التنمية الاجتماعية هي بالذات: سيادة القانون، و الديموقراطية، و صلاح الحكم. كما أن السياسات لا توجد في فراغ و لا تعمل في فراغ، بل توجد داخل نظم معقدة لها معالم هيكلية و ديناميكية تشمل المجتمع بأسره و الثقافة بأسرها، و النظرة الواعية تراعي الجوانب المختلفة لهذه العلاقات المتداخلة و تأثيراتها المتبادلة التي لا يستهان بها ( 10 ).
و السؤال الذي يحتاج إلى إجابة هنا، ما الأهداف العامة التي تنطلق منها السياسة الاجتماعية في ماليزيا؟ و هل تتوافر لها الشرعية المطلوبة؛ من حيث سيادة القانون، و الديموقراطية، و صلاح الحكم؟ و ما طبيعة السياق الذي تعمل في ظله، و المعالم الديناميكية و الهيكلية لنظمه الاجتماعية والثقافية؟ و إلى أي حد كان السياق مواتيا؟

تختلف الدول اختلافا كبيرا فيما بينها في كيفية صياغة السياسات و تنفيذها، حيث تقوم السياسة الاجتماعية على ثلاثة نماذج أساسية: نموذج الصفوة، و فيه تتجه السياسات من أعلى إلى أسفل، ويكون فيه دور البيروقراطية بوجه عام هو التبرير و التنفيذ، و تكون المساءلة أساسا في يد الصفوة؛ و بالتالي تكون أقل تجاوبا مع قطاعات السكان الأكثر تضررا. ثم هناك نموذج توازن المصالح، ويكون مبنيا على مجتمع مدني قوي، و مجموعات مصالح جيدة التنظيم تكون هي الجسر بين الفرد والحكومة، و هو نموذج يسمح بالتوصل إلى الحلول الوسط و التنازلات اللازمة للنجاح في تنفيذ السياسات و الالتزام بالبرامج. و الملاحظ أن الفقراء و المحرومين هم أقل القطاعات قدرة على تنظيم الموارد و تعبئتها للتأثير على السياسات، و تترك لغيرهم أن يعبروا عن مصالحم و أن يضعوها أمام متخذ القرار. و النموذج الثالث نموذج العقلانية / العلمية، الذي يفترض معرفة تامة بقيم المجتمع وبدائل السياسات و نتائجها؛ لتضمن تحقيق توازن مقبول بين مكاسب السياسات و بين التضحيات المطلوبة أثناء تطبيقها. و هذه المعرفة نادرا ما تتوافر، و غالبا ما ينتهي هذا النموذج بتعبير المخططين عن مصالح الصفوة و تنفيذ هذه المصالح، أو بإحلال قيم المخططين محل قيم الصفوة(11). و السؤال هنا، ما معالم النموذج الذي تم على أساسه صياغة السياسة الاجتماعية في ماليزيا؟ الصفوة، أم توازن المصالح، أم نموذج العقلانية / العلمية؟ و إلى أي حد تحرص هذه الصياغة على التنسيق و التكامل بين عناصرها؟

و فيما يتعلق بالعلاقة بين السياسة الاجتماعية و التنمية، و ضرورة صياغة هذه السياسة في سياق التنمية، و أن تعمل السياسة الاجتماعية مرادفة للسياسة الاقتصادية؛ لتؤدي إلى تنمية اقتصادية و اجتماعية حقيقية. فلقد اتضح أن الاستمرار في بناء السياسة الاقتصادية على غرار نموذج قائد/تابع، بمعنى البدء بتحديد السياسة الخاصة بالاقتصاد الكلي؛ و التي تهتم بالنمو الاقتصادي، وتترك السياسة الاجتماعية لكي تهتم و تعنى بالآثار الاجتماعية لهذه السياسات الاقتصادية، غير أنه من الضروري تفعيل التعاون بين الإجراءات التي تعزز الرفاه و النمو الاقتصادي و اعتبارها مؤشرات متفاعلة و مكملة لبعضها البعض، و أنه ينبغي الربط بينها في نفس الوقت، و أن القضية ليست فقط مجرد سياسة صحية أو سياسة تعليمية، و إنما هي سياسة اجتماعية يجب إدماج هذه الإجراءات في داخلها على أساس متماسك؛ لأن غياب هذا الفهم الكلي للسياسات الاجتماعية يهدد بخطر واضح، و يدفع بالهيئات المتخصصة و المتباينة، والوزارات، و منظمات المجتمع المدني إلى التقاط متغيرات خاصة بها، و إغفال أو تناسي تماما علاقاتها الحاسمة بالمتغيرات الأخرى ( 12 ). وكان السؤال هنا، إلى أي حد تنطلق السياسة الاجتماعية في ماليزيا من رؤية تعمل على تفعيل التعاون بين الرفاه و النمو، و تتناولها باعتبارها مكملة لبعضها، و متفاعلة، و تدمج في داخلها مختلف المتغيرات؟ أو إلى أي حد تأخذ الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، و السياسية في الاعتبار وفي نفس الوقت عند صياغة السياسة الاجتماعية؟

2

التعرف على مستويات التنمية البشرية في ماليزيا، و تحليل مؤشراتها في ضوء أهداف الألفية الثالثة، بالتركيز على إنجازاتها في تنمية الموارد البشرية في مجالات الصحة و التعليم، وتحقيق هدف التشغيل الكامل Full Employment، و تحقيق الأمن الاجتماعي، و تخفيض أوالقضاء على الفقر.

لقد عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على وضع مجموعة مختصرة من الغايات و الأهداف العديدة، و المؤشرات القابلة للحساب؛ لتقدير مدى التقدم في التنمية. و تضمنت مجموعة أهداف التنمية في الألفية الثالثة ثماني غايات، و ثمانية عشر هدفا، و ثمانية و أربعون مؤشرا، و التي تم الاتفاق عليها في المؤتمرات الدولية، و مؤتمرات القمة، و إعلان الألفية ( سبتمبر 2000 )، و أنه من المستهدف تحقيق هذه الأهداف في الفترة ما بين عامي 1990 – 2015. و تعالج أهداف التنمية الدولية أكثر الرغبات البشرية إلحاحا، و هي إيجاد عالم متحررمن الفقر، و متحرر من البؤس الذي يتسبب فيه الفقر.و يعالج كل من هذه الأهداف أحد مظاهر الفقر، و يعزز كل منها الأهداف الأخرى؛ مثل ارتفاع معدل القيد في المدارس و لا سيما بالنسبة للبنات، و تخفيض أعداد الفقراء و معدلات الوفيات. و تنحصر غايات التنمية في الألفية الثالثة في القضاء على حدة الفقر و الجوع، و تحقيق التعليم الأساسي الشامل، و المساواة في النوع، و تمكين المرأة، و خفض معدلات وفيات الأطفال، وتحسين الصحة الإنجابية، و مقاومة أمراض نقص المناعة المكتسبة ( الإيدز ) و الملاريا و غيرها من الأمراض، و ضمان الحفاظ على استدامة الموارد البيئية، و تطوير شراكة عالمية للتنمية (13). والسؤال هنا، ما سمات دليل التنمية البشرية في ماليزيا ؟ باعتباره مؤشرا مركبا يعكس بصورة أكثر شمولا الأبعاد الأساسية للتنمية، و يتكون من ثلاث أدلة فرعية: ( أ ) دليل توقع الحياة كمؤشر للصحة، ( ب ) دليل التعليم كمؤشر على المعرفة، ( ج ) دليل الناتج المحلي الإجمالي كمؤشر على الوضع الاقتصادي، و ما ترتيب ماليزيا بين دول العالم طبقا لهذا المؤشر؟ و ما مدى اقتراب مستويات التنمية البشرية في ماليزيا من أهداف الألفية الثالثة و غاياتها، و توافر مؤشراتها؟ و ما الذي يجعلها تنمية إنسانية ؟ بمعنى أنها عملية مستمرة تعنى بتحقيق أهداف الألفية الثالثة
3
استخلاص دروس مستفادة من تحليلنا لواقع التجربة الماليزية، سواء أكانت دروس نجاح حقيقية في هذه التجربة، أو عناصر القوة، أو أهم المتغيرات التي حكمت تاك التجربة في التنمية والنهضة. لقد تمكنت بحوث التراث و الدراسات السابقة من خلال تحليل تجربة ماليزيا في إطار التجربة الآسيوية من ناحية، أو في إطار مقارن مع بعض الدول المتقدمة أو النامية من ناحية ثانية، أو في إطار بعض التصورات و المنطلقات النظرية مثل منظور التحولات الاقتصادية والاجتماعية من ناحية ثالثة؛ أن تستخلص مجموعة لابأس بها من الدروس المستفادة لإنارة الطريق أمام راسمي السياسة في الأقطار العربية في مجال التنمية و النهوض الاقتصادي، والاجتماعي، و الثقافي، و التي قد تعينه على رسم و إدارة السياسات التنموية بأكبر قدر من الفاعلية و الكفاءة. و السؤال هنا، ما الدور الذي يمكن أن تؤديه القيم و المعاني الدينية لدفع المجتمع في اتجاه التحديث؟ و كيف كانت القيم الآسيوية تشغل موضع الصدارة في منظومة القيم الأساسية الماليزية، و ساعدت على مواجهة ماليزيا لتحدي العولمة؟ و كيف أسهمت هذه القيم في تأكيد التكامل الثقافي، و ضرورة التواجد المشترك و المتجانس بين سكان ماليزيا الأصليين والمهاجرين من الصين و الهند و غيرها؟ و كيف أصبحت عناصر الثقافة الماليزية جزءا من الثقافة القومية، و لم تمنع اعتبار اللغة الماليزية لغة رسمية من الحفاظ على اللغات الأخرى؟ و لم يمنع اعتبار الدين الإسلامي هو الدين الرسمي من أن تنشط الأديان الأخرى دون معوقات أمام تقدم التجربة الماليزية؟ و ربما كان تحليل التجربة الماليزية في الدراسة الحالية في سياق التنمية من ناحية، و في إطار الأهداف التنموية للألفية الثالثة من ناحية أخرى، كاف في التعرف على أسباب نجاح هذه التجربة، و فهم عناصر القوة و المتغيرات التي حكمت مسيرتها في النهضة، والإجابة عن ما أثير من تساؤلات في هذا الصدد.

د/سالي جمعة
06-05-2011, 02:35 AM
ثانيا: السياسة الاجتماعية و سياق التنمية في ماليزيا

تعتبر ماليزيا مثالا على بلد نام ابتكر مدخله الخاص لدعم الخدمات الاجتماعية خصوصا، والتنمية الاقتصادية و الاجتماعية بشكل عام، و هو مدخل تبلور عبر فترة نصف قرن تقريبا. و قد أدخلت تعديلات على الصيغة الأصلية ( الأولية ) للسياسة الاجتماعية في ماليزيا، تؤكد على تنمية الخدمات الاجتماعية كجزء متكامل في أجندة التنمية القومية، و دعم القطاع العام و الحكومة للخدمات الاجتماعية، و الدعم المنصف لسكان المناطق الريفية، و الجماعات الفقيرة، و ذات الدخل المنخفض. و قد ظهرت آثار هذا المدخل الماليزي في السياسة الاجتماعية في صورة تحسينات في التعليم، والصحة، و الرعاية الطبية، و ضمان فرص تشغيل كبرى، و مستوى عال من الحماية الاجتماعية لكل السكان. و أكثر من ذلك، حقق تقدما ضخما بالنظر إلى تخفيض نسبة الفقر، و زاد من مشاركة المرأة و الشباب في عملية التنمية القومية، هذا فضلا عن استجابة ماليزيا و السياسة الاجتماعية وتكيفها مع التحديات الجديدة خاصة تلك التي فرضتها العولمة.

و يشتمل مفهوم السياسة الاجتماعية على الأهداف و الاستراتيجيات التي تعنى بعدد من الاهتمامات الاجتماعية و المشكلات و تشمل الصحة، و التعليم، و التدريب، و الإسكان، و التشغيل، و الفقر، و تباين الدخول، و الجريمة و الإدمان، و العلاقات العرقية، و العنف الأسري. و الهدف النهائي للسياسة الاجتماعية، هو تحسين رفاه و خير الشعب Welfare-Well-Being و جماعات معينة؛ و نعني المرأة، و الشباب، و الأطفال، و كبار السن، و الجماعات العرقية أو الأقليات، و ذوي الاحتياجات الخاصة ( 14 ).

و السياسات الاجتماعية الحصيفة Sound لا تعنى فقط بالمشكلات الاجتماعية، و إنما تتعامل أيضا مع السياق السياسي و الاقتصادي لهذه المشكلات. فمثلا، الهدف الأولي لبرامج تخفيض نسبة الفقر هو الارتقاء بمهارات التشغيل، و تحسين التعليم و الإسكان و الرعاية الصحية للفقراء؛ و هذا يضمن فرص تشغيل أفضل، و يعزز مشروعات العمل الصغرى و المتناهية الصغر. و بالإجمال، فإن الهدف النهائي لهذه البرامج هو تمكين الفقراء Empower The Poor

و العامل المشترك الآخر في هذه السياسات الاجتماعية، هي أنها في العادة مبادرات من الحكومات التي قامت بإدارة و استخدام التمويل العام، و ذلك استنادا إلى أن المشكلات الاجتماعية عادة ما تكون من التعقيد و التكلفة المتزايدة؛ مما يصعب على المنظمات غير الحكومية، و القطاع الخاص، و المساعي الخيرية التعامل معها على نحو فعال بدون مساعدة خارجية. و ليس هناك شك في الدور القائد للحكومة في السياسة الاجتماعية، بالمقارنة بالحوار المستمر و الجدل حول حجم هذا الدور، و طبيعة دولة الرفاه، و هل عليها أن تتبع النموذج المؤسسي أو المتبقي Institutional / Residual (15)، في مجال السياسة الاجتماعية، أم أن عليها أن تجمع بين النموذجين؟


و تتعلق القضية الأخرى ذات الصلة بشكل و مقدار المساعدة الاجتماعية التي ينبغي أن تقدمها الحكومة. و يشير الشكل إلى التعويض Remuneration، أما النوع فيعني الغذاء، و الخدمات، والوظائف، أو الجمع بين التعويض و النوع. أما مقدار المساعدة المقدمة فإنه يحدد من خلال مجموعة اعتبارات مرتبطة بالمحافظة على حد أدنى معين لحاجات المستفيدين لا يثنيهم Dissuade عن الاستمرار في البحث عن عمل منتج

و من الواضح أن ماليزيا قد تبنت مدخلا خاصا في سياساتها الاجتماعية، بلورته خلال فترة نصف قرن، و أدخلت عليه التعديلات الملائمة. و إن تصورها للسياسات الاجتماعية يجمع بين الأهداف و الاستراتيجيات، و يعنى بالاهتمامات الاجتماعية و المشكلات. و حدد الهدف النهائي لهذه السياسة في تحسين رفاه و خير الماليزيين ككل، و العناية بجماعات المرأة، و الشباب، و الأطفال، وكبار السن، و الجماعات العرقية، و ذوي الاحتياجات الخاصة. و إن هذه السياسة لا تعنى فقط بالمشكلات، و إنما تتعامل أيضا مع السياق السياسي و الاقتصادي لهذه المشكلات؛ من خلال برامج تعمل على تمكين الفقراء. و تمثل هذه السياسات مبادرات قامت بها حكومات ماليزية متعاقبة، تعتمد في ذلك على التمويل العام؛ مما جعل للحكومة دورا قائدا في السياسة الاجتماعية يقوم على النموذج المؤسسي.
1
سياق السياسة الاجتماعية في ماليزيا


تبلورت السياسة الاجتماعية في ماليزيا داخل سياق من الاستقرار السياسي، و غياب كوارث طبيعية خطيرة، أو صراع مسلح متعمد. و شهدت ماليزيا في معظم الأحوال توسعا اقتصاديا مستمرا بدأ من النصف الأخير من القرن العشرين على نحو له دلالته، و تمتعت بفترة طويلة من النمو المنصف Equitable. و هذا النوع من البيئة عمل على تسهيل تطور و إنجاز السياسات الاجتماعية التي حافظت على عدم تخلفها عن النمو الاقتصادي، و ظلت تشكل مكونات متكاملة مع استراتيجيات التنمية القومية الشاملة، كما عملت على تحسين خير الماليزيين.

و منذ عام 1963 تم الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في ماليزيا، عندما تم تحقيق الوحدة بين المستعمرات البريطانية السابقة في سنغافورة و غيرها، و ماليزيا التي كانت قد استقلت عام 1957، و حصلت على الحكم الذاتي عام 1955. و بني هذا الاستقرار على حقيقة أن الحكومات المتعاقبة كانت قد تشكلت من نفس الائتلاف Coalition بين الأحزاب السياسية. و كسب هذا الائتلاف ثلثي مقاعد البرلمان في كل الانتخابات العامة التي أجريت في ماليزيا، و كسب أيضا قبضة التحكم في كل مجالس الدولة خلال نفس الفترة؛ ولذلك فإن تطور السياسات الاجتماعية و في الواقع كل السياسات العامة في ماليزيا لم تتأثر بالتقلبات التي قد تترتب على الانتقال من أيديولوجية سياسية إلى أخرى؛ وهذا ما دعم الاستقرار و التحسينات المستمرة و المتزايدة في السياسات الاجتماعية و البرامج ( 16).

و قد ألحق هذا الاستقرار الاقتصادي و السياسي و أتمه غياب كوارث طبيعية رئيسة، إذ كان الموقع الجغرافي لماليزيا يعمل على حمايتها من الزلازل، و البراكين، و الأعاصير، و المجاعات، والجفاف، و لم تؤثر الفيضانات إلا في قسم صغير من البلاد

هذا بالإضافة إلى أن ماليزيا لم تشهد إلا صراعات ضئيلة للغاية خلال النصف الأول من القرن الماضي بين قوات الحكومة و الشيوعيين ظهرت أحيانا، و حركات عسكرية بين ماليزيا و إندونيسيا، و توترات عرقية في كوالالمبور

و كان لتبني فلسفة جديدة في التنمية في عام 1970 أثره ذو المعنى على السياسة الاجتماعية. وحلت هذه السياسة الجديدة محل نموذج التنمية السابق الذي كان يؤكد على الاقتصاد المبني على مبدأ ( دعه يعمل ) و المعتمد على المركز الحضري. و قد تم تحقيق هذا النموذج الجديد من خلال برامج تنمية ريفية زراعية تقوم الحكومة على تمويله على نطاق أكبر

و تجسد الفلسفة الجديدة في التنمية مفهوم النمو مع التوزيع المنصف Growth and Equitable Distribution، و هي تستند إلى اعتقاد راسخ بأن النمو الاقتصادي لم يكن كافيا لا لدفع التنمية القومية، أو النظر إليه على أنه غاية في ذاته، خاصة في سياق الأوضاع العرقية المعاصرة، و ملكية الثروة، و اختلال الاقتصاد. و كان الهدف النهائي لهذه السياسة هو الوحدة القومية، و كان الملاحظ أنه بدون الانسجام؛ فإن النمو الاقتصادي، و الدخول العالية، و مستويات المعيشة الأفضل، قد تكون تكلفة تحقيقها عالية، و أقل في معناها. و لذلك، كان تحقيق الوحدة من خلال النصيب المنصف من ثمار النمو الاقتصادي بين الجماعات العرقية الرئيسة، و الفقراء من كل الجماعات. و الهدف من هذا المدخل كان اقتسام الثروة الجديدة، و ليس ما تم اكتسابه في الماضي. ولذلك، تطلبت فلسفة النمو مع الإنصاف و ارتباطها بأهداف التوزيع المنصف، و الخير الأعظم، التزاما من جانب الحكومة بأن تلعب دورا فاعلا في الاقتصاد و دعم الخدمات الاجتماعية

و تميز السياق الذي تبلورت في ظله السياسات الاجتماعية بالاستقرار السياسي، و غياب الكوارث الطبيعية، و ندرة الصراع المسلح، و التوسع المستمر في الاقتصاد، و تمتعه بخاصية النمو المنصف، و حرصت على التكامل بين النمو الاقتصادي و استراتيجيات التنمية الشاملة

و قد أسس الاستقرار السياسي استنادا إلى أن تشكيل الحكومات المتعاقبة كان يتم من خلال الائتلاف بين الأحزاب السياسية، و كسبه لثلثي مقاعد البرلمان في الانتخابات العامة على نحو لم تتأثر معه السياسات بالتقلبات التي ترتبت على الانتقال من أيديولوجية سياسية إلى أخرى، بقدر ما عمل على دعمها. و قد أتم غياب الكوارث الطبيعية الرئيسة في ماليزيا هذا الاستقرار، بفضل الموقع الجغرافي، إضافة إلى أن ماليزيا لم تشهد إلا ندرة من الصراعات. غير أن المهم في هذا السياق هو تبني فلسفة جديدة في التنمية عام 1970 تجسد مفهوم النمو الاقتصادي مع التوزيع المنصف، وهدفها الأقصى هو تحقيق الوحدة الوطنية من خلال النصيب المنصف في ثمار النمو الاقتصادي بين الجماعات العرفية الرئيسة و الفقراء من كل جماعة، و يتطلب هذا التزام من جانب الحكومة بأن تلعب دورا فاعلا في الاقتصاد و دعم الخدمات الاجتماعية
2
تطور السياسة الاجتماعية في ماليزيا

يمكن تقسيم تطور السياسة الاجتماعية في ماليزيا خلال الفترة من 1957 – 2002 إلى ثلاث مراحل. و كانت السمة المميزة للسياسة الاجتماعية في ماليزيا ترتبط دائما بالدور الغالب للحكومة والقطاع العام في تمويل و إنجاز السياسات الاجتماعية، و المشاركة الأكثر محدودية للقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية. و يمكن تفسير هذا التطور في سياق التعديلات التي دخلت على دور الحكومة في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية الشاملة في البلاد

و قد امتدت المرحلة الأولى من 1957 و حتى منتصف عام 1980، و تميزت بدور أساسي للحكومة في توفير التمويل و البنية التحتية التنظيمية لخدمات التعليم و الصحة، و المساعدات للرفاه و الفقراء و غيرهم من الجماعات المحرومة، و الحماية الاجتماعية و غيرها من البرامج ذات الصلة، مع نسبة صغيرة من المدارس الخاصة و المستشفيات، و عدد صغير من المنظمات غير الحكومية التي وفرت أشكالا متباينة من مساعدات الرفاه. و تميزت السياسة الاجتماعية خلال هذه الفترة بالاهتمام غير العادي الذي قدم للمناطق الريفية، و ظهر ذلك في الدفع نحو تحسين نطاق ونوعية الخدمات الاجتماعية في المناطق الريفية، مع جهود مماثلة في بناء و تحسين الطرق، والجسور، و مكاتب البريد، و توفير الكهرباء و المياه، و خدمات التليفون، بعد أن كانت مهملة خلال الفترات الاستعمارية ( 17)

و امتدت المرحلة الثانية من 1980 – 1997، و استمر فيها الدور الأساسي للحكومة في تطوير و إنجاز السياسات الاجتماعية. و كان دور القطاع الخاص محدودا للغاية، بينما تزايد دور المنظمات غير الحكومية؛ في صورة دعم للتعليم و الخدمات الصحية. و نجم عن بزوغ الطبقة الوسطى بحجم أكبر طلبا متناميا على تعليم أفضل، و رعاية صحية. و قد لبى هذا الطلب من خلال المدارس الخاصة، و مؤسسات التعليم العالي، و المستشفيات و المراكز الطبية. و استمرت الحكومة في التوسع و تحسين نوعية الخدمات في المناطق الريفية و الحضرية. خلال هذه المرحلة تبنت الحكومة إجراءات لمجابهة الفقر، و تم تنظيم المنظمات غير الحكومية طبقا لمباديء بنك جرامين Grameen Bank في بنجلاديش، و دخلت تعديلات على دور الحكومة في إدارة السياسات الاجتماعية خلال هذه الفترة تمشيا مع سياق تعجيل و تشجيع استثمارات القطاع الخاص في الاقتصاد، حيث نظر إلى إعادة الهيكلة و الخصخصة كوسائل لتقليل العبء المالي على القطاع العام، مع تقدم عمليات إعادة الهيكلة. و أدركت الحكومة الحاجة إلى زيادة الضرائب و الدين العام؛ لكي تحافظ على الخدمات الأساسية التي يتزايد عليها الطلب

و للخصخصة فائدة أخرى بالنظر إلى دعم الخدمات الاجتماعية المختارة، هو أنها أتاحت اختيارا أوسع أمام المستهلكين، خاصة أولئك الذين يستطيعون الصرف عليها. و ظل قطاع الخدمات الاجتماعية العام متاحا لأولئك الذين لا يستطيعون تحمل نفقات الخدمات الخاصة، و هذا ضمان بأن يستطيع كل السكان الوصول إلى الخدمات

و بدأت المرحلة الثالثة مع منتصف عام 1997 و استمرت حتى الآن، و قد تأثرت بالأزمة المالية عام 1997، التي اضطرت الحكومة إلى تبني إجراءات تحويلية لمواجهة انخفاض قيمة العملة المتداولة Currency، و انخفاض معدل النمو الاقتصادي المصاحب، و انعكاسات ذلك على الفقراء و الجماعات الأخرى، بينما حافظت في الوقت ذاته على توفير مساعدات الرفاه و الخدمات الاجتماعية المتباينة. و استمرت الحكومة بقدراتها التنظيمية في ضمان أن المصالح العامة و مصالح المستهلك يمكن إتاحتها في ضوء السعر، و كذلك استمرت في المحافظة على جودة الخدمات ( 18)



و هناك سمتان اثنتان تميزان السياسة الاجتماعية في ماليزيا عن البلدان الأخرى

أ- فترة طويلة و مستمرة من الاستقرار يجمعها مع بيئة داعمة، و هذا ما عمل على ضمان نمو منظم و متزايد للسياسات الاجتماعية. و القليل من البلدان النامية هي التي أفادت من هذه البيئة.
ب- تعاقب حكومات قوية و قطاع عام ملتزم بتحسين رفاه و خير كل الماليزيين.

و الخلاصة، لقد مرت السياسة الاجتماعية في ماليزيا بثلاث مراحل في تطورها، و كانت في كل مرحلة ترتبط بالدور الغالب للحكومة و القطاع العام في صياغة، و تمويل، و إنجاز السياسة الاجتماعية. إذ كان لها دورا أساسيا خلال المرحلة الأولى في توفير البنية التحتية و التنظيمية والخدمات الأساسية، و الاهتمام غير العادي الذي قدم للمناطق الريفية. و في المرحلة الثانية، استمرار الدور الأساسي للحكومة في تطوير و إنجاز السياسة الاجتماعية، و ظهر دور محدود للقطاع الخاص، و منظمات المجتمع المدني، و كان لبزوغ الطبقة الوسطى بحجم أكبر، و طلبها المتزايد على تعليم جيد، و رعاية صحية أفضل، و للتعديلات التي أدخلتها الحكومة على دورها في إدارة السياسة الاجتماعية، و تمشيا مع تشجيع استثمارات القطاع الخاص في الاقتصاد؛ دور في تطور القطاع الخاص في توفير خدمات التعليم و الصحة؛ لإتاحة فرصة اختيار أوسع أمام المستهلكين. و في نفس الوقت تبنت الحكومة إجراءات لمجابهة الفقر، و أسهمت المنظمات غير الحكومية في تحسين نوعية الخدمات. و في المرحلة الثالثة و لتجاوز الأزمة المالية عام 1997، تبنت الحكومة إجراءات تحويلية لمواجهة انعكاسات الأزمة على الفقراء، و حافظت في نفس الوقت على توفير مساعدات الرفاه و الخدمات الاجتماعية.
3
صياغة السياسات الاجتماعية

يعد الإطار المؤسسي لصياغة، و إنجاز، و رصد، و تنسيق السياسة الاجتماعية في ماليزيا محصلة لعملية تطور مستمرة و تنقيح تمت خلال فترة نصف قرن تقريبا. و قد بني هذا الإطار ليجمع بين المشاركة ذات القاعدة العريضة، و بناء سياسات توفي بحاجة السكان

و تماثل عملية صياغة السياسة الاجتماعية في ماليزيا صياغة السياسات الاقتصادية و غيرها من السياسات، فكل السياسات تطورت داخل نفس الإطار المؤسسي و طبقا لنفس النظام. و تضم عملية الصياغة عناصر برلمانية، و قانونية، و إدارية، و سياسية، و كل صناع القرار ملتزمين بنفس المباديء المتعلقة بفلسفة النمو المنصف

و هناك ثلاثة أنواع رئيسة من السياسات تمت صياغتها من خلال هذا الإطارالمؤسسي، يشمل النوع الأول السياسات التي أدخلت أو عدلت في أثناء عملية صياغة خطط التنمية القومية، و خطط الخمس سنوات و المتوسطة، و التي تميل إلى أن تكون سياسات رئيسة، و على المدى الطويل، وتصاغ في عبارات أوسع. و يشتمل النوع الثاني على سياسات تعتمد على الميزانية السنوية للحكومة، و تميل إلى أن تكون سياسات قصيرة المدى، أو نسخ لمدة سنة واحدة من السياسات الأوسع بعيدة المدى. أما النوع الثالث من السياسات فيشمل البرامج التي يتم صياغتها لتعالج مشكلات اجتماعية محددة بتفصيل أكبر عن تلك التي تعالجها الخطط أو الميزانيات السنوية ( 19 )

و تشمل المؤسسات التي تشارك في عملية صياغة السياسة الاجتماعية أعضاء من الأفراد الذين ينتمون إلى القطاع العام و جماعات المصلحة، و المنظمات غير الحكومية، و وسائل الإعلام، والأحزاب السياسية، و وحدات الخدمة العامة الاتحادية؛ بما في ذلك أعضاء من مستويات شبه اتحادية Federal، و مجلس الوزراء، و البرلمان، و الملك

و تلعب المؤسسات الاتحادية للخدمة العامة دورا قائدا في صياغة السياسات الاجتماعية، و التي تشمل الهيئات المركزية، و الوزراء، و الإدارات، و السلطات الممثلة، و التي تعمل على إنجاز السياسات الاجتماعية، و كلها تعمل معا تحت إشراف مجلس الوزراء

و تشمل الهيئات المركزية، وزارة المالية، و وحدة التخطيط الاقتصادي، و وحدة التخطيط الإداري و التحديث في ماليزيا، و وحدة التنسيق بين الإنجازات، و قسم الخدمات العامة، و كلها تحت إشراف رئيس الوزراء. و هي معنية بتحقيق المطالب الموافق عليها لإقامة المشروعات و التمويل من الوزارات ذات الصلة

و تختص وزارة المالية بإدارة الأموال العامة، و تعد الميزانية السنوية لتعرض على البرلمان تمهيدا للموافقة النهائية من قبل الملك. و يحضر ممثلون من هيئات القطاع العام ذات الصلة، و من المنظمات غير الحكومية سلسلة من الحوارات تتعلق بإعداد الميزانية

و تضع وحدة التخطيط الاقتصادي مسودة خطط التنمية أمام الحكومة الاتحادية، و تقوم بصياغة خطط التنمية الخمسية للموضوعات المهمة؛ و نعني التعليم، و الصحة، و تقليل الفقر. و تضم في عضويتها كبار الموظفين من الوزارات ذات الصلة، و الهيئات المركزية. ثم ترفع مسودة الخطة إلى المجلس القومي للتخطيط و التنمية الذي يرأسه سكرتير عام الحكومة، و يضم بين أعضائه سكرتير عام وزارة المالية، و محافظ البنك المركزي، و مدير إدارة الخدمات العامة، و إدارة العمل العام، ووزارات التعليم و الاقتصاد، ثم ترفع المسودة التي ووفق عليها إلى مجلس خاص في رئاسة الوزراء، ثم إلى المجلس بكامله للموافقة عليها، ثم تدعى وسائل الإعلام المحلية و الأجنبية إلى مؤتمر ليوم واحد قبل تحويل الخطة إلى البرلمان. و يقوم رئيس الوزراء بعرض الخطة على البرلمان، و يستمر الحوار أياما عديدة، حيث تعدل الخطة في ضوء المقترحات التي تدخل على الميزانيات السنوية، و أخيرا تعرض على الملك (20)

و هناك هيئات مركزية أخرى ليس لها دور مباشر في صياغة السياسات الاجتماعية، لكنها تعنى بإدارة و الاستفادة من المعلومات و تكنولوجيا الاتصالات لتحسين عملية الصياغة، و المساهمة في تنسيق الإنجازات، و رصد جهود الإنجاز. أما الوزارات التي تقوم بإنجاز السياسات الاجتماعية، فهي تسهم في صياغة السياسة الاجتماعية من خلال المشاركة في إعداد الخطط و الميزانيات السنوية، و توفير المعلومات أو التغذية العكسية بالمعلومات ... الخ

و يعد مجلس الوزراء هو المساهم الجوهري في عملية صياغة السياسة الاجتماعية، بناء على أن المقترحات التي لها أهمية قومية يجب أن ترفع إلى مجلس الوزراء ليوافق عليها. و لهذا، يعد مجلس الوزراء هو الهيئة الأكثر قوة في اتخاذ القرار في حكومة ماليزيا. كما أن البرلمان يلعب دورا مفيدا في عملية صياغة السياسات الاجتماعية و غيرها في ماليزيا. و يدور الحوار حول قضايا اجتماعية متباينة و غيرها، و توفير فرصة للأعضاء للتعبير عن آرائهم فيما تنطوي عليه السياسات و البرامج من ثغرات، و ما قد يدمج في برامج و سياسات أخرى في المستقبل

كما تعد الأحزاب السياسية مشارك أساسي أيضا في عملية السياسة، و هي أحزاب تمثل جماعات عرقية متباينة أو جماعات فرعية، و تعكس مصالحها، و تعمل على توسيع الوعي بالحاجات الاجتماعية لجماعاتها، و تحاول التأكد من أن صياغة السياسات تعمل على إشباعها

كما تلعب جماعات مصلحة من المنظمات غير الحكومية دورا مماثلا، و توصيل آراء الجماهير إلى الجهات المعنية بأجندة السياسات الاجتماعية القومية، و خاصة ما يتعلق بالمرأة، و الشباب، والمستهلك، و مسائل الفقر و العجز

و تشارك وسائل الإعلام أيضا في صياغة السياسة الاجتماعية، من خلال توفير المعلومات، وترقية الوعي بالقضايا الاجتماعية بين القراء من منظور شخصي و حكومي

أما المواطنون كأفراد فتقل مشاركاتهم في صياغة السياسة من خلال التعبير عن آرائهم خلال قنوات تشمل المنظمات غير الحكومية، و جماعات المصلحة، و الأحزاب السياسية، و وسائل الإعلام، و إدارات و هيئات حكومية مختلفة (21)

تبلور خلال مراحل تطور السياسات الاجتماعية في ماليزيا إطارا مؤسسيا لصياغة السياسات الاجتماعية، و إنجازها، و التنسيق بين مكوناتها. و تضم عملية الصياغة عناصر برلمانية، وقانونية، و إدارية، و سياسية، و يلتزم الجميع بمباديء النمو مع التوزيع المنصف. و هناك ثلاثة أنواع من السياسات تمت صياغتها، السياسات الرئيسة على المدى الطويل، و السياسات قصيرة المدى لسنة واحدة، و البرامج التي تصاغ لمعالجة مشكلات اجتماعية محددة

و تلعب المؤسسات الاتحادية للخدمة العامة – الوزارات و ما شابه – دورا قائدا في صياغة السياسات الاجتماعية، و تضع وحدة التخطيط الاقتصادي التابعة لمجلس الوزراء مسودة خطط التنمية أمام الحكومة الاتحادية لترفع إلى المجلس القومي لتخطيط التنمية، و تدعى وسائل الإعلام لمناقشتها، ثم تحول إلى البرلمان من خلال رئيس مجلس الوزراء، و تعرض على الملك بعد التعديلات. و لذلك، يعد مجلس الوزراء هو الهيئة الأكثر قوة في اتخاذ القرار في ماليزيا، و يلعب البرلمان دورا في الحوار حول القضايا الاجتماعية، و تشارك الأحزاب بدور أقل أهمية، و كذلك المنظمات غير الحكومية، و تعمل وسائل الإعلام على توفير المعلومات، و ترقية الوعي بالقضايا الاجتماعية، و تقل مشاركة المواطنين في صياغة السياسة الاجتماعية
4
تكامل السياسات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الخطط القومية في التنمية

لقد توطدت هذه الفلسفة القومية في التنمية و تأكدت في صورة سياسة اقتصادية جديدة، أصبحت إطار السياسة أو أساسا لخطة التنمية الأولى ذات المدى الطويل، و التي عرفت بخطة المنظور الشامل الأول ( 1971 – 1990 )، و التي ترجمت إلى برامج و مشروعات في خطط التنمية الأربع متوسطة المدى؛ ما بين 1971 – 1975، و 1976 – 1980، و 1981 – 1985، و 1986 – 1990.
و كان هدف هذه الخطة رغم اسمها هو الوحدة الوطنية، و ليس تعظيم النمو الاقتصادي. و لذلك، أدمج فيها استراتيجيتان اثنتان رئيستان؛ و نعني استراتيجية تخفيض نسبة الفقر بغض النظر عن العرق، و إعادة بناء المجتمع الماليزي لضمان أن العرق لا يشكل قضية بالنظر إلى النشاطات الاقتصادية

و جمعت هذه الاستراتيجيات بين الهدف الخاص بتحسين الفرص و تقليل الفقر بين باميبوترا Bumiputera كواحدة من الجماعات العرقية الأفقر في البلاد، و بني ذلك على حقيقة أن هذه الجماعة العرقية (باميبوترا) قد تخلفت وراء الجماعات الأخرى فيما يتعلق بملكية الثروة، و التمثيل في مجالات العلم و تلك المرتبطة به على كل المستويات الجامعية، و التشغيل في المهن؛ بما في ذلك الطب، و القانون، و الهندسة، و العمارة

و كان إدماج السياسة الاقتصادية الجديدة NEP و ما صاحبه من خطط تنموية، الخطوة الأولى في عملية تكامل السياسات الاجتماعية مع الخطط و سياسات التنمية القومية، و ذلك بالمقارنة بالسياسات الاستعمارية القديمة التي كانت تفتقر إلى هذا التكامل. و أدخلت الحكومة بعد ذلك رؤية مستقبلية للأعوام 2020 خلال اجتماع مجلس الأعمال الماليزي في عام 1991، تشجع ماليزيا على تحقيق مكانة الأمة المتقدمة، و تعمل على قبول الفلسفة التي تستند إليها السياسة الاقتصادية الجديدة، و إحلال سياسة التنمية القومية NDP محلها خلال الفترة من 1991 – 2000، و على الحفاظ على السمات الرئيسة للسياسة في ماليزيا، و وضع أساس للسياسة القومية للفترة من 2001 – 2010، والتي تجسدت و أدمجت في خطة 2010 – 2020، و التي تحافظ على النمو مع التوزيع المنصف(22)

و هكذا، أدى إدماج السياسة الاقتصادية و ما صاحبها من خطط تنموية، و تكاملها في عملية صياغة السياسة الاجتماعية، و ما يترتب عليها من خطط و برامج؛ إلى توطيد فلسفة قومية في التنمية؛ تهدف إلى تحقيق الوحدة الوطنية. كما أدمج فيها استراتيجيتان رئيستان، تخفيض نسبة الفقر بغض النظر عن العرق، و إعادة بناء المجتمع الماليزي. و حتى عندما أدخلت الحكومة بعد ذلك رؤية مستقبلية للأعوام 2020 بهدف تحقيق ماليزيا لمكانة الأمة المتقدمة، ظلت تحافظ على مبدأ النمو مع التوزيع المنصف

د/سالي جمعة
06-05-2011, 05:22 AM
و هكذا، أدى إدماج السياسة الاقتصادية و ما صاحبها من خطط تنموية، و تكاملها في عملية صياغة السياسة الاجتماعية، و ما يترتب عليها من خطط و برامج؛ إلى توطيد فلسفة قومية في التنمية؛ تهدف إلى تحقيق الوحدة الوطنية. كما أدمج فيها استراتيجيتان رئيستان، تخفيض نسبة الفقر بغض النظر عن العرق، و إعادة بناء المجتمع الماليزي. و حتى عندما أدخلت الحكومة بعد ذلك رؤية مستقبلية للأعوام 2020 بهدف تحقيق ماليزيا لمكانة الأمة المتقدمة، ظلت تحافظ على مبدأ النمو مع التوزيع المنصف

ثالثا: مستويات التنمية البشرية في ماليزيا، و أهداف الألفية الثالثة

ربما كان تسليط الضوء على التجربة الماليزية من خلال تحليل السياسة الاجتماعية التي انتهجتها خلال النصف قرن الماضي، و تتبع تطورها، و السياق الذي استظلت به، و صياغتها و تكاملها مع السياسات الأخرى، له دلالاته النظرية، و تأكيد ضرورة أن تستجيب السياسة الاجتماعية و تتكيف مع الظروف المجتمعية المتغيرة، و تدخل التعديلات المطلوبة في توجهاتها و برامجها، و أن تنطلق من سياق و إطار مؤسسي مواتي، و أن تستند في صياغتها و صنعها على مبدأ المشاركة، و أن تحرص على التكامل و التنسيق مع السياسات الأخرى و بخاصة السياسة الاقتصادية. و كان من الضروري أيضا أن نسلط الضوء على الدلالات العملية للسياسة الاجتماعية في ماليزيا، و تتبع الإنجازات التي تحققت و انعكاساتها على مستويات التنمية البشرية في ماليزيا؛ من حيث ترتيب ماليزيا بين دول العالم، و خصائص دليل التنمية البشرية، و توقع الحياة، و التعليم، و الناتج المحلي الإجمالي، و أيضا بيان مؤشرات التنمية في مجالات رأس المال البشري، و الأمن الاجتماعي، والحد من الفقر.
1
دليل التنمية البشرية، و ترتيب ماليزيا بين دول العالم

يشير تقرير التنمية البشرية للعام 2007 / 2008 الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، إلى أن ماليزيا قد حققت ترتيبا صاعدا بلغ المرتبة الثالثة و الستون بين دول العالم؛ مما دفعها إلى أن تدخل ضمن مجموعة البلدان التي حققت مستوى عال في التنمية. و قد قدر دليل التنمية البشرية ما قيمته 811. خلال عام 2005، و بلغ متوسط العمر المتوقع خلال نفس العام 73.7عاما، و معدل تعلم القراءة و الكتابة للبالغين ( ما يزيد عن 15 عاما ) خلال الفترة من 1999 – 2005 88.7%، أما نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي فقد بلغ 10.882 دولارا خلال عام 2005

و بلغت نسبة الأمية بين الكبار ( 15 عاما فأكثر ) 11.3 %، و السكان الذين لا يتوافر لهم مصدر للمياه النقية عام 2004‘ 1 %. و بالنسبة للسكان تحت خط الفقر، و نسبة من يعيشون على دولار واحد في اليوم فكانت 2 %، و من يعيشون على أكثر من دولارين في اليوم 5.3 %، و ذلك خلال الفترة من 1990 – 2005. كما بلغ خط الفقر القومي خلال الفترة من 1990 – 2004 15.5% (23)
2
مؤشرات التنمية في مجال رأس المال البشري

يتوقف نمو رأس المال البشري على الاستثمار في مجالات الصحة، و التعليم، و التشغيل. ولذلك، كان تسليط الضوء على ما تم إنجازه في هذه المجالات من خلال تحليل المؤشرات الاجتماعيةالمتاحة، و مقارنتها بالإنجازات و المؤشرات في بلاد آسيوية أو نامية أخرى؛ ضروري لتوضيح مدى اقتراب التجربة الماليزية من أهداف الألفية الثالثة.

أ- التنمية الصحية

إن استثمار ماليزيا في الصحة يمثل عنصرا مركزيا في استراتيجية التنمية الشاملة، بعد أن أدركت أن الوضع الصحي الأفضل يعد محصلة للتنمية الاقتصادية، أو في الواقع ما هي إلا وسائل لتحقيق التنمية الاقتصادية.

و لقد تركزت برامج التنمية في القطاع الصحي منذ 1957 على تحسين صحة كل الماليزيين، من خلال توفير منظومة متكاملة و شاملة من خدمات صحية عالية الجودة؛ اشتملت على مستويات رعاية أولية، و ثانوية، و ثالثية Tertiary. و قد أكد الدستور الفيدرالي على التوزيع المنصف للخدمات من خلال تحسين إتاحة الرعاية الصحية




و الهدف الحالي لقطاع الصحة هو تحسين خدمات الرعاية الصحية، و استمرار تحسين تطوره، و الإنصاف في دعم هذه الخدمات من خلال برامج أساسية للصحة

· برامج الخدمة الصحية الوقائية و المعززة، بهدف تقليل الإنفاق على خدمات العلاج و إعادة التأهيل، و تغيير نمط الأمراض في ماليزيا، و الحد من انتشار الأمراض المعدية و غير المعدية. و هي استراتيجية تعتمد على خبرات على درجة عالية من التعليم و المعرفة، والتوسع في برامج التوعية الصحية و التعليم
· برامج أسلوب الحياة الصحي، التي تعنى بالسلوك الصحي، و الوقاية من المرض، و زيادة الوعي بالعوامل السلوكية، و الاقتصادية، و الاجتماعية، و المهنية، و البيئية التي لها آثار محتملة على صحة الأفراد
· برامج التحصين، لضمان توافر التطعيمات اللازمة للأطفال، و تشجيع عادات التحصين بين الكبار
· برامج صحة الأسرة، للارتقاء بصحة الفرد و الأسرة و المجتمع. و تضم خدمات طب الأسرة المتخصصة؛ لضمان الكشف المبكر عن الأمراض، و توفير إدارة مناسبة للمرضى على مستوى الرعاية الصحية الأولية
· برامج التغذية و الطعام، و التوعية بأهمية الأمان و سلامة الطعام في المنزل و الأسواق، والدفاع عن الإتاحة المنصفة للطعام المغذي، و عادات الأكل الصحية خاصة بين أطفال المدارس و المراهقين
· برامج الإصحاح البيئي و الصحي، و الذي يمد كل المنازل في الحضر بالمياه النقية، ويحسن من إتاحة هذه المياه في المناطق الريفية، أو يوفر مصادر بديلة و آمنة للمياه
· برامج الصحة و الأمان المهني، و دعم و تأسيس ثقافة و بيئة عمل آمنة و صحية؛ من خلال الحملات الجماهيرية، و برامج التدريب و التعليم، و تعزيز القوانين، و تقليل الحوادث والأمراض المهنية
· برامج خدمات الرعاية الطبية، و بناء و تأسيس تسهيلات طبية جديدة، و التوسع في تحديث ما هو قائم من أجهزة و معدات تكنولوجية، و نظام تكنولوجيا المعلومات في المستشفيات والمراكز الطبية، و تجهيزها بمعدات تشخيص جديدة؛ لتحسين الجودة في هذه المراكز، وكذلك برامج الصحة الريفية، و الصحة الأولية، و العيادات، و برامج لرصد النظام والتحكم و إنتاج و استخدام المنتجات الطبية و الأدوية، و برامج لضمان الجودة؛ لتحسين الكفاية وفعالية الخدمات المقدمة
· برامج العاملين في المجال الصحي، و توفير فرص التدريب لضمان احتياجات القوى العاملة في الخدمات الصحية، و التوسع في المعاهد الصحية في الداخل، و التدريب في الخارج للأطباء، و الأخصائيين، و الصيادلة، و غيرهم. كما أتيحت الفرص أمام أطباء أجانب وأخصائيين لسد العجز في بعض التخصصات
· برامج التنمية و البحث الطبي، أسس في عام 1900 في ماليزيا معهد البحث الطبي كمركز إقليمي لمنظمة الصحة العالمية للبحث و التدريب على التغذية و الأمراض الاستوائية، الذي طور مناهج للتحكم في الأمراض المعدية و غير المعدية، و أسس مركز للتحكم في مرض الملاريا و التلوث و البيئة، و غير ذلك من معاهد قومية للصحة، و العمل مع الجامعات في إجراء البحوث الصحية ( 24 )
· دور الخدمات الصحية الخاصة، التي تزايدت في الأيام الأخيرة في صورة مستشفيات خاصة في المناطق الحضرية، لتقدم رعاية علاجية، كما تقدم المؤسسات الخاصة دعما لخدمات المستشفيات الحكومية ... الخ
· الإنفاق على الخدمات الصحية، من خلال برامج التنمية الفيدرالية التي تزايدت خلال الفترة من 1996 – 2000 لتصل إلى 3.6 بليون ريال ماليزي، بمعدل 12 % من إجمالي الإنفاق على القطاع الاجتماعي، و 3.7 % من إجمالي الإنفاق الحكومي على التنمية. و تزايدت الميزانية خلال خطة 2001 – 2005 إلى 5.5 بليون بمعدل 14.7 % من ميزانية القطاع الاجتماعي، و 5 % من إجمالي ميزانية التنمية

و تشير البيانات المتاحة في هذا الصدد إلى أن ما تنفقه ماليزيا على الصحة كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، يزيد بوضوح على ما ينفق على الصحة بهذه النسبة في الكثير من الدول النامية و العربية؛ مثل الجماهيرية العربية الليبية، و مصر، و اليمن، و السودان؛ حيث بلغت النسب على التوالي 1.6 %، و 1.9 %، 1.50 %، و 6. %، بينما تراجعت نسبة ما ينفق على الصحة في ماليزيا أمام ما تنفقه بلد مثل كوريا الجنوبية في هذا الصدد

و قد بلغ نصيب الفرد في النسبة من مجموع المصروفات الصحية بالدولار 143 دولارا، وهونصيب يزيد بوضوح عن نصيب الفرد في بلاد نامية و عربية أخرى؛ مثل الجزائر، و سوريا، والسودان، و مصر، و المغرب، و اليمن؛ حيث بلغ هذا النصيب 73، و 60، و 14، و 46، 59، و20 على التوالي، بينما تراجع أيضا نصيب الفرد في ماليزيا أمام ما تنفقه بلد مثل كوريا الجنوبية، والمملكة العربية السعودية؛ حيث بلغ هذا النصيب 532، و 375 على التوالي

و قد أدت برامج الصحة في ماليزيا، و ما تنفقه على تحسين الصحة إلى عدة نتائج، فلقد ظهر تحسن في انخفاض معدل وفيات الأطفال الرضع من 76 لكل 1000 مولود حي في عام 1957 إلى 13 في عام 1990، و إلى 10 في الفترة من 2000 – 2005. و كذلك، تناقص معدل وفيات الأمهات على طول النصف قرن الماضي من 280 لكل 1000 مولود حي عام 1957 إلى 20 في 1990، و 2. عام 2000. و جاء ترتيب ماليزيا في تصنيف منظمة الصحة العالمية لمجمل أداء المنظومة الصحية بها في المرتبة 49؛ و هو ما يجعلها تتقدم في هذا الصدد على مجموعة دول نامية و عربية؛ مثل الجزائر، و ليبيا، و سوريا، و السودان، و العراق، و كوريا الجنوبية، و مصر، واليمن، و التي جاء ترتيبها على التوالي 81، و 87، و 108، و 134، و 103، و 58، و 63، و120. بينما تراجعت ماليزيا في هذا الترتيب أمام بعض البلدان النامية و العربية؛ مثل قطر، والكويت، و المغرب، و المملكة العربية السعودية، و التي كان ترتيبها على التوالي 44، و 45، و29، و 26 ( 25 ). و كنا قد أشرنا سابقا إلى ما ظهر من تحسن في معدل توقع الحياة عند الميلاد في ماليزيا

ب- التعليم و التنمية

الحكومة الفيدرالية مسؤولة عن كل المسائل المتعلقة بالتعليم، باستثناء التعليم الإسلامي الذي توفره حكومات الدولة، و تحقق تقدما استثنائيا بالنظر إلى أهداف الإتاحة المتزايدة لفرص التعليم وإشباع حاجات الاقتصاد إلى القوى العاملة
و يعتبر التعليم و التدريب مكونا هاما في السياسات الاقتصادية و الاجتماعية. و هناك أهداف عديدة وراء سياسة التعليم في ماليزيا؛ مثل توسيع قدرات المنشآت التعليمية، و زيادة فرص الوصول إلى كل أشكال التعليم، و تعزيز عملية تلقي الخدمات، و تحسين الجودة العامة للتعليم. أما الأهداف الدائمة لسياسة التعليم في ماليزيا فقد ارتبطت بجوهر السياسات القومية، و هي توفير التعليم للجميع، و توليد مصدر كاف للموارد البشرية القومية، و بناء شخصية، و أفراد أصحاء واسعوا الاطلاع، وبناء أمة موحدة و موالية للدولة

و لقد أنجزت وزارة التعليم برامج تعليم أولي، و ثانوي، و عال، بالإضافة إلى مشروعات لتدريب المعلمين. و تقوم وزارات أخرى بتقديم برامج تعليمية مثل مجلس أمناء السكان الهنود، والذي يرعى الكليات العملية، كما تنظم وزارة التنمية الريفية فصولا لما قبل المدرسة لأطفال الريف، و كذلك وزارة الوحدة الوطنية و التنمية الاجتماعية، تقيم فصولا لما قبل المدرسة لأطفال المناطق الحضرية

و هناك أيضا برامج أخرى للتعليم قبل المدرسة، و إنشاء حضانات في كل أرجاء البلاد. أما برامج تعليم المدارس الابتدائية للأطفال فتبدأ من 7 سنوات ليستمروا في الدراسة من 5 – 7 أعوام، و لاكتساب مهارات الكتابة و القراءة، و بناء أساس قوي في الرياضيات و العلوم الأساسية، من خلال دعم تعليمي في صورة مساعدة مالية، و توفير الكتب، و تسهيلات الإعاشة للأطفال المحرومين، و ذوي الدخل الأقل. و قد ساعدت هذه الحوافز على تقليل النفقات، و أسهمت في زيادة عدد الطلاب الذين أكملوا تعليمهم (26)

أما برامج التعليم الثانوي، فيشتمل المنهج الدراسي لهذه البرامج الشاملة على موضوعات عديدة تتحيز إلى التطبيق، و تدخل التدريب في التعليم، و الانتقال إلى ميادين أكثر تخصصا في الدراسة. وتقدم المدارس الفنية و المهنية تعليما أكاديميا يتحيز إلى الجوانب العملية و المهارات التي يحتاجها العمل. و تتكامل المعرفة النظرية مع التطبيق العملي للمعرفة في العملية التعليمية؛ بهدف زيادة فهم الموضوعات العملية و الفنية. و بلغ معدل مشاركة الطلاب على مستوى التعليم الثانوي 85 % عام 2001

كما خصصت الحكومة برامج للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، و الاهتمام بهم، و إدماجهم في التيار الأساسي للتعليم المدرسي، و جهزت المدارس بالتسهيلات اللازمة

أما برامج التعليم العالي فتقدم تعليما يمنح درجات، و دبلومات، و شهادات من معاهد جديدة للتعليم العالي؛ مثل الجامعات، و الكليات الفنية Polytechnics، و برامج التعليم عن بعد، مع الاهتمام بتحديث و التوسع في الجامعات الموجودة. و هو تعليم يركز بقوة على العلم و البرامج التي تبنى على التكنولوجيا؛ كالطب، و طب الأسنان، و الهندسة، و العمارة، و تكنولوجيا المعلومات. وتقدم مساعدة مالية لمختلف جماعات الطلاب، خاصة أولئك الذين ينحدرون من أسر منخفضة الدخل، و ذلك من خلال صندوق التعليم العالي القومي؛ و هذا يضمن أن كل الشباب تتاح لهم فرص التعليم العالي. و مع الاهتمام بنوعية و جودة التعليم، أدمج ممثلوا القطاع الخاص في لجان أمناء هذه المؤسسات في القطاع العام

كما أتاحت سياسة التعليم للطلاب من ذوي المستويات الأكاديمية الأقل تعليما آخر في صورة فرص للتدريب المهني في مراكز للتدريب المهني بنيت على أساس التكنولوجيا المتقدمة، لتدريب القوى العاملة التي يحتاجها قطاع الصناعة. و من خلال صندوق تنمية المهارات، قدمت مساعدات مالية للطلاب الفقراء

و هناك برامج لتدريب المعلمين تغطي مجالات الاستشارات و المهارات في التعامل الشخصي، و التعليم البيئي، و الحاسب الآلي، و الاستفادة من الوسائط الإعلامية في تعلم الرياضيات، و العلوم، و اللغات خاصة الإنجليزية

و بالنسبة لمؤسسات التعليم الخاص، فهي نوع من التعليم كانت تقدمه على نطاق أكبر بعثات مسيحية بين الصينيين و الهنود حتى عام 1907، و بعدها تراجع دور هذه المؤسسات خاصة بعد تأسيس نظام التعليم القومي، و تدريجيا أدمج هذا التعليم في النظام القومي. و يشتمل التعليم الخاص على كل مستويات التعليم، بما في ذلك التعليم العالي؛ حيث أخذ شكل جامعات خاصة محلية، وحملات راعية ترتبط بالجامعات الأجنبية. و لقد ضمن قانون مؤسسات التعليم العالي الخاصة عام 1996، و وزارة الإرشاد التعليمي Guidelines صحة نمو التعليم الخاص في ماليزيا

و قدر الإنفاق على التعليم خلال الفترة من 1996 – 2000 بحوالي 17.5 مليون ريال ماليزي، بنسبة 56 % من إجمالي الإنفاق التنموي للقطاع الاجتماعي، و 17.7 % مما ينفق على التنمية. ويعد هذا الإنفاق من أعلى المعدلات في هذا القطاع، و هو معدل تزايد في الفترة ما بين 2001 و2005 ليصل إلى 18.7 مليون ريال ماليزي (27)

و قد ترتب على برامج التعليم و ما أنفق عليها استنادا إلى السياسة الاجتماعية في ماليزيا، تحسن واضح في الأوضاع التعليمية ظهر من خلال انخفاض نسبة الأمية إلى 11.3 % في الفئة العمرية ما فوق الخمسة عشر عاما ( + 15 )، و 2.8 % في الفئة العمرية ما بين 15 – 24 عاما، و ذلك خلال الفترة ما بين 2000 – 2004، و هي معدلات تقل كثيرا عن نظيراتها في بلدان نامية و عربية أخرى؛ مثل الإمارات العربية 22.7 % و 8.6 %، و الجزائر 31.1 %، و 10.1 %، و سوريا 17.1 %، و 4.8 %، و السودان 40.1 %، و 20.9 %، و الكويت 17.1 %، و 10.9 %، ومصر 44.7 %، و 26.8 %، و السعودية 22.1 %، و 6.5 %، و اليمن 51 %، و 32.1 %، و المغرب 49.3 %، و 30.5 %.

و قد بلغ معدل القراءة و الكتابة عام 2000، 93.8 %، و هو واحد من أعلى المعدلات في العالم، و هو يعكس أهمية التعليم في أجندة التنمية القومية. حيث توفر الحكومة تعليما مجانيا يدوم أحد عشر عاما. و بينما نجد أن التعليم ليس إجباريا، إلا أن أكثر من 99 % من كل من تجاوز الستة أعوام مسجلين في المدارس الابتدائية. كما بلغ معدل الالتحاق الصافي خلال الأعوام 2002 – 2003 في التعليم الثانوي 70 %، و الجامعي الإجمالي 29 %. و هو معدل يفوق نظيره في بلاد مثل تونس 64 %، و 27 %، و الجزائر 67 %، و 21 %، و عمان 69 %، و 7 %، و المغرب 36 %، و 11 %، و السعودية 53 %، و 25 %. بينما هناك دول أخرى نامية و عربية قد تجاوزت ما حققته ماليزيا من تقدم في التعليم الثانوي و العالي، منها الأردن 80 %، و 35 %، و الإمارات 71 %، و 35 %، و البحرين 87 %، و 33 %، و فلسطين 84 %، 35 %، و مصر 81 %، و29 %، أضف إلى ذلك دولة آسيوية مثل كوريا الجنوبية 87 %، و 85 % ( 28 )

و قد نشأ نظام التعليم القومي تدريجيا، و أكثر من ذلك، ضمن تحقيق الرغبة في تعليم ابتدائي عالمي، و تعلم الطلاب بلغات عديدة، و حقق هذا حاجات كل جماعة عرقية. بالإضافة إلى أن التعليم استمر إلى أن يقدم بالمجان في المدارس الابتدائية، و يقدم التعليم الثانوي باللغة القومية

و يشكل النظام التعليمي واحدا من الروافد الجوهرية للأصالة الثقافية التي عبرت عن خصوصية التجربة الماليزية، لأنه نظام أسس و مازال على مباديء مثل احترام الإثنية، و الاستفادة من تجارب الآخرين، و عدم فرض نمط جماعي للتعليم في دولة متعددة الأعراق مثل ماليزيا. و ما كان ليحافظ على استقرار العلاقة بين هذه الجماعات بدون روح التسامح و التفاهم التي زرعها بدلا من زرع بذور الكراهية و الشك ( 29 ). كما أن المفاهيم المختلفة مثل الهوية الوطنية، و الوحدة، و كل المباديء التي تضمنتها الأيديولوجية الوطنية تجد صداها في الأهداف، و الطموحات، و الغايات المنشودة من التعليم و برامجه؛ فهي مباديء حاكمة و موجهة لتطوير المناهج التي تركز على تعليم الثقافات والمهارات التي تتناسب مع عمر و نضج الطفل، و تتفق مع الحاجات القومية (30 ).

ج- التشغيل و التنمية

استطاعت ماليزيا أن تحافظ على مستوى تشغيل عال و تام خلال المدة من 1970 – 2000، وهو ما يعزى إلى التوسع السريع و المستمر في الغالب للاقتصاد على نحو يفوق عشرات السنين الأخيرة. و كان الطلب على العمل في قطاعات اقتصادية معينة كبيرا إلى درجة ظهر معها عجز في قوة العمل. و هناك برامج تعمل على زيادة فرص التشغيل و التغلب على هذا العجز

و تعتبر سياسة سوق العمل في ماليزيا دائما مكونا أساسيا في الاستراتيجيات ذات الصلة بالخطة الاقتصادية الجديدة NEP، و سياسة الرؤية القومية NVP. و أصبحت أساليب خلق وظائف جديدة بمعدلات مستمرة و سريعة واحدة من المكونات الهامة في جهود تقليل الفقر، و إعادة بناء المجتمع

و الهدف المركزي لسياسة التنمية القومية، كان الحفاظ على معدل تشغيل كامل Full Employment. و هناك أهداف أخرى تركزت على زيادة إنتاجية العمل و الأجور، و إشباع الطلب على العمل الذي يحتاجه الاقتصاد و الذي شهد توسعا سريعا، و مجموعة أساسية من التغيرات البنائية. و قد أسهمت الأزمة المالية عام 1997 و نتائجها في زيادة معدلات البطالة؛ مما أضاف حوافز إلى هذه الأهداف تحاول السياسة أن تحققها؛ بأن يتمكن العاطلين الجدد من التوصل إلى فرص تشغيل منتجة (31 )

و تطلب الحفاظ على مبدأ التشغيل الكامل إنجاز برامج و استراتيجيات تركز على جانبي العرض و الطلب في سوق العمل، و استراتيجيات لتقليل الطلب على العمل، وخاصة العمل غير الماهر وشبه الماهر، استجابة لسوق العمل في بداية 1990. و هي استراتيجيات تركزت على تشجيع استثمارات جديدة في رأس المال، أو الأعمال كثيفة التكنولوجيا، بدلا من تلك الصناعات كثيفة العمل. و في هذا السياق، قدمت حوافز إلى الصناعات صغيرة الحجم و المتوسطة بهدف التحديث و التطوير. و أكثر من ذلك، تم تشجيع المستثمرين المحليين و منظمي الأعمال على تخصيص جهودهم خارج البلاد – خاصة في البلدان المجاورة – للاستفادة من فرصة توافر العمالة الرخيصة. و هناك استراتيجية أخرى تم التركيز عليها لزيادة الإنتاجية، و اشتملت على التدريب في أثناء العمل، و زيادة الدافعية، وربط الأجر بالإنتاجية

أما الاستراتيجية التي تستفيد من جانب العرض في الاقتصاد، فقد تركزت في الحفاظ على نظام تعليم فعال قادر على تقديم خريجين يمكن أن يشبعوا حاجات العمل في الاقتصاد. و تشمل إنجاز برامج تدريب صناعية شاملة ترعاها وزارة الموارد البشرية، و تنمية الشباب و الرياضة، بالتنسيق مع المانحين للتدريب الصناعي الخاص و المعترف بهم. و هي برامج تم دعمها من خلال خبرات ومعونات مالية من فرنسا، و ألمانيا، و اليابان، و أسبانيا، و المملكة المتحدة، و أيرلندا الشمالية

كما تشمل جهودا أخرى لضمان عرض كاف من القوى العاملة المدربة على إدخال برامج لتحديث مهارات العمال، و إعادة تدريب العاطلين، من خلال صندوق تنمية الموارد البشرية الذي تديره وزارة الموارد البشرية، و التي تقدم مساعدة مالية للمتدرب، و تسهم المؤسسات بنصيب بسيط من أرباحها في هذا الصندوق

و تمثل سياسة الأجور جهودا أخرى لضمان عرض كاف من العمالة، و تقوم الحكومة بتحديد الأجور في القطاع العام، و رغم أنها أجور منخفضة عموما عما يقدم في القطاع الخاص، إلا أن الموظفين المدنيين يتمتعون بعدد من المزايا؛ تشمل تأمين الاستمرار في العمل، و التثبيت. و تحدد الأجور في القطاع الخاص من خلال الاتفاق المتبادل بين صاحب العمل و العامل، و يصاغ من خلال الاتفاقيات الجمعية. و هناك قوانين مختلفة تضمن حقوق العمال، و حل الخلافات من خلال التحكيم Arbitration و المحكمة الصناعية، كما أدخلت الحكومة إجراءات للتعامل مع تدفق العمال من البلدان المجاورة، و سن قوانين تنظم و تسهل شرعية تواجدهم، كما حددت القطاعات والصناعات المسموح بها لعمل هؤلاء العمال أو البحث عن العمل، و منحت عفوا عن العمال الأجانب غير الشرعيين، و أعادتهم إلى بلادهم الأصلية. كما أنشأت خدمة نشر المعلومات المتعلقة بفرص العمل المتاحة، يتم تحديثها من خلال نظام شامل على الحاسب الآلي، عرف بتبادل العمالة الإليكتروني. و هناك إجراءات أدخلت للتغلب على البطالة خلال الأزمة المالية عام 1997، تشمل تعزيز التشغيل الذاتي في مجالات التجارة المنظمة البسيطة، و مؤسسات العمل الصغيرة والزراعية، و إغراء أصحاب العمل و رجال الصناعة بتأجيل تخفيض النفقات Retrenchments على حساب تخفيض الأجر، و ساعات عمل أقل، أو تشغيل لبعض الوقت، أو تسهيل حراك العمال

أما الإنفاق الفيدرالي التنموي على التشغيل خلال الفترة من 1996 – 2000، فقدر ما يخص التدريب بمبلغ 2.2 بليون ريال ماليزي، و قدر الإنفاق على التدريب الصناعي منه 1.8 بليون، وتمثل 82 % من إجمالي ما أنفق على التدريب، و 17.4 % من إجمالي ما أنفق على تنمية القطاع الاجتماعي ( 32

و قد ترتب على سياسات التشغيل و ما أنفق على برامجه في ماليزيا، أن اعتبرت نسبة التشغيل في ماليزيا واحدة من أعلى النسب في العالم؛ حيث كان نصيب التشغيل خلال أواخر 1980، 93 % تقريبا من قوة العمل، و ارتفع هذا النصيب إلى 97 %. و بالإضافة إلى زيادة أعداد المشتغلين على المستوى القومي، قدمت نشاطات التنمية وظائف أفضل و بأجور أعلى خاصة في قطاعات الخدمة والصناعة

و في المقابل، تراجعت معدلات البطالة في ماليزيا بشكل حاد مع حلول عام 1990. و لقد هدد تناقص فرص العمل، و زيادة الضغط من أجل رفع الأجور، المنافسين من القوميات المتعددة الذين أعطيت لهم فرصا استثمارية في ماليزيا، و إلى حد زاد من احتمالات مغادرتهم البلاد. و هذا ما أدى إلى تكثيف السيطرة على ظروف العمل و النقابات؛ من أجل المحافظة على مزايا تكاليف العمل المنخفضة

د/سالي جمعة
06-05-2011, 05:31 AM
و يصعب تحقيق أي تقدم وطني كبير دون تغييرالمؤسسات لكي تنطلق الطاقات الكامنة في نصف المجتمع في مختلف الدول، و تفرض واجبات العدالة و حقوق الإنسان أن تصبح قضية عدم المساواة بين الجنسين في الحصول على الفرص و الأمان بالنسبة للنساء و الفتيات، قضية مهمة وبارزة بالنسبة لاقتصاديات دول كثيرة و منها ماليزيا ( 33

و قد لوحظ أن حصة النساء في ماليزيا كنسبة مئوية من الوظائف ذات الأجر في القطاع غير الزراعي خلال عام 2003 قد بلغت 38 %، و نسبة النساء الموجودات في مراكز قيادية في الخدمة العامة ( المقاعد البرلمانية ) في 2005، 9.1 %، و في المناصب الوزارية دون الوزير 14 %، وهي نسبة تفوق ما تحقق في هذا الصدد في بلاد نامية و عربية أخرى. ففي سوريا بلغت النسب 18.2%، و 12 %، و 2 %، و في السودان 18.9 %، و 9.7 %، و 1 %، و في عمان 25.6%، و 2.4 %، و 4 %، و في الكويت 24.1 %، و 1.5 %، و 1 %، و في مصر 21.6%، و 2.9 %، و 2 %، و في المغرب 26.2 %، و 10.8 %، و 2 %، و في اليمن 6.1%، و 3. %، و 1 % على التوالي. و مع ذلك، كانت المعدلات في ماليزيا أقل منها في بلد مثل كوريا الجنوبية، و التي بلغت 41.2 %، و 13 % ( 34 ). و هكذا، أتيحت فرص واضحة لتمكين المرأة، و هذا ما أكده مهاتير محمد " إنه إذا كانت المرأة تمثل 50 % من المجتمع، و أنها تجد فرص تشغيل في كل المهن بما في ذلك القوات المسلحة؛ لأنه لا يوجد تعارض بين تعاليم الإسلام و عمل المرأة ( 35

و الخلاصة، إن برامج التشغيل و الاستراتيجيات التي أنجزتها الحكومة خلال فترات النمو الاقتصادي، كانت أدائية في الحفاظ على الاقتراب من مستويات التشغيل الكامل في ماليزيا، رغم تخفيض النفقات. و إنه لمن الواضح أن سياسة التشغيل الكامل تم دعمها من خلال ضمان التعديلات الحصيفة داخل مجال التعليم التي وافقت متطلبات الاقتصاد المتقلب Fluctuating

د- الحماية و الأمن الاجتماعي

تميل الهيئات الحكومية إلى أن تكون هي المصدر الرئيس لتوفير الحماية و الأمن الاجتماعي، وتضاءلت تبعا لذلك مبادرات القطاع الخاص، و كانت أقل إسهاما

و تهدف سياسات الحماية الاجتماعية و الأمن إلى تحسين خير السكان، و هي سياسات تتعلق بدعم مساعدة الرفاه، و إنجاز برامج التخفيف من حدة الفقر، و دعم الحاجات الأساسية إلى الإسكان، و المياه، و الصرف الصحي. و قد جمعت هذه السياسات بين إجراءات تهدف إلى زيادة الدخول من خلال دعم التدريب، و تسهيلات الائتمان. و تشير الحماية الاجتماعية إلى عائدات على الجماهير وتحميهم ضد كل ما يهدد مستويات الأمن الاجتماعي، منها نظم الأمن الاجتماعي للعاملين؛ يحق من خلالها لكل العاملين الذين يحصلون على أجور شهرية أصلية تقل عن 2000 ريال ماليزي الاستفادة من هذه العائدات، و خاصة فئات العمال، و الخدم في المنازل، و الزوجة غير العاملة، و المجندون في الجيش و الشرطة، و المساجين ... الخ. و يؤمن هذا النظام العاملين ضد الإصابة في مكان العمل، والإصابات الصناعية، و أمراض المهنة و الحوادث

و هناك صندوق تأمين العاملين، لضمان الأمن المالي لأعضائه خاصة بعد التقاعد، من خلال نظام توفير يتطلب المشاركة من جانب العاملين، و أصحاب العمل، و صندوق تعويض المرأة. وجماعاته المقصودة هم العمال اليدويين و غير اليدويين الذين يقل دخلهم عن 500 ريال شهريا، والمرضى والأمومة، و انتهاء عائدات العمل، و ما يغطي كل العاملين الذين يقل دخلهم عن 1250 ريال ماليزي في الشهر

ثم نظم معاشات التقاعد في القطاع العام، و يشتمل على معاش الخدمة، و الأجور، و العطايا، وصندوق القوات المسلحة، و مساعدات الرفاه الاجتماعي، و نظم التعويض المهني، و التأمين الخاص، و الرعاية الصحية ... الخ

و هكذا، عرفت ماليزيا عددا كبيرا من نظم الحماية الاجتماعية التي أسست جيدا، و بعضها يرجع إلى عام 1950، و ظلت قادرة على الوفاء بأغراضها، و صالحة للتمويل رغم بعض الأزمات الاقتصادية في الأعوام 1980، 1990

و لا تفيد نظم الحماية الاجتماعية العاملين فقط في ماليزيا، و إنما أيضا من يعولونهم. و حتى العمال الأجانب المؤقتين، تقدم لهم حماية مرتبطة بالتشغيل في صورة الرعاية الطبية لكل العاملين الأجانب، بما فيهم غير الشرعيين. و مع ذلك، هناك بعض المشكلات في أداء هذه النظم، ظهر في صورة التنسيق غير الكاف، و إن التغطية الأوسع و العادلة لنظم الحماية الاجتماعية لا تشتمل على العاملين لحسابهم الخاص. و قد اتخذت الحكومات خطوات لتحسين إنجازات الخدمات الاجتماعية، وتحسين نوعية الحياة (36 )

و يهدف توسيع مجالات التنمية الاجتماعية من خلال التوسع الكمي و النوعي في الخدمات، ثم إنشاء مراكز للإيواء، و مراكز للباعة الجائلين، و المزيد من الحدائق العامة، و أماكن المشي والتسلية؛ لمقابلة الطلب المتزايد على الحدائق و الأماكن المفتوحة للتنزه، و أطلقت حملة لزراعة حزام أخضر من الأشجار حول المدينة. و في مجال تأمين المجتمع ضد مخاطر الحريق، أقامت الدولة حوالي 54 محطة حرائق جديدة في مواقع استراتيجية بجانب الأحياء السكنية، و المناطق التجارية والصناعية؛ بهدف توفير خدمات فعالة و سريعة لحماية الأرواح و الممتلكات، و بذلت الجهود لتنمية و صقل مهارات و قدرات الأفراد على الإنقاذ و مواجهة الحرائق؛ مما أدى إلى زيادة أعداد المتطوعين لتقديم الخدمات المجتمعية في هذا المجال. و قد لوحظ في ماليزيا أن التنمية الاقتصادية السريعة مع العولمة، أحدثت تغيرات في نوعية الحياة بصفة عامة، و هيكل الأسرة خاصة؛ مما أسهم في زيادة المشكلات الاجتماعية. و في سبيل ذلك، و ضعت خطة للتغلب على مشكلات كبار السن، والأطفال، و التفكك الأسري، و الزواج، و الإسكان، و المعاقين و غيرها. فعملت على تأمين كبار السن و ضمان مشاركتهم في تنمية المجتمع، و وضعت خطة تجمع بين تعاون القطاع الخاص والعام، و تنفيذها في مجالات الصحة، و التدريب، و التعليم، و مراكز رعاية المسنين على مدار اليوم في حالة تغيب أفراد الأسرة، و وفرت خطوطا مجانية لتمكين هؤلاء من الحصول على خدمات المعلومات و المشورة، كما تبنت الدولة برنامجا لتنمية الأسرة و مساعدتها في التغلب على التحديات و المطالب الناشئة عن التنمية السريعة؛ شملت التجهيز للزواج و تنمية قدرات الأبوين في التعامل مع الناشئين، و رفع شعار( معا بالأسرة، بالوحدة، بالتضامن، بالتوافق )، وتواصلت جهود الاهتمام بالطفل، و مسؤولية الأسرة كمصدر للحماية، و أقيمت مراكز لحماية الأطفال من الاستغلال، والقضاء على ظاهرة هروبهم، و مساعدة آبائهم في حمايتهم، امتدت إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، و توفير التعليم المناسب لهم، و وضعت الدولة برامج لإدماجهم في المجتمع، للتدريب على التكنولوجيا، و شجعت القطاعين العام و الخاص على تقديم فرص عمل تتلاءم معهم، و خصصت لهم الوحدات السكنية المجهزة لتتلاءم مع احتياجاتهم، و ساهمت المنظمات غير الحكومية في دعم هذه الجهود الحكومية، و اهتمت الحكومة بمساعدة هذه المنظمات، و وفرت لها الدعم المادي اعترافا بدورها في مجال التنمية البشرية و الأمن الاجتماعي ( 37 )

ه- تقليص الفقر

كان تقليص الفقر في قمة أجندة التنمية القومية منذ 1970، عندما قبلت ذلك كأحد استراتيجيات خطة الاقتصاد القومي NEP، و التي كان يقود جهودها الحكومة الفيدرالية. إذ تقوم الحكومات، والمنظمات غير الحكومية، و مؤسسات الأعمال كلها بلعب دور مهم في هذا الخصوص. و كانت النتائج مثمرة، ففي عام 1970 كان نصف سكان ماليزيا تقريبا فقراء، بل ربما كانوا تحت خط الفقر. و مع نهاية عام 1990 تناقص عدد الأسر تحت خط الفقر إلى رقم فردي و نسبة، طبقا لمنظومة الحاجات الأساسية.

و تهدف برامج و سياسات الحد من الفقر إلى القضاء على الفقر على المدى الطويل، و تقليله على المدى القصير. و في عام 1989 تغير التركيز الأولي من تقليل الفقر إلى تقليل الفقر المدقع، وأصبح هدف السياسة الحالية التقليل الحقيقي للفقر بحلول عام 2005

و لبرامج و استراتيجيات تقليل الفقر أربعة جوانب، دفع النمو الاقتصادي السريع؛ لتوليد فرص عمل و تشغيل خاصة أمام الفقراء، و تحسين الوصول لكل أشكال التعليم و التدريب؛ لتمكين الفقراء من الحصول على فرص عمل في الوظائف ذات الأجر الأعلى في مؤسسات العمل الصغرى ومتناهية الصغر، و تحسين فرص وصول الأسر الفقيرة لتسهيلات الحياة؛ كالإسكان، و المياه النقية، و الكهرباء، و الصرف الصحي، و الخدمات الطبية و الصحية، و المدارس، و المستشفيات الريفية، و الطرق، و النقل، و دعم المساعدات النقدية، و التوعية للفقراء غير القادرين على كسب الدخول من خلال العمل بسبب كبر السن أو غيرها من أسباب العجز الفيزيقي

و من بين إجراءات تخفيض نسبة الفقر برامج لتنمية الفقراء المعدمين، و مساعدات المنظمات غير الحكومية، و الإنفاق الحكومي الفيدرالي لتخفيض الفقر و الذي قدر بحوالي 300 مليون ريال ماليزي خلال الفترة من 1996 – 2000

و الخلاصة، أنه ترتب على برامج تقليل الفقر أن نسبة الفقراء تراجعت من 8.7 % في عام 1995 إلى 7.5 % في عام 1999، بينما انخفضت نسبة الفقر المدقع في نفس الفترة من 2.1 % إلى 1.4 %، كما انخفضت نسبة الفقر في كل من الريف و الحضر؛ حيث بلغت عام 1999 بين الأسر الريفية 12.4 %، و في الحضر 3.4 %. حيث نجحت برامج تقليل الفقر في ماليزيا في التقليل العنيف للفقر الشامل، برغم أن الفقر الريفي لا يزال باقيا نسبيا و عاليا بين Orang Asli. ولوحظ ظهور أشكال جديدة من الفقر؛ كالصيادين، و صغار المالكين (38)

و عموما، توضح مؤشرات الفقر اتجاهه إلى الانخفاض بصورة كبيرة منذ بداية التسعينيات، وهو مستوى منخفض بالنسبة للمستويات العالمية، و لا يتشابه مع الفقر الموجود في عدد من الدول الأفريقية. و لكن، رغم تراجع معدل الفقر في الريف و الحضر حسب أرقام 1999، ظلت هناك فجوة كبيرة بين الريف و الحضر 12.4 % ريف، و 3.4 % حضر، و تضاءلت الفجوة بصورة كبيرة حسب أرقام 1999 بما يشبه المعجزة لتصل إلى 4:1، مما يدلل على مدى حجم ما تبذله الدولة لتقليل دائرة الفقر، و خاصة الفقر المدقع ( 39 )
3
المتغيرات الحاكمة في تجربة التنمية البشرية في ماليزيا، و أهداف الألفية الثالثة

لقد كانت مبادرات التنمية في ماليزيا مدعومة بفلسفة أنه لا يمكن اعتبار النمو هدفا في حد ذاته، و أنه لكي تستفيد كل قطاعات المجتمع، ينبغي أن يوجد النمو دائما جنبا إلى جنب مع مبدأ التوزيع المنصف Equitable. و قد التزمت ماليزيا بهذا الهدف من أجل تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة Sustainable و سريعة، إلى جانب هدف توفير قدر أكبر من الموارد لصالح التنمية الاجتماعية. وتعتقد الدولة أن النمو الاقتصادي بمفرده يعد غير كاف لضمان الانسجام الاجتماعي، بخاصة في بلد يقوم على أعراق متعددة مثل ماليزيا. و كان هدف الحكومة دائما هو ضمان أن سياسات التنمية الاجتماعية سياسات مركزة على الشعب، و أنه تم نسج الموارد الاقتصادية لكي تحقق الحاجات الإنسانية على نحو فعال بقدر الإمكان. و ظلت التنمية الاجتماعية، مثل تلك التي تهدف إلى بناء حياة أفضل، و تعزز نوعيتها و جودتها، ظلت هي المكون المركزي لكل أجندات التنمية الشاملة

و كان واحد من اهتمامات التنمية الرئيسة في ماليزيا المستقلة حديثا عام 1957 العمل على تحقيق التكامل بين السكان، بخاصة إدماج القسم الهندي Indigenous في الاقتصاد الحديث بالسرعة الممكنة. و لتحقيق هذا الهدف، تم بلورة برامج لإعادة توزيع الثروة، بالإضافة إلى برامج تعمل على توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية؛ و نعني التعليم، و الصحة، و الإسكان. و كان دعم الخدمات الاجتماعية يتم بغض النظر عن دخول الأفراد، بمعنى ضمان أن القسم الأكبر من السكان قد تمكن من الوصول إلى الخدمات؛ أولئك الذين كانوا عاجزين عن الاستفادة منها ( 40

و لقد أنشأت ماليزيا إطارا مؤسسيا لصياغة، و إنجاز، و رصد، و تنسيق السياسات الاجتماعية وغيرها من سياسات. كان المشاركون الأساسيون فيها مؤسسات من القطاع العام، و ممثلون عنها، فضلا عن الأحزاب السياسية، و جماعات المصالح، و المنظمات غير الحكومية، و وسائل الإعلام، و المواطنون

و تستند عمليات إنجاز السياسات الاجتماعية إلى أربع مجموعات من النظم، بعضها يرتبط بالأهداف و الاستراتيجيات و البرامج لسياسة اجتماعية معينة؛ يأخذ صورة مكتوبة، و البعض الثاني يتعلق بالإدارة المالية للبرامج الاجتماعية؛ في صورة خطابات دورية، ثم النظم التي تتصل بإدارة الأفراد personnel؛ و تظهر في صورة وثائق و أوامر عامة، و تتعلق الأخيرة بالمشروعات، والتجهيزات، و المعدات

و قد ترتب على النظام الاتحادي للحكومة و الإدارة في ماليزيا، تدرج هرمي للوزارات التي تنجز السياسات الاجتماعية، ينتظم على ثلاثة مستويات؛ الاتحادي، و الدولة، و المقاطعة، و هناك مستويان اثنان آخران ؛ مقار و تقسيمات ما بين الدولة و المقاطعة، فضلا عن المقاطعات الفرعية ومستوى القرى

و تقوم نفس المؤسسات برصد و تنسيق عمليات إنجاز السياسات الاجتماعية في ماليزيا، و تعد البيانات التي يتم جمعها من خلال عملية الرصد إضافة حيوية في عملية تنسيق السياسة الاجتماعية، و هي تمثل جهودا مشتركة لمنظمات الخدمة العامة الكثيرة على مستويات متباينة من الإدارة والحكم، و هي عمليات فنية أكثر منها سياسية في طبيعتها. و أدخل نظام الرصد لمشروعات التنمية عرف بكتاب التنمية الاقتصادية الريفية، لرصد بناء المشروعات؛ كالمدارس، و المستشفيات، وميزانياتها على أساس أسبوعي و شهري؛ لضمان تحقيق الأهداف المرجوة. و تحول أسلوب الرصد من اليدوي إلى الحاسب الآلي، و جدد نظام الرصد أكثر من مرة ليضم عمليات فحص، و مراجعة، واكتمال المشروعات، و أخذ الأسلوب الإداري المركزي في التنسيق بين السياسات و البرامج والمشروعات صورة مجلس يجمع بين هيئات و منظمات متعددة، و نظم على شكل هرمي على قمته مجلس التنمية القومي، و في القاعدة مجالس عمل لتنمية المقاطعة، و بين المستويين مجلس التنمية في الدولة، يتبعه مجالس عمل للتنمية القومية، و مجالس عمل للتنمية على مستوى الدولة، و وحدات للتنسيق و الإنجاز، و مجلس للتنمية على مستوى الوزارة ( 41

إذن، تشكل فلسفة النمو و التوزيع المنصف، و التكامل بين السياسات الاقتصادية و الاجتماعية، و الوحدة الوطنية، و الإطار المؤسسي لصياغة، و إنجاز، و رصد، و تنسيق السياسات الاجتماعية، أهم المتغيرات الحاكمة في تجربة التنمية البشرية في ماليزيا، و التي ساعدت بدورها على اقتراب هذه التجربة من أهداف الألفية الثالثة، و أكسبها طابعا إنسانيا. فلقد اتضح تراجع معدلات الفقر، وخاصة الفقر في الريف، و الفقر المدقع، و حققت إنجازات غير مسبوقة في التعليم الأساسي والمساواة في النوع، و وفرت فرصا واضحة لتمكين المرأة، و انخفضت بشكل واضح معدلات وفيات الأطفال، و تحسنت الصحة الإنجابية، و القضاء على مرض الملاريا، و اتضح مدى الاهتمام باستدامة البيئة، كما تحققت مشاركة عالمية في التنمية و القضاء على المشكلات الاجتماعية

رابعا: الدروس المستفادة من التجربة الماليزية

تمدنا التجربة الماليزية بمجموعة من الدروس، أسفر عنها تحليل العناصر المتعددة التي شكلتها، و توقفنا عند بعضها الذي يمدنا بدروس تساعد على النجاح، و يشير بعضها إلى عناصر قوة مختلفة، و يكشف بعضا الثالث عن مجموعة العوامل التي حكمت تميز هذه التجربة و مدى إسهامها في النهضة و التنمية و التقدم في ماليزيا.
1
دروس النجاح

لعل أول دروس النجاح التي تمدنا بها تجربة ماليزيا، نستمده من تمكنها خلال ما يقرب من نصف قرن من أن تتحول من بلد فقير يعيش على زراعة المطاط، إلى نموذج سريع النمو بين مجموعة البلدان النامية في العالم، ثم إلى حالة متميزة بين مجموعة النمور الآسيوية في جنوب شرق آسيا، و إلى مرتبة عالية و مستمرة في التصاعد على سلم الترتيب بين دول العالم. و ظهر ذلك واضحا من بلوغها المرتبة 63 في قائمة هذه الدول، و من ارتفاع دليل التنمية البشرية، و التقدم الذي تمتعت به مؤشراتها فيما يتعلق بالعمر المتوقع عند الميلاد، و معدلات تعليم القراءة و الكتابة، ونصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي

و يأتي الدرس الثاني على النجاح في التجربة الماليزية، في مجال زيادة نمو رأس المال البشري، و تقدم منظومة الصحة، و تحسين أوضاع التعليم، و اقترابها من معدلات التشغيل الكامل. حيث جاء ترتيب ماليزيا في تصنيف منظمة الصحة العالمية لمجمل أداء المنظومة الصحية بها في المرتبة 49 على مستوى العالم؛ مما جعلها تتقدم في هذا الصدد على مجموعة دول نامية و عربية؛ و ذلك بسبب انخفاض معدلات وفيات الأطفال الرضع، و تناقص معدل وفيات الأمهات و غيرها. كما تأكد نمو رأس المال البشري في ماليزيا من خلال ما حدث من تحسن واضح في أوضاع التعليم بناء على الانخفاض الملحوظ في نسبة الأمية بمعدلات تقل كثيرا عن نظيراتها في بلدان نامية و عربية أخرى، و ارتفاع معدل القراءة و الكتابة؛ و هو واحد من أعلى المعدلات في العالم؛ مما يعكس أهمية التعليم في أجندة التنمية القومية، الأمر الذي تأكد أيضا من خلال ما كشفت عنه نسب المسجلين في المدارس الابتدائية و الثانوية، و الملتحقين بالجامعات و المعاهد العليا، و التي لوحظ تفوقها على نظيراتها في بلاد آسيوية، و نامية، و عربية. و من ناحية ثالثة، فإن النمو في رأس المال البشري في ماليزيا قد تأكد من خلال ما بلغته نسبة التشغيل في هذا البلد، و ما اعتبرته الدوائر العالمية واحدة من ألمع النسب في العالم، و هي نسبة مرتفعة زادت معها أعداد المشتغلين على المستوى القومي، و ما أتيح لهم من فرص وظيفية أفضل، و بأجور عالية، و ما صاحبه من تراجع واضح في معدلات البطالة؛ الأمر الذي جعل ماليزيا قادرة على الاقتراب من مستويات التشغيل الكامل رغم تخفيض النفقات. وربما كان هذا النجاح على صعيد التشغيل الكامل يعزى إلى التوسع السريع و المستمر - في الغالب - للاقتصاد، كما أكدت عليه الكتابات السابقة، و الدراسات التي يزخر بها التراث، و الذي توقف كثيرا عند البعد الاقتصادي في التجربة الماليزية كما سبق و أوضحنا

فلقد كان للحكومة في ماليزيا دورا فعالا في دعم وظائف العرض و الطلب للاقتصاد، فهي لم تقم فقط بتنظيم و توجيه النشاطات الاقتصادية، و إنما كانت أيضا تلعب دور صاحب العمل و المنتج. وعملت على توفير فرص عمل لقطاع كبير من السكان، بما في ذلك المرأة، و كذلك الخدمات الاجتماعية المتباينة، و العائدات. و كانت تعتمد على نظام اقتصاد كلي مختلط؛ ساعدها على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، و وضع معايير ضابطة لدفع الاستثمار الخاص و المبادرات الفردية

و لزيادة قدرتها التنافسية على المستوى العالمي، اضطلعت ماليزيا بإصلاحات هيكلية اقتصادية، عملت على تعزيز شرعية و تبني سياسات العمل الضرورية، و استهدفت التخلص من الحدود التي تعوق النمو الاقتصادي، و وفرت الأدوات اللازمة التي تعمل على دعمه، مع التأكيد على التوزيع المنصف للعائدات لكل فئات السكان ( 42 )

و لقد اتضح بجلاء نمو رأس المال البشري في ماليزيا، من خلال درس آخر للنجاح نستخلصه مما تحقق في مجال تمكين المرأة، و ارتفاع نسبة الوظائف التي تشغلها بأجر في القطاع غير الزراعي، و في مراكز القيادة، و المقاعد البرلمانية، و المناصب الوزارية، و هي نسبة تفوق ما تحقق لنظيرتها في بلدان نامية و عربية كثيرة

أما الدرس الثالث من دروس النجاح في التجربة الماليزية، فيمكن أن نستخلصه مما تحقق في مجال توفير الأمن و الحماية الاجتماعية من ناحية، و تقليص معدلات الفقر من ناحية أخرى. و لقد عملت ماليزيا على توسيع دائرة الأمن و الحماية الاجتماعية، من خلال تعدد نظمها في التأمين، وكذلك تباينها، و اتساع دائرة الفئات التي تغطيها حتى شملت العاملين لحسابهم الخاص، و العاملين الأجانب بما فيهم المقيمين غير الشرعيين. و كانت الحكومة و هيئاتها المختلفة تشكل المصدر الرئيس في توفير ما يحتاجه استمرار توفير الحماية و الأمن الاجتماعي، من التمويل اللازم رغم بعض الأزمات الاقتصادية في أعوام 1980 و 1990، و القوانين و التشريعات كمظلة لهذه الحماية. وكانت ماليزيا قد وضعت تقليص الفقر على قمة أجندة التنمية القومية منذ عام 1970، و اعتبرته أحد الأهداف الاستراتيجية لخطة الاقتصاد القومي؛ مما كان له نتائجه الواضحة على تراجع نسبة الفقراء، و بخاصة نسبة الفقر المدقع، و انخفاض معدلاته بصورة كبيرة، يقل بشكل واضح عند مقارنته بالمستويات العالمية، و لا يتشابه مع الفقر الموجود في عدد من الدول الأفريقية
2

د/سالي جمعة
06-05-2011, 06:36 AM
عناصر القوة في التجربة الماليزية

يمكن تلمس عناصر القوة المتنوعة في التجربة الماليزية من خلال صياغة سياسة اجتماعية حصيفة، اكتسبت مجموعة من السمات، يعكس كلا منها جانبا من عناصر القوة هذه، الأمر الذي نستطيع الكشف عنه من خلال مجموعة الأهداف الاستراتيجية، و الفلسفة الجديدة التي انطلقت منها، و الإطار المؤسسي المواتي و الداعم لها، و التمويل الحكومي المستمر و المتزايد، و التكامل والتنسيق بين برامجها، و الشراكة المجتمعية و العالمية في إنجازها

فلقد تبنت الحكومة الماليزية منذ عام 1970 مدخلا خاصا و فلسفة جديدة في التنمية، تجسدت في مفهوم النمو مع التوزيع المنصف للعائدات، و هدف نهائي يتمثل في الوحدة الوطنية؛ لأنه بدون هذا الانسجام فإن النمو الاقتصادي، و الدخول العالية، و مستويات المعيشة الأفضل، قد تفقد معناها، إن لم يكن هدفها تحقيق الوحدة الوطنية من خلال النصيب المنصف في ثمار النمو الاقتصادي، و إعادة توزيعه على هذا الأساس بين الجماعات العرقية الرئيسة، و الفقراء من كل الجماعات. و هكذا، فإن فلسفة النمو و ارتباطها بأهداف التوزيع؛ قد أسهم في تحقيق الإنصاف، و الوحدة، و الانسجام، والخير العام. و قد عملت الحكومة الماليزية على بناء إطار مؤسسي أسهم في تطبيق هذه الفلسفة وإنجاز الأهداف الأولية، عبرت عنه في صورة سياسات، و استراتيجيات، و خطط، و برامج، ومشروعات؛ أهمها السياسة الاقتصادية و الخطط التنموية، و استراتيجيات رئيسة؛ مثل تخفيض نسبة الفقر بغض النظر عن العرق، و إعادة بناء المجتمع الماليزي، ثم الخطط الخمسية و البرامج والمشروعات المتخصصة في قطاعات المجتمع المختلفة. و يعتبر مجلس الوزراء هو الهيئة الأكثر قوة في اتخاذ القرار في ماليزيا، و المسؤول عن التمويل الحكومي و الإنفاق الذي يتطلبه تنفيذ هذه السياسات، و الخطط، و الاستراتيجيات، و البرامج، و المشروعات، و التي استمرت في التزايد بشكل ملحوظ في مجالات هامة مثل الصحة، و التعليم، و التشغيل، و الأمن الاجتماعي، و تقليص الفقر و غيرها
و قد حرصت حكومة ماليزيا على تحقيق التكامل بين هذه السياسات و الخطط و الاستراتيجيات، فكان إدماج السياسة الاقتصادية الجديدة، و ما صاحبه من خطط تنموية، الخطوة الأولى في عملية تكامل السياسات الاجتماعية مع الخطط و سياسات التنمية القومية، صاحب ذلك اهتمام الحكومة الماليزية و حرصها على التنسيق بين السياسات الاجتماعية و غيرها من سياسات، بدت واضحة في أثناء عمليات إنجاز هذه السياسات، و اعتمادها على نظام رصد مشروعات التنمية، و ما ترتب عليه من عمليات فحص و مراجعة و تقييم لضمان اكتمال المشروعات، و ذلك من خلال مجلس يجمع بين هيئات و منظمات متعددة، نظم على شكل هرمي على قمته المجلس القومي للتنمية، و في القاعدة مجالس عمل لتنمية المقاطعات، و بين المستويين مجلس للتنمية على مستوى كل وزارة، و وحدات للتنسيق بين الوزارات.

و قد استند تنفيذ السياسة الاجتماعية في ماليزيا إلى درجات من المشاركة و الشراكة على المستويات المجتمعية و العالمية، حيث تزايد في الآونة الأخيرة دور القطاع الخاص في توفير الخدمات الصحية، و كفل قانون مؤسسات التعليم الخاص عام 1996، و وزارة الإرشاد التعليمي صحة و شرعية نمو التعليم الخاص في ماليزيا. و اهتمت حكومة ماليزيا بتشجيع الاستثمارات الجديدة في رأس المال و الأعمال كثيفة التكنولوجيا بدلا من تلك كثيفة العمل، و قدمت حوافز إلى الصناعات الصغيرة الحجم و المتوسطة؛ بهدف التحديث و التطوير، و شجعت المستثمرين المحليين على توسيع جهودهم خارج ماليزيا و البلدان المجاورة؛ للاستفادة من فرص توفير العمالة الرخيصة، كما تزايد إسهام المنظمات غير الحكومية في تنفيذ هذه السياسة الاجتماعية؛ و هو ما ظهر بوضوح في قطاع الأمن الاجتماعي، و تقليص الفقر

و كانت ماليزيا حريصة على تفعيل مبدأ الشراكة مع المنظمات الدولية و الهيئات العالمية المانحة، ظهر ذلك من خلال برامج التعاون الدولي في مجال الصحة، و تأسيس معهد البحث الطبي كمركز إقليمي لمنظمة الصحة العالمية للبحث و التدريب على التغذية و الأمراض الاستوائية، واستقدام أطباء أجانب و أخصائيين لسد العجز في بعض التخصصات، و برامج تنمية الموارد البشرية، و الاستفادة من جهود المانحين للتدريب الصناعي، و دعمها بالخبرات و المعونات المالية من فرنسا، و ألمانيا، و اليابان، و أسبانيا، و المملكة المتحدة، و أيرلندا الشمالية
3
عوامل تميز التجربة الماليزية

كشف تحليل التجربة الماليزية عن منظومة من العوامل التي تعد حاكمة في تميزها، ربما كان في مقدمتها مجموعة القيم و المباديء و الأيديولوجيا التي استندت إليها هذه التجربة في تصورها، وتنفيذها، ثم مناخ الاستقرار السياسي المواتي، و نموذج الوحدة الوطنية الذي يعتمد على عناصر اقتصادية، و أخرى سكانية، و ثالثة ثقافية، و جودة السياسات و الاستراتيجيات التي طبقتها

و تحدد طبيعة السياسات الاجتماعية و كذلك أهدافها في أي مجتمع من خلال مجموعة من القيم والمباديء التي تنبثق من الأيديولوجية السائدة في هذا المجتمع، و يتأثر المسار التي تأخذه هذه السياسات بالظروف الاجتماعية، و الاقتصادية، و السياسية السائدة

و يبدو أن وضوح الرؤية، و الالتزام السياسي بالرفاه الاجتماعي، كان له أهمية عليا في ماليزيا، و حتى بعد الأزمة الاقتصادية التي واجهتها في عام 1977. و تعهدت ماليزيا بالتوسع في الخدمات الاجتماعية باعتبار أن ذلك يشكل عنصرا في الأجندة القومية من أجل التنمية، مع التركيز على مباديء النمو الاقتصادي و التوزيع المنصف

و قد وجدت ماليزيا مع غيرها من دول جنوب شرق آسيا، في مسارات العمل، و القيم والمباديء التي تبنتها، الأسس الضرورية في تقوية التماسك الاجتماعي، و تحقيق الاستقرار الاقتصادي، والسياسي، و الاجتماعي؛ و من ثم تنمية الوحدة الوطنية، و إضفاء شرعية على النظام السياسي، والمحافظة على السلام القومي ( 43

و يكفي أن نذكر في هذا الصدد على سبيل المثال لا الحصر، كيف أن نظام التعليم قد أسس و لا يزال على مباديء احترام الإثنية، و الاستفادة من تجارب الآخرين، و عدم فرض نمط جماعي للتعليم في دولة متعددة الأعراق، و زرع روح التسامح و التفاهم بينهم، و مباديء الهوية الوطنية والإسلامية و تجسدها في الأهداف، و الطموحات، و الغايات المنشودة من التعليم و برامجه، و كيف كانت مباديء حاكمة لتطوره

و مع تعاقب الحكومات في ماليزيا، ظلت جميعها متمسكة بالتزامات تحسين الرفاه، و خير كل الماليزيين

و كان سياق الاستقرار السياسي، و غياب الكوارث الطبيعية الخطيرة، و ندرة الصراع المسلح بين الأعراق المختلفة، و تمتع ماليزيا بفترة طويلة من النمو المنصف، تشكل جانبا آخر من مجموعة العوامل الحاكمة، و التي جعلت التجربة الماليزية تتسم بالتميز. لأنها منذ عام 1963 استطاعت أن تحافظ على الاستقرار الاجتماعي و السياسي، و تحقيق الوحدة بين المستعمرات البريطانية السابقة في سنغافورة و غيرها، و بين ماليزيا التي كانت قد استقلت عام 1975، و حصلت على الحكم الذاتي عام 1950، و هو استقرار أسس على حقيقة أن الحكومات المتعاقبة كانت قد تشكلت من خلال نفس الائتلاف بين الأحزاب السياسية، و كسب هذا الائتلاف ثلثي مقاعد البرلمان في كل الانتخابات العامة التي أجريت في ماليزيا، و كسب أيضا قبضة التحكم في كل مجالس الدولة خلال نفس الفترة، و لم تتأثر سياساتها بالتقلبات التي قد تترتب على الانتقال أو التحول من أيديولوجية سياسية إلى أخرى

و كان تحقيق الوحدة الوطنية من خلال الاقتصاد، و السكان، و الثقافة، عاملا حاكما في التجربة الماليزية. فلقد أسهم مبدأ النمو المنصف الذي تبنته الخطة القومية و السياسة الاقتصادية، في تحقيق الوحدة الوطنية، و اقتسام الثروة الجديدة بين الجماعات العرقية الرئيسة و الفقراء من كل الجماعات. و هكذا، تحقق هدف الحكومة من ضمان أن تكون الموارد الاقتصادية التي تم نسجها تحقق الحاجات الإنسانية على نحو فعال، و تحقيق التكامل بين السكان، خاصة إدماج القسم الهندي في الاقتصاد الحديث و بالسرعة الممكنة. فنظمت برامج لإعادة توزيع الثروة، و أخرى لتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية. كما ساعد ما تحقق في مجال التكامل الثقافي، على دعم الوحدة الوطنية بين الأعراق المتعددة؛ الهنود الذين تم جلبهم كعمالة صناعية على يد الإنجليز للعمل في مقاطعات المطاط، و الصينيين الذين زادت أعدادهم و أخذوا يسيطرون على الاقتصاد، و الملاويين الذين يشكلون أغلبية سكان ماليزيا، و مع ذلك قرروا أن يتقاسموا القوة السياسية و الاقتصادية مع الصينيين و الهنود على نحو غير مألوف، و الحرص على تشرب ثقافة الأعراق الأخرى و المحافظة عليها، على أن تظل الثقافة المالوية الوطنية هي ثقافة ماليزيا إلى حد كبير، و اعتبار اللغة المالوية هي اللغة الرسمية، و الإبقاء على اللغات الأخرى كوسائل للتعلم في المدارس، و اعتبار الإسلام هو الدين الرسمي في البلاد، مع الاعتراف بالأديان الأخرى دون إعاقة. و قد تحقق كل ذلك من خلال روح التسامح و النزعة البراجماتية التي يبديها كل فرد، بناء على اعتقاد الماليزيين أنه من الأفضل أن نحصل على شريحة من كعكة متنامية، من أن نحصل على كل الكعكة المتقلصة. و قد نجم عن هذا التسامح مع ثقافة الآخر، أن أصبحت ماليزيا أكثر سلاما و استقرارا؛ مما ساعد بدوره على النمو الاقتصادي السريع ( 44

و قد اعتمدت ماليزيا في تميز تجربتها على اتباع سياسات اقتصادية، و اجتماعية، و تنموية، تتسم بالمرونة، و التنوع، و التعدد، فلم تكن هذه السياسات جامدة، بقدر ما أدخلت عليها التعديلات والتنقيحات، و تشكلت كمحصلة لتطورها المستمر، فوضعت استراتيجيات و برامج تهدف إلى تحسين نوعية حياة مواطنيها، و اتبعت استراتيجيات الإصلاح التدريجي، و الذي تطلب إدخال إصلاحات تدريجية مدروسة و صبورة إلى القطاعات الاجتماعية و الاقتصادية المختلفة، و التي كان لها تأثيرا واضحا على حياة المواطنين، أو تعظيم الفائدة، و كذلك كانت تستجيب للمواقف المتغيرة باستمرار؛ مما جعلها قادرة على تجنب آثار الأزمات التي شهدتها خلال الأعوام 1980 و1990(45)

*=*=*=*=*=*=*=*=*=*

سليمان عثمان محمد
28-09-2011, 12:02 PM
< في تركته المتواضعة، ترك المرحوم الحاج محمد أحمد حمارًا عجوزاً، لم يجد أولاده العشرة ما يُغري ببيعه واقتسام ثمنه، فقرّروا تركه لتدريب الأولاد على ركوب الحمير تمهيدًا لتدريبهم لاحقاً على ركوب الخيل.
< ولكن، لسوء الحظ، عثر الحمار ذات يوم بينما كان يطارد «جحشة» لعوباً، فكسر إحدى قائمتيه الأماميتين... فانطرح أرضاً.
< على تلك الحال رآه الابن الأكبر للحاج محمد أحمد، ففكر في ضرورة إسعافه ولكنه تذكّر أن مهمة إسعاف الحمار مهمة «حساسة» بعض الشيء!! ماذا، مثلاً، لو أجهد نفسه وجاء بالبصير فجبر ساق الحمار، ثم اتضح لاحقاً أن هناك خطأ في الجبيرة؟ أليس وارداً أن يُحَمِّلَه ُالورثة مسؤولية هذا الخطأ؟! ألن يقول له أحدهم، مثلاً:
ـ ما شاورتنا ليه؟ هو ده حمارك براك؟
< عند هذا الحد من التأمل قرر الابن الأكبر أن يذهب، قبل أي إجراء، ويُخبر إخوانه وبقية العائلة، بالحدث، ثم يتشاورون في ما يتعين فعله.
< وبعد جهود مضنية، نجح الابن الأكبر للمرحوم الحاج محمد أحمد، في الوصول إلى منازل جميع إخوته العشرة وترك لهم رسائل عاجلة بضرورة الاجتماع في منزله مساء هذا اليوم لمناقشة أمر في غاية الخطورة يخص العائلة.
< ومن فوره ذهب الابن الأكبر إلى منزله، ودعا أولاده وزوجته وزوجات أولاده وأزواج بناته للقيام بالإعداد الفوري لمؤتمر القمة العائلية مساء اليوم بكل ما يتطلبه الأمر من مراسم ومستلزمات الضيافة ثم العشاء.
< في المساء وبعد مراسم الاستقبال، قرر الرجل الدخول في الموضوع مباشرة، برغم غياب ثلاثة من إخوانه لأسباب غير معروفة.
< بعد أن حيّا الحضور وشكرهم على تمتعهم بروح المسؤولية العائلية، وبعد أن وجّه بعض اللوم إلى الغائبين، شرع رئيس المؤتمر في شرح ملابسات القمة، مؤكداً أن المسؤولية عن حمار العائلة مسؤولية جماعية وقومية، وأنه إيثاراً للديمقراطية قرر إشراك الجميع في الأمر، وكان بإمكانه أن يتصرّف بطريقة فردية... ثم تمنى أن يثمر النقاش حلاً يُرضِي جميع الأطراف.
< تحدث بعده أحد إخوانه، مؤمِّناً على حديث الرئيس، ومقترحاً الشروع ـ كسباً للوقت ـ في تقديم المقترحات ومناقشتها خصوصاً وأن الحمار ما يزال منطرحاً في مكانه منذ الصباح.
< اقترح أحد إخوانه استقدام «البصيرة أم حمد» لجبر ساق الحمار.
< اعترض أخ آخر، مؤكدًا أن البصيرة أم حمد «دجالة» و «إمبريالية» وذكَّرهم بما فعلته بعجل الرافدين، الذي قطعت رأسه ثم كسرت «الزير»!! واقترح، بدلاً عن البصيرة المعنية أن يستقدموا بصيراً من الحي المجاور.
< ولكن أخاً ثالثا ً انتقد هذا الاقتراح بشدة رافضاً فكرة «الارتهان للأجنبي» ومؤكداً أنهم يستطيعون بأنفسهم جبر ساق الحمار.
< إحدى الأخوات أكدت ضرورة أن يعطى «العيش لخبازه»... وسكتت.
< أخت ثانية اقترحت حلاً جذرياً للمسألة ببيع الحمار بحاله الراهنة، وعلى من يقع عليه المزاد إجراء ما يلزم تجاه ساق الحمار.
< أخ سادس رأى أن الرأي الأسلم هو عرض الحمار على طبيب بيطري.
< الأخ السابع رأى أن عملية نقل الحمار إلى المستشفى البيطري عملية محفوفة بالمخاطر وفضل أن يُدعي الطبيب البيطري لمعاينة الحمار في مكانه وإجراء اللازم.
** الأخ الأكبر ورئيس المؤتمر اقترح التصويت على المقترحات والأخذ بخيار الأغلبية.. ولكن النتيجة كانت تصويت كل من السبعة لرأيه فاقترح رفع الجلسة إلى يوم الغد، حتى يحضر الثلاثة الغائبون.
< بعد شهر وفّق الله عائلة الحاج محمد أحمد في حل المشكلة، حيث اتفق الجميع وبرضاء تام وإجماع قومي نادر على «دفن» الحمار الذي مات منذ أسبوعين في مقبرة تليق بالعائلة!!
*********
قال فكي أبكر «رض»:
ـ أخبرني أحدهم أن سائقاً في مؤسسة حكومية رفيعة «اختلس» من سيارته وقودًا بخمسين جنيهاً، وحين واجهوه بالتهمة اعترف وأبدى رغبته في تسديد المبلغ.
ـ أها ..
ـ رفضت الإدارة وشكلت له لجنة تحقيق من ثلاثة أشخاص، كل منهم تقاضي خمسمائة جنيه مكافأة «لجنة».
ـ وبعدين !!
ثم لجنة محاسبة بمخصصات خمسمائة جنيه لكل من أعضائها الثلاثة!!
ـ وبعد داك !!
ـ قررت لجنة المحاسبة خصم خمسين جنيهاً من مرتب السائق!!
ـ وده علاقتو شنو بمؤتمر القمة وحمار محمد أحمد وحكومة السودان!!
* قال فكي أبكر ضاحكاً:
ـ علاقتو شنو؟ ديل تيمان!!