المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاقتصاد الأمريكي بين مطرقة الفساد وسندان العولمة‏



د/سالي جمعة
28-01-2011, 12:28 AM
الاقتصاد الأمريكي بين مطرقة الفساد وسندان العولمة‏


خليل العناني

مجلة السياسة الدولية العدد 150 - أكتوبر 2002

شكل إفلاس كل من شركتي‏'‏ وورلدكوم‏'‏ في ‏22‏ يوليو الماضي و‏'‏إنرون‏'‏ في ديسمبر‏2001‏ أكبر حالتي إفلاس في تاريخ الولايات المتحدة وذلك نتيجة لسوء الإدارة مما كشف طبيعة الأزمة الموجودة في مفهوم الـ‏Corporate Governance.‏

وقد جاء كلا الافلاسين نتيجة لأخطاء محاسبية وألقت هذه الأحداث بظلالها علي أزمة الحكم المشترك أو ما يطلق عليه‏corporate governance‏ حيث وصلت إلي أعلي مستويات السلطة السياسية في البلاد وأدت إلي حالة من التطاير في أسواق المال الأمريكية وهنا قد تصل الخسائر إلي ما بين ‏37-42‏ مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي في السنة الأولي لهذه الأزمة وذلك وفقا لتقدير مؤسسة‏'‏ بروكينج‏'‏ الأمريكية المتخصصة في الشئون الاقتصادية‏.‏

وقد بدأ مسلسل الانهيارات المالية خريف العام الماضي بعدما أعلنت شركة‏'‏ إنرون‏'‏ العملاقة عن إفلاسها وهي الشركة التي تجاوزت إيراداتها نحو‏100‏ مليار دولار عام‏2000‏ وقد جاء انهيار إنرون نتيجة لعاملين أساسيين هما‏:‏ حجم الشركة المهول‏,‏ وفساد الإدارة المشتركة للشركة‏,‏ وقد حققت الشركة أرباحا هائلة خلال عقد التسعينات وتوسعت وكانت تمثل ثاني أكبر شركة في قطاع الطاقة الأمريكي وكانت تستحوذ علي نحو‏20%‏ من سوق الطاقة الأمريكي‏.‏ وكان هذا الإفلاس بمثابة كرة الثلج التي جرت خلفها سلسلة من الانهيارات المالية‏,‏ وكانت أولي الشركات التي انتقلت إليها حمي الإفلاس بعد‏'‏ إنرون‏'‏ هي شركة‏'‏ أرثر أندرسون‏'‏ للخدمات المحاسبية نتيجة لاتهامها بالتواطؤ مع شركة‏'‏ إنرون‏'‏ في القيام بعمليات التزوير والتلاعب في البيانات وإتلاف عدد كبير من المستندات والوثائق الخاصة بالشركتين مما تسبب في خسارة كبيرة للعديد من الأمريكيين أصحاب المعاشات والذين استثمروا جزء كبير من أموالهم في أسهم شركة الطاقة‏.‏

وما هي إلا شهور قليلة حتي جاءت أكبر دعوي إفلاس في تاريخ الولايات المتحدة وذلك حين أعلنت مؤسسة‏'‏ وورلد كوم‏'-‏ ثاني أكبر شركة اتصالات في العالم‏-‏ عن إفلاسها تحت وطأة فضيحة محاسبية تقدر بنحو‏7.8‏ مليار دولار وجبل من الديون عالية المخاطر بلغ نحو‏41‏ مليار دولار‏,‏ كما طال مسلسل الفضائح شركة‏'‏ زيروكس‏'‏ العالمية التي تعد أكبر شركة لإنتاج معدات وتقنيات التصوير في العالم‏,‏ كما ترددت شائعات حول تورط مؤسسة‏-‏ جي‏.‏بي‏.‏ مورجان تشيس‏-‏ والتي تعد ثاني أكبر شركة مصرفية قابضة في الولايات المتحدة وذلك تحت دعوي اتهامها بتقديم قروض خفية لشركة‏'‏ إنرون‏'‏ العالمية‏.‏ ويكفي أن نورد هنا أسماء بعض المؤسسات والشركات التي طالتها أصابع الاتهام وذلك دون الخوض في تفاصيلها ومنها مؤسسة‏'‏ ميريل لينش‏'‏ المالية‏,‏ ومؤسسة‏'‏ جلوبال كروسينج‏'‏ وشركة‏'‏ أديلفيا للاتصالات‏'‏ و‏'‏كويست كومنيكاشنز‏'‏ وكان أخرها شركة‏'‏ تشارتر كومينيكاشنز‏'‏ والتي تعد ثاني أكبر شركة كابل في الولايات المتحدة والتي تخضع ممارساتها المحاسبية حاليا للمراقبة والتحقيق‏,‏ ومازال في القائمة الكثير الذي ستشف عنه الأسابيع القادمة‏.‏

وما يهمنا في هذا الصدد لمعرفة حجم الكارثة هو الإجابة علي ثلاثة تساؤلات وهي‏:‏ مدي تكلفة الأزمة؟ وما هي آثارها علي الاقتصاد الأمريكي والعالم الخارجي؟ وكم ستأخذ من الوقت لاستعادة الثقة في الاقتصاد الأمريكي؟‏

بداية يتركز الضرر الذي ألحقته هذه الأزمة‏-‏ والتي تعود لمنظومة من العوامل السياسية والأخلاقية والفكرية‏-‏ بالاقتصاد الأمريكي‏-‏ علي الأقل حتي هذه اللحظة‏-‏ في القطاع المالي خاصة ذلك الجزء المتعلق بمؤشرات أسواق المال وذلك نظرا للاستجابة السريعة الني تبديها مثل هذه المؤشرات مع الإعلان عن كل فضيحة جديدة‏.‏ فقد هبطت أسعار الأسهم في بورصة نيويورك إلي معدلات لم تشهدها منذ عام‏1997‏ فعلي سبيل المثال انخفض مؤشر‏'‏ داو جونز‏'‏ للشركات الصناعية الثلاثين الكبري بنحو‏25%‏ مسجلا نحو‏8.639‏ نقطة يوم‏15‏ يوليو الماضي بعد أن وصل إلي الذروة في‏19‏ مارس الماضي حين سجل‏10.635‏ نقطة‏,‏ كما انخفض مؤشر‏'‏ ستاندرد أند بورز‏500'‏ بنحو‏28%‏ وهو معدل لم يشهده منذ العامين‏.‏ ويؤثر الانخفاض في قيمة الأسهم علي الأسواق من ناحيتين‏,‏ الأولي من خلال التأثير علي ثروة المستهلكين والتي تمثل الرافد الأساسي للتدفق المالي في الاقتصاد الأمريكي‏,‏ والثانية من خلال تأثير سقوط أسعار الأسهم علي فرق القيم وعلي تكلفة رأس المال‏.‏ ويقدر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي حجم الخسائر التي ستصيب الاقتصاد إذا ما استمرت أسعار الأسهم في الهبوط بنحو‏35‏ مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي أي بنسبة‏-0.34%-‏ وذلك خلال السنة الأولي للأزمة‏,‏ كما تقدر مؤسسة‏'‏ بروكينج‏'‏ الاقتصادية الأمريكية حجم الخسائر بنحو‏15.6%‏ في الأسواق و‏0.31%‏في الناتج المحلي الإجمالي بما يوازي‏-32.8‏ مليار دولار‏-‏ وذلك خلال السنة الأولي للأزمة أيضا‏.‏

أما بالنسبة لأثر هذه الأزمة علي الاقتصاد الأمريكي فيكفي القارئ أن يعرف أن أغلب التقديرات تشير إلي أن الخسائر قد طالت ما يزيد عن‏80‏ مليون من المستثمرين الأمريكيين وقدر حجم خسارتهم بنحو‏8.6‏ تريليون دولار وذلك وفقا للمعطيات الأولية لإتحاد أسواق المال الدولي‏.‏
ولعل خطر هذه الأزمة يكمن في طبيعة الضرر الذي ستلحقه بقطاع الاستثمار والذي يعاني بدوره مما يطلق عليه الاقتصاديون من‏'‏ التناقض المزدوج‏'‏ حيث يتواري الاستثمار خلف إجراءات التصحيح التي تقوم بها الشركات‏,‏ وينبع التناقض من أنه لو حاولت الشركات تقليص تكاليفها من أجل التوسع فإنها لا تضمن بالضرورة عودة ثقة المستهلكين والتي تلعب دور كبير في تحديد حجم استثمار الشركات‏,‏ وقد تنبأت مجموعة‏'‏ جولدمان ساشس‏'‏ بانخفاض الاستثمار بنحو‏6%‏ خلال العام الحالي وبنحو‏11%‏ خلال العام القادم‏.‏

ويري المحللون في مؤسسة‏'‏ بروكينج‏'‏ الأمريكية أن أزمة الحكم الجيد أو ‏Corporate Governance‏ قد قلصت كثيرا من فرص الاستثمار الأجنبي الذي هو بطبيعته متقلص نتيجة لحالة عدم الثقة التي أفرزتها الأزمة الحالية‏,‏ حيث أثرت بصورة جلية علي الثقة في الاقتصاد الرأسمالي بصفة عامة وأصبحت الأمور التي كان يعتقدها البعض من المسلمات أصبحت موضع مراجعة حتي من مروجيها أنفسهم ولعل أول تأثير لهذه الفضائح هو هبوط أسواق المال في أوروبا واليابان‏-‏ يكفي أن نعرف أن مؤشر فاينانشال تايمز للأسهم الرئيسية المائة قد انخفض بنسبة لم يصل إليها منذ خمسة أعوام ونصف وألحق هذا الهبوط خسائر بالمؤشر تقدر بنحو‏54‏ مليار جنيه استرليني‏-,‏ بينما يتمثل التأثير الأكثر صعوبة وأشد وطأة في ذلك الواقع علي عاتق البلدان النامية والدول المتحولة حديثا‏-‏ دول شرق أوروبا‏-.‏ فلقد كانت الولايات المتحدة تمثل القدوة وتقدم النموذج الفعال والكفء لاقتصاد السوق‏,‏ وحتي وقت قريب كانت معايير المحاسبة الأمريكية موضع تبجيل وكانت بمثابة‏'‏ معيار الذهب‏'‏ لمعظم الاقتصاديات النامية‏.‏ وأصبح التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة يدور حول آليات السوق وحرية التجارة وفوائد الخصخصة التي أخذت بها معظم بلدان العالم النامي‏,‏ وليس أدل علي ذلك من الأرقام التي أظهرها استطلاع للرأي أقيم مؤخرا في بعض من دول أمريكا اللاتينية شمل نحو‏18‏ ألف شخص في بداية عام‏2002‏ بعد فضيحة‏'‏ إنرون‏'‏ حيث عبر‏26%‏ فقط عن رضائهم عن اقتصاد السوق بينما عبر الباقون عن عدم رضائهم وذلك مقارنة بنحو‏50%‏ عام‏2000.‏

أما عن الوقت الذي ستأخذه هذه الأزمة حتي تستعيد الأسواق عافيتها وتعود الثقة للاقتصاد الأمريكي فمن الصعب معرفة ذلك علي الأقل في الوقت الحالي أو علي الأقل بعد انتهاء مسلسل الفضائح المالية‏-‏ علي افتراض أن ذلك سيحدث‏-‏ ولكن يمكن معرفة ذلك من خلال مقارنة هذه الأزمة بالأزمات السابقة والتي تتراوح بين نوعين الأول تلك الأزمات التي أدت إلي انخفاض حاد في أسواق المال كما حدث في أكتوبر‏1978,‏ أكتوبر‏1989,‏ و‏11‏ سبتمبر‏2001,‏ والثاني تلك التي أدت إلي الانخفاض التدريجي خطوة بخطوة كما حدث في منتصف السبعينات والتي تشبه ما يحدث حاليا‏.‏ فبالنسبة للنوع الأول استغرق التعافي وتخطي الأزمة نحو‏11‏ أسبوعا في المتوسط وهو ما يسمونه بالقيمة الاسمية‏,‏ بينما في النوع الثاني فقد طالت مدة التعافي حيث وصلت إلي نحو‏4‏ سنوات في المتوسط‏.‏