المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السلام بين العرب واسرائيل:البعد الثانى من الرأى المعارض



د/سالي جمعة
27-01-2011, 09:53 PM
السلام بين العرب واسرائيل:البعد الثانى من الرأى المعارض

عبدالله يوسف سهر محمد

مجلة السياسة الدولية العدد 150 - أكتوبر 2002

تعددت رؤى ومواقف المثقفين العرب بشأن عملية السلام بين الدول العربية واسرائيل ، فهناك المؤيدون للسلام ، وهم يؤكدون على أن للعرب مصلحة فى الانخراط فى عملية السلام مع اسرائيل ، وهى مصلحة تحددها الظروف الموضوعية للمرحلة.وينقسم هؤلاء المؤيدين الى فئتين ، أولها تضم مجموعة المؤيدين للتسوية والتطبيع ، وبالتالى التطلع لقيام نظام شرق أوسطى يساعد على تأسيس المسار السلمى من جهة ، ويساعد العرب على النهوض بالتنمية من جهة أخرى.أما الفئة الثانية فهى تشمل أولئك الذين يقبلون التسوية كأمر واقع ، ولكنهم يرفضون التطبيع ومشروع الشرق أوسطية ، مع احتفاظهم بتخوفاتهم من تداعيات السلام مع اسرائيل.وعلى الجانب الآخر ، هناك الرأى التقليدى المعارض للسلام ، والذى يطرح اشكاليات متعددة ، تبتدىء بخطورة الاعتراف باسرائيل ، والمحاذير السياسية والخسائر الجغرافية والاقتصادية ، علاوة على أن الشارع العربى لا يؤيد السلام.وبناء عليه ، فإن اتفاقات السلام سوف تواجه الفشل لأنها لاتتوافق مع رغبة الشارع العربى ولا النخب الثقافية ، كما أن التنازلات العربية المتوالية تزيد من غطرسة الكيان الصهيونى ولا تكبح جماحه.

وهناك رأى معارض آخر يطرح بعداً جديداً حول ما يصطلح عليه بالسلام مع اسرائيل.وهو يرى أنه إذا كان العرب قد افتقدوا كل مقومات المواجهة اقليمياً ودولياً مع اسرائيل ، وانتشرت حالة الضعف والوهن فى النظام العربى ، خاصة بعد حرب الخليج وظهور النظام العالمى الجديد ، فلماذا تقدم اسرائيل على الانخراط فى سلام مع العرب فى ظل تفوقها العسكرى والاستراتيجى وتتنازل عن أراض رفضت أن تساوم عليها منذ احتلتها عندما كان العرب أفضل حالاً من اليوم؟هل انقلب القادة الاسرائيليون فجأة الى دعاة للمثالية والخير ، أم أنهم لم يفهموا السياسة الدولية كما فهمها مناصرو السلام من سياسيى ومفكرى العرب؟

الحقيقة أن من يراقب السلوك الاسرائيلى يدرك جيداً براعة اسرائيل فى التفاوض والمراوغة السياسية ، علاوة على الأبعاد العدائية ضد العرب التى تتضمنها العقيدة الصهيونية والأصولية اليهودية المهيمنة على الصعيدين الرسمى وغير الرسمى فى ذلك الكيان.وفى هذا السياق فإن الربحية الحقيقية لاسرائيل من وراء ما يسمى بالمسار السلمى تأتى فى إطار الاستراتيجية العامة التى تتبناها فى مضامينها الأمنية والسياسية والاقتصادية مجتمعة مع بعضها البعض ، ووفق قراءة عميقة لمجريات النظام الدولى وهيكلته المتحولة فى أضلاعها الثلاثة المتمثلة فى سقوط الاتحاد السوفيتى ، وهيمنة الولايات المتحدة ، وتصاعد الاسلام السياسى.

وهذا يعنى أن أية نظرة متجزئة لربحية اقتصادية دون النظر الى الأبعاد الأمنية أو السياسية أو العسكرية لن تكون مجدية لحل لغز الخيار الاسرائيلى.واذا كان الكيان الصهيونى قد اختار 'البديل الصعب' الذى ولد نزاعاً حقيقياً بين البنية التوراتية الصهيونية المؤيدة للتوسع غير القابلة للتنازل الجغرافى ، والتوجه الاستراتيجى الشمولى الذى يحقق الأهداف المستقبلية وفقاً لمستجدات الوضع الاقليمى والدولى.واذا كانت اسرائيل قد اختارت ذلك وفقاً لمصالحها ، علماً بأنه لم يحدث تنازل حقيقى من جانبها على أرض الواقع ، فالسؤال المهم الذى يتبادر الى الذهن يدور حول حقيقة المصالح العربية والاسلامية جراء الدخول فى عملية تسوية مع اسرائيل تؤدى الى سلسلة من التنازلات ، فضلاً عن اتساع الفجوة بين الحكومات العربية والاسلامية فيما بينها من جهة ، وبينها وبين شعوبها من جهة أخرى.الى جانب تصاعد مذاهب راديكالية بأسماء متعددة وعقائد متباينة اسلامية وقومية ، وسوف تجد هذه التيارات المتطرفة لبضاعتها الفكرية سوقاً رائجة فى الأوساط الشعبية ، ويتم خلطها بالتيارات السياسية الأخرى الأكثر وسطية وعقلانية.

إن ما تكرره وسائل الاعلام العربية من أن السلام هو خيار استراتيجى هو كلام غير ذى مضمون ، بعدما رفض شارون وحكومته المبادرة العربية الأخيرة من بيروت.ونحن لسنا ضد المنطوق الايجابى للسلام العادل لكن مضمون هذا السلام يتباين من ثقافة لأخرى ومن وقت لآخر.فبالنسبة للكيان الصهيونى فإن السلام هو ما يحقق الأمن لاسرائيل ضمن أطر المعادلة الصفرية فقط ، ولهذا قام شارون باعتداءاته المتكررة فى فلسطين على مرأى ومسمع العالم ، فعل ذلك وهو ينادى بالسلام أيضاً ويطالب السلطة الفلسطينية بدور فعال لاجهاض الممارسة النضالية للشعب الفلسطينى ، والتى يعتبر القائمين بها حفنة من الارهابيين.والادارة الأمريكية توافقه على ذلك ، وتعتبره رجل سلام.ومن هذا المنطلق نستطيع أن ندرك حجم الفجوة ، إن لم التناقض بين المفهومين العربى والصهيونى للسلام.


إن على الدول العربية أن تتعامل مع السلام وفقاً لمنطوقه السياسى الواقعى الذى يستقيم مع المصالح السياسية والأمنية العليا ، والذى يرتكز على عدم التصريح بالتخلى عن الخيار العسكرى قبل تحقق السلام العادل ، والتمسك بدعم المقاومة المسلحة للشعب الفلسطينى ، وحق العرب فى امتلاك السلاح النووى ، خاصة لدول المواجهة ، طالما أن اسرائيل تصر على امتلاك هذا السلاح.كما يتعين تشجيع المفكرين والمثقفين العرب على المساهمة فى وضع استراتيجية عامة لمقاومة مخططات الكيان الصهيونى على كافة الأصعدة ، وأن تسعى الدول العربية لاقامة علاقات سياسية جديدة ومتعددة ومعمقة تنحدر من أقصى دول الشرق كالصين واليابان الى أقصى دول الغرب كأوربا ، بالاضافة الى الولايات المتحدة ، بما يخدم صراعها التاريخى والاستراتيجى مع اسرائيل.إننا كأمة عربية ـ اسلامية ، لا ندعو الى الحرب ، ولا نغفل عن دعوة الى السلام ، ولكنه ذلك السلام العادل والمتكافى والقائم على التوازن بين حقوق ومصالح الطرفين.