المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المسلمون والولايات المتحدة وإسرائيل‏!‏



د/سالي جمعة
27-01-2011, 09:52 PM
المسلمون والولايات المتحدة وإسرائيل‏!‏

د‏.‏ أسامة الغزالي حرب

مجلة السياسة الدولية العدد 150 - أكتوبر 2002

اذا كان هناك خيط واحد يربط بين عدد من أهم المشكلات الراهنة في السياسة الدولية‏,‏ فإن ذلك الخيط سوف يكون هو‏:‏ المواجهة بين الولايات المتحدة‏-‏ وربما الغرب بمعني ما‏-‏ وبين العالم الإسلامي‏!‏ ويكفي هنا فقط أن نستعرض الأحداث‏,‏ في الأسابيع القليلة الماضية‏,‏ في كل من العراق‏,‏ وفلسطين‏,‏ والسودان‏,‏ وإيران‏,‏ وأفغانستان‏,‏ وباكستان‏,‏ والفلبين‏,‏ وأندونيسيا‏..‏ الخ‏.‏ هذا فضلا عن المواجهات أو المشكلات بين‏'‏ الأقليات‏'‏ الإسلامية والمجتمعات التي توجد فيها في عديد من الأقاليم بدءا من الولايات المتحدة وأوروبا‏..‏ إلي الهند وروسيا‏!‏ وليس خافيا أن قضية المواجهة بين المسلمين‏-‏ ولا نقول الإسلام‏!-‏ والغرب‏,‏ والولايات المتحدة تحديدا‏,‏ تفجرت بشدة بعد وقائع‏11‏ سبتمبر‏2001,‏ وليس خافيا أيضا أن تفسير هذه‏'‏ المواجهة‏'‏ انقسم بين‏:‏ تفسير حضاري وثقافي بالأساس‏,‏ وتفسير آخر سياسي‏!‏ التفسير الأول‏,‏ الثقافي‏,‏ وجد سنده الأساسي في كتابات هنتنجتون‏,‏ وأقوال وأفعال أسامة بن لادن ومن علي شاكلته‏,‏ وضغوط صهيونية وإسرائيلية لا تخطؤها العين‏!‏ أما التفسير الثاني‏,‏ السياسي‏,‏ الذي ينحو باللائمة في كثير مما يحدث‏,‏ علي السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي بشكل عام‏,‏ وتجاه الصراع العربي الإسرائيلي بشكل خاص‏,‏ فيتبناه الكثيرون في العالم العربي والإسلامي‏,‏ فضلا عن الكثيرين في الغرب‏,‏ ممن يدركون حقيقة الأوضاع في العالم العربي والإسلامي‏,‏ والذين لا تكبلهم تحيزات أو ضغوط مصلحية أو أيديولوجية‏!‏

وبدون أي لبس‏,‏ فإننا نتبني الاتجاه الثاني‏,‏ ونعتقد أن وجود اختلافات هامة ثقافية وحضارية بين العالم الإسلامي‏,‏ وبين الغرب عموما‏,‏ لا يفسر بذاته تولد مشاعر من العداء والكراهية لدي العالم الإسلامي إزاء الغرب‏,‏ وإنما يفسرها اقتران هذا الاختلاف بعوامل ومؤثرات سياسية محددة‏.‏

فمن الناحية التاريخية‏,‏ اقترن الصراع الإسلامي الغربي‏,‏ بتوسع‏'‏ الامبراطورية الإسلامية‏'‏ واحتكاكها بالغرب المسيحي‏.‏ فبعد قرنين تقريبا من استقرار تلك الامبراطورية‏,‏ وتحديدا في أواخر القرن الحادي عشر‏-1095‏ م‏-‏ جسدت‏'‏ الحملات الصليبية‏'‏ أول احتكاك بين الإسلام والغرب المسيحي‏.‏ وفي الوقت الذي انحسرت فيه تلك الحملة‏-‏ أواخر القرن الثالث عشر‏-‏ ظهر الأتراك العثمانيون الذين اكتسحوا البلقان‏,‏ وشمال أفريقيا‏,‏ واستولوا علي القسطنطينية عام‏1453‏ وحاصروا فيينا في‏1529!‏ أما الهجوم الغربي‏-‏ المسيحي المضاد فيمكن رصده ابتداء من القرن الخامس عشر‏,‏ واستعادة ايبيريا وسقوط الأندلس في عام‏1492.‏ ومنذ ذلك الوقت بدأ الأوروبيون‏-‏ بفضل تفوقهم في الملاحة البحرية‏-‏ تطويق الأراضي الإسلامية‏,‏ والاندفاع في المحيط الهندي وما ورائه‏.‏ وكان فشل حصار العثمانيين الثاني لفيينا في‏1683‏ بداية تراجع طويل للعثمانيين الذين تحولوا إلي‏'‏ رجل أوروبا المريض‏'!‏

ومع ضعف الامبراطورية العثمانية‏,‏ تحولت المواجهة بين الغرب والإسلام‏,‏ من مواجهة بين أوروبا المسيحية‏,‏ وامبراطورية إسلامية موحدة‏,‏ إلي مواجهة بين عدد من البلاد الأوروبية‏,‏ باعتبارها قوي‏'‏ مستعمرة‏',‏ وبين البلاد الإسلامية باعتبارها بلاد‏'‏ مستعمرة‏',‏ بعد أن وقع العالم الإسلامي كله تقريبا‏-‏ من أندونيسيا شرقا إلي جبل طارق غربا‏,‏ وآسيا الوسطي شمالا إلي أفريقيا جنوب الصحراء‏-‏ جنوبا‏,‏ وباستثناء شبه الجزيرة العربية وأفغانستان‏!-‏ في قبضة القوي الأوروبية‏:‏ بريطانيا وفرنسا وهولندا وأسبانيا والبرتغال وإيطاليا وروسيا‏.‏ في هذا السياق‏,‏ يكون من البدهي القول بأن التوجهات والمشاعر العربية والإسلامية إزاء الغرب‏-‏ بدءا من أوائل القرن العشرين‏-‏ كانت نتاجا لعلاقة السيطرة الاستعمارية من جانب الدول الأوروبية علي البلاد العربية‏,‏ وليست مجرد نتاج للاختلاف الثقافي والديني‏,‏ بل إن تلك السيطرة الاستعمارية هي التي أسهمت في إذكاء المشاعر الإسلامية‏-‏ العربية ضد السيطرة المسيحية‏-‏ الغربية‏.‏

وبعبارة موجزة‏,‏ فإن التناقض الديني‏-‏ الثقافي بين الإسلام والغرب لم يكن بذاته كافيا لتوليد المشاعر العدائية بين المسلمين‏-‏ والعرب بوجه خاص‏-,‏ والعالم الغربي‏,‏ وإنما اقترن ذلك بعوامل ومؤثرات سياسية أخري مثل‏:‏ توحد المسلمين في امبراطورية واحدة تغري بالغزو والتوسع‏-‏ مثلما تم في ظل الامبراطورية العثمانية‏-‏ أو تعرض البلاد الإسلامية لاستعمار القوي الغربية‏,‏ وما رافق ذلك من فجوة اقتصادية وتكنولوجية‏-‏ مثلما حدث في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين‏-.‏ واتساقا مع هذا الافتراض‏,‏ فإننا نشدد علي أن المشروع الصهيوني في فلسطين‏,‏ والذي تجسد في مولد دولة إسرائيل في منتصف القرن‏,‏ وما تلاه من تطورات‏,‏ لعب هذا الدور علي نحو يفوق بكثير أية عوامل أخري سابقة‏.‏


فلم يكن لدي العرب أي التباس بشأن مسئولية الدول‏-‏ الأوروبية‏-‏ الاستعمارية‏-‏ التي كانت تسيطر منذ بداية القرن العشرين علي بلادهم‏,‏ عن خلق دولة إسرائيل‏.‏ ففي حين كانت ارادة تلك الدول حاسمة في خلق الكيانات التي اصبحت‏,‏ فيما بعد‏,‏ دولا في الشرق العربي‏,‏ فانها رأت ان الدولة الأكثر جدارة بالدعم في فلسطين دولة يهودية وليست دولة عربية‏.‏ وكان تصريح وزير الخارجية البريطاني‏,‏ اللورد بلفور‏,‏ في نوفمبر‏1917‏ الذي اعلن فيه ان الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف الي انشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين‏,‏ هو نقطة البدء الفعلية لإنشاء إسرائيل‏,‏ وكان أيضا في نظر العرب المسلمين رمزا لمؤامرة اوربية عليهم‏,‏ استهدفت انشاء دويلة دخيلة‏,‏ لتكون خنجرا في قلب بلادهم‏.‏

لذلك‏,‏ وفي نفس الوقت الذي كانت تجري فيه ترتيبات إنشاء‏'‏ إسرائيل‏'‏ وكانت أيضا الدول العربية منهمكة في كفاحها للاستقلال‏,‏ قبل ثم بعد الحرب العالمية الثانية‏,‏ نظرت تلك الدول الي دعم الشعب الفلسطيني‏,‏ باعتباره تعبيرا عن تضامنهم معا ضد عدوين متحالفين‏:‏ الاستعمار‏,‏ والصهيونية‏!,‏ وعلامة علي تصميم وصعود القومية العربية‏!‏

وفضلا عن ذلك‏,‏ فإن تفجر الصراع العربي الاسرائيلي‏,‏ في حقبة الحرب الباردة‏,‏ سرعان ما أدخل هذا الصراع في سياق المواجهة بين الشرق والغرب‏.‏ وبرغم أن الاتحاد السوفيتي وبعض دول أوربا الشرقية كانت في مقدمة من دعم قيام اسرائيل‏..‏ إلا أن مقتضيات المنافسة الدولية‏,‏ نقلت الاستقطاب الشرقي‏-‏ الغربي‏,‏ الي الصراع العربي‏-‏ الاسرائيلي‏,‏ وهو ما ساعد أيضا علي تبلور الموقف الحاد الذي اخذته قوي اليسار العربية ضد اسرائيل‏,‏ جنبا الي جنب مع القوي القومية والوطنية‏.‏

ولم يكن غريبا‏,‏ أن أهم لحظات التحول في التاريخ المعاصر للوطن العربي‏,‏ انما ارتبطت بتطورات المواجهة العربية‏-‏ الإسرائيلية قبل أي شيء آخر‏.‏ وعلي الأقل‏,‏ فإن الوطن العربي قبل‏1948‏ أو‏1967‏ أو‏1973‏ ليس الوطن العربي بعد أي منها‏,‏ وهو ما يصدق‏-‏ بالذات‏-‏ علي دول المواجهة المباشرة مع اسرائيل‏.‏ وليس مصادفة أن السنوات تلك كانت هي التي شهدت حروبا عربية‏-‏ اسرائيلية‏,‏ بكل ما تتضمنه الحرب من شحن نفسي وعاطفي‏,‏ وخسائر بشرية ومادية هائلة‏!‏

وقد نشطت القوي اليهودية والصهيونية لتأمين دعم الولايات المتحدة لاسرائيل‏,‏ مثلما سبق أن أمنت الدعم البريطاني‏.‏ غير أن حرص بريطانيا القديم علي موازنة دعمها للدولة اليهودية في فلسطين‏,‏ بعلاقة طيبة مع النخب الحاكمة العربية‏-‏ مثلما ظهر مثلا في دعم قيام الجامعة العربية‏-,‏ لم يستمر بنفس‏'‏ الاتقان‏'‏ أو الكفاءة مع الإدارات الامريكية فيما عدا بعض الحالات الاستثنائية‏.‏

وطوال ما يقرب من خمسين عاما من الصراع العربي الاسرائيلي‏-‏ بما في ذلك تطورات‏'‏ عملية السلام‏'‏ التي بدأت منذ‏1979-..‏ لم يماثل درجة الشحن السياسي والعاطفي العربي العالية ضد اسرائيل‏,‏ إلا التحيز الامريكي المستمر لها والمتجاهل دوما بشكل نمطي ومستفز‏,‏ ليس فقط لمطالب وإلحاح الحكومات العربية‏,‏ وإنما أيضا‏-‏ وذلك هو الأكثر أهمية‏-‏ للمشاعر العاطفية الجياشة‏-‏ ذات الأصول الدينية والسياسية‏-‏ لدي الجماهير العربية العادية من المحيط الي الخليج‏.‏

وبإمكان الباحث في السياسة الامريكية حيال الشرق الأوسط‏,‏ أن يقرر أن الاهتمام الامريكي تركز علي دعم اسرائيل‏,‏ وتأييدها الدائم‏-‏ سواء كانت مخطئة أم مصيبة‏-‏ أكثر مما تركز علي دفع وتعزيز عملية السلام بين إسرائيل وجيرانها‏.‏ حقا‏,‏ لقد لعبت الولايات المتحدة أدوارا لا يمكن انكارها لانجاز إتفاقيات كامب ديفيد والمعاهدة المصرية الاسرائيلية‏,‏ وكذلك الاتفاقيات مع الاردن والسلطة الفلسطينية‏..‏ ولكنها لم تهتم فعلا بتقديم مشروعات متكاملة لبناء سلام حقيقي شامل بين اسرائيل وجيرانها العرب تضع فيها وزنها وإمكاناتها‏.‏

في هذا السياق يبدو منطقيا تماما الأثر المدمر والهدام الذي أحدثته‏,‏ وماتزال تحدثه السياسة الامريكية في الشرق الاوسط‏,‏ وبالتحديد تحيزها السافر والمستمر لإسرائيل‏,‏ علي نظرة العرب‏-‏ مسلمين ومسيحيين‏-‏ الي الولايات المتحدة الامريكية‏.‏ ومن المثير للدهشة الشديدة هنا‏,‏ ألا تستطيع مراكز الأبحاث الامريكية العديدة‏,‏ ومعاهد استطلاع الرأي العملاقة‏,‏ أن ترصد تلك العلاقة القوية المباشرة بين السياسة الامريكية‏,‏ وبين اتجاهات الرأي العام العربي السلبية تجاه الولايات المتحدة‏!‏ ومن المؤكد أن الغالبية الساحقة من المواطنين العاديين في انحاء العالم العربي‏,‏ ليست لديهم أية خلفية عميقة عن‏'‏ التناقض الثقافي‏'‏ بينهم وبين الامريكيين‏,‏ ولا معلومات يعتد بها عن الهيمنة الامريكي علي العالم وعلي بلادهم‏,‏ ولكنهم يعرفون جيدا حقيقة بسيطة للغاية‏,‏ وهي أن الولايات المتحدة تقف دائما مع اسرائيل‏,‏ ضد الفلسطينيين‏,‏ وضد العرب جميعهم‏!‏

ولذلك لن نتوقف عن تكرار التأكيد علي التوصل الي حل شامل وعادل ونهائي للصراع العربي الإسرائيلي‏,‏ وهو أحد أهم العوامل الأساسية التي سوف تسهم في إزالة مشاعر العداء والكراهية ضد الغرب‏,‏ وضد الولايات المتحدة بالذات‏,‏ ونزع الشرعية عن التنظيمات الإرهابية التي تهدد الجميع في العالم الاسلامي‏,‏ وفي الغرب علي السواء‏.‏