المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صعوبات و إمكانيات التسوية بعد الانتفاضة



د/سالي جمعة
22-01-2011, 02:18 AM
صعوبات و إمكانيات التسوية بعد الانتفاضة

د. جمال عبد الجواد

مجلة السياسة الدولية العدد رقم 143 - يناير 2001

بينت وقائع الانتفاضة أن الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية ليسا معدومي الخيارات، فبرغم الاختلال الشديد في ميزان القوى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبرغم ضيق نطاق الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين، فإن خيار المقاومة مازال مطروحا وممكنا. في نفس الوقت فإنه برغم عنف المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وخاصة برغم الاستخدام المفرط للقوة المسلحة من جانب إسرائيل، فإن الطرفين قد تصرفا ضمن ما بدا أنه حدود متفق على ألا يتم تجاوزها، وهي الحدود التي رسمتها ما تم تنفيذه من اتفاقات أوسلو حتى الآن. فالطرفان قد تصرفا طول الوقت في حدود الاعتراف المتبادل والتعايش بينهما، والذي رسمت معالمه اتفاقات أوسلو. فلا الفلسطينيين تراجعا عن اعترافهما بإسرائيل وبسعيهم للتعايش معها، برغم الموجة الراديكالية القوية التي سيطرت على الرأي العام والشارع العربي بمناسبة الانتفاضة، والتي ذهبت في أحيان كثيرة للمطالبة بمراجعة مسيرة التسوية برمتها. أما على الجانب الإسرائيلي، فإن إسرائيل لم تتورط في إعادة احتلال المناطق الفلسطينية المحررة بمقتضى أوسلو، أي المنطقة أ، وقصرت عملياتها العسكرية طوال الوقت على حدود مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، بحيث أن الصراع قد بدا وكأنه صراع حدودي بين دولتين مستقلتين.


وبينما كان للإسرائيليين في الانتفاضة الأولى أن يتعاملوا مع الأحداث باعتبارها حدثا خارجيا يقع في المناطق المحتلة، فإنهم لم يتمتعوا بمثل هذا الترف في هذه المرة. فقد أصبحت الانتفاضة حدثا داخليا إسرائيليا بعد شمولها الفلسطينيين داخل إسرائيل. وربما كان هذا هو سر الصدمة التي أصابت المجتمع الإسرائيلي، والتي انعكست في النزعة الانعزالية التعصبية وتيارات التعصب اليميني التي ظهرت بين الإسرائيليين، والتي أجبرت قوى الاعتدال والسلام الإسرائيلية على التواري والكمون، ولو مؤقتا، في مواجهة المد اليميني.


لقد بينت تطورات الأيام الماضية للدول العربية كما لإسرائيل أن المسافة في الشرق الأوسط بين قضايا الداخل وقضايا الخارج ليست كبيرة، وأن أمن وسلامة المنطقة وازدهارها هو كل لا يتجزأ. فإسرائيل لن يمكنها أن تعيش في سلام وتحقق طموحات جزء كبير من مواطنيها ببناء مجتمع ودولة عصريين وديمقراطيين طالما ظلت المأساة الفلسطينية قائمة بلا حل عادل، كما أنها لن تستطيع أن تتمتع بالسلام والقبول في المنطقة طالما ظلت الفجوة في القوة العسكرية ومستويات المعيشة بينها وبين دول المنطقة بالاتساع الذي هي عليه الآن.


أما بالنسبة للدول العربية، فإن أحداث الأسبوعين الماضيين قد بينت أنه ليس لها أن تفض يدها من القضية الفلسطينية حتى وهي تخوض بجدية في عمليات البناء والتحديث الداخلي، وبينت لها أنها لا تملك ترف الاكتفاء برفع الشعارات وإعلان المبادئ والمواقف بديلا عن التحرك الجدي لإيجاد حل مقبول وعادل للقضية الفلسطينية، كما بينت لها أيضا المخاطر الشديدة للاستقالة من قيادة شعوبها في اتجاه فهم أفضل لحقائق الموقف في فلسطين والمنطقة، ومخاطر توظيف قضية فلسطين وكفاح شعبها بشكل غير مسئول للتلاعب بالرأي العام المحلي ولتحقيق مكاسب قصيرة المدى تستعيض بها عن إخفاقاتها في مجالات متعددة.


المؤكد أنه لا باراك ولا عرفات يمكن أن يعتبر نفسه اليوم في موقف أفضل مما كان عليه قبل اندلاع انتفاضة القدس. فالأحداث أفلتت من سيطرة أصحاب القرار، والاتفاق الذي كان كل منهما يسعى إليه قد بات أبعد منالا عما كان عليه، وهذا بالضبط هو ما كان يسعى إليه أريل شارون. فاليمين الإسرائيلي نجح في فرض الأجواء التي يريدها، وإذا كانت المعارضة الفلسطينية الراديكالية لعملية التسوية قد نجحت في تعطيل هذه العملية قبل أربع سنوات، فإن الدور هذه المرة كان على اليمين الإسرائيلي للقيام بنفس المهمة، فأصبحت المنطقة أبعد من أي وقت مضى عن التوصل لتسوية.


ومن المفارقات، أنه بينما أتى التصعيد من جانب الإسرائيليين والفلسطينيين -كل بطريقته- في إطار محاولة كل منهما الضغط على الآخر لدفعه لمزيد من التنازلات على مائدة التفاوض، فإن القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية أصبحتا الآن في موضع لا يسمح لهما بتقديم أي تنازلات إضافية، بعد أن سيطر التشدد على الشارع السياسي على الجانبين، ويظل على الأطراف أن تبحث عن طريقة للتغلب على هذا الموقف، الأمر الذي لا يبدو ميسرا.


بعبارة أخرى، فإن المواجهات العنيفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين طوال الشهور الثلاثة الماضية قد حدت من القدر من المرونة التي يجب للطرفين أن يتحليا به إذا كان لهما أن يصلا إلى اتفاق، وبينما رفعت الانتفاضة سقف المطالب الفلسطينية، فإنها خفضت بالمقابل سقف الاستعداد الإسرائيلي للاستجابة للمطالب الفلسطينية، الأمر الذي يعني أن توصل الطرفين لاتفاق قد أصبح الآن أبعد منالا مما كان الحال عليه قبل الانتفاضة.


فإذا كان للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي أن يتوصلا إلى تسوية فإنه سيكون مطلوبا من القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية إحداث تعديلات مهمة على البيئة الداخلية لدى كل منهما. فعلى المستوى الفلسطيني، سوف يكون على القيادة الفلسطينية أن تعيد تأكيد قيادتها للتيار العام في السياسة الفلسطينية، وذلك بعد أن أسفرت أحداث ووقائع الانتفاضة على ظهور مراكز متعددة للقوة السياسية على المستوى المحلي، حيث اكتسب القادة الميدانيين لمنظمة فتح حرية حركة واسعة، إلى درجة بدا معها المشهد السياسي الفلسطيني على درجة ليست قليلة من التفتت وفقدان القيادة. كما أنه سوف يكون مطلوبا من القيادة الفلسطينية أن تعيد فرض سيطرتها على المنظمات الفلسطينية الأخرى، والتي استطاعت في ظل أجواء الانتفاضة أن تكتسب نفوذا ودورا كبيرا، بسبب المواجهات المستمرة، وبسبب تشابه الخطاب الرسمي الفلسطيني مع خطابها، وبسبب التساهلات الأمنية التي أظهرتها القيادة الفلسطينية تجاه عناصر وقيادات الاتجاهات المتشددة، خاصة حماس والجهاد.


أما بالنسبة لإسرائيل، فإن إسرائيل تبدو في حاجة لقيادة سياسية من نوع جديد قادرة على إقناع الرأي العام الإسرائيلي بضرورة دفع مستحقات السلام دون غموض، وتكون قادرة على بناء تحالف حاكم يتمتع بقدر من الصلابة، وتكون قادرة على الحد من تأرجح الرأي العام الإسرائيلي بين اليمين واليسار فيما يتعلق بمسألة التسوية مع الفلسطينيين