المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدبلوماسية وقضـايا نزع السـلاح فى الأمم المتحدة (1981 ـ 1998)



د/سالي جمعة
14-01-2011, 02:35 AM
الدبلوماسية وقضـايا نزع السـلاح
فى الأمم المتحدة (1981 ـ 1998)

عبدالرحمن عبدالعال

مجلة السياسة الدولية العدد 144 ابريل 2001

تزايد الاهتمام الدولى بقضايا نزع السلاح بصورة كبيرة منذ بداية عقد التسعينات ، وخاصة فى أعقاب حرب الخليج الثانية ، وما أثارته من قضايا تتعلق بمخاطر انتشار تكنولوجيا التسلح المتقدمة ، بالاضافة الى تزايد المخاوف من تسرب هذه التكنولوجيا من بعض الدول مثل جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق الى دول العالم الثالث ، والى جماعات الارهاب والجريمة المنظمة.ثم جاء قيام الهند وباكستان بتفجيراتهما النووية فى 1998 ليدعم مثل هذا الاهتمام العالمى والاقليمى بقضايا نزع السلاح.ولم تكن مصر بطبيعة الحال بعيدة عن هذه التطورات ، بل كانت فى القلب منها ، واستطاعت الدبلوماسية المصرية فى نطاق الأمم المتحدة أن تعبر عن المصالح والشواغل الأمنية لمصر ذات الصلة بقضايا نزع السلاح.
وقد قامت مصر بتبنى العديد من المبادرات ومشروعات القرارات ذات الصلة بها ، سواء بمفردها مثل مبادرتها الخاصة بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية فى الشرق الأوسط ، أو بالتعاون مع غيرها من الوفود العربية ، مثلما هو الحال بالنسبة لمشروع القرار الخاص بالتسلح النووى الاسرائيلى ، أو بالتعاون مع الدول الأفريقية مثل المبادرة الخاصة بتنفيذ إعلان افريقيا منطقة خالية من الأسلحة النووية ، أو بالتعاون مع دول عدم الانحياز ، كما هو الحال فى مشروعات القرارات الخاصة بنزع الأسلحة التقليدية والنووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل .
والحقيقة أن مصر لم تنجح سوى بدرجة محدودة فى ترجمة مبادراتها ومطالبها بشأن نزع السلاح الى واقع عملى ملموس ، وهو أمر يمكن تفسيره بالدور المحدود الذى يمكن أن تقوم به الدول الصغرى والمتوسطة الأعضاء بالأمم المتحدة فى المفاوضات متعددة الأطراف الخاصة بالسلاح ، فرغم المساواة القانونية فيما بين الدول الأعضاء بالأمم المتحدة ، إلا أن إسهام معظم هذه الدول فى مفاوضات الأمم المتحدة لنزع السلاح كان محدوداً ، وذلك سواء فى جنيف أو فى أعمال اللجنة الأولى للجمعية العامة.كما أن هذه الدول فى الجلسات الفرعية للجمعية العامة أو فى الدورات الخاصة تعتبر غير متساوية من الناحية العملية فى قدرتها على التعبير عن اهتماماتها بشأن قضايا نزع السلاح.
وقد نجحت مصر بالتعاون مع البلدان الأفريقية فى تحويل اعلان افريقيا منطقة لانووية الى واقع فعلى ، من خلال التوقيع بالقاهرة على معاهدة بلندابا فى عام 1996 ، وذلك بعد انضمام جنوب افريقيا الى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية فى عام 1991 ، وقبولها نظام التفتيش الخاضع للوكالة الدولية للطاقة الذرية ، ولكن من ناحية أخرى فقد أخفقت الدبلوماسية المصرية فى تحقيق ذلك بالنسبة لمبادرة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية بسبب التعنت الاسرائيلى ورفضها الانضمام لمعاهدة منع الانتشار النووى.
كما أخفقت مصر فى تضمين الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بهذه الأسلحة مقترحاتها ومطالبها الخاصة بالربط بين جميع أسلحة الدمار الشامل ، وقد واجهت الدبلوماسة المصرية منذ أوائل التسعينات صعوبات متزايدة فى نطاق الأمم المتحدة بشأن قدرتها على تمرير مشروعات قراراتها وبخاصة ذات الصلة منها بمحاصرة قضية التسلح النووى الاسرائيلى.فعلى سبيل المثال اضطرت مصر ودول المجموعة العربية المتبنية لمشروع القرار الذى يحمل عنوان 'التسلح النووى الاسرائيلى' الى حذف جميع الفقرات التى كانت تتضمن قبل 1990 إدانة أنشطة اسرائيل النووية ، ووصل الأمر فى عام 1994 الى تغيير عنوان مشروع هذا القرار ليصبح 'حظر الانتشار النووى فى الشرق الأوسط'.واضطر الجانب المصرى والعربى منذ عام 1996 الى إلغاء كافة الفقرات التى تشير الى اسرائيل بالاسم فى مشروع القرار.
أما بالنسبة لمشروع القرار الخاص بالمبادرة المصرية والتى تحمل عنوان ' إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية فى الشرق الأوسط' فقد اضطر المندوب المصرى ، وبخاصة منذ عام 1994 ، الى إدخال العديد من التعديلات الاسرائيلية المقترحة على ديباجته ومنطوقه ، والتى تركزت بصفة أساسية حول الاشارة الى المستجدات السياسية والأمنية بالمنطقة ، وذلك فى ضوء توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 ومعاهدة السلام الاسرائيلية الأردنية عام 1994 ، وذلك بهدف استمرار صدور القرار بتوافق الآراء.ومع تدهور عملية السلام فى أعقاب تولى نتنياهو الحكم فى اسرائيل ، حاول المندوب المصرى إعادة صياغة بعض الفقرات الواردة بالقرار لتعكس الحقائق السياسية الجديدة بالمنطقة ، ولكن النفوذ الاسرائيلى فى الأمم المتحدة حال دون ذلك ، وتم اعتماد مشروع هذا القرار عام 1996 بنفس الصيغة التى كان عليها قبل 1995.
ويمكن ارجاع هذا التدهور فى أداء الدبلوماسية المصرية بشأن قضايا نزع السلاح فى الأمم المتحدة الى عاملين أساسيين أولهما يتعلق بتدهور البيئة الاقليمية لمصر والانكشاف الذى أصاب كلا من النظام العربى والقارة الافريقية منذ انتهاء الحرب الباردة ، والعامل الثانى هو تزايد النفوذ الأمريكى والغربى فى النظام الدولى.وقد جاء ذلك نتيجة طبيعية لتفكك وانهيار الاتحاد السوفيتى ، وكان لذلك آثاره السلبية على هامش الحركة المتاحة أمام بلدان العالم الثالث ، ومن بينها مصر ، فى نطاق الأمم المتحدة.
وفى هذا الاطار أصبحت الدبلوماسية المصرية فى حاجة الى إعادة بناء موضوعية لاستراتيجية تحركها فى نطاق الأمم المتحدة ، وذلك فى ضوء الصعوبات المتزايدة التى أصبحت تواجهها منذ انتهاء الحرب الباردة بشأن قدرتها على تمرير مشروعات القرارات ذات الصلة بمصالحها.وتنبع هذه الصعوبات بصفة أساسية من ذلك التغير الذى طرأ على هيكل النفوذ للدول والكتل التصويتية لصالح الولايات المتحدة والكتلة الغربية ، بالقدر الذى أصبحت معه البلدان الأوربية الأعضاء بمؤتمر الأمن والتعاون الأوربى تشكل كتلة تصويتية واحدة ، الأمر الذى ألقى بظلاله السلبية على هامش المناورة المتاح أمام بلدان العالم الثالث بالمنظمة.
ولهذا فإن الدبلوماسية المصرية خلال العقود القادمة لن يكون بمقدورها توظيف الأمم المتحدة كمنبر عالمى للتعبير عن مصالحها ، كما كان الأمر فى الماضى وبخاصة خلال الستينات وحتى نهاية الثمانينات.ولاشك أن نقطة البدء فى عملية تعزيز التواجد المصرى فى الأمم المتحدة تكمن فى ضرورة تجاوز الأوضاع الحالية للنظام العربى ، وإعادة بناء التضامن العربى على أسس موضوعية من المصالحة والمصارحة ، وتوثيق روابط التعاون فيما بين مصر وبلدان العالم الثالث وهذه العملية ترتبط بقوة بمحاولات إعادة بناء الدور الاقليمى لمصر عربياً وافريقياً وفى إطار بلدان العالم الثالث .