المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قمـة عمان العربية‏-‏ مارس‏2001‏



د/سالي جمعة
13-01-2011, 01:42 AM
قمـة عمان العربية‏-‏ مارس‏2001‏

د‏.‏ أسامة الغزالي حرب

مجلة السياسة الدولية العدد 144 ابريل 2001

قبل ثلاثة أيام فقط من موعد صدور هذا العدد من‏'‏ السياسة الدولية‏'‏ عقد في العاصمة الأردنية‏,‏ عمان‏,‏ أول مؤتمر دوري للقمة العربية‏,‏ تنفيذا للقرار الذي سبق أن اتخذته القمة العربية غير العادية بالقاهرة في أكتوبر‏.2000‏ ووفقا لهذا القرار الأخير فإن مجلس جامعة الدول العربية سوف يعقد علي مستوي القمة بصفة منتظمة في دورة عادية كل عام في شهر مارس اعتبارا من عام‏.2001‏
إن ذلك يعني أن مجرد عقد هذا المؤتمر‏,‏ كان خطوة هامة نحو مزيد من اضفاء الطابع المؤسسي علي الجامعة العربية‏,‏ باعتبارها الهيكل التنظيمي للنظام الإقليمي العربي‏.‏ والواقع أن انتظام اجتماعات القمة العربية كان هدفا أو أملا تلازم مع مؤتمرات القمة العربية منذ‏1964,‏ أي منذ سبعة وثلاثين عاما‏,‏ بل وتكرر النص عليه في مقررات أكثر من مؤتمر للقمة‏.‏ إلا أنه لم ينفذ فعليا علي نحو جاد أبدا‏.‏ غير أن بامكاننا أن نأمل‏-‏ هذه المرة‏-‏ أن تلتزم الدول العربية بذلك التقليد المؤسسي الهام‏,‏ خاصة وأن قمة القاهرة غير العادية‏,‏ التي عقدت في أكتوبر‏2000‏ أقرت‏'‏ الآلية‏'‏ الخاصة بالانعقاد الدوري المنتظم للقمة العربية‏,‏ كما أقرت أن يكون الملحق المتعلق بتلك الآلية مكملا لميثاق جامعة الدول العربية‏.‏ ووفقا لذلك الملحق‏,‏ سوف يكون علي مجلس الجامعة العربية أن ينعقد وعلي مستوي القمة سنويا‏,‏ وكذلك عند الضرورة أو بروز مستجدات تتعلق بالأمن القومي العربي‏,‏ إذا تقدمت إحدي الدول الأعضاء أو الأمين العام‏,‏ بطلب ذلك‏,‏ ووافق علي عقدها ثلثا الأعضاء‏.‏
غير أن أملنا في أن يلتزم القادة العرب‏,‏ بهذا التقليد السنوي‏,‏ لا يستند فقط الي تقنين النص عليه وإلحاقه بميثاق الجامعة‏,‏ ولكن‏-‏ وذلك هو الأهم‏-‏ لأن التحديات التي تواجهها البلاد العربية‏,‏ ونحن في مفتتح القرن الواحد والعشرين‏,‏ تجعل مسألة التنسيق والتكامل بينها ضرورة ملحة أكثر من أي لحظة في تاريخها المعاصر كله‏!‏ فالعرب‏-‏ الذين يشكلون غالبية سكان منطقة الشرق الأوسط‏,‏ وبالرغم من وجود الجزء الأكبر من الاحتياطي النفطي في بلادهم‏-‏ تتسع الفجوة بشدة وبسرعة بينهم وبين مناطق العالم الأخري‏,‏ بما في ذلك أغلبية بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية‏.‏ كما أن التطور نحو مزيد من‏'‏ العولمة‏',‏ وتحرير التجارة في العالم‏,‏ يطرح عليهم تحديات اضافية لا يمكن تجاهلها في المستقبل القريب‏.‏ ومع أن مشروعات التكامل والتوحد العربي‏,‏ ظهرت مبكرة للغاية‏,‏ منذ منتصف القرن العشرين‏,‏ مقارنة بغيرها من أقاليم العالم الأخري‏,‏ إلا أن انجازها الفعلي كان ومايزال هزيلا للغاية‏!‏ حقا‏,‏ إن هناك ظروفا‏'‏ موضوعية‏'‏ حالت دون أن تتحول الشعارات والكلمات الحماسية حول الوحدة والعروبة الي واقع فعلي‏,‏ مثل التفاوت الشديد في الثروة بين بلاد عربية توضع بين أغني بلاد العالم‏,‏ وبين دول عربية أخري تندرج ضمن أفقر بلاد العالم‏!,‏ ومثل التفاوت الواسع بين نظم سياسية‏'‏ تقليدية‏'‏ تقوم علي أساس‏'‏ قبلي‏',‏ ونظم أخري‏'‏ حديثة‏',‏ وإن جمع بين أغلبها معا تعثر ملحوظ في تحقيق الديمقراطية‏!‏ كما لا يمكن إغفال التفاوت الثقافي بين مناطق الخليج‏,‏ والشام‏,‏ ووادي النيل والمغرب العربي في شمال أفريقيا‏...‏ غير أنه آن الأوان لتجاوز تلك الاختلافات بروح من المسئولية والجدية‏,‏ والتقدير الواقعي لمجالات التنسيق والتكامل‏.‏ ولذلك‏,‏ ربما كان من أهم ما يلفت النظر في قمة عمان أن جانبا يعتد به من قراراتها انصب علي قضايا التكامل الاقتصادي العربي‏,‏ والإشارة الي مجالات بعينها مثل تجارة الخدمات‏,‏ والسياحة‏,‏ والنقل‏,‏ والكهرباء‏,‏ والبيئة‏,‏ وتكنولوجيا المعلومات‏,‏ فضلا عن الدعوة لتحسين مناخ الاستثمار‏,‏ وتشجيع القطاع الخاص‏.‏ وفي هذا السياق‏,‏ فإن قرار القمة بعقد المؤتمر الاقتصادي الأول بالقاهرة في نوفمبر القادم‏,‏ بناء علي مبادرة مصرية‏,‏ هو خطوة أخري هامة في الاتجاه الصحيح‏,‏ حيث يفترض أن تشارك في المؤتمر الحكومات العربية‏,‏ فضلا عن مؤسسات القطاع الخاص العربي والأجنبي‏,‏ والمؤسسات الاقتصادية الإقليمية والدولية‏.‏
غير أن هذا الانجاز المؤسسي‏,‏ علي صعيد التكامل الإقليمي العربي‏,‏ لا ينفي أن القضية الأولي التي انشغل بها مؤتمر القمة العربي كانت هي‏-‏ كما كان متوقعا‏-‏ التطورات الراهنة للقضية الفلسطينية‏,‏ في سياق تعثر عملية السلام العربية‏-‏ الإسرائيلية‏.‏ وليس من قبيل المبالغة هنا القول بأن قمة عمان أتت في مفترق طرق حاسم بالنسبة لعملية السلام العربية‏-‏ الإسرائيلية‏.‏ فهذه العملية تمر الآن بأكثر مراحلها حساسية وخطورة‏,‏ أي تلك المتعلقة بحل القضية الفلسطينية‏,‏ وفي القلب منها مشكلات‏:‏ القدس‏,‏ واللاجئين‏,‏ والدولة الفلسطينية‏.‏ والأحداث الدامية المتصاعدة علي نحو مأساوي منذ سبتمبر الماضي حتي الآن‏,‏ في الضفة الغربية وغزة‏,‏ تشهد علي مواجهة مصيرية بين إصرار الفلسطينيين علي انتزاع حقوقهم السليبة‏,‏ التي تساندها الشرعية الدولية‏,‏ وبين عناد الإسرائيليين وعجزهم عن التقدم الجاد نحو التسليم بتلك الحقوق‏,‏ مستندين الي آلة حربية فائقة الحداثة‏,‏ واستخدام مفرط ومشين للقوة في مواجهة الفلسطينيين العزل‏!‏ لقد دفعت ضرورات المرحلة الإسرائيليين الي تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة الجنرال شارون الذي لا يوحي وجوده بأي احتمالات جادة لسلام عادل‏.‏ وفي المقابل‏,‏ كان منتظرا من القمة العربية أن تبلور‏,‏ في هذه المرحلة‏,‏ موقفا عربيا واضحا وحاسما‏.‏ ولذلك‏,‏ لم يكن غريبا أن حظيت القضية الفلسطينية بالاهتمام الأول للقمة‏,‏ واستحوذت علي القسط الأكبر من قراراتها‏.‏ ومع أن وسائل الإعلام العربية حفلت‏-‏ في رد فعلها المباشر علي القمة‏-‏ بالحديث عن‏'‏ الاحباط‏'‏ الذي أصاب‏'‏ الشارع العربي‏'‏ من مقررات القمة‏,‏ إلا أن تلك المقررات حملت رسائل لا يمكن أن تكون محل ارتياح من إسرائيل‏,‏ أو من الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ حتي وإن لم تعبر عن موقف عربي متبلور وحاسم بشأن شروط استئناف عملية السلام‏.‏ فلقد ساندت القمة الانتفاضة الفلسطينية بوضوح‏,‏ وكلفت المجلس الأعلي لصندوقي الأقصي والانتفاضة بدعم مالي محدد للسلطة الفلسطينية‏(‏ وإن كان أقل بكثير مما أوصت به الوعود السابقة‏!),‏ وعبر قادة العرب عن استيائهم البالغ من استخدام الولايات المتحدة لحق النقض‏(‏ الفيتو‏)‏ في مجلس الأمن ضد مشروع القرار الخاص بحماية الشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة‏,‏ وإنشاء قوة للمراقبة تابعة للأمم المتحدة هناك‏,‏ كما جددوا التزامهم بقطع جميع العلاقات مع الدول التي تنقل سفارتها الي القدس أو تعترف بها عاصمة لإسرائيل‏.‏
وأيا ما كانت الملاحظات علي تلك المقررات‏,‏ فإن صدورها في هذا التوقيت‏,‏ كان أيضا أمرا ضروريا في سياق توضيح المواقف المختلفة للإدارة الأمريكية الجديدة‏.‏ فلقد عقدت القمة العربية عقب أيام قليلة من زيارة شارون للولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ حيث سعي في تلك الزيارة‏-‏ بداهة‏-‏ الي حشد الدعم الأمريكي‏,‏ المتحيز أصلا‏,‏ للمواقف الإسرائيلية‏.‏ وفي هذا السياق يكون عقد القمة العربية‏,‏ وقراراتها‏,‏ عنصرا داعما للرئيس حسني مبارك في زيارته‏-‏ التي بدأت يوم‏31‏ مارس‏-‏ للولايات المتحدة‏,‏ والتي يفترض أن تتلوها زيارات مماثلة لزعماء عرب آخرين‏.‏ فأيا ما كان تقديرنا للموقف الأمريكي‏,‏ فسوف تظل الولايات المتحدة‏,‏ باعتبارها القوة الأعظم في عالم اليوم‏,‏ والأكثر مصالح وعلاقات في المنطقة‏,‏ هي الراعي الأكثر نفوذا في عملية سلام الشرق الأوسط‏.‏ وكما جرت العادة دائما‏,‏ فلقد تعودنا علي أن يكون موسم الانتخابات الرئاسية الأمريكية هو عادة موسم‏'‏ المزايدات‏'‏ من جانب المرشحين‏,‏ لكسب الأصوات اليهودية والتسابق لإظهار الدعم والتأييد لإسرائيل‏!‏ ويعني هذا أن السعي الجاد لإعادة التوازن في التوجهات الأمريكية إزاء المنطقة‏,‏ وإعادة التذكير بالمواقف العربية إزاء القضايا الخلافية في عملية السلام العربية الإسرائيلية‏,‏ هو أمر حيوي ولا يمكن التأخر فيه‏.‏
غير أن وصول القمة العربية الي عدد من القرارات المحددة بشأن المسألة الفلسطينية‏,‏ قابله تعثر ظاهر في معالجة ما سمي بـ‏'‏ الحالة‏'!‏ بين العراق والكويت‏.‏ وليس ذلك بالأمر الغريب‏!‏ فعمق الأزمة العراقية الكويتية‏,‏ التي نجمت عن الاحتلال العراقي للكويت‏,‏ وما تبعه من تداعيات مأساوية أضرت إضرارا بالغا ومدمرا بالكويت والعراق معا‏,‏ فضلا عما نجم عنها من آثار سلبية علي النظام العربي كله‏...‏ لا تجدي معه كلمات المجاملة والصياغات الدبلوماسية المتوازنة‏.‏ ولذلك‏,‏ ربما كان مجرد طرح المشكلة برمتها للنقاش الصريح‏,‏ والتعامل المباشر بين أطرافها‏...‏ انجازا حققته القمة‏.‏ وكان من المنطقي أن يسجل البيان الختامي للقمة ما عهد به القادة العرب للملك عبد الله الثاني‏,‏ ملك الأردن‏,‏ من‏'‏ إجراء المشاورات‏..,‏ والقيام بالاتصالات اللازمة‏,‏ لمواصلة بحث موضوع الحالة بين العراق والكويت‏,‏ من أجل تحقيق التضامن العربي‏'.‏
قمة عمان العربية إذا كانت حدثا هاما‏,‏ غير أن الحكم علي ما إذا كانت نهاية لمرحلة آفلة‏,‏ أم بداية لمرحلة مقبلة‏,‏ يظل رهنا بما تسفر عنه أحداث وتطورات المستقبل القريب‏!