المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محددات‏'‏ الانزلاق إلي حرب‏'‏ بين إسرائيل والدول العربية



د/سالي جمعة
07-01-2011, 11:48 PM
محددات‏'‏ الانزلاق إلي حرب‏'‏ بين إسرائيل والدول العربية


محمد عبدالسلام

مجلة السياسة الدولية يوليو 2001 العدد رقم 145

تتمثل المشكلة الرئيسية الخاصة باحتمالات الحرب في الشرق الأوسط‏,‏ خلال المرحلة الحالية‏,‏ في إمكانية إنزلاق إسرائيل والدول العربية اليها‏,‏ رغما عنها‏,‏ بالصورة التي شهدتها المنطقة في أعقاب عملية تل أبيب في أول يونيو‏.2001‏ فقد ثبت في أعقاب تلك العملية أن ما يبدو وكأنه‏'‏ سوء إدراك‏'‏ لتعقيدات الحرب في المنطقة من جانب القيادات السياسية لا يعبر عن واقع حقيقي‏,‏ إلا أن المشكلة تتمثل فيما يلي‏:‏

أ‏-‏ أن نطاق عمليات الصراع المسلح في الشرق الأوسط قد إتسع بصورة غير مسبوقة‏,‏ بما أفرز أنماطا غير تقليدية لاستخدام القوة المسلحة‏,‏ بحيث تقلصت الخطوط الفاصلة بين أشكال الصراعات منخفضة الحدة والحرب‏,‏ وحدثت عمليات تصعيد‏'‏ جراحية‏'‏ كانت أشبة بحروب صغيرة مؤقتة‏.‏

ب‏-‏ أن الإطار السياسي لعلاقات دول الصراع العربي‏-‏ الإسرائيلي‏,‏ هو‏'‏ الموجه‏'‏ للتفاعلات القائمة‏,‏ لايزال يتسم بالتعقيد‏,‏ فحالة الحرب لاتزال قائمة‏'‏ قانونيا‏'‏ بين عدة دول‏,‏ كما أن معظم الدول لم تحسم خياراتها الاستراتيجية في اتجاه السلام‏,‏ بما أدي إلي إستمرار أجواء الحرب في المنطقة‏.‏

لكن رغم ذلك‏,‏ لم يثبت‏-‏ مما حدث خلال الفترة الماضية‏-‏ أن الانزلاق إلي حرب بين الطرفين العربي والإسرائيلي عملية بسيطة‏,‏ تتسم بملامح حتمية‏,‏ أو يمكن أن تتم بصورة‏'‏ آلية‏'‏ فهناك قيود‏,‏ تبدو أحيانا أقوي مما تقدره أطراف الصراع ذاتها‏,‏ تحيط بإمكانية ذلك‏,‏ يمكن رصد عدة نقاط بشأنها‏:‏

‏1-‏ أن‏'‏ أجواء الحرب‏'‏ في دائرة الصراع العربي‏-‏ الإسرائيلي ترتبط بإحتدام الصراع بين الأطراف الإقليمية‏,‏ أكثر مما ترتبط باحتمالات انفجار الحرب بينهما‏.‏ فرغم أن صدامات حزب الله مع القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان‏,‏ والعنف المسلح الإسرائيلي الفلسطيني يدخلان في دائرة الصراعات المسلحة‏.‏ إلا أنها ليست حروبا بمصطلحات الحروب الشاملة أو المحدودة‏,‏ سواء فيما يتصل بالأسلحة المستخدمة‏,‏ واستراتيجيات العمليات‏,‏ وأهداف الصدامات المسلحة‏.‏ فقد كانت هناك دائما كما وضح عام‏1996‏ خلال عملية عناقيد الغضب‏,‏ وعنف عام‏1997‏ جنوب لبنان‏,‏ ثم انتفاضة الأقصي في ظل حكومة العمل‏/‏باراك حدود لاستخدام القوة المسلحة تمنع تحول الصراع في اتجاه الحرب‏.‏

لكن المشكلة أنه عندما وصل آرييل شارون إلي السلطة عام‏2001‏ شارون إلي السلطة عام‏2001,‏ بدأت قواعد اللعبة تتبدل نسبيا‏,‏ فلأول مرة تخرج‏'‏ عمليات العنف المسلح المحدودة‏'‏ عن نطاقها الصراعي المرتبط بأهداف سياسية‏,‏ إلي نطاق عسكري تطرح خلاله إحتمالات نشوب حرب‏,‏ خاصة في ظل احتمالات فقدان السيطرة علي التفاعلات الجارية علي الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي‏.‏ إلا أنه عندما وصلت تلك التفاعلات إلي حافة الحرب‏,‏ وضح أن هناك‏'‏ كوابح‏'‏ تمنع حدود ذلك‏,‏ ترتبط بعوامل داخلية‏,‏ وإقليمية ودولية‏.‏ وأدت عوامل الضبط تلك إلي وقف الاندفاع في اتجاه انفجار الحرب فعليا‏.‏ فلم يكن الانزلاق نحو الحرب يتم آليا‏,‏ رغم أنه كان مطروحا‏.‏

‏2-‏ أن‏'‏ إنهيار التسوية السياسية‏'‏ لم يطرح بالضرورة إمكانية انفجار الحرب كبديل مباشر‏.‏ فقد كانت المقولة المستقرة أن البديل للتسوية سيكون‏'‏ حالة لا سلم ولا حرب‏',‏ أو بصورة أرق‏'‏ حالة من اللاسلم‏',‏ تتوقف خلالها إحتمالات التسوية‏,‏ دون أن تطرح خلالها إحتمالات الحرب‏,‏ وتظل الاحتمالات الأرجح الوحيدة في إطارها هي العودة إلي حالة السلم‏,‏ بفعل القيود المحيطة بقرار الحرب في المنطقة‏,‏ خاصة وأن الحرب المفترضة في هذه الحالة هي حرب تشنها دول عربية‏.‏
تمثلت المشملة عندما تولي شارون الحكم في إسرائيل‏,‏ في أن هذا النموذج قد تغير‏,‏ فقد بدأت علاقة الحرب والسلام ترتبط بتغير داخلي في إسرائيل‏,‏ وليس بعلاقات الطرفين العربي والإسرائيلي‏,‏ ووصل انهير التسوية إلي حد لم يعد أحد يأمل في استعادة تلك العملية في إطاره‏,‏ واتسع نطاق التفاعلات العسكرية بدرجة بدا معها أن انهيار التسوية القائم لم يعد يطرح الاحتمالات التقليدية الخاصة بوجود‏'‏ حالة لا سلم‏',‏ وإنما‏'‏ حالة لا حرب‏'‏ تطرح خلالها إحتمالات مرجحة وحيدة في إتجاه إمكانية الانزلاق إلي حرب فقط‏.‏

ورغم أن‏'‏ الانزلاق‏'‏ لم يحدث عمليا بفعل العوامل المشار إليها من قبل‏,‏ إلا أنه كان مطروحا‏,‏ ولاتزال كافة المقترحات المطروحة تحاول الخروج من‏'‏ حالة اللاحرب‏'‏ القائمة بأكثر مما تركز علي العودة إلي حالة اللاسلم‏'‏ البعيدة‏'.‏

‏3-‏ أن الموازين العسكرية في المنطقة كانت تمثل كابحا لانفجار حرب واسعة النطاق فيها‏,‏ فإسرائيل تحتفظ بتفوق عسكري نوعي كبير يقيد أي قرار يمكن أن تتخذه دولة عربية بشن‏'‏ حرب هجومية‏'‏ ضد إسرائيل‏,‏ حتي لو كانت لديها دوافع مثل هذه الحرب‏.‏ كما أن هذا التفوق الإسرائيلي ليس بالاتساع الذي يتيح لإسرائيل شن هجوم واسع النطاق ضد الدول العربية‏,‏ دون أن تتكبد خسائر عسكرية فادحة‏,‏ كما أنها لن تضمن استقرار نتائج الحرب‏,‏ اضافة إلي التداعيات السياسية التي ستطرح مسألة‏'‏ مستقبل إسرائيل‏'‏ في المنطقة للنقاش‏,‏ كما أنه لا توجد في الشرق الأوسط أهداف سياسية عقلانية يمكن تصورها كداوفع لحرب متعمدة‏,‏ فهناك حسابات معقدة تحيط بمسألة الحرب في المنطقة‏.‏ وإن كان هامش التفوق الإسرائيلي قد سهل تصور امكانية الانزلاق اليها عندما بدأ سيناريو حرب اضطرارية تشنها إسرائيل مطروحا‏.‏
في النهاية‏,‏ فإن من الواضح أن هناك محددات تحيط بإمكانية الانزلاق إلي حرب في الشرق الأوسط‏,‏ إلا أنها محددات ترتبط بحالة كل أزمة علي حدة‏,‏ ولا يوجد ضمان بأن تتكرر أنماط تأثيرها بالنسبة للأزمات التالية‏.‏ لذا سوف تظل إحتمالات الانزلاق إلي حرب مطروحة‏.‏