المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تشاد والتوغل في الديمقراطية



د/سالي جمعة
07-01-2011, 11:05 PM
تشاد والتوغل في الديمقراطية

طارق عادل الشيخ

مجلة السياسة الدولية يوليو 2001 العدد رقم 145

شهد الاسبوع الاخير من شهر مايو الماضي اعلان فوز الرئيس التشادي ادريس ديبي في الانتخابات الرئاسية التي اجريت في البلاد يوم‏20‏ مايو‏2001‏ ليستمر بذلك في حكم البلاد لفترة ثانية عقب انتخابات تعددية تمت في بيئة ديمقراطية وصفها المراقبون الدوليون بانها كانت سليمة ونزيهة لتبدا تشاد مرحلة جديدة من المراحل التالية علي تبني نظام ديبي للحكم التعددي الديمقراطي عقب حروب اهلية متصلةوصراعات خارجية اثرت بالسلب علي الحياة السياسية بتشاد منذ عام‏1975.‏

خلفية تاريخية

لم تات انتخابات تشاد سوي كبديل ايجابي لاجراءات اخري غير ديمقراطية كانت تتبناها الانظمة المختلفة التي توالت علي حكم البلاد منذ عام‏1975‏ عقب مصرع تومبالباي حيث كان يتم تغليب القوة المسلحة كوسيلة للوصول الي الحكم‏,‏ولم يكن الرئيس ادريس ديبي الذي تبني نظامه الديمقراطيةوالتعددية السياسية منذ عام‏1996‏ فقط الا احد القيادات التي افرزتها ثقافة القوة المسلحة التي سادت تشاد لفترة طويلة ومازالت اثارها مستمرة حتي اليوم‏.‏

فقد استولي الرئيس التشادي ادريس ديبي علي السلطة بالقوة المسلحة في عام‏1990‏ بهجوم قاده انطلاقا من الاراضي السودانية نجح خلاله في اقتحام العاصمة نجامينا مجبرا حسين حبري رئيس البلاد في ذلك الوقت علي الفرار الي خارج البلاد‏.‏

وعلي الرغم من استمرارية الصراعات الداخلية المسلحة تبني ديبي التعددية السياسية والتوجه الديمقراطي بعد‏5‏ سنوات من وصوله الي السلطة فتم وضع دستور جديد للبلاد تمت الموافقة عليه بعد استفتاء شعبي مارس‏1995‏ لينتهي بذلك نظام الحزب الواحد الذي فشل في تحقيق امال وتطلعات كل من الحكومةوالشعب في تشاد‏.‏

وقد تمكن ديبي من الفوز باول انتخابات تعددية في ظل التوجه الديمقراطي عام‏1996‏ وذلك بعد معركة انتخاببية جرت علي مرحلتين حصل في الاولي علي‏43.9%‏ من الاصوات وفي المرحلة الثانية والحاسمة حصل علي‏69.1%‏ من اصوات الناخبين‏.‏

الطريق الي الانتخابات

بدأ ديبي استعداداته لانتخابات عام‏2001‏ الرئاسية منذ وقت طويل من خلال محاولات بذلها لمعالجة بعض المشكلات ذات الطبيعة المزمنة التي تعاني منها تشاد وكان ذلك من خلال‏3‏ محاور رئيسية‏:‏

العلاقات الخارجية‏:‏حيث شهد حكم ديبي وخاصة خلال فترة حكمه‏1996‏ ـ‏2001‏ محاولات تقارب واضحة مع النظام الليبي علي الرغم من تعرض الاولي لحصار دولي وهو الامر الذي توج بانضمام تشاد الي تجمع الساحل والصحراء‏,‏كما اعاد ديبي تحسين علاقات بلاده مع السودان التي وقع مع حكومتها اتفاقا للتعاون المشترك في سبتمبر‏1999‏ وهو الاتفاق الذي شمل التعاون في المجالات الامنية وحماية الحدود ومكافحة التهريب وقضية اللاجئين وتم الاتفاق علي عقد لقاءات شهرية لتناول القضايا الامنية ذات الاهتمام المشنرك‏.‏

وقدحسن من علاقاته الاقتصادية مع الكاميرون خاصة عندما طرح مشروع البترول التشادي الكاميروني المشترك‏.‏

ودخل ديبي في حوار مع دول الجوار المحيطة ببحيرة تشاد للتباحث في امر التعاون معا من اجل الحفاظ علي البحيرة التي اكدت الدراسات والمتابعات العلمية ان منسوب المياه بها يتزايد انخفاضه بشكل مستمر‏.‏

الصراعات الداخلية‏:‏بدا ديبي منذ ما يقرب من عامين في بذل جهود كبيرة لاحتواء الصراعات العسكرية الداخلية وحركات التمرد المختلفة وهو ما تم من خلال‏:‏

ـ زيادة التقارب والتنسيق الامني مع دول الجوارمثل ليبيا في الشمال والسودان في الشرق‏.‏

ـ توجيه المزيد من التمويل لدعم الجيش التشادي‏.‏

ـ الدخول في مفاوضات مع القوي والفصائل المسلحة وفتح الباب امام الحل السلمي والعفو عن المتمردين وهي السياسة التي حققت نجاحا ملموسا خاصة الجنوب حيث اعلنت الحكومة رسميا في يونيو‏2000‏ تحقق السلام في الجنوب وتخلي قادة المتمردين في تلك المنطقة عن الحل العسكري‏.‏

ـ توجيه ضربات عسكرية مؤثرة الي معاقل المتمردين في الشمال‏.‏

الاقتصاد‏:‏استخدم ديبي وبقوة ورقة المشروع البترولي الذي سيتحقق في الجنوب وما سياتي به من ارباح تعود علي تشاد التي تعتبر من بين اكثير الدول فقرا علي مستوي العالم‏,‏كما تم التركيز علي اهمية الاستقرار السياسي والتمسك بالديمقراطية من اجل مواجهة اشتراطات الدول والمؤسسات الدولية المانحة للمساعدات الدولية التي تعتبر حاسمة بالنسبة للاقتصاد التشادي‏.‏
الانتخابات

دخل ديبي الانتخابات ممثلا لحركة الخلاص الوطنية الحاكمة كما تحالف مع ما يقدر بـ‏27‏ حزبا اخر وهو لعب دورا حاسما في تفوقه علي منافسيه الـ‏6.‏

فقد استفاد ديبي من عدة نقاط ضعف ادت الي تشتيت اصوات منافسيه وضمنت له الفوز في الجولة الاولي مما جنبه الدخول في جولة ثانية كان منافسيه يعتزمون توجيه كل مؤيديهم للوقوف خلف المرشح الذي سيدخل ضد ديبي في الجولة الثانية‏.‏

ـ كانت نقاط الضعف الرئيسية تتمثل في‏:‏

ـ تشتت اصوات الجنوبيين بوجه عام بين خمسة مرشحين بينما لم يتقدم من الشمال سوي ديبي ومنافس اخر لم يكن علي مستوي باقي المنافسين في الجنوب‏.‏

ـ كان اقوي منافسي ديبي وهو نجارليجي يورونجار من حركة الاتحاد من اجل الجمهوريةلديه عدة نقاط ضعف رئيسية تمثلت في معارضته لمشروع البترول التشادي الكاميروني مما افقده العديد من اصوات الرغبين في زيادة الموارد المالية للبلاد‏,‏وكونه وزيرا سابقا بحكومة حسين حبري الذي طالبت لجنة مكافحة التعذيب بالامم المتحدة في ابريل الماضي‏-‏ قبل اقل من شهر من الانتخابات‏-‏بعدم سماح السلطات السنغالية لحبري بالسفر خارجها تمهيدا لاتخاذ اجراء بترحيله للمثول امام العدالة لمسئوليته عن قتل ما يقرب من‏40‏ الف تشادي اثناء فترة حكمه‏.‏

ما بعد الانتخابات

فاز ادريس ديبي من الجولة الاولي بعد حصوله علي‏67.35%‏ من الاصوات وتلاه نجارليجي يورونجار الذي حصل علي‏13.94%‏ فقط من جملة اصوات الناخبين‏.‏

وعلي الرغم من تاكيد المراقبين الاجانب الذين يمثلون عددا من المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني ممن شاركوا في الاشراف علي الانتخابات انها كانت نزيهة وبلا تجاوزات فان المنافسين الـ‏6‏ شككوا في نزاهة الانتخابات استكمالا لحملة بدات قبل العملية الانتخابية ذاتها مما ادي الي اثارة الجماهير وسقوط قتيل واحد في المصادمات التي حدثت عقب الانتخابات مباشرة مما ادي الي تاجيل اعلان النتيجة النهائية لمدة اسبوع كامل‏.‏

وقد ادي تخوف ديبي من تفاقم الوضع وزيادة احتجاجات منافسيه بشان حدوث تزوير في الانتخابات الي اصدار امر باحتجازهم لمدة ساعة لمنعهم من المشاركتة في جنازة الشخص الذي لقي مصرعه في المصادمات التي اعقبت الانتخابات مباشرة‏,‏كما تم احتجازهم مرة اخري ـ بعد يومين من المرة الاولي ـ الا انه سرعان ما اطلق سراحهم من جديد‏.‏

الخلاصة

بغض النظر عن الاحداث فان الانتخابات التشادية الاخيرة جاءت لتؤكد ان الديمقراطية والتعددية السياسية في تقدم فالانتخابات الاخيرة كانت افضل بكثير مما حدث في انتخابات عام‏1996‏ كما يتوقع المراقبون ان ينعكس هذا الاداء علي الانتخابات البرلمانية التي ستجري في العام المقبل‏,‏ولكن يبقي السؤال قائما هل سيتمكن ديبي من تحقيق نجاحات هائلة في فترة حكمه الثانية بما يمكن ان يدفع الجمعية الوطنية الي تغيير الدستور للسماح له بالاستمرار في الحكم لفترة ثالثة؟ام ان البلاد ستشهد اول تداول سلمي متحضر للسلطة في تاريخها عقب انتهاء الفترة الثانية عام‏2006.‏