المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القضاة والسلطة‏:‏ السعي إلي الاستقلال



أتمني الشهاده
22-12-2010, 06:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

1688


'‏السلطة المطلقة مفسدة مطلقة‏'‏ كما قال اللورد اكتون في تعبيره العابر للقرون والثقافات الدستورية والسياسية‏,‏ ومن ثم كان الفصل والتمايز بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية من أبرز معالم دولة القانون الحديث‏,‏ والنظم الدستورية في الدول الديمقراطية أيا كان شكلها وطبيعة نظامها الدستوري برلمانيا أم رئاسيا أو برلمانيا‏,‏ أي وسط بين كلا النظامين‏.‏

إن سيادة الشرعية الدستورية‏,‏ تعني توزيع القوة بين الأطراف الثلاثة‏,‏ ولا تعد حكرا علي إحداها دون الأخري‏,‏ ومن ثم يعد تركيز القوة‏,‏ والصلاحيات الدستورية حول أحد أقطاب القوة أو سلطة من السلطات‏,‏ يعني أن ثمة خللا هيكليا في التنظيم الدستوري‏,‏ يؤدي إلي الاستبداد‏,‏ وإلي الاعتداء الجسيم علي السلطات الأخري‏,‏ والتمايز والاستقلال بين السلطات لا يعني غياب التعاون‏,‏ بل إنه ضرورة لضمان سير عمل السلطات الثلاث في أداء الوظائف الدستورية المنوطة بهم‏.‏

من أبرز مبادئ دولة القانون‏,‏ استقلال السلطة القضائية عن غيرها من السلطات‏,‏ سواء استقلالها ماليا أو إداريا أو رقابيا‏,‏ والأهم هو استقلال الجماعة القضائية في أدائها لوظيفتها‏,‏ وهو الفصل في المنازعات القانونية‏,‏ أو الخصومات القضائية‏,‏ وفق التعبير الرائج في الفقه المصري والمقارن‏.‏ ولاشك أن الوظيفة القضائية تتطلب هذا الاستقلال‏,‏ وذلك لتحقيق الاستقرار القانوني والاقتصادي والاجتماعي في البلاد‏,‏ فضلا عن حماية الحقوق والحريات الفردية والعامة من الانتهاكات أيا كان مصدرها‏,‏ أو أطرافها‏.‏
إن القضاء‏,‏ والجماعة القضائية المصرية كجزء من الجماعة القانونية التي تتكون من الفقه والمحامين والمفكرين من ذوي التكوين القانوني لعبوا دورا هاما في بناء‏,‏ وتأسيس الدولة الحديثة‏,‏ وفي أقلمة المنظومات القانونية الوضعية المستعارة من النظم والثقافات القانونية اللاتينية المصدر والطابع أساسا الإيطالي والفرنسي والبلجيكي‏-‏ والألماني‏-‏ ثم اللجوء إلي النظام الأمريكي بعدئذ مع المحكمة الدستورية العليا وتطبيعها ثقافيا في إطار الثقافة المصرية لتغدو وكأنها مصرية المولد‏,‏ والنمو‏.‏ ولاشك أيضا في الدور الهام الذي لعبته الجماعة القضائية في مجال الحريات العامة‏,‏ وتعزيز الثقافة القانونية لحقوق الإنسان في المبادئ التي أرستها محكمة النقض‏,‏ والمحكمة الإدارية العليا‏,‏ والمحكمة الدستورية العليا‏.‏

إن موقف القضاة من القضايا العامة التي تشغل الأمة في المراحل الدقيقة‏,‏ اتسم دوما بالريادة والتأثير‏,‏ علي نحو ما حدث في بيان نادي القضاة عام‏1968,‏ الذي اشتمل علي مبادئ دولة القانون‏,‏ وسيادته‏,‏ وذلك في أعقاب هزيمة‏5‏ يونيو‏1967,‏ وما جري قبلها من انتهاكات لحقوق الأفراد وحرياتهم العامة والخاصة‏.‏
من ثم يمكن القول‏,‏ إن جماعة القضاة كانت تربط ولا تزال بين استقلال السلطة القضائية‏,‏ عن السلطتين التشريعية والتنفيذية‏,‏ وبين الفصل والتوازن بين السلطات‏,‏ إعمالا لقاعدة رائجة هي أن السلطة تحد السلطة‏,‏ ومن ثم يمكن الحد من تغول السلطة التنفيذية سواء في المجالين التشريعي والقضائي‏,‏ وهو إدراك ناتج عن رؤية قانونية ليبرالية لمبدأ سيادة القانون‏.‏

إن تاريخ المطالبات القضائية باستقلال القضاء طويل وممتد‏,‏ خاصة في ظل هيمنة نظام سياسي تسلطي‏,‏ ساد البلاد طيلة خمسة عقود مضت‏,‏ ويزيد‏,‏ وبرزت ظاهرة انتهاك الحريات والحقوق الفردية‏,‏ وبروز سياسة تشريعية تنطوي علي تسييد مجموعة من القوانين الاستثنائية‏,‏ فضلا عن هيمنة نظام الطوارئ علي غالب تاريخ النظام السياسي الذي تأسس في أعقاب ثورة يوليو‏1952.‏

إن البيئة السياسية‏,‏ والدستورية‏,‏ ساهمت في تشكيل ثقافة دولتية تسلطية أثرت علي الاختلال الهيكلي‏,‏ في بنية السلطات الثلاث لصالح السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية كمركز القوة الأبرز في النظام دستوريا وواقعيا في ظل أوراق قوة تجعله قادرا علي الحسم إزاء السلطات الأخري‏,‏ في دساتير الثورة المصرية وهي خمس دساتير آخرها دستور‏1971‏ وتعديلاته العديدة في عامي‏1980‏ و‏2005.‏

إن إشكاليات استقلال السلطة القضائية عديدة‏,‏ ولا تقتصر فقط علي موضوع الإشراف القضائي علي الانتخابات العامة‏.‏ ويبدو أن الاحتقانات السياسية والاجتماعية خلال عام الاستحقاقات السياسية عام‏2005‏ والتي تتمثل في انتخاب رئيس الجمهورية بعد تعديل المادة‏76‏ من الدستور‏,‏ وانتخابات مجلس الشعب وإضفاء طابع سياسي علي مطالب الجماعة القضائية تجاه هذه الاستحقاقات‏,‏ كما عبرت عن إرادتهم الجماعية الجمعيات العمومية لنادي القضاة العام‏,‏ أو النوادي الفرعية بالمحافظات‏.‏
كما أن بعض الجماعات والأحزاب السياسية‏,‏ توظف موقف الجماعة القضائية في دعم مواقفها المطالبة بإصلاحات دستورية وسياسية وتشريعية عديدة في البلاد ولا تثريب عليها في ذلك‏.‏ من ناحية أخري‏,‏ رحبت هذه القوي بمواقف القضاة‏,‏ وتدعمها في خطابها السياسي‏,‏ إزاء تردد الحكومة في تقديم قانون استقلال السلطة القضائية إلي مجلس الشعب‏,‏ وفي تمكين القضاة من الإشراف الكامل علي العمليات الانتخابية‏,‏ وذلك لرفع أيدي الحكومة عن استخدام القضاة لإضفاء شرعية علي ما يتم من عمليات للتزوير‏,‏ والانحراف بإرادة جماعة الناخبين‏,‏ علي نحو ما يمثل سمة للتاريخ الانتخابي والاستفتاء الشعبي في مصر عموما‏,‏ ولاسيما بعد‏23‏ يوليو‏1952.‏ من هنا يبدو من الأهمية بمكان تناول الجوانب التالية‏:‏

أولا‏-‏ التوتر والنزاع بين الحكم والجماعة القضائية‏

إن الطبيعة التسلطية لنظام الحكم‏,‏ والتي يدعمها نظام دستوري يتسم بتركيز مفرط للصلاحيات الدستورية والواقعية لرئيس الجمهورية علي نحو يمثل‏63%‏ من مجمل الاختصاصات الدستورية للسلطات الأخري‏,‏ وهو ما يعني حيازته لأغلبية أوراق القوة‏,‏ أدت ولا تزال إلي اختلال جسيم في العلاقة بين السلطات‏,‏ وإلي هيمنته علي النظام المصري‏,‏ بكل انعكاساته سلبيا علي التوازن بين السلطات‏,‏ والحقوق والحريات العامة للمواطنين‏.‏

إن الطابع الشمولي‏,‏ انعكس علي السياسة التشريعية التي اتسمت بعدم الاستقرار‏.‏ إن بيئة الاختلال الجسيم بين السلطات‏,‏ يؤثر علي عمل الجماعة‏,‏ والسلطة القضائية في أداء المهام المنوط بها‏,‏ خاصة في ظل الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية‏.‏

قامت السلطة التنفيذية باستخدام القضاء سياسيا في بعض الأمور الأساسية‏,‏ من خلال توظيف ظاهرة بطء آليات وإجراءات التقاضي‏-‏ نظرا لتضخم أعداد القضايا المرفوعة أمام المحاكم علي اختلافها‏-‏ في إصدر تشريعات تنطوي علي مثالب وعوار دستوري‏,‏ وتجري بناء عليها انتخابات‏,‏ يشكل عليها مجلس الشعب‏,‏ وهي تعلم أن القانون سيطعن عليه بعدم الدستورية‏,‏ وسيقضي للطاعنين بذلك‏,‏ ولكنها سوف تستفيد من بطء إجراءات التقاضي لمدة زمنية لا تقل عن أربع سنوات وتقارب مدة ولاية المجلس المطعون في دستورية القانون الانتخابي‏,‏ التي تشكل وفقا له‏,‏ في تحقيق الأهداف والمصالح السياسية التي تريدها‏,‏ وهو ما يشكل تلاعبا بأسس ومبادئ دولة القانون‏..‏

ولا يقتصر هذا التوظيف السياسي الحكومي للقضاء علي القانون الانتخابي فقط‏,‏ وإنما يمتد إلي رفض الأحزاب السياسية‏,‏ وإسناد أمر الموافقة عليها إلي محكمة استثنائية هي محكمة الأحزاب‏,‏ تتشكل من بعض القضاة والشخصيات العامة‏.‏

وهذا التوظيف الحكومي السياسي للقضاء أدي إلي تزايد ميل الأفراد والجماعات للجوء إلي القضاء لحسم قضايا فكرية وسياسية وعقائدية مثل قضايا الحسبة كما برزت في حالة دعوي التفريق بين الدكتور حامد نصر أبو زيد وزوجته‏.‏

كما أن ظواهر القوانين الاستثنائية‏,‏ وأخطرها قانون الطوارئ‏,‏ وتطبيع بعض أحكامه ضمن القوانين العديدة أدي إلي بروز ظاهرة تدهور الدولة الدستورية تحت تأثير ما سلف من قوانين‏.‏ من ناحية أخري‏,‏ استخدام الحكومة للقضاء العسكري في القضايا السياسية للسيطرة علي جماعات العنف‏,‏ في نفس الوقت للسرعة في حسم القضايا الجنائية ذات الطبيعة السياسية‏,‏ وتحقيقه لوظائف الردع العام كما في قضايا الجماعات الإسلامية الراديكالية‏.‏ ولا شك أن ذلك يمس مبدأ خضوع المتهم لقاضيه الطبيعي‏,‏ وهو أمر تعرض للنقد من جانب بعض رجال القانون والكتاب في مصر‏,‏ ويشكل انتقاصا من استقلال القضاء العادي‏,‏ واختصاصه الأصيل بنظر القضايا الجنائية التي يكون أطرافها عناصر مدنية‏,‏ وليست عسكرية‏.‏

إن البيئة السياسية التسلطية تؤثر علي أداء السلطات العامة واستقلالها‏,‏ وتوازناتها‏,‏ وفي هذا الإطار يلاحظ أن الجماعة القضائية لعبت دورا مرموقا ورائدا مقارنة بمثيلاتها خارج النظم الديمقراطية في عالمنا في مجال إقرار وتعزيز الحقوق والحريات الأساسية‏,‏ وفي ضبط عمليات تفسير وتأويل القانون‏,‏ من المحاكم الجزئية والابتدائية والاستئنافية والجنايات ومحكمة النقض‏,‏ والقضاء الإداري والإدارية العليا‏,‏ والمحكمة الدستورية العليا‏,‏ والأهم نزوعها الدائم للدافع عن استقلالها كسلطة من سلطات الدولة ضد تغول السلطة التنفيذية أساسا‏,‏ والتشريعية‏.‏

هذا الدور القضائي الهام‏,‏ تم ولا يزال علي مستوي أداء الوظيفة القضائية‏,‏ وهي الفصل في الخصومات القضائية أيا كان أطرافها‏.‏ ومن ناحية ثانية‏,‏ شكلت الخطابات القضائية النقدية‏-‏ من خلال الجمعيات العمومية لنادي القضاة العام أو النوادي الإقليمية للقضاة‏-‏ أداة رئيسية للتعبير عن آراء الجماعة القضائية في الشأن العام‏,‏ والقضايا القومية للأمة المصرية‏,‏ فضلا عن المطالبة باستقلال السلطة القضائية‏,‏ والإشراف الكامل علي الانتخابات‏,‏ وتعزيز الحقوق والحريات العامة‏.‏


ثانيا‏-‏ مظاهر عدم استقلال السلطة القضائية‏

تمثل حالة السلطة القضائية المصرية من حيث الاستقلال والتمايز الوظيفي‏,‏ أحد أبرز مظاهر الفجوات البنائية بين النظام الدستوري وقواعده العامة المجردة‏,‏ وبين واقعه التطبيقي من ناحية تأثير البيئة السياسية التي تعمل فيها السلطات العامة‏,‏ ولاسيما السلطة التشريعية فيما تصدره من تشريعات قد تكرس الخلل بين السلطات‏,‏ أو تقييد الحقوق والصلاحيات الدستورية التي ترك المشرع الدستوري عملية تنظيم ممارستها والتمتع بها للقانون‏,‏ وقد يصل الأمر إلي حد مصادرتها واقعيا‏.‏

وثمة تأثير واضح للسلطة التنفيذية‏-‏ في إطار نظام سياسي كالنظام المصري‏-‏ في المبادرة بتقديم مشروعات القوانين‏,‏ وتمريرها في البرلمان‏,‏ لأن غالبية أعضائه ينتمون إلي الحزب الحكومي أيا كان بدءا من الحزب الواحد كهيئة التحرير والاتحاد القومي‏,‏ والاتحاد الاشتراكي العربي‏,‏ ثم مرحلة التعددية الحزبية المقيدة‏,‏ وهو الأمر الذي ساهم في السيطرة علي عملية إنتاج التشريعات‏,‏ وما انطوت‏,‏ ولا تزال عليه من عوار دستوري‏,‏ أو تردي في الفن والعلم القانوني‏,‏ علي نحو ما تشهد به أحكام المحكمة الدستورية العليا‏,‏ أو الخلل في التطبيق علي المراكز القانونية التي يستهدف القانون تنظيمها أو حمايتها أو استقرارها بكل انعكاسات ذلك علي استقرار العلاقات القانونية‏,‏ والمصالح التي يراد لها الحماية‏.‏

إن نظرة علي الصياغة الواردة بدستور‏71‏ التي تجري في عمومها علي إيراد مبادئ عامة عن سيادة القانون كما ورد في الباب الرابع‏,‏ حيث تنص المادة‏(64)‏ علي أن‏'‏ سيادة القانون أساس الحكم في الدولة‏',‏ هي صياغة تتسم بالعمومية الفضفاضة‏,‏ ومن ثم لا تعلم أي قانون الذي تنعقد له السيادة‏,‏ ويكون أساس الحكم‏,‏ وهل هي القرارات الجمهورية بقوانينها؟ أم هو قانون الطوارئ الذي هيمن علي الحياة السياسية والقانونية المصرية طيلة غالبية سنوات نظام يوليو؟ أم هي جهات القضاء الاستثنائي‏,‏ أم المحاكم ذات التكوين القضائي والسياسي كمحكمة شئون الأحزاب؟

تجري المادة‏(65)‏ علي القول بأن‏'‏ تخضع الدولة للقانون‏,‏ واستقلال القضاء وحصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات‏'.‏

أتمني الشهاده
22-12-2010, 06:51 AM
والمادة‏(68)‏ التي تنص علي حق التقاضي‏,‏ وتذهب الي أن‏'‏ التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة‏,‏ ولكل مواطن حق الالتجاء الي قاضيه الطبيعي‏,‏ وتكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المتقاضين وسرعة الفصل في القضايا‏.‏ ويحظر النص في القوانين علي تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء‏'.‏

وذهب المشرع الدستوري في الفصل الرابع المعنون بـ‏'‏ السلطة القضائية الي إيراد المبادئ العامة الخاصة بها‏:‏
‏1-‏ مبدأ استقلال السلطة القضائية‏,‏ في المادة‏(165),‏ والمادة‏(117),‏ حيث نص في الأولي علي أن‏'‏ السلطة القضائية مستقلة‏,‏ وتتولاها المحاكم علي اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر أحكامها وفق القانون‏',‏ ونص في الثانية‏117-‏ علي أن يحدد القانون الهيئات القضائية واختصاصاتها وينظم طريقة تشكيلها ويبين شروط وإجراءات تعيين أعضائها ونقلهم‏.‏

‏2-‏ استقلال القضاة وعدم قابليتهم للعزل‏,‏ حيث ذهبت المادة‏(166)‏ الي أن‏'‏ القضاة مستقلون‏,‏ لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون‏,‏ ولايجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة‏'.‏
وتجري المادة‏(168)‏ الي أن القضاة غير قابلين للعزل‏,‏ وينظم القانون مساءلتهم تأديبيا‏.‏

‏3-‏ ذهب المشرع الدستوري الي الأخذ بنظام محاكم أمن الدولة‏,‏ وذهبت المادة‏(171)‏ الي أن ينظم القانون ترتيب محاكم أمن الدولة ويبين اختصاصاتها والشروط الواجب توافرها فيمن يتولون القضاء فيها‏'.‏

‏4-‏ أخذ الدستور بتعدد جهتي القضاء والقضاء الشعبي‏,‏ ونص في المادة‏(172)‏ علي نظام مجلس الدولة كهيئة قضائية مستقلة‏,‏ ويختص بالفصل في المنازعات الإدارية وفي الدعاوي التأديبية‏,‏ ويحدد القانون اختصاصاته الأخري‏.‏ كما نصت المادة‏(170)‏ علي أن‏'‏ يسهم الشعب في إقامة العدالة علي الوجه وفي الحدود المبينة في القانون‏'.‏
وذهب الدستور الي إشراف رئيس الجمهورية علي المجلس الأعلي للهيئات القضائية في المادة‏(173).‏ ونص علي إنشاء المحكمة الدستورية العليا في الفصل الخامس‏,‏ وعلي المدعي الاشتراكي في المادة‏(179).‏

مما سبق يمكننا أن نستخلص مايلي‏

‏1-‏ إن نظرة علي التنظيم الدستوري للسلطة القضائية تشير الي أن المشرع حرص علي تعددها الي جهات القضاء العادي‏,‏ والإداري‏,‏ ثم النص علي المحكمة الدستورية العليا‏,‏ ثم المدعي العام الاشتراكي‏,‏ علي الرغم من وجود النيابة العامة والنائب العام‏,‏ وبما يشكل تناقضا بين الجهازين‏.‏

فتفسير هذا الحرص‏,‏ يكمن في أن هذا التعدد في الهياكل والمؤسسات القضائية في ظل إسناد تحديد الشروط وتكوين الهياكل‏,‏ ودور وزارة العدل‏,‏ يشير الي إمكانية واسعة لممارسة الضغوط والاغراءات‏,‏ وخلق تناقضات بين المؤسسات أو الهيئات القضائية علي نحو يكرس هيمنة السلطة التنفيذية‏.‏

‏2-‏ إن الصياغات الدستورية علي مبادئ استقلال السلطة القضائية والقضاة تم تقييدها بإحالة الأمر في تحديدها الي الوجه المبين بالقانون‏,‏ الذي يمكن للسلطة التنفيذية‏,‏ والتي تسيطر واقعيا علي سلطة التشريع عبر أعضاء حزبها من فرض سيطرتها علي بعض الجوانب كالتفتيش القضائي‏,‏ والندب والإعارة‏,‏ والإشراف المالي كما سوف نشير الي ذلك فيما بعد‏.‏

إذ حاولنا تقصي مظاهر عدم استقلال السلطة القضائية‏,‏ سوف نلاحظ أنها جاءت في القوانين المنظمة لبعض المبادئ الدستورية العامة الخاصة باستقلال السلطة القضائية‏,‏ والقضاة في ممارسة أعمالهم القضائية‏,‏

ويمكن لنا إيراد أهمها فيما يلي‏:‏

‏1-‏ بروز جهات القضاء الاستثنائي‏,‏ مثل إحالة رئيس الجمهورية لبعض القضايا السياسية الطابع والمتهم فيها مدنيين‏,‏ الي القضاء العسكري‏,‏ أي الي غير قاضيهم الطبيعي‏,‏ وذلك تحقيقا لهدفي السرعة في الفصل في الدعاوي الجنائية‏,‏ وتحقيق الردع العام من المنظور العسكري‏,‏ وهي أهداف قد لا يحققها القضاء الجنائي العادي الذي يرمي الي التأني في فحص القضايا من حيث الوقائع والقانون والدفاع حتي تستطيع المحكمة وقضاتها تكوين عقيدتهم في هدوء واقتناع في شأن الدعاوي المطروحة أمامهم‏,‏ وهو ما قد يتطلب‏,‏ وقتا‏,‏ لأن الأحكام الجنائية تبني علي القطع والجزم واليقين‏,‏ وليست علي الشبهات الاتهامية‏,‏ وفق ما استقر عليه الفقه والقضاء المصري‏.‏ ولاشك أن القضاء العسكري لديه تقاليده‏,‏ وثقافته المهنية‏,‏ يخضع لجهات عليا منها القائد الأعلي للقوات المسلحة‏,‏ وهو رئيس الجمهورية‏.‏ ومن أبرز مطالبات الجماعة القانونية المصرية‏-‏ قضاة وفقه ومحاماة ومفكرين‏-‏ عدم جواز محاكمة المتهم إلا أمام قاضيه الطبيعي تحقيقا للعدالة‏,‏ وسيادة القانون والشرعية الدستورية‏.‏

‏2-‏ النص في المادة‏(8)‏ من القانون رقم‏40‏ لسنة‏1977‏ الخاص بنظام الأحزاب السياسية والمعدلة بالقانون رقم‏1980/144,‏ ثم القانون رقم‏114‏ لسنة‏1983,‏ وجرت علي جواز الطعن لطالبي تأسيس الأحزاب في قرار لجنة شئون الأحزاب بالاعتراض علي تأسيس الحزب بالإلغاء في هذا القرار أمام الدائرة الأولي للمحكمة الإدارية العليا التي يرأسها رئيس مجلس الدولة علي أن ينظم لتشكيلها عدد مماثل من الشخصيات العامة يصدر باختيارهم قرار من وزير العدل بعد موافقة المجلس الأعلي للهيئات القضائية من الكشوف الخاصة بالشخصيات العامة المنظمة وفقا لحكم المادة‏28‏ من القانون رقم‏95‏ لسنة‏1980‏ بشأن حماية القيم من العيب‏.‏ وتفصل المحكمة المذكورة في الطعن خلال أربعة اشهر علي الأكثر من تاريخ إيداع عريضته إما بإلغاء القرار المطعون فيه أو بتأييده وعند تساوي الأصوات يرجح رأي الجانب الذي منه الرئيس‏.‏

إن محكمة شئون الأحزاب‏,‏ هي أحد الأشكال التي لجأت إليها السلطة السياسية الحاكمة في انتزاع اختصاصات من إحدي جهتي القضاء‏,‏ كجزء من اختصاصها الأصيل بقضاء الإلغاء‏,‏ وأنشأت دائرة خاصة في إطار القانون سالف الذكر وتعديلاته بحيث تنطوي علي تشكيل قضائي وسياسي معا‏,‏ الأمر الذي يوصمها بالطابع الاستثنائي‏,‏ من الناحية السياسية‏,‏ ويمكن للسلطة التنفيذية عبر وزير العدل من احتمال التأثير وممارسة الضغوط علي نصف أعضائها ممن يطلق عليهم الاصطلاح‏'‏ الغامض‏'‏ الشخصيات العامة التي يتم اللجوء إليه لتبرير التشكيل السياسي لبعض المحاكم كمحكمة القيم أو اللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي‏,‏ علي نحو ما نص عليه في تعديلات المادة‏67‏ من الدستور‏,‏ وتحصين قراراتها دستوريا من الطعن عليها‏,‏ وهي أمور تنطوي علي تناقض مع نصوص دستورية أساسية ككفالة حق التقاضي‏,‏ ومبدأ المساواة‏.‏

قد يقال أن التشكيل المختلط‏-‏ قضاة وشخصيات عامة برئاسة قاضي‏-‏ هي أحد تجليات المادة‏(171)‏ التي تنص علي القضاء الشعبي كما ذهب بعض الفقه المصري‏,‏ والتي تجري علي أن‏'‏ يسهم الشعب في إقامة العدالة علي الوجه وفي الحدود المبينة في القانون‏',‏ إلا أن هذا السند الدستوري في ذاته‏,‏ يعكس الهندسة الدستورية الشمولية التي جاء بها دستور‏71‏ وتعديلاته‏,‏ الأمر الذي يدعم الاتجاهات الغالبة في الفقه والجماعة القانونية‏,‏ وفي الحركة السياسية المعارضة المطالبة بتغيير دستوري شامل‏,‏ عبر هيئة تأسيسية منتخبة لدستور جديد تتأسس هندسته علي الفصل والتوازن بين السلطات‏,‏ واستقلال السلطة القضائية دستورا وقانونا‏.‏

‏3-‏ نص نظام المدعي الاشتراكي في قانون حماية القيم من العيب رقم‏1995‏ لسنة‏1980-‏ والتي ألغيت مواده‏4,3,2,1‏ بالقانون رقم‏221‏ لسنة‏1994-‏ علي التحقيق والإدعاء في الفصل الخاص بمنصب واختصاصات المدعي الاشتراكي‏,‏ والذي ينص في المادة‏(5)-‏ علي أن يرشح رئيس الجمهورية اسم المدعي الاشتراكي لمجلس الشعب‏,‏ بأغلبية أعضائه‏,‏ ويصدر قرار رئيس الجمهورية بتعيينه في منصبه‏,‏ وأن تبعية المدعي الاشتراكي لمجلس الشعب يكون مسئولا أمامه‏.‏ واختصاصات المدعي الاشتراكي مقررة في القانون‏34‏ لسنة‏1971‏ بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب‏,‏ واختصاصات الوزير المعهودة إليه بالحراسة والاختصاصات التي تقررها له قوانين أخري‏.‏
ويختص أيضا وفقا للمادة‏(17)-‏ بفحص وتحقيق الموضوعات التي تمس مصلحة عامة للمواطنين بناء علي تكليف من رئيس الجمهورية أو مجلس الشعب أو بناء علي طلب من رئيس مجلس الوزراء‏.‏

إن الاختصاصات الواسعة الواردة بالفصل الثاني من القانون سالف الذكر تشير الي أنها اختصاصات فضفاضة ذات طابع سياسي وقانوني‏,‏ وتخضع لتحريك السلطة التنفيذية أساسا لها سواء من رئيس الجمهورية‏,‏ أو رئيس مجلس الوزراء أو مجلس الشعب‏.‏ من ناحية آخري‏,‏ تشير أيضا الي أنها اختصاصات منتزعة من النائب العام‏,‏ وتجعل في البلاد جهتي تحقيق واتهام هما النيابة العامة والمدعي العام الاشتراكي‏.‏

إن نظام المدعي الاشتراكي‏,‏ يمثل الأيديولوجية التعبوية التي كانت سائدة أثناء وضع دستور‏1971,‏ وتأثير الأنظمة الدستورية والقضائية السائدة في بعض البلدان الاشتراكية آنذاك ولم تعد أيديولوجية النظام هي التي كانت سائدة‏.‏

‏4-‏ تعد محكمة القيم الواردة بالباب الثالث من القانون رقم‏1980/95‏ وتعديلاته هي أحد أبرز مظاهر القضاء الاستثنائي‏,‏ حيث جاء تشكيلها منطويا علي تعيين عدد من الشخصيات العامة في تشكيلها‏,‏ حيث نصت المادة‏27‏ علي أن‏'‏ يكون تشكيل محكمة القيم من سبعة أعضاء برئاسة أحد نواب رئيس محكمة النقض وعضوية ثلاثة من مستشاري محكمة النقض أو محاكم الاستئناف وثلاثة من الشخصيات العامة‏.‏

وتنظم الفقرة الثانية من ذات المادة علي تشكيل المحكمة العليا للقيم‏,‏ حيث تنص علي أن‏'‏ يكون تشكيل المحكمة العليا للقيم من تسعة أعضاء برئاسة أحد نواب رئيس محكمة النقض وعضوية أربعة من مستشاري محكمة النقض أو محاكم الاستئناف‏,‏ وأربعة من الشخصيات العامة‏.‏

‏5-‏ من مظاهر تدخل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية‏,‏ ما جاء به القانون رقم‏105‏ لسنة‏1980‏ وتعديلاته في القانونين رقم‏103‏ لسنة‏1983,‏ ورقم‏97‏ لسنة‏1992,‏ وذلك بالنص علي جواز ضم أعضاء الي المحكمة من ضباط القوات المسلحة‏,‏ حيث تقضي المادة الثانية علي أنه‏'‏ يجوز أن يضم الي عضوية هذه المحكمة عضوان من ضباط القوات المسلحة بالقضاء العسكري برتبة عميد علي الأقل ويصدر بتعيينهما قرار من رئيس الجمهورية‏'.‏ ونصت المادة‏(3)‏ علي اختصاصات واسعة لمحكمة أمن الدولة‏,‏ ومن الأمور المثيرة للانتباه أن المشرع ذهب الي‏'‏ وتفصل المحكمة في هذه الدعاوي علي وجه السرعة‏'.‏

ويبدو أن المشرع أوضح في المادة الثالثة من القانون عن بعض أهدافه‏,‏ وهو سرعة الفصل في الدعاوي العديدة الواردة في الاختصاص الذي أناطه بها‏.‏


ومنح المشرع في المادة‏7‏ مكرر‏-‏ المضافة بالقانون‏97‏ لسنة‏1992-‏ صلاحية آخري‏,‏ وهي‏'‏ ولا تتقيد النيابة العامة في مباشرتها التحقيق ورفع الدعوي في الجرائم المشار إليها في الفقرة السابقة‏-‏ الجرائم المنصوص عليها في القسم الأول من الباب الثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات‏-‏ بقيد الطلب المنصوص عليه في المادة‏9‏ من قانون الإجراءات الجنائية‏,‏ والمادة‏16‏ من القانون رقم‏95‏ لسنة‏1980‏ بشأن حماية القيم من العيب‏.‏

‏6-‏ ومن مظاهر تدخل رئيس الجمهورية ما جاءت به المادة العاشرة من القانون سالف الذكر التي جرت علي أن‏'‏ لرئيس الجمهورية أو من يفوضه مباشرة السلطات المقررة في القانون رقم‏(162)‏ لسنة‏1958‏ بشأن حالة الطوارئ وذلك بالنسبة للأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة التي لم يتم التصديق عليها حتي انتهاء حالة الطوارئ‏.‏ وهناك أحكام انتقالية‏,‏ وردت بالباب الخامس من القانون في المادتين‏12,11.‏

‏7-‏ إن سلطة رئيس الجمهورية في ظل قانون الطوارئ تتسع لتشمل تشكيل واختصاص محاكم أمن الدولة الجزئية بالمحكمة الابتدائية ومحاكم أمن الدولة العليا‏-‏ علي نحو ما جاءت به المادة‏7‏ من قانون الطوارئ‏162‏ لسنة‏1958‏ بشأن حالة الطوارئ‏,‏ والقوانين المعدلة له‏,‏ مثل القانون‏50‏ لسنة‏1982-‏ حيث أجاز المشرع علي أنه‏'‏ يجوز استثناء لرئيس الجمهورية أن يأمر بتشكيل دائرة أمن الدولة الجزئية من قاض واثنين من ضباط القوات المسلحة من رتبة نقيب أو ما يعادلها علي الأقل وبتشكيل دائرة أمن الدولة العليا من ثلاثة مستشارين ومن ضابطين من الضباط والقادة‏.‏
وتعطي المادة لرئيس الجمهورية حق تعيين أعضاء محاكم أمن الدولة بعد أخذ رأي وزير العدل بالنسبة للقضاة والمستشارين‏,‏ ورأي وزير الحربية بالنسبة الي الضباط‏.‏ ومن ثم نحن إزاء تشكيلات للمحاكم تخضع لمعايير تفضيل لسلطة التنفيذ في تشكيلها واختيار أعضائها‏.‏

إن تشكيل المحكمة والإدعاء من عسكريين‏,‏ هو أمر جوازي يخضع لتقدير رئيس الجمهورية أثناء حالة الطوارئ‏,‏ وهو أمر يشكل خروجا سافرا علي أصول المحاكمات‏,‏ ومن ثم يهدد ضماناتها المعروفة في الدساتير والقانون المقارن‏,‏ ناهيك عن الصلاحيات الواسعة النطاق لرئيس الجمهورية التي جاء بها قانون الطوارئ سواء في حفظ الدعاوي قبل تقديمها للمحاكمة‏,‏ أو الأمر بالإفراج المؤقت عن المتهمين المقبوض عليهم قبل إحالة الدعوة إلي محكمة أمن الدولة‏(‏ المادة‏13),‏ وعدم جواز الطعن بأي وجه من الوجوه في الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة وتعتبر نهائية بعد التصديق عليها من رئيس الجمهورية وفق المادة‏12‏ من القانون‏.‏
إن نظرة علي قانون الطوارئ‏,‏ تشير إلي أن السياسة التشريعية في مصر نحت دوما إلي استمرارية هيمنة السلطة التنفيذية علي السلطتين التشريعية والقضائية‏.‏ ولاشك أن نظام القضاء الاستثنائي يشكل انتقاصا خطيرا من استقلال السلطة القضائية‏.‏ إن أحد أخطر عمليات التوظيف السياسي للقضاء الاستثنائي‏,‏ هو لجوء السلطة التنفيذية إلي ما سماه بعض الباحثين بالتحرك خارج القضاء العادي حسب المناسبة‏,‏ وأنها أكثرت في الواقع من عدد الأدوات التي سمحت لها بذلك‏.‏

‏9-‏ إن أحد أبرز أدوات تدخل السلطة التنفيذية في أعمال تعد من صميم استقلال السلطة القضائية دور وزارة العدل في عدة مجالات هي‏,‏ السلطة القضائية‏,‏ والتفتيش القضائي‏,‏ والتأديب‏.‏ وندب القضاة لأداء أعمال غير قضائية‏,‏ وكخبراء قانونيين للأجهزة الإدارية والهيئات والوزارات المختلفة‏,‏ أو الإعارة لبعض البلدان العربية النفطية في أعمال بعضها قضائي أو استشاري أو إداري‏,‏ الأمر الذي يؤثر علي أدائهم لوظائفهم في المحاكم بعد انتهاء مدة الإعارة‏.‏

‏10-‏ إن خضوع ميزانية السلطة القضائية لتحديدات السلطة التنفيذية يؤثر سلبا علي استقلال القضاء‏,‏ والقضاة‏,‏ ويخالف ما استقرت عليه النظم المقارنة من ضرورة الاستقلال المالي للسلطة القضائية‏,‏ وهو ما سبق للقضاة والفقه في الدعوة إلي إفراد بند في ميزانية الدولة للسلطة القضائية‏.‏

‏11-‏ إن نظرة علي دور السلطة التنفيذية التدخلي في الشئون القضائية‏,‏ تبدو في شأن تعيين النائب العام كما ورد في القانون‏35‏ لسنة‏1984‏ بشأن تعديل أحكام قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار بقانون رقم‏46‏ لسنة‏1972‏ الذي نظمته المادة‏(119),‏ التي ذهبت إلي أن‏'‏ يعين النائب العام بقرار من رئيس الجمهورية من بين نواب رؤساء محاكم الاستئناف أو مستشاري محكمة النقض أو المحامين العامين الأول علي الأقل‏.‏

ويكون تعيين النائب العام المساعد والمحامي العام الأول وباقي أعضاء النيابة العامة بقرار من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي مجلس القضاء الأعلي إذا كان التعيين غير منطو علي ترقية‏,‏ فإذا انطوي علي ترقية أو كان من غير رجال القضاء والنيابة العامة يكون بموافقة المجلس‏'.‏

إن نقل محل إقامة أعضاء النيابة العامة ونقلهم خارج النيابة الكلية التابعين لها يكون بقرار من وزير العدل بناء علي اقتراح النائب العام وبعد موافقة مجلس القضاء الأعلي‏,‏ وللنائب العام حق نقل أعضاء النيابة بدائرة المحكمة المعينين بها وله حق ندبهم خارج هذه الدائرة لمدة لا تزيد علي ستة أشهر‏.‏

علي الرغم من امتداد الحصانة القضائية للنائب العام والنيابة العامة إلا أن خضوع اختيار النائب العام وأعضاء النيابة لقرارات تصدر لرئيس الجمهورية‏,‏ بعد أخذ رأي مجلس القضاء الأعلي‏,‏ إلا أن ذلك يعطي للسلطة التنفيذية دورا وتأثيرا علي أعمالها‏.‏

ويذهب المستشار يحيي الرفاعي إلي بعض مظاهر التأثير التنفيذي في أعمال السلطة القضائية‏,‏ ورصد بعضها فيما يلي‏:‏
أ‏-'‏ انفراد السلطة التنفيذية بالكلمة النهائية في ندب وتجديد ندب من تختارهم هي وحدها من مستشاري محكمة الاستئناف ليكونوا تابعين لها في رياسة المحاكم الابتدائية في الإشراف علي الرؤساء والقضاة وأحكامهم وقراراتهم القضائية والولائية‏.‏

ب‏-'‏ التمييز في توزيع الحوافز ومكافآت العمل الإضافي‏,‏ ودورات التحكيم والكسب غير المشروع أو سائر أنواع المعاملة المالية والعلاجية والاجتماعية والمزايا العينية الأخري‏,‏ وهو ما يعد مخالفة صريحة لنص المادة‏68,‏ في نظر شيخ القضاة‏'.‏

جـ‏-'‏ وفق المادة‏36‏ يكون لوزير العدل أن يعيد إلي الجمعيات العمومية للمحاكم الابتدائية ولجان الشئون الوقتية بها ما لا يري الموافقة عليه من قراراتها لإعادة النظر فيها‏'.‏

د‏-'‏ وضع وزير العدل لائحتي التفتيش القضائي‏,‏ وتفتيش النيابات‏.‏

إن أشكال التأثير والتدخل في أعمال السلطة القضائية عديدة‏,‏ وضاغطة‏,‏ وبها آليات واقعية تؤكد علي أشكال من التدخل في عمل السلطة القضائية‏,‏ من ثم كانت مسألة استقلال السلطة القضائية‏,‏ واحدة من أبرز قضايا مؤتمر العدالة الأول الذي عقد علي‏1976,‏ سواء في مجال تيسير إجراءات التقاضي‏,‏ أو في مجال نظام القضاء وتجسدت في مشروع قانون استقلال القضاء الذي تم إعداده عام‏1991,‏ والذي يتضمن تعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية‏.‏

إن استقلال السلطة القضائية وتمايزها الوظيفي والهيكلي أمر أساسي في إطار دولة القانون وسيادته‏,‏ ومن ثم ضرورة إلغاء جهات القضاء الاستثنائي‏,‏ وضرورة إعادة هيكلة المؤسسات القضائية‏,‏ والاستقلال المالي‏,‏ فضلا عن خضوع التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلي‏,‏ وكذا اختيار النائب العام‏,‏ وذلك لضمان استقلالية النيابة العامة‏,‏ وتعزيزا لكونها شعبة من السلطة القضائية كي تمارس عملها في التحقيق والاتهام في حيدة واستقلال وبعيدا عن شبهات التأثير علي أعمالها من جانب السلطة التنفيذية‏.‏

إن الإشراف الكامل لقضاة المنصة علي العمليات الانتخابية علي اختلاف خطواتها‏,‏ هو أمر من الأهمية بمكان لضبط التجاوزات العديدة في الانتخابات والاستفتاءات في مصر‏.‏

إن موقف الجماعة القضائية المصرية‏,‏ ونوادي القضاة‏-‏ العام بالقاهرة‏-‏ أو الإقليمية‏-‏ حاسم في ضرورة الإشراف الكامل علي الانتخابات العامة الرئاسية والبرلمانية‏,‏ وفق ملاحظاتهم الأولية علي تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية‏,‏ فضلا عن ضرورة تقديم الحكومة لمشروع قانون استقلال القضاء‏,‏ وهو مطلب رئيسي من المطالبات الإصلاحية الوطنية‏.‏




نبيل عبد الفتاح
مساعد مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام



1689

niceman2975
24-01-2011, 02:26 AM
جهد مشكور وبارك الله فيك