المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قضية اللغة العربية القانونية .. بقلم دكتور / أحمد محمد حشيش استاذ بكلية حقوق طنطا و و



عمرو إبراهيم زيدان
01-09-2010, 12:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم







وضع المسألة :-

نقاد اللغة العربية من المستشرقين فى الغرب و كذا اللغويين العرب القدامى و المحدثون ، مازلوا ينظرون أليها ، و كأنها مجرد لغة ، و ذلك بما يترتب عليه من آثار أخصها ما يلى :

1- تصور أن هذه اللغة لا تدخل إلا فى دائرة تخصص هؤلاء و هؤلاء دون غيرهم .

2- و تصور ان دائرة تخصصهم وحدها هى المعنية بتلك اللغة و بما يثار بشأنها من خلافات بينهم ، و لو لم يستطيعوا حسمها فى الماضى و الحاضر ، و لن يستطيعوه مستقبلاً .

فقد صارت لتلك الخلافات صفة " الاستمرارية " جيلاً بعد جيل ، و لو أن للنقاد مصلحة فى تلك الأستمرارية ، بمراعاة ما ينطوى عليه نقدهم من " تكذيب " للقرآن ذاته بشأن لغته على الأقل . بينما ليس للغويين العرب ثمة مصلحة فى تلك الأستمرارية التى لا يملكون حيلة لوقفها ، مما كان يقتضى منهم عدم الاستمرار فى ترديد تلك الانتقادات على الأقل ، و لو عملاً بقوله تعالى : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ..........) .

3- وأول هذه الانتقادات ، ما قاله النقاد من أن لغة القرآن ليست " كلها " عربية لأن بعضها " أعجمى " فلماذا يقول القرآن أن لغته عربية باطلاق ؟

بينما لا يرد اللغويين العرب على ذلك ، إلا بقولهم أن لغة القرآن عربية باطلاق لأن ما هو أعجمى فيها قد جرى تعريبه بطول استعماله ، و لو أنه لم يكن عربياً فى الأصل لكن أستعارته حضارة من حضارة و لا ضير فى ذلك .

( و أنظر فى هذا الخلاف : د. عبد العظيم المطعنى : مقالات عن الكلام الأعجمى و الكلام الغريب و الكلام العاطل و الكلام المكرر – منشورة فى : حقائق الأسلام فى مواجهة شبهات المشككين – المجلس الأعلى للشئون الأسلامية – 2002 – القاهرة . و عبد الرحمن بدوى : دفاع عن القرآن ضد منتقديه – الدار العالمية ) .

و هكذا أنكر اللغوين العرب هذا النقد لكن صدقوا عليه فى نفس الوقت ، وبالتالى ظلت الحقيقة العلمية غائبة ، دون أن يفطنوا إلى أن المسألة المختلف عليها تتجاوز نطاق دائرة تخصصهم ، و تتعداها إلى دائرة تخصص علمى أخر ، هى دائرة التخصص فى القانون .




نطاق اصطلاح اللغة العربية



دعنا نتحرر معاً من تلك النظرة القروسطية إلى لغة القرآن ، التى هى بطبعها لغة الدستور الآلهى المعاصر ( القرآن ) و لائحته التنفيذية ( السنة ) ، و الدستور الوضعى المصرى و الدولة بأسرها و ذلك عملاً بالمادة 2 من الدستور و تقضى بأن " ... الدولة ... اللغة العربية لغتها الرسمية " ، و لغة القانون العادى و المحاكم و ذلك عملاً بالمادة 19 من قانون السلطة القضائية و تقضى بأن : " لغة المحاكم هى اللغة العربية .... " .

و هى بهذا لغة قانونية أصلاً ، بمعنى أنها لغة إصطلاحية ، أى لابد أن يكون لها ثمة مفهوم إصطلاحى ، و بالتالى فأى خلاف حولها هو – بطبعه – خلاف قانونى أصلاً ، و يدخل إذن فى دائرة التخصص العلمى المعهودة للقانونيين ، و يحل بالضرورة وفقاً لقواعد قانونية موجودة فى ذات الدستور الآلهى المعاصر و لائحته التنفيذية .

و مؤدى ذلك أن إصطلاح " اللغة العربية " هو بطبعه إصطلاح قانونى ، و ينبغى بالتالى أن يكون له مفهومه الإصطلاحى ، أى مفهومه العلمى / التاريخى / القانونى .

( أنظر بالتفصيل : أحمد حشيش : مركز الشعب و الدولة و الرئاسة و البرلمان و اللغة العربية – دار النهضة العربية – 2010 )




مفهوم إصطلاحى للغة العربية :




لغة آدم شأنها شأن لغة نوح و هود و صالح و ابراهيم عليهم السلام ، كانت هى اللغة العربية .

و ليس معنى هذا بالبداهة أن لغتهم العربية هى لغتنا العربية الحالية ، و لو أن الأخيرة هى لغة عربية . لأن لغتهم كانت اللغة العربية " غير المبينة " ، بينما لغتنا الحالية هى اللغة العربية " المبينة " ، والتى يجب أن يؤرخ علمياً لها إبتداء من اسماعيل عليه السلام ، الذى هو أول من تلقاها مباشرة من الله تعالى ، مصداقاً لقول خاتم الرسل : ( أول من فتق لسانه بالعربية المبينة اسماعيل ، و هو إبن أربع عشرة سنه ) .

( الالبانى : صحيح الجامع – طبعة بيروت – صـ 504 رقم 2581 ) .

فنشأة اللغة العربية خضعت للمبدأ العام بشأن كل نشأة و أى نشأة ، أى مبدأ النشأة الأولى و النشأة الآخرة ، مصداقاً لقوله تعالى : ( قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الأخرة .... ) الآية 20 / العنكبوت . فكانت نشأتها الأولى على يد آدم عليه السلام و تلك هى اللغة العربية غير المبينة ، وكانت نشأتها الآخرة على يد اسماعيل عليه السلام و تلك هى اللغة العربية المبينة ، ولو أنهما معاً هما اللغة العربية بمعناها العام .

و باللغة العربية بمعناها العام نزل القرآن الكريم ، مصداقاً لقوله تعالى فى الآية 2 / فصلت : ( انا أنزلناه قرآناً عربيا ) و كذا قوله تعالى فى الآية 113 / طه : ( و كذلك أنزلناه قرآناً عربيا .... ) و كذا فى الآيات 28/ الزمر و 3/ فصلت و 3 / الزخرف و 7 / الشورى . فالمستفاد من تلك النصوص من الوجهة العلمية / التاريخية / القانونية ، هو أن القرآن نزل باللغة العربية العامة ، أى بلا تخصيص للغة العربية فى نشأتها الأولى أو اللغة العربية فى نشأتها الآخرة ، لأنهما معاً لغة عربية .




الأصل فى لغة القرآن :




على أن الأصل فى لغة القرآن العربية ، ليست هى اللغة العربية فى نشأتها الأولى ، بل هى اللغة العربية فى نشأتها الآخرة ، أى اللغة العربية المبينة ، مصداقاً لقوله تعالى فى الآية 1 / الحجر : ( ... تلك آيات الكتاب و قرآن مبين ) ، و قوله فى آية 103 / النحل : ( و هذا لسان عربى مبين ) ، و كذا فى الآية 2 / الشعراء و 195 / الشعراء و 1/ النحل .




الأستثناء فى لغة القرآن :




لغة القرآن ، ليست كلها لغة عربية مبينة ، بل توجد فى لغته – و على سبيل الأستثناء – لغة عربية غير مبينة ، أى الفاظ من اللغة العربية فى نشأتها الأولى . مثل : آدم – ابراهيم – آزر – أباريق – أرائك – استبرق – إنجيل – تابوت – جهنم - حبر – صور – زكاة – زنجبيل – سبت – سجيل – سرادق - صراط – طاغوت – عدين – فرعون – فردوس – ماعون – مشكاة – مقاليد – ماروت – هاروت – الله – فاكهة و آبا – غسلين – حناناً –أواه – الرقيم – كلالة – مبلسون – أخبتوا - حنين – حصحص – سرباً - المسجور – قمطرير – عسعس – الناقور – فاقرة – مدهامتان .

و لا يجب أن يفلسف أحد و جود هذه الالفاظ العربية فى القرآن ، و لو بمقولة أنها " الكلام الأعجمى " فى القرآن ، أو بمقولة أن بعضها " كلام أعجمى " و بعضها " الكلام الغريب " فى القرآن ، لأنها الفاظ من اللغة العربية غير المبينة ، و لو لم يعرف بعد اللغويون العرب بأنتمائها إلى اللغة العربية آصلاً ، و بالتالى لم يعرفوا حكمة وجودها . فهى موجودة للدلالة على ثلاثة أمور معاً ، هى ما يلى :

أ – أن اللغة العربية أسبق فى الوجود تاريخياً من اللغة العربية المبينة ، أى أن اللغة العربية كانت موجودة – حتى – قبل أن توجد اللغة العربية المبينة .

ب – أن لغة آدم العربية موجودة ، سواء قبل أن توجد اللغة العربية المبينة ، أو – حتى – بعد و جود اللغة العربية المبينة .

ج – أن اللغة العربية وحدة واحدة ، و لو أنها قد خضعت لمبدأ النشأة الأولى و النشأة الآخرة . و هى بهذا ستظل أم العلوم باطلاق ، و أم اللغات باطلاق ، و سيظل بالتالى مثلها الأعلى عبر الزمان هو آدم عليه السلام ، الذى هو أول من تلقاها من ربه ، مصداقاً لقوله تعالى : ( و علم آدم الأسماء كلها ... ) 31 / البقرة . و هو بهذا يستأهل أن يركز القرآن على قصته ( تاريخه ) ، و ذلك بسردها سبع مرات ، فى سبع سور فى القرآن ، و هى : البقرة ، و الأعراف ، و الحجر ، و الاسراء ، و الكهف ، و طه ، و ص ، و بالتالى لايجب أن يأخذ النقاد على القرآن تكراره لقصة آدم عليه السلام .




استثناء آخر فى لغة القرآن :




و هذا الاستثناء موضوعه الالفاظ التالية فى القرآن : الر – ألم – المص – حم – حم عسق - ص – طس - طه – ق – كهيعص – ن – يس . و هو استثناء و ذلك لأسباب :

أ – موضوعه أربعة عشر لفظاً لا أكثر و لا أقل ، من جملة الفاظ القرآن .

ب – و هذه الألفاظ ، و إن كانت بحروف عربية أصلاً ، لكن ذات أبجدية استثنائية ، تتكون من أربعة عشر حرفاً لا أكثر ، أى نصف الأبجدية العادية .

كما أن أبجديتها تخلو تماماً من حرف " الضاد " ، بل – حتى – تخلو من حرف " الدال " . فضلاً عن أن الأصل فى حروفها أنها من غير ذوات النقط ، عدا ثلاثة : هى النون و القاف و الياء .

ج – و هذه الألفاظ الاربعة عشر وردت فى مفتتح السور ، و لو أنها لم ترد فى صدور أربع عشر سورة فحسب ، و لا فى صدور كل سور القرآن الكريم ، بل فقط وردت فى صدور تسع و عشرين سورة




و عبثاً يحاول اللغويون العرب تفسير هذه الالفاظ ، أو تعليل و جودها ، أو بيان دورها ، حتى أشتهرت تسميتها فى أدبيات النقاد من المستشرقين بـ " الكلام العاطل " . لكن هذه الألفاظ موضوع استثناء آخر فى لغة القرآن الكريم ، التى لا تقتصر لغته على اللغة العربية للأنسان و حدها ، و بالتالى فأن هذه الالفاظ لا هى لغة عربية مبينة ، و لا هى لغة عربية غير مبينة ، انما هى من لغة الملائكة . و هذا الاستثناء موجود للدلالة على ثلاثة أمور معاً ، كالتالى :

1 – قلة علم الانسان باللغة العربية ، حتى لو كان هذا الانسان عربياً أصيلاً . لأنه لن يعرف قط لغة الملائكة . و بهذا ، كما خضع علم لغة الانسان العربية لمبدأ النشأة الأولى و النشأة الآخرة ، فأنه يخضع لمبدأ قلة علم الانسان الذى يسرى – حتى – على علم اللغة العربية . و ذلك المبدأ قرر فى الدستور الآلهى ، مصداقاً لقوله تعالى : ( و ما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) 85 / الاسراء .

2-أن علم لغة الانسان العربية لا يستنفذ علم اللغة العربية فى القرآن ، كما أن علم اللغة العربية للملائكة ، لا يستنفذ علم اللغة العربية ، و لو أن علم لغة الانسان يختلف عن علم لغة الملائكة ، مصداقاً لقوله تعالى : ( و علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم .... " .

3 – الألفاظ العربية الملائكية فى القرآن ، هى ألفاظ تسبيح و تقديس له سبحانه ، مما أقتضى و جودها فى صدور السور ، و لو أن البعض يصرف لفظ " طه " و لفظ " يس " إلى النبى صلى الله عليه و سلم . و الله تعالى الأعلم