المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الردع العام في جرائم الأنترنيت في القانون الليبي



امانى احمد
22-08-2010, 07:24 PM
الردع العام في جرائم الأنترنيت في القانون الليبي معلوم أن أي عمل غير مشروع يعاقب عليه المشرع في قانون العقوبات يجب ان يتقرر بنص. فلا جريمة ولا عقوبة الا بنص (المادة الاولى من قانون العقوبات الليبي). والنص يجب أن يكون في مستوى التشريع الصادر عن مؤتمر الشعب العام. فلا يقل تقرير الجرائم عن مستوى القانون كأحد مراتب التشريع. فاذا حدث ووجد نص تجريمي في أقل من مستوى القانون فإنه بكل بساطة لا نكون بصدد جريمة على الاطلاق ولا تستطيع اية جهة ادعاء سلطة محاسبة الناس بمقتضى تشريع دون مستوى القانون. بل أن حدث مثل هذا الامر فإن حق التعويض مكفول الى جوار العدمية في النص المقرر لحالة اللا جريمة المذكورة* إذ أننا نكون هنا بصدد حالة تعسف. وهذه القاعدة النظرية التي ندرسها ونقوم بتدريسها في كليات القانون تستمد معالمها الحقيقية من القيمة الانسانية في ضرورة اتفاق المجتمع على أن يكون تقرير الجريمة من قبل الهيئة الاجتماعية ككل. فيجب ان يكون المجتمع ككل موافق على تقرير الجريمة انطلاقا من فكرة ان هناك فعل غير مشروع يجب أن يعلم به الكافة في الوقت الذي يتم تقرير ردع لهذا الفعل غير المشروع.. ردع يأخذ المظهر العقابي او الجنائي بعقوبات مقيدة للحرية كمقياس عام هنا. فالعقوبة هي المقياس في القصاص في الجرائم. والقصاص او العقاب مستمد من فكرة الردع العام المقرر في النص هنا. فالردع العام هو مطلب المجتمع في تقرير الجريمة.

والان.. اذا كانت الشروط الشكلية لتقرير التجريم والعقاب هي القانون كأحد مراتب التشريع الذي يجب ان يصدر عن الجهة المخولة بذلك وهي الشعب او المجتمع ككل. فهل يكفي هذا القول للتقرير بوجود نص جنائي يجرم ويعاقب دون توافر الردع العام؟ الحصيلة ان صدور نص ليس به محتوى المصلحة في تقرير العقوبة فإن هذا النص يصدر صحيحا من الناحية الشكلية ولكنه ينتهي الى أن يصبح مجردا من آلية تطبيقه. وهنا نصل الى مستوى وجود نصوص غير قابلة للتطبيق بطبيعتها. لأن ركن الردع العام في النص يشكل الغطاء الموضوعي للنصوص الجنائية ككل. هذا يعني ان البيئة التي يعيش فيها النص الجنائي هي الردع العام الذي يقرره المجتمع ازاء جريمة معينة. ومسألة الردع العام هي التي تميز النص الجنائي عن النصوص الاخرى المدنية والتجارية…الخ. وهي مستمدة من فكرة ان العقوبة او الجزاء الجنائي هو المعيار المميز للقاعدة الجنائية عن غيرها.

امانى احمد
22-08-2010, 07:25 PM
كيف أذن نطبق هذه القاعدة على الجرائم الجديدة التي تخترق المجتمع الليبي بهدوء ودون اثارة تذكر… مثل جرائم الانترنت. كيف نصل الى مستوى توعية المجتمع بضرورة وضع فكرة الردع العام في جرائم الانترنت موضع اعتبار؟ اذا استطعنا الاجابة على هذا التساؤل فإنه يمكن للهيئة الاجتماعية السعي حقيقة الى اصدار قانون الجريمة الافتراضية. وبدون وضع آلية لتنشيط وتعريف المجتمع بخطورة جرائم الانترنت فإن أي قانون في هذا الشان سوف يصدر وهو يحمل عوامل القصور في جوانبه وينضم الى قائمة التشريعات التي صدرت في عالمنا العربي دون آلية تنشيط لها وتفعيل لآلياتها في المجتمع.

ان الحلول المطروحة للتوعية بمخاطر جرائم الانترنت في العالم العربي تحتاج في الحقيقة الى اعادة نظر.. فهي كلها تعتمد على منهجية فرض النصوص وتنفيذها أليا. وهذه الظاهرة كثيرا ما يصادفها حركة تحد واضحة المعالم من قبل منظمات حقوق الانسان. كذلك أثبتت الايام أن الدور الحكومي في التوعية يعد دورا قاصرا قصورا كبيرا لعدم وجود المنهجية الصحيحة او بسبب فرض المنهجية الحكومية التي يقابلها الدور البوليسي..الخ. ومثل هذا الامر في قناعتي الشخصية يؤثر سلبا على علاقة الفرد بالدولة صاحبة السمة الوضعية في القانون. فقد تحولت العديد من الدول العربية صاحبة التجربة التشريعية في اطار جرائم الانترنت الى دول تحاول اثبات مصداقية وصحة تشريعاتها والترويج لها من خلال جملة من الاجراءات العقيمة والتي من أبرزها منع نقد التشريع القائم في تلك الدول والترويج لتلك التشريعات في الاعلام باطناب بلاغي وخطابي وتفسيرات غير صحيحة…الخ

المسألة فيها كثير من الجدل* وهذه الجدلية منطقية في الحقيقة. وهي جدلية مبنية على قدرة تفاعل النظام الاقتصادي الاجتماعي مع النظام القانوني. ليس التفاعل بين ما هو قائم فقط* وانما تفاعل بين ما هو قائم مع ما يجب أن يقوم فعلا. ومثل هذا الامر يقودنا الى بناء علاقة بين اليوم وبين… غدا. وهي علاقة من الصعوبة بمكان وضع قاعدة عامة لتحديدها وصناعة آلياتها في الوقت الذي يجب عدم اهمالها ايضا. لذلك من المتصور إيجاد مناخ لهذه العلاقة في مراقبة المجتمع ككل في تفاعله مع الظواهر الجديدة. ومن غير المستحب أن تكون تلك المراقبة بيد القطاع الحكومي* فهو قطاع غلب عليه خلال مرحلة زمنية طويلة طابع الامر والنهي لكي يثبت ذاته. والاختيار الواضح المعالم أن تكون تلك المراقبة بيد المجتمع المدني العلمي والمنظمات الاهلية الخبراتية والقطاع الفردي التدريبي ذاته وكذلك المؤسسات التعليمية المستقلة والمراكز البحثية الوطنية. واكثر منتج لكيفية مراقبة تلك العلاقة التي اشرنا اليها هي الاحصاءات التي تقوم بها المراكز البحثية هنا.

أذن اليوم وليبيا على مشارف وضع تشريعات الانترنت يجب أن تتحرك القاعدة البحثية الليبية لاثبات جدارتها فنستفيد من أخطاء الاخرين* خاصة وان المؤشرات في سياسات الاتصالات الحالية تشير الى ان انضمام ليبيا الى البنية العالمية للاتصالات يفصلنا عنه زمن قصير للغاية في حسابات تكنولوجيا المعلومات* وهذا الانضمام هو امتياز لليبيا بين الدول العربية الاخرى. يجب حقا أن تتحرك آليات المجتمع المدني العلمي لتوضيح معالم الحق العام والردع العام في جرائم الانترنت والتذكير هنا برفض منطق التوعية في الدول التي فشلت في تطبيق تشريعها في الوقت الذي تروج لذلك في محيط الدول الصغيرة التي لم تصدر بعد تشريعات للانترنت* إذ يجب ان نضع في الاعتبار ان مثل تلك التشريعات لا يمكن ان ترتقي الى مستوى التشريعات العالمية والصادرة في الدول المتقدمة. فيجب أن تتم التوعية العلمية الصحيحة في ليبيا بمعالم المنهج الرقمي والنظام التراسلي الذي تقوم عليه حركة التنظيم القانوني للعالم الافتراضي* وهو العالم الذي خلقة تواصل الحواسيب والشبكات. وأن يكون هناك وعي بأهمية حركة التجارة الالكترونية بصورة تحصر سطوة القطاع الخاص والتعقيدات الحكومية والروتين الضارب بجذوره حتى الاعماق في هذا المجتمع. فمنهج الحوسبة والرقمية اليوم يستند الى دستور عالمي فحواه أن ثقافة تكنولوجيا المعلومات لن تكون أبدا ثقافة صفوة بل انها ثقافة مجتمع في الوقت الذي يجب الاعتراف فيه بأن تكنولوجيا المعلومات ليست مناخا لنقل مشكلات العالم المادي الى العالم الافتراضي وانما هي ثقافة وضع حلول لمشكلات العالم المادي.. فالعالم الذي عاشت خلاله البشرية أحزانها في مرحلة العصر الصناعي لن يكون هو ذات العالم في العصر الرقمي.
منقول