المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأحكام التي يجوز استئنافها



البريتور
15-08-2010, 06:53 PM
الأحكام التي يجوز استئنافها




د. محمد عرفة


أوضحت في مقال سابق الأحكام التي لا يجوز استئنافها، وأن نظام القضاء السعودي الجديد لم يوضح بالتفصيل أنواع الأحكام التي يجوز استئنافها وتلك التي لا يجوز استئنافها؛ حيث اكتفت مادته (17) بالنص على أن: "تتولى محاكم الاستئناف النظر في الأحكام القابلة للاستئناف الصادرة من محاكم الدرجة الأولى...". وفي ضوء هذا النص، نرى أن هناك أحكاماً تقبل الاستئناف، منها على سبيل المثال الأحكام التي لم تصبح نهائية بعد، أي الأحكام غير المكتسبة للقطعية بقناعة المحكوم عليه، فطبقاً لنظام المرافعات الشرعية السعودي لا يجوز الاعتراض على الحكم ممن قبله، أي ممن قنع به أو ممن قضي له بكل طلباته؛ ومن ثم فإنه بمفهوم المخالفة يجوز استئناف الأحكام التي لم يقنع بها أحد المحكوم عليهما أو كلاهما أو ممن قضى له الحكم ببعض طلباته فقط. ويجوز كذلك استئناف الأحكام التي لم يتم التصديق عليها من المحكمة العليا، أو من المجلس الأعلى للقضاء بحسب الاختصاص.

ويمكن أن نميز بين الأحكام الصادرة في الدعاوى الجزائية والأحكام الصادرة في دعاوى الحقوق الخاصة؛ أي بين استئناف الأحكام طبقاً لنظام الإجراءات الجزائية واستئناف الأحكام طبقاً لنظام المرافعات الشرعية: ففي الحالة الأولى يُمكن القول بأن الأحكام التي تصدر قبل الفصل في موضوع الدعوى الأصلية، يجوز استئنافها، وذلك على خلاف القاعدة العامة التي تقضي أن الأحكام الصادرة قبل الفصل في موضوع الدعوى لا يجوز استئنافها، وهذا يسري بالنسبة للنوعين من الأحكام.

وبناء على ذلك يجوز استئناف الأحكام الصادرة بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى؛ لأنه على الرغم من أن تلك الأحكام لم تفصل في موضوع الدعوى؛ إلا أنها في الحقيقة تُنهي نظر الدعوى أمام المحكمة التي أصدرتها، ومن ثم فقد يكون الحكم بعدم الاختصاص مخطئاً وتكون المحكمة مختصة فعلاً؛ فلو لم يجز الطعن في مثل هذا الحكم بالاستئناف فسيترتب على ذلك إحالة الدعوى إلى محكمة أخرى غير مختصة، ومن المتوقع أن يصدر حكم في موضوع الدعوى من محكمة غير مختصة فيكون الحكم باطلاً. فالأحكام الصادرة بعدم اختصاص المحكمة يجوز استئنافها بمجرد صدورها، ولا محل لإرجاء استئنافها، لأنه لن يصدر حكم في الموضوع باعتبار أن هذا الحكم قد أخرج الدعوى من حوزة المحكمة؛ أي أنه أنهى الخصومة القضائية أمام تلك المحكمة. ويستوي سند الحكم بعدم الاختصاص؛ أي سواء أكان قد قضى بعدم الاختصاص النوعي أو الشخصي أو المحلي؛ وللحكمة نفسها يجوز استئناف كل حكم يخرج الدعوى من حوزة المحكمة، كالحكم بعدم قبول الدعوى لانتفاء أحد مفترضاتها، كعدم تقديم الشكوى من المجني عليه في الحالات التي يتطلبها النظام أو لسبق الفصل في الدعوى من قبل محكمة أخرى. أما الحكام الصادرة في موضوع الدعوى فيجوز استئنافها، سواء أكانت حضورية أو غيابية، وسواء أكانت صادرة بالبراءة أو بالإدانة.

وتسير القوانين المقارنة في مجال استئناف الأحكام على قاعدة تقضي بأن الأصل جواز استئناف أي حكم إلا إذا قرر القانون خلاف ذلك؛ كما تجيز تلك استئناف الحكم الصادر في الجرائم المرتبطة بعضها ببعض ارتباطاً لا يقبل التجزئة؛ بحيث لا يُمكن الحكم من أجلهما إلا بعقوبة واحدة، حتى ولو لم يكن الاستئناف جائزاً للمستأنف إلا بالنسبة لبعض هذه الجرائم فقط. والحكمة من ذلك هي تجنب التعارض في الأحكام، مثال ذلك إذا اتهم شخص بمخالفة نظام المرور مما تسبب في قتل إنسان، فإذا قدم للمحاكمة عن الجريمتين، فإنه يجوز للمحكوم عليه أن يستأنف الحكم بالنسبة للجريمتين معاً، حتى ولو كان الحكم في المخالفة غير جائز استئنافه استقلالاً. ومن بين الأحكام التي يجوز استئنافها تلك التي تصدر من محكمة الأحداث، وذلك أيا كانت الجريمة التي صدر الحكم من أجلها، ولو كانت جناية على النفس أو ما دون النفس. أما الأحكام التي تصدر بالتوبيخ وبتسليم الحدث لوالديه أو لمن له الولاية عليه، فمثل هذه الأحكام لا يجوز استئنافها إلا لخطأ في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية أو لبطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر فيه. وليس هناك ما يمنع الأخذ بهذه القواعد في النظام السعودي.

أما الأحكام التي تصدر في دعاوى الحقوق الخاصة طبقاً لنظام المرافعات الشرعية السعودي، فيُمكن استئناف الأحكام الصادرة قبل الفصل في موضوع الدعوى، وكذلك استئناف أحكام محاكم الدرجة الأولى الصادرة في اختصاصها الابتدائي، كما يجوز استئناف الأحكام الصادرة في الدعاوى المستعجلة أيا كانت المحكمة التي أصدرتها. وقد حددت المادة (234) من هذا النظام الدعاوى المستعجلة أنها: دعاوى المعاينة لإثبات الحالة، ومنع التعرض للحيازة، واستردادها، ووقف الأعمال الجديدة، ومنع المدين من السفر، وطلب الحراسة، والدعوى المتعلقة بأجرة الأجير اليومية، والدعاوى الأخرى التي يُعطيها النظام صفة الاستعجال.

ويجوز استئناف الأحكام الصادرة بصفة انتهائية من محاكم الدرجة الأولى بسبب مخالفة قواعد الاختصاص المتعلقة بالنظام العام أو وقوع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم؛ كما يجوز استئناف الأحكام الصادرة في حدود النصاب الانتهائي إذا كان الحكم صادراً على خلاف حكم سابق لم يحز قوة الأمر المقضي.

ونحن نرى أن صدور نظام القضاء الجديد وتقريره الأخذ بنظام استئناف الأحكام يشكل نقلة نوعية غير مسبوقة في مجال حماية حقوق الإنسان في السعودية؛ إلا أن تفعيل ذلك يتطلب صدور نظام أو لائحة تحدد الأحكام التي يجوز استئنافها، وتلك التي لا يجوز استئنافها، ومواعيد وإجراءات الاستئناف، وحدود الدعوى في مرحلة الاستئناف، وما إذا كان هناك كفالة مالية يلتزم المستأنف أن يودعها خزانة المحكمة لحين الفصل في الاستئناف أم لا؟ ومقدارها وكيفية تقدير قيمة الدعوى فيما يتعلق بنصاب الاستئناف.




منقول عن :wa:

صحيفه الاقتصاديه الالكترونيه