المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور رجال الاعمال فى السياسة المصرية فى العصر الحالى



عادل هاشم
14-08-2007, 12:43 PM
رجال الأعمال والسياسة في مصر.. ماذا بعد الاقتصاد؟




بلغت إسهامات القطاع الخاص في إجمالي الناتج المحلي المصري 65% عام 1998م، وتتوقع جمعية رجال الأعمال المصريين أن يرتفع هذا الإسهام إلى 85% في مطلع القرن الحالي. ومع هذا التوسع يثور الحديث التقليدي عمَّا بعد الاقتصاد.

من هم رجال الأعمال؟
تذكر الموسوعة البريطانية أن مصطلح رجل الأعمال نشأ في أوروبا حديثًا، وبخاصة مع ظهور إشكالية المصنع الغربي ذي الخامات القليلة، والمنتج الكثير، وهو ما أدى إلى ظهور الحركة الاستعمارية، واتساع نطاق أعمال بعض التجار الذين رفضوا تسمية أنفسهم بالتجار، حيث تشير دلالة هذه التسمية إلي محدودية النشاط والثروة. ومن هنا بدأ هذا المصطلح في التداول تعبيرًا عن فئة كبار الأغنياء، وتمييزًا لهم عن ذوي الثروات القليلة والمتوسطة، ولم يَخْلُ هذا المصطلح من دلالات سلبية ناجمة عن ممارسات غير أخلاقية أو غير قانونية.

وفي مصر لم يستخدم هذا المصطلح قبل السبعينيات، وكان اقتصاديو ما قبل ثورة يوليو 1952م يطلقون على أنفسهم ألقاباً مثل رجل الصناعة، وذو الأملاك.. إلخ. ولم يبدأ استخدامه إلا في أوساط الاقتصاديين الذين أفرخهم عصر الانفتاح، الذي بدأ في عصر الرئيس السادات في 1974م، وامتدت الدلالات السيئة للأصل الأوروبي للمصطلح إلى نسخته المصرية لشيوع الممارسات غير الأخلاقية وغير الوطنية وغير القانونية في أوساط بعضهم، لكن المصطلح بدأ يستقر بقوة في مصر خلال التسعينيات، وبدأ يكتسب قدرًا كبيرًا من الاحترام رغم استمرار بعض رجال الأعمال في نفس الممارسات السيئة.

ولا يوجد تعريف علمي محدد لرجل الأعمال، حيث تختلف معايير التعريف أهمها :الثروة، وإدارة الأعمال، والسعي إلى الربح، إلى جانب المسئولية الوطنية والأخلاقية، وهي معايير قد لا تنطبق كلها أو بعضها على كثير من "رجال الأعمال" المصريين.

رجال الأعمال المصريين والسياسة

الممارسة السياسية لرجال الأعمال لا تنحصر في المجلس التشريعي، بل إن المجلس التشريعي يقع في آخر قائمة اهتماماتهم، وقد استخلصت إحدى الدراسات الميدانية التي قام بها قسم الاجتماع بكلية الآداب - جامعة القاهرة سنة 1995 أن نسبته 98.5% من رجال الأعمال لا يفضلون أن يكون لهم حزب خاص بهم، وأن 70% لا يفضلون دخول الحياة السياسية.

وعلى الرغم من الإمكانيات القوية لرجال الأعمال فإن الانتخابات المصرية الماضية شهدت ترشيح 50 مرشحًا فقط من رجال الأعمال ، منهم 21 مرشحًا مستقلاً، و18 عن الحزب الوطني، و10 عن حزب الوفد، وواحد عن الأحرار. وقد فاز منهم 36 مرشحًا، بالإضافة إلى قيام الرئيس المصري بتعيين رجل أعمال واحد؛ ليصبح عدد رجال الأعمال بالمجلس 37 ممثلاً بنسبة تصل إلى 8.2% من إجمالي الأعضاء. وترفع بعض الدراسات هذا العدد إلى 157 نائبًا، بنسبة تصل إلى 35% تقريبًا من أعضاء المجلس، على اعتبار أن المجلس يضم 120 عضوًا آخرين يسمون أنفسهم من أصحاب المهن الحرة، أي أنهم تمَّ النظر إليهم باعتبارهم "رجال أعمال صغار". لكن هذه الشريحة بعضها لا يمكن اعتباره حتى من رجال الأعمال الصغار استنادا إلى أنه أحد أبناء العائلات الكبرى بالريف، أو سمسار عقارات وخلافه. كما أن حدودهم المالية متدنية جدًّا بمعيار الثروة أو معيار إدارة الأعمال اللذين هما المعياران الأساسيان لتمييز رجل الأعمال.

بين المصلحة الذاتية والمكانة

وقد دخل هؤلاء الأخيرون المجلس - بخلاف كبار رجال الأعمال - لواحد من هدفين، أولهما تحقيق بعض المصالح الشخصية الاقتصادية، وثانيهما الحصول على مكانة اجتماعية. ولا يمكن إنكار المكانة، أو "البرستيج" كما تسمى بين العامة، وبخاصة إذا ما اقترن هذا الوضع الاجتماعي السياسي بمكاسب اقتصادية تأتي من خلال البقاء بالقرب من دوائر صنع القرار، مما ييسر لهم الحصول على بعض الموافقات اللازمة لإنجاز أعمالهم، وكذا وضعهم في دائرة الضوء السياسي التي تتيح لهم الحصول على قدر أكبر من الاهتمام ومن المعونات الأجنبية الموجهة لمساعدة القطاع الخاص، وهو ما يدعم وضعهم الشخصي في مجتمع الأعمال الأعلى.

أداء رجال الأعمال في مجلس الشعب

ولعل دليل قصور الأدوار التشريعية والرقابية لرجال الأعمال في مجلس الشعب، يتمثل في عدم تقديم رجال الأعمال اقتراحًا بتشريع خلال الدورة التشريعية 95 – 2000م.

كما أن رجال الأعمال خلال الدورة الانعقادية 97/ 1998 قدموا 29 سؤالاً فقط، كان منها ثلاثة فقط حول قضايا اقتصادية، بنسبة 10.3%، في حين كانت الأسئلة الأكثر تدور حول وزارة الصحة والإسكان، التي حصلت على نسبة 14% من الأسئلة خلال نفس دورة الانعقاد، وأتى في المرتبة الثالثة المشتركة كل من الأسئلة المقدمة لوزارات القوى العاملة والهجرة 7%، والعدل 7%، وشؤون البيئة 7%، وجاء في المرتبة الرابعة، مشتركًا، كل من وزارات التجارة والتموين، والتربية والتعليم، والأوقاف، والشؤون الاجتماعية بنسبة 3.4% لكل منها.

وهذه الإحصائية البسيطة خلال دورة انعقاد واحدة تشير إلى ضعف فاعلية الأداء الرقابي الاقتصادي، فضلاً عن ضعف المبادرات التشريعية لرجال الأعمال بمجلس الشعب. وهو ما يؤكد أن دوافع وجودهم في مجلس الشعب المصري ليست قومية في المقام الأول.

لكن المبادرات بالوظائف التشريعية شيء والمشاركة في المناقشة البرلمانية شيء آخر، فقد بلغت نسبة مشاركة رجال الأعمال في مناقشة قانون التصالح في المنازعات الضريبية نسبة 22% إلى إجمالي المشاركين في هذه المناقشات، بواقع 7 أعضاء من إجمالي 32 عضوًا. وبلغت نسبة مشاركتهم في مناقشات القانون الخاص بإعفاء الطائرات المدنية والمعدات وقطع الغيار اللازمة لها من الضريبة العامة على المبيعات حوالي 15.3% بواقع 4 مناقشات لرجال الأعمال من إجمالي 26 عضوًا، وبلغت نسبتهم 33.3% من إجمالي الأعضاء الذين ناقشوا مشروع قانون الشركات المساهمة وشركات التوصية.. إلخ. وقد بلغ متوسط مناقشاتهم لمشروعات القوانين الاقتصادية 23.5% من إجمالي مناقشي هذه المشروعات، بواقع متوسط 4 رجال أعمال لكل قانون.

وفي هذا الإطار نلاحظ أن مشاركة 4 أعضاء من أصل 37 عضوًا، بنسبة 10.8% فقط من رجال الأعمال رقم ضئيل، يسهم في تعزيز المقولة النافية لوجود رغبة قومية في مباشرة رجال الأعمال لدور قومي، وأن سعيهم لعضوية المجلس، هو سعي لمنافع شخصية، تبدأ بالمكانة، وتنتهي بالقرب الشخصي من دوائر صنع القرار وسهولة الحصول على توقيعات الوزراء والاقتراب من عملية توزيع المعونات الموجهة لدعم دور القطاع الخاص.

ويفسر ضعف اهتمام رجال الأعمال بالعمل التشريعي بعاملين هما ضعف ثقتهم بجدية هذا العمل من ناحية، ومن الناحية الأخرى، تأكدهم من صدق توجه الدولة نحو الانفتاح والاندماج في الاقتصاد العالمي القائم على نظام السوق، وهو ما يعني أن مشروعات القوانين التي تتقدم بها الدولة في هذا السياق لن تكون إلا لصالحهم.

حقيقة الدور الاجتماعي لرجال الأعمال

يحاول بعض الباحثين تفسير قيام بعض رجال الأعمال المرشحين للانتخابات بأدوار اجتماعية في دوائرهم، وتشجيع الدولة لدمجهم في الحياة السياسية والاجتماعية، لا باعتباره ظاهرة سياسية، بل رغبة في تعميق الدور الاجتماعي لرجال الأعمال الكبار من خلال وضعهم في منصب سياسي ذي مرجعية اجتماعية.

ويدعم هذا المنطق ما تحاوله الدولة من التحكم بالعملية السياسية وضبطها في إطار تمسك الدولة بتحقيق أحد مبادئ ثورة 23 يوليو (1952م) المتمثل في القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم. ومنطق الدولة في هذا الإطار ليس التحقيق المجرد لمبدأ الثورة المذكور، بل الحفاظ على استقرار النخبة الحاكمة بعيدًا عن سيطرة رجال الأعمال، ولتفادي إهمال أوضاع الفقراء على نحو يتسبب في حدوث هبات اجتماعية قد تعصف بمناخ الاستقرار الجاذب للاستثمارات الأجنبية، وهو ما يعني الإضرار برجال الأعمال أنفسهم، فضلاً عن الإضرار بالأوضاع الاقتصادية للدولة.

وهذا الوضع، أي تلك المسافة التي تحرص الدولة على وجودها بين رجال الأعمال والسياسة المباشرة اتجاه عام وسائد في جُلّ دول العالم، فالدولة المعبرة عن شريحة اجتماعية معينة - وكذا الأحزاب - وجماعات الضغط القوية كاتحادات العمال لا تربط نفسها بالشرائح التي تعبر عنها، فحزب العمال البريطاني في ثوبه الجديد حرص على إبعاد المسافة بينه وبين نقابات العمال لإعلاء مصلحة بريطانيا فوق المصالح العمالية "ضيقة الأفق"، كما أن النقابات العمالية في الدول النامية - بصفة عامة - تعمل على مكافحة ضغوط العمال لزيادة أجورهم بهدف الحفاظ على مستوى أسعار منتجات هذه الدول منخفضًا، مما يعزز قدرتها التنافسية. وكذا يمكن القول بالنسبة لعلاقة الدولة المصرية برجال الأعمال المصريين.

ونظرًا إلى أن رجال الأعمال يدركون مدى قوتهم مقارنة بالقوة الباطشة للدولة، فإنهم يرتضون أن تقوم الدولة بتوظيفهم في هذا الإطار، ويتحملون الفجوة القائمة بين تطلعاتهم وتصورات الدولة للإصلاح الاقتصادي، مقابل ما يحققونه من مصالح وأرباح لا يمكن أن تتوفر في ظل علاقة مضطربة بالنظام الحاكم.

الممارسة السياسية الحقيقية لرجال الأعمال

وإذا كانت علاقة رجال الأعمال بالانتخابات لا تمثل حقيقة علاقتهم بالسياسة، فإنه يمكن القول إن السياسة الحقيقية التي يمارسها رجال الأعمال تتم عبر مؤسسات متعددة، بعضها تنفيذي مثل المجلس الرئاسي المصري الأمريكي، وغرفة التجارة الأمريكية، وغرفة التجارة الألمانية، واتحاد الصناعات، واتحاد الغرف التجارية، وبعضها استشاري مثل المجلس الأعلى للتصدير.. إلخ. ويتولى بعض رجال الأعمال مهام في السياسة الخارجية . ويكاد يحتكر هذه الأدوار التنفيذية والاستشارية من يطلق عليهم "مجموعة السبع والعشرين الكبار"-وهم المجموعة الأكثر قربا من السلطة العليا.

ومن ناحية أخرى، باعتبار أن الممارسة السياسية لرجال الأعمال تتجلى أكثر على الصعيد التنفيذي، فإن الدولة تستخدم رجال الأعمال كأداة دبلوماسية، سواء على صعيد الصراع العربي - الإسرائيلي، المتمثلة في مؤتمرات "مينا" الخاصة بشمال أفريقيا والشرق الأوسط، أو على صعيد دبلوماسية التنسيق الجنوبية لمقاومة الضغوط السلبية للعولمة عبر مجموعات الثماني الإسلامية أو مجموعة الخمس عشرة.. إلخ، حيث تعتمد الدولة على قيادة رجال الأعمال للتفاعلات الاقتصادية البينية بين هذه الدول لإكسابها قوة الدفع اللازمة.

والحقيقة أن اعتماد الدولة على رجال الأعمال في إدارة التفاعلات الاقتصادية الدولية أدى إلى ظهور ما يسمى "بدبلوماسية رجال الأعمال"، وهو نوع من إشراكهم في المهام الدبلوماسية التنموية اعتمادا على حافز الربح الموجود لديهم، ويقبله رجال الأعمال لأنه يحقق لهم أرباحا بالفعل، ويدعم ارتباطاتهم بالدولة. ومن ذلك محاولة الدبلوماسية العربية تعديل أولويات إسرائيل باتجاه التسوية من خلال الإغراء بمزايا التعاون الاقتصادي عن طريق رجال الأعمال الذين ينشطون في المؤتمرات الاقتصادية الإقليمية، وبعثات "طرق الأبواب" التي تتوجه سنويا إلى الولايات المتحدة ولا تتكون إلا من رجال الأعمال المصريين.