المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علم النفس الشرعي والإقرار الكاذب



امانى احمد
05-07-2010, 10:20 PM
علم النفس الشرعي والإقرار الكاذب
علم النفس الشرعي والإقرار الكاذب
في ذات مساء انفجر موقد كؤل (غَوْل) كان على مائدة الطعام وكانت ابنتي الصغيرة على كرسيها بالقرب من تلك المائدة، فحضرت مسرعًا للغرفة على أثر الضجة فوجدت طفلتي في حالة خوف شديد وذعر، واجمة ساكنة لا تبدي حراكًا، فأدركت أنها في شبه صدمة عصبية وقد راعني منظرها وشحوب لونها فأسرعت بنقل الموقد إلى بلاط الغرفة ثم حولت اهتمامي نحو ابنتي خشية أن يكون هذا الحادث سببًا في تعرضها لنوبات عصبية في مستقبل حياتها فحملتها وهي صامتة مختنقة بالتأثر لا تقوى على الكلام وأمرت الحاضرين بأن يتظاهروا بالسرور والتهليل طربًا حول الموقد المشتعل في أثناء إطفائه وذلك بغية أن أحول فكرها من حالة الرعب إلى حالة السرور، فكان ذلك وهدأ روعها نوعًا ولكنها كانت خائرة القوى ومالت برأسها على ذراعي كما لو كانت في سكرة النعاس ولكن عينيها ظلتا مفتوحتين وشاهدت سوادهما يغيب بين لحظة وأخرى تحت الأجفان كأنها في حلم ثم تنبهت في الحال إلى أنها وقعت في غيبوبة تشبه غيبوبة التنويم (المغناطيسي) في أدواره الأولى كل الشبه، ولاحظت عليها قابلية شديدة للتأثر بالإيحاء واستعدادًا عظيمًا للإقناع فألفيت الفرصة سانحة لإجراء بعض التجارب واختبار مبلغ تأثر قواها العقلية وهي في هذه الحالة النفسية، فبدأت تجاربي بإصدار بعض الأوامر إليها قاصدًا بها تحويل انتباهها أولاً من حالة الخوف والرعب إلى حالة الطمأنينة والسرور فأمرتها بأن تبتسم فابتسمت مع شيء من التكلف وما لبثت قليلاً حتى انقلب ابتسامها المصطنع انشراحًا حقيقيًا بتأثير الإيحاء المستمر، ثم بدأت الشق الثاني من التجارب بإصدار عدة أوامر إليها متتالية تعمدت التناقض في بعضها لأختبر مبلغ خضوعها واستعداد عقلها للتأثر بالإيحاء Suggestion فأطاعتني فيها جميعًا طاعة عمياء رغم ما عهدته فيها من صلابة وعناد، فلو قلت لها قطبي جبينك قطبته وظلت مقطبة الجبين، وإن قلت لها ابتسمي ابتسمت، وإن أمرتها أن لا تدع أحدًا يقبلها وأردت تقبيلها صدتني عنها بكلتا يديها، وإن أفهمتها أن الأمر لا يشملني ألفيتها في الحال تجذب رأسي إليها لكي أقبلها وإن طلبت منها أن تغمض عينيها أطاعت وإن قلت لها افتحيهما فعلت وهلم جرا إلى أن ختمت تجاربي ببعض النصائح النافعة وأمرتها في آخر الأمر أن تنام نومًا هادئًا مستغرقًا فلم تمضِ برهة وجيزة حتى نامت فوضعتها في فراشها ولكنها في منتصف الليل اعترتها نوبة (تيقظ نومي)Somnumbulism فألفيتها جالسة في سريرها تهذي وتتكلم وتنادي بصوت عالٍ وهي غارقة في النوم فوقفت على مقربة من مخدعها وأمرتها أن تنام وتكف عن الكلام وكررت الأمر ثلاث مرات متتاليات فأطاعت ونامت نومًا هادئًا مستغرقًا حتى الصباح.
خرجت من هذه المشاهدة مقتنعًا كل الاقتناع باحتمال وقوع الإنسان بتأثير الخوف في شبه حالة تنويم وأن هذه التجربة التافهة التي أجريتها مع طفلة لم تتجاوز الحول الثالث من عمرها يمكن أن نعتبرها نموذجًا صغيرًا يدلنا على ما لحالة الرعب والفزع من التأثير في العقل البشري وكيف ينتقل ذلك العقل ويتحول من حالة الصلابة والعناد المعروفة عن ابنتي الصغيرة إلى حالة الخضوع التام والطاعة العمياء لكل ما يلقى من الأوامر أو لكل ما يبث إليها بطريق الإيحاء، فالتجربة على تفاهتها في الظاهر تدلنا على مبلغ خطورة الأمر في الواقع وما يترتب عليه من النتائج الجسام في الحياة العملية للإنسان كما يظهر للقارئ من المثال الآتي وهو حادث واقعي حصل في الولايات المتحدة منذ عهد غير بعيد رواه الأستاذ هوجو منستر برج أستاذ علم النفس بجامعة هارفارد بأمريكا في كتابه (فوق منصة الشهادة) On the Witness Stand وملخصه (أن فتاة قُتلت وعثر رجال الشرطة على جثتها في الطريق ووقعت الشبهة على شاب كان له بها اتصال قديم فاستدعاه المحققون إلى غرفة التحقيق حيث توجد جثة الفتاة وكشفوا له عنها الغطاء، فبدا وجهها الشاحب المخضب بالدماء وباغتوه على الفور بسؤالهم عنها (أين رأيتها) فخر الفتى جاثيًا على ركبتيه، ثم وضع كفيه على وجهه ليحجب رؤيتها عن ناظريه، غير أن المحققين جذبوه بغلظة نحو جثة الفتاة، وأمروه أن يضع يمناه فوق جبينها البارد، فأطاع كرهًا وقسرًا، ولكنه لم يلبث أن سحب يده عن بدنها مقشعرًا، وسرعان ما جروه عنوة إليها، وأرغموه أن يضع يده ثانيةً عليها، وفي خلال ذلك أطلقوا عليه السؤال تلو السؤال حتى أصابوا من عزمه مقتلاً ومن إرادته مصرعًا فخر صريعًا منهوك القوى واعترف بقتلها في الحال، وهو شارد الفكر مضطرب البال، وأطاع المحققين في كل ما طلبوا منه الإقرار به بل وابتدع له الأسباب وانتحل المعاذير وأضاف من بنات أفكاره إلى الوقائع بعض التفاصيل وبناءً على هذا الإقرار الصريح قدم الفتى إلى المحاكمة، وبعد ذلك شاءت الأقدار أن يكشف الغطاء عن سر إقراره الغريب وظهرت لهيئة القضاء براءته بأجلى بيان إذا اتضح أنه لم يعترف إلا بتأثير صدمة عصبية أصابته من جراء الرعب الشديد، تركته في شبه حالة تنويم، فأضحى عقله المضطرب سهل الاقتناع شديد التأثر بفعل الإيحاء والتغرير، فاعترف متأثرًا بما أوحي به إليه في خلال الاستجواب واتهم نفسه ظلمًا معتقدًا في نفسه الإجرام وهو بريء).
لا شك أن الخوف معروف علمًا وعملاً بأنه من أقوى العوامل التي تؤثر في العقل السليم وتوقعه أحيانًا في شبه حالة (تنويم) فيصبح شديد التأثر بالإيحاء وذلك بسبب ما يترتب على الحادث المزعج من اجتذاب انتباه الشخص إليه وحصر ذهنه فيه فتشل الإرادة وتصبح في حالة خضوع تام وهو ما يمكن أن تعلل به رؤية الشخص الخائف المنزعج لكثير من الخيالات والأشباح الوهمية، فإن صور بعض المرئيات تتجسم أمام عينيه فتبدو له كأنها عفاريت أو مردة أو شياطين أو وحوش ضارية أو أفاعٍ أو ثعابين وغير ذلك مما يكون متسلطًا على خيال الشخص المنزعج من الأوهام وما توحي به أشكال المرئيات وأوضاعها من الصور حتى لو كانت هذه ناقصة أكملها الفكر المتأثر المضطرب بما شحنت به الذاكرة من الخزعبلات وما تزوده العقل قديمًا من الخرافات فتبدو له كأنها صور حقيقية (وهو نوع من أنواع الإيحاء الذاتي) Auto - Suggestion نظرًا لما يحدثه الخوف من تهيئة العقل وجعله في حالة استعداد تام وقابلية شديدة لهذه الظاهرة النفسية وما ذلك إلا بسبب انحصار انتباه الشخص في الشبح المخيف وما أصدق المثل العامي (اللي يخاف من العفريت يطلع له) فإنه حقيقة دلت عليها التجربة وأيدها العلم الصحيح، فالعفريت يظهر لمن يعتقد وجوده ويخشاه ولكن ظهوره لا يكون إلا في مخيلة الخائف دون سواه.