المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدى احترام حقوق الدفاع خلال سير الدعوى التأديبية



البريتور
03-04-2010, 03:43 PM
مدى احترام حقوق الدفاع خلال سير الدعوى التأديبية


الخطة

المقدمة
المبحث الأول : مجال تطبيق مبدأ حقوق الدفاع
المطلب الأول : عند تحريك الدعوى التأديبية
الفرع الأول : حق تبليغ الموظف بتاريخ مثوله أمام مجلس التأديب
الفرع الثاني : حق الاطلاع على الملف التأديبي
المطلب الثاني : أمام مجلس التأديب
الفرع الأول : حرية الدفاع
الفرع الثاني : حق الاستعانة بمدافع
الفرع الثالث : حق الاستعانة بشهود
المبحث الثاني : حدود مبدأ حقوق الدفاع و النتائج المترتبة عن عدم احترامه
المطلب الأول : حدود إعمال مبدأ حقوق الدفاع
الفرع الأول : تعذر تطبيق المبدأ لأسباب ترجع للموظف
الفرع الثاني : تعذر تطبيق المبدأ لظروف استثنائية
المطلب الثاني : النتائج المترتبة عن عدم احترام مبدأ حقوق الدفاع
الفرع الأول : الطعن الاداري
الفرع الثاني : الطعن القضائي
الخاتمة

البريتور
03-04-2010, 03:45 PM
لمقدمة
حاول المشرع عند وضعه للقانون الأساسي للوظيفة العامة وما تبعه من قوانين وتنظيمات في هذا المجال خلق نوع من التوازن بين التزامات وحقوق كل من الإدارة والموظف العام طوال فترة العلاقة الوظيفية بداية من التوظيف أو التعيين وصولا إلى انتهاء العلاقة وفك الرابطة الوظيفية بالطرق العادية أو غير العادية .
ويظهر ذلك جليا في المنازعات التي قد تحدث بين الطرفين في المجال التأديبي حيث تملك الإدارة سلطة تأديب الموظف العام كلما ارتكب مخالفة أو خطا أيا كانت درجته وبالمقابل نجد أن المشرع قد أعطى لهذا الأخير ضمانات عدة في مواجهة سلطات الإدارة ولعل أهمها مبدأ حقوق الدفاع الذي يمارسه خلال سير الدعوى التأديبية سواء عند تحريك الدعوى أو أثناء مثوله أمام اللجنة المتساوية الأعضاء المنعقدة كمجلس تأديب .
وهو مبدأ مستقر عليه في مختلف الأنظمة التأديبية الإدارية منها وشبه القضائية وكذا القضائية فهو مبدأ عام يمس جميع المجالات عكس الاعتقاد الذي كان سائدا باقتصار أعماله على الميدان الجزائي فقط وذلك لتوفير ضمانات للمتهم أمام المحكمة و حتى قبل ذلك أي خلال مرحلة التحقيق لكن هذا لا يمنع من تعميم المبدأ ليشمل مجالات أخرى إلى جانب المجال الجزائي الذي يعد المنشأ الأصلي لهذا الحق .
وهو ما قامت به التشريعات الحديثة حيث عممت استعماله ليشمل عدة مجالات منها المجال التأديبي حيث أصبح يطبق في مواجهة الإدارة حتى في حالة عدم وجود دعوى قضائية خاصة مع النفوذ والسلطة التي تمتعت بهما هذه الأخيرة مع نهاية القرن 19م وبداية القرن 20م الأمر الذي استدعى توفير حماية أكبر للموظف.
وقد تضمنته مختلف دساتير الدول وحتى المواثيق الدولية منها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.ويرجع الفضل في تبني هذا المبدأ في المواد التأديبية إلى القضاء الفرنسي وذلك في قضية " فضيحة البطاقات" ونتيجة لتأثير النقابات والمنظمات المهنية ووصول أغلبية اشتراكية للبرلمان صوت هذا الأخير على المادة 65 من قانون 22/04/1905 التي كرست حقوق الدفاع لأعوان السلطة العمومية ثم امتد العمل به إلى العسكريين فيما بعد.
ويتفرع عن هذا المبدأ عدة حقوق فرعية, فما هي هذه الحقوق ؟ وما مدى إعمالها أثناء سير الدعوى التأديبية في الجزائر؟ وما مدى احترام الجهات الإدارية لهذه الحقوق ؟ وما هي حدودها ؟ وما هي النتائج المترتبة عن خرقها؟
كلها إشكالات حاولنا الإجابة عنها معتمدين على الدراسات السابقة في هذا المجال والتي كانت قليلة جدا إن لم نقل منعدمة خاصة المراجع الجزائرية التي حتى وان وجدت فتناولها لهذا المبدأ جاء جد مقتضب لذلك استعنا باجتهادات مجلس الدولة الفرنسي و هي كثيرة في هذا المجال ولا تكاد تختلف عما هو معمول به في الجزائر مستعملين في ذلك المنهج التحليلي الوصفي مع الاستعانة بالمنهج المقارن عند التطرق لنظام التأديب في مصر والأردن. و قد قسمنا بحثنا هذا إلى مبحثين تناولنا في الأول مجال تطبيق مبدا حقوق الدفاع سواء عند تحريك الدعوى التأديبية أو عند المثول أمام مجلس التأديب, في حين خصصنا المبحث الثاني لحدود إعمال هذا المبدأ و النتائج المترتبة عن عدم احترامه.


المبحث الأول: مجال تطبيق مبدأ حقوق الدفاع
المطلب الأول: عند تحريك الدعوى التأديبية
الفرع الأول: حق تبليغ المتهم بتاريخ مثوله أمام مجلس التأديب


من بين أهم الإجراءات التي يجب على الجهة المختصة بالتأديب القيام بها قبل توقيع العقوبة هي إخطار الموظف بإحالته على مجلس التأديب و ذلك عن طريق توجيه استدعاء للمعني للمثول أمام المجلس على أن يتضمن هذا الاستدعاء ذكر المخالفات المنسوبة للموظف و التي تستوجب مثوله أمام مجلس التأديب مع تذكيره بالضمانات القانونية الممنوحة له([1]) و هي حقه في الإطلاع على ملفه التأديبي بمجرد الشروع في إجراءات الدعوى التأديبية و حقه في الاستعانة بمدافع للدفاع عنه والذي له الحق بدوره في الإطلاع علىهذا الملف.
- و كذا بحقه في تقديم أي نوع من التوضيحات أمام المجلس التأديبي سواء كانت شفوية أو كتابية إضافة إلى إمكانية الاستعانة بشهود إذا تطلب الأمر ذلك([2]).
و قصد تسهيل ممارسة هذا الحق لم يشترط مجلس الدولة الفرنسي شكلا معينا لإخطار الموظف بما هو منسوب إليه من مخالفات فالمهم حسبه أن يتمكن من معرفة المخالفات المنسوبة إليه و تحضير دفاعه و لا تهم الطريقة المستعملة لذلك, و لكن بالمقابل يقع عبء إثبات التبليغ على الإدارة([3]).
- و قد تجاوز المشرع الجزائري الانتقادات التي وجهت إلى مجلس الدولة الفرنسي لكونه لم يحدد وسيلة التبليغ الأمر الذي تسبب في تعطيل سير الإجراءات و بطئها و ذلك بتحديده لوسيلة الإخطار أو التبليغ و هي البرقية الموصى عليها التي تسلم إلى رئيس المصلحة الذي يرسلها بدوره إلى الموظف الذي يتوجب عليه التوقيع على وصل تسلمه للإشعار بالحضور في التاريخ و المكان المحددين لانعقاد المجلس التأديبي([4]) و قد تبنى المشرع المصري نفس الاتجاه.
و يجب أن يرسل هذا الاستدعاء في فترة معقولة ليتمكن خلالها الموظف من تحضير دفاعه([5]).
و في هذا الإطار نص المشرع الجزائري على أنه يجب تبليغ الموظف بتاريخ مثوله أمام مجلس التأديب بـ 15 يوما على الأقل قبل اجتماع المجلس([6]) بعد أن كانت هذه المدة أسبوع في التعليمة رقم 7 الصادرة سنة 1969 و المتعلقة بالإجراءات التأديبية.
و من هنا تبرز أهمية هذا الحق الممنوح أو المقرر للموظف لكونه يمكنه من ممارسة حق آخر متصل به و هو حقه في الإطلاع على ملفه التأديبي للتعرف أكثر على الأخطاء و المخالفات المنسوبة إليه و اتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها.
كما أن السلطة التأديبية ملزمة بتبليغ الموظف بكل مخالفة جديدة تنسب إليه حتى لا يتفاجأ بها يوم الجلسة و إلا تعرض قرارها التأديبي للإلغاء([7]).
و في حالة تسلم الموظف الاستدعاء أو التكليف بالحضور للمثول أمام المجلس التأديبي و منعه مرض أو أي ظرف آخر من الحضور فيمكنه أن يطلب من الإدارة تأجيل الجلسة لكن ليس لفترة طويلة.
أما إذا تم التبليغ بشكل قانوني و لم يقدم الموظف للإدارة الأسباب التي منعته من الحضور و في نفس الوقت لم يطلب تأجيل الجلسة فإن الإجراءات تتواصل بشكل عادي و لا تكون مشوبة بأي عيب و يمكن للمجلس أن ينعقد في غيابه و لا يعد إجراؤه هذا غير قانوني([8]).
كما أن الإدارة لا تكون ملزمة بإعمال هذا المبدأ في حالة تخلي الموظف عن منصبه بصورة غير شرعية.


الفرع الثاني: حق الإطلاع على الملف التأديبي


و هو مبدأ عام تلتزم به الإدارة حتى و إن لم ينص عليه المشرع صراحة في القوانين المتعلقة بالمواد التأديبية للموظفين المعنيين([9]).
و يتم إعماله بتمكين الموظف المعني من الإطلاع على ملفه التأديبي و الوثائق الملحقة به و التي لها علاقة بقضيته ليعلم أسباب متابعته بوضوح حتى يتمكن من تقديم بياناته و شهوده التي تثبت براءته مما نسب إليه([10]).
و قد نص عليه المشرع الجزائري صراحة في المواد 64 من الأمر 66-133 المتضمن القانون الأساسي للوظيفة العامة و المادة 129 من المرسوم 85/59 المتضمن القانون الأساسي النموذجي لعمال المؤسسات و الإدارات العمومية و كذا المادة 65/2 من المرسوم رقم 82-302 المتعلق بكيفيات تطبيق الأحكام التشريعية الخاصة بعلاقات العمل.
و غيرها من القوانين و التنظيمات التي كرست هذا المبدأ في مختلف القطاعات و لدى جميع الفئات كالقضاة حيث نصت المادة 97 من قانون الإجراءات القضائية على حق القاضي في الإطلاع على ملفه التأديبي كضمانة من الضمانات التأديبية المقررة له([11]) و كمبدأ عام يستفيد من الإطلاع المسبق على الملف التأديبي كل شخص له علاقة بالمصلحة أي كل من يعمل في الوظيفة الإدارية سواء كانوا متربصين أو مرسمين, متعاقدين أو دائمين حتى الموظفين المؤقتين([12]).
و قد أقرت الأحكام القضائية أنه يمكن للإدارة المبادرة و إطلاع الموظف المعني عل ملفه التأديبي لكنها ليست ملزمة بذلك لأن طلب الإطلاع مقرر للموظف و إذا لم يستعمله فالإدارة تتحلل منه آليا([13]) بشرط أن تكون قد أعلمته بحقه هذا في برقية الاستدعاء للمثول أمام مجلس التأديب.
و يجب أن يتم الإطلاع على الملف و جميع الوثائق الملحقة داخل الإدارة([14]) فكقاعدة عامة لا يمكن إخراج الملف من الإدارة فالإطلاع يكون في المكان الموجود فيه الملف أصلا. و لكن هناك استثنائين على هذه القاعدة أقرهما مجلس الدولة الفرنسي و هما:
- حالة الموظف المقيم بالخارج الذي منعته الظروف من الإطلاع على الملف في الإدارة, يجب على هذه الأخيرة تمكينه من حقه في الإطلاع على الملف في القنصلية الفرنسية الموجود في مكان إقامته بالخارج.
- حالة الموظف الذي يقضي فترة عقوبة داخل السجن حيث يمكن له الإطلاع على ملفه التأديبي في مكان حبسه([15]).
و فيما عدا هاذين الاستثناءين الإطلاع على الملف لا يتم إلا داخل الإدارة.
إلى جانب الموظف يمكن للمدافع الذي يمثله الإطلاع بدوره على الملف التأديبي إذا سمح له الموظف بذلك على اعتبار أنه يمثل هذا الأخير و يساعده على تقديم دفاعه.
و تطبيق مبدأ حق الموظف في الإطلاع على الملف التأديبي ليس مطلقا فقد قرر مجلس الدولة الفرنسي كاستثناء عن المبدأ العام عدم السماح للموظف أو محاميه بالإطلاع على الوثائق المرفقة بالملف التأديبي و التي من المفروض أن يطلعوا عليها متى تعلقت هذه الوثائق بأمن الدولة أين يتم الفصل في القضية دون تمكين الموظف أو محاميه من الإطلاع على الملف([16]).
كما منع مجلس الدولة الموظف من الحصول على نسخة من ملفه التأديبي, فالإطلاع يكون سريا و من ثمة لا يمكن استعماله في منازعة أجنبية عن المجال التأديبي أو عن مجال الإجراءات التأديبية([17]) و قد سمحت التعليمة 7 المتعلقة بالإجراءات التأديبية للموظف أو من يمثله بالإطلاع على الملف التأديبي دون إمكانية الحصول على نسخة من الوثائق التي يحتويها متبعا في ذلك منهج القضاء الفرنسي و ذلك خلاف لما هو معمول به في بلدان المشرق كمصر و الأردن أين يسمح للموظف أو من يمثله بالإطلاع على أوراق التحقيق مع إمكانية استنساخ صور منه
و هذا الإجراء مقيد في الأردن بطلب الإذن من رئيس مجلس التأديب مع عدم السماح به إذا كانت أوراق التحقيق سرية([18]).
فالمشرع الجزائري أعطى للموظف حق الإطلاع على ملفه التأديبي و حتى الحق في أخذ ملاحظات منه لتساعده هو أو من اختاره كمدافع لتحضير دفاعه على أن لا يتجاوز هذا الحق إلى استنساخ وثائق الملف و هو ما من شأنه تشكيل حاجز أمام الموظف, الأمر الذي قد يؤدي إلى تضييق مجال ممارسته لحق الدفاع المقرر له قانونا من طرف المشرع في حد ذاته لذا يجب تجاوز هذا النقص و منح مساحة أوسع للموظف لممارسة حقوقه.
يجب على الإدارة أن تترك للمعني أو من يمثله مدة كافية للإطلاع على الملف([19]) و في غياب التحديد القانوني لهذه المدة نجد في فرنسا أن الاجتهاد القضائي قد حددها بـ 48 ساعة كحد أدنى يمكن خلالها أن يقوم الموظف بجمع الأدلة و تقديم ملاحظاته حتى لو كان الملف مختصرا و لا يمكن للإدارة التملص من تطبيق المبدأ بالاحتجاج بغياب أو ضياع الملف لأنها في هذه الحالة ملزمة بتقديم الأسباب التي تستوجب مثول الموظف أمام مجلس التأديب حتى في غياب الملف و بالمقابل الخطأ في الترقيم أو التسجيل أو الترتيب في مكونات الملف لا يؤدي إلى بطلان إجراءات التأديب([20]).
و في نفس الإطار اعتبر مجلس الدولة إطلاع الموظف على وثيقة جديدة و مهمة يوم الجلسة المخصصة لقضيته خرقا لحق الدفاع مما يبطل كل الإجراءات و يعرض القرار الذي قد يصدره المجلس للإلغاء, بينما لا تبطل الإجراءات إذا كانت الوثيقة المعروضة لا تحمل عناصر جديدة([21]) قد تؤثر على مراكز الخصوم.
و لم ينص المشرع الجزائري بدوره على المهلة الممنوحة للموظف أو من يمثله للإطلاع على الملف أسوة بالمشرع الفرنسي, لكن قانون الإجراءات القضائية في المادة 97 منه أعطى للقاضي حق الإطلاع على ملفه التأديبي قبل 3 أيام على الأقل من يوم انعقاد جلسة المجلس الأعلى للقضاء المنعقد على شكل مجلس تأديب([22]) . و الإدارة ليست ملزمة بتمكين الموظف من الإطلاع على ملفه التأديبي فقط و إنما هي ملزمة كذلك بإعلامه بأنه يملك هذا الحق و ذلك كما رأينا من خلال الاستدعاء الذي ترسله له لإبلاغه بتاريخ جلسة التأديب و بالمخالفات المنسوبة إليه.


المطلب الثاني : أمام مجلس التأديب


إلى جانب الحقوق الممنوحة للموظف عند تحريك الدعوى التأديبية من حقه في التبليغ بتاريخ مثوله أمام مجلس التأديب وتبليغه بالتأجيل إن حصل وحقه في الإطلاع على ملفه التأديبي سواء بصفة شخصية أو عن طريق من يمثله.
وترجم المشرع حمايته للموظف من خلال الضمانات التي قررها له أثناء مثوله أمام مجلس التأديب والتي تتمثل أساسا في حقه في حرية الدفاع , والاستعانة بمدافع وكذا إمكانية إحضار الشهود.


الفرع الأول : حرية الدفاع


نص المشرع الجزائري في المادة 64 من المرسوم رقم 82-302 المتعلق بكيفيات تطبيق الأحكام التشريعية الخاصة بعلاقات العمل الفردية أنه لا يجوز اتخاذ قرار التأديب دون سماع المعني بذلك القرار فالإدارة ملزمة بإخطار الموظف بما نسب إليه من مخالفات حتى يتمكن من تنظيم دفاعه وجمع أدلته لرد هذا الاتهام.
ونفس الشيء بالنسبة للدول التي تأخذ بالنظام القضائي ([23]), في المواد التأديبية حيث تلزم السلطة التي تتولى التحقيق في المخالفات المنسوبة للموظف بتمكينه من إبداء دفاعه بخصوص هذه المخالفات و أي إخلال بهذا الحق يبطل التحقيق ([24]).
وحرية الدفاع تشمل حق الموظف في الدلاء بأقواله إما شفاهة أو كتابة حسب رغبته ([25]).
وفي نفس الإطار أباح القضاء المصري للموظف إمكانية الكذب في سبيل دفاعه عن نفسه وذلك إما بإنكار المخالفات المنسوبة إليه أو الإدلاء بأقوال غير صحيحة لإبعاد التهمة عنه.
و تقرير هذا الحق جاء كحماية للموظف لأنه في بعض الأحيان ما يبديه من أقوال أثناء التحقيق مثلا قد يستعمل ضده فيها بعد .
و الإقرار بالكذب ليس مطلقا فالموظف لا يلجأ إليه إلا إذا اقتضى الدفاع ذلك كما يجب أن يمارس بحسن نية بمعنى أن لا يستعمله الموظف لإبعاد التهمة عنه وإلصاقها بغيره رغم تيقنه من أنه بريء([26]).
كما يعاقب الموظف على إفراطه في الكذب كأن يستعمله قصد إحراج رؤسائه والإساءة إليهم فهو في هذه الحالة يكون قد أخل بواجباته الوظيفية ([27]).
والى جانب إباحة الكذب يمكن للموظف دائما وفي إطار دفاعه عن نفسه الصمت وعدم الإدلاء بأي أقوال دون أن يفسر ذلك الصمت ضده باعتباره اعتراف ضمني.
ولكنه بالمقابل بتصرفه هذا يكون قد ضيع حقه في الدفاع([28]), ولا يمكنه بعد ذلك الطعن في قرار المجلس التأديبي والدفع بأنه لم يمارس حقه في الدفاع لأن هذا الامتناع كان إراديا.
إضافة إلى كل تلك الحقوق الممنوحة للموظف أثناء إدلائه بأقواله أمام المجلس فالمشرع المصري منع تحليف اليمين للموظف سواء عند التحقيقات الإدارية أو أثناء المحاكمة التأديبية ([29])ونفس الشيء بالنسبة للمشرع الجزائري حيث لم تحتوي النصوص المتعلقة بالمجال التأديبي على إجراء تحليف اليمين لا للموظف ولا للشهود في حين أوجب المشرع المصري حلف اليمين بالنسبة للشهود عند مثولهم أمام المحكمة.

البريتور
03-04-2010, 03:46 PM
الفرع الثاني : حق الاستعانة بمدافع


في بعض الأحيان قد لا يكون لممارسة الموظف لحقه في الإطلاع على ملفه التأديبي ومعرفته بالمخالفات المنسوبة إليه جدوى إذا كان مستواه الثقافي بسيط بحيث يصعب عليه الإلمام بكل ما يحتويه كما يصعب عليه فهم ما يتضمنه من أدلة و وثائق ([30]).
لذا أجاز المشرع إمكانية استعانة الموظف بمدافع سواء كان محاميا أو نقابيا أو أي شخص آخر من اختياره ([31])
والاستعانة بنقابي يبدو الأكثر منطقية لمعرفة هذا الأخير الجيدة بأمور المهنة أو الوظيفة وإجراءاتها([32])
و حق الموظف في الاستعانة بمدافع يعد من أهم الضمانات الممنوحة له في مجال التأديب والمتفرعة عن حق الدفاع المخول له قانونا وهو اختياري يلجأ إليه الموظف كلما وجد فيه مصلحة.
في أغلب الأحيان يلجا الموظف إلى الاستعانة بمحام ليوضح له الأمور أكثر ولمساعدته على إثبات براءته ودحض الاتهامات المنسوبة إليه لما يملكه من خبرة ومعرفة بالمجال القانوني حيث يمكنه الإطلاع على الملف التأديبي للموظف وتفحص ما يحتويه من وثائق وأدلة لتحضير دفاعه وذلك كتحصيل حاصل لحق الموظف في الإطلاع والمحامي هنا يمثل الموظف.
ومبدأ الاستعانة بمدافع من إنشاء القضاء الفرنسي وتم تقنينه بموجب مرسوم 10 أفريل 1954([33]).
وبما أن هذا الحق مقرر كمبدأ عام فانه لا يمكن تقييده إلا بنص خاص. لأنه مقرر فقها , كما عكف القضاء على إعماله ولذلك لا يمكن أن يمنع الموظف من ممارسته إلا إذا قرر المشرع هذا بنص خاص.
و قد يفقد هذا الحق فاعليته إذا لم يكفل تطبيقه بشكل صحيح كأن يمنع المحامي من الإطلاع على الملف التأديبي للموظف و من ثمة إبداء ملاحظاته و دفاعه. و يعد باطلا كل قرار لا تراعى فيه هذه الشروط و الضمانات لإنقاصه من قيمة الحق الممنوح للموظف الشيء الذي يكون قد أثر في تقديمه لدفاعه.
و لكن من جهة أخرى يجب أن لا يستعمل هذا الحق كوسيلة لتعطيل السلطة التأديبية فإن رأت هذه الأخيرة أن دفاع المحامي يبتعد عن الموضوعية خلال عرضه لدفاعه فيجب إيقافه ([34]) و يمكن للمحامي أو المدافع بصفة عامة تمثيل الموظف في الجلسة التي ينظمها المجلس التأديبي لفحص حالته خاصة إذا كان محبوسا. كما يمكنه اخذ الكلمة أثناء الجلسة.
والسلطة الإدارية تخشى من مشاركة المدافع خاصة إذا كان محامي أو نقابي للدور الفعال الذي يلعبه و الذي قد يكون السبب الرئيسي في تغيير الأوضاع و الإجراءات ضد مصلحة الإدارة ([35]).
ففي مصر يمكن للمحامي حضور جلسات التحقيق مادام لا يوجد قانون يمنع ذلك خاصة إذا كان التأديب رئاسي أين تكون هذه السندات هي السند و الأساس الذي تعتمد عليه الإدارة عند توقيع العقوبة. فالمشرع المصري الذي تبنى النظام القضائي في المواد التأديبية لم يفرق بين حالتي التحقيق و المحاكمة في ممارسة هذا الحق خاصة
و أن العقوبة التي تسلطها الإدارة قد تتجاوز تلك التي قد تصدر عن المحكمة([36]) و هذا التفريق لا يوجد في الجزائر على اعتبار أن هناك جهة واحدة لها سلطة توقيع العقوبة و هي الإدارة مع وجوب استشارة اللجنة المتساوية الأعضاء المنعقدة كمجلس تأديب أو موافقتها عند توقيعها لعقوبة العزل([37]).
و لكن قد يطرح الإشكال في درجة العقوبة في حد ذاتها لأن المشرع الجزائري قسم العقوبات إلى عقوبات من الدرجة الأولى و عقوبات من الدرجة الثانية و أخرى من الدرجة الثالثة و لكنه بالمقابل لم ينص على حق الموظف في الاستعانة بمدافع إلا في الأخطاء التي تستوجب عقوبات من الدرجة الثالثة أين يمثل الموظف أمام مجلس التأديب.
في حين لا نجد ذكرا لهذا الحق إذا تعلق الأمر بعقوبات من الدرجة الأولى و الدرجة الثانية التي توقعها الإدارة بصورة مباشرة دون تدخل اللجنة المتساوية الأعضاء و هو ما يدفعنا إلى الاستفسار عن سبب هذا التفريق و ما المانع من ممارسة الموظف لهذا الحق كلما تعرض لعقوبة من الجهات الإدارية مهما بلغت درجتها و مهما اختلفت إجراءاتها كما فعل المشرع المصري و هذا بهدف تطبيق أفضل للضمانات التي يتمتع بها الموظف و التي قررها له المشرع لحمايته من تسلط الإدارة و الاستعانة بمحام فيه مصلحة و فائدة لجميع الأطراف سواء الموظف
أو الإدارة أو حتى الجهات القضائية في الدول التي تأخذ بالنظام القضائي و من ثمة فهو من جهة يمكن الموظف من الدفاع عن نفسه خاصة إذا كانت ظروفه تجعله عاجزا عن القيام بذلك بصفة شخصية مما قد يجنبه التورط في أخطاء لم يرتكبها.
و من جهة أخرى يساعد الجهات الإدارية على تبين الحقيقة في مرحلة التحقيق بالنسبة للدول التي تتبنى النظام القضائي و من ثمة تبرئة الموظف أو توقيع عقوبة خفيفة على أكبر تقدير مما سيوفر الجهد و الوقت و حتى المال على الطرفين لو أن هذه القضية حولت إلى المحكمة التأديبية([38]) التي لربما كانت ستصل إلى نفس النتائج و لكن في وقت أطول و بجهد أكبر و ضرر أكثر.
و قد امتد هذا الحق إلى القضاة فمن بين الضمانات الممنوحة للقاضي أثناء محاكمته تأديبيا هي حقه في الاستعانة بمدافع و هو ما نصت عليه المادة 96 من قانون الإجراءات القضائية([39]).و الهدف من تقرير حق الاستعانة بمدافع للموظف هو محاولة خلق توازن بين الوسائل التي تملكها سلطة التأديب في مواجهة هذا الموظف و بين حق هذا الأخير في الدفاع عن نفسه أصالة أو عن طريق الاستعانة بشخص له كفاءات و خبرة في المجال القانوني و الوظيفي.

البريتور
03-04-2010, 03:46 PM
الفرع الثالث: حق الاستعانة بشهود


يحق للموظف الاستعانة بمن يريد من الأشخاص كشهود لإثبات براءته و تأكيد ما يدعيه من أمور. و لا يشترط في الشاهد أن يكون موظفا و يشترط المشرع المصري عند تأديته للشهادة حلف اليمين عكس الموظف الذي لا يحلف اليمين عند مثوله أمام المحكمة([40]) بل و أبيح له حتى الكذب كما سبق و أن رأينا. في حين يؤدي الشهود اليمين أمام المحكمة, و يمكن للموظف أن يستعين إما بشهود وقائع أي بأشخاص لهم دراية أو علاقة بالواقعة التي تسببت في مثوله أمام مجلس التأديب أو شهود سلوك و أخلاق ([41]) أي يمكنه الاستعانة بكل شخص من شأنه تبرئته من كل شك في أخلاقه و سلوكه
و التي ستؤخذ حتما بعين الاعتبار من طرف المجلس عند تقريره للعقوبة و يتم سماع الشهود في حضور الموظف المعني و يمكنهم الإدلاء بشهادتهم شفاهيا أو كتابيا و المحقق حر في اختيار الشهود الذين يريد سماعهم([42]).
و لا تتقيد المحكمة في النظام القضائي في تكوين رأيها حول القضية بعدد معين من الشهود و إنما الأمر متروك للسلطة التقديرية للقاضي لأن كثرة الشهود قد تضلل المحكمة لتبرئة الموظف بكثرة طلب الشهود لذلك نجد أن المجلس لا يلبي هذه الطلبات في بعض الحالات خاصة تلك التي تكون فيها مخالفة أو خطأ الموظف واضح. إضافة إلى أن الشهود ليسوا الوسيلة الوحيدة للإثبات أمام المحكمة([43]).
و يمنع رئيس المجلس من التحدث مع أي شاهد من الشهود في الفترة الممتدة بين إقفال النزاع و المداولة و يعتبرها القاضي مخالفة خطيرة و اعتداء على حق الدفاع و استقلالية اللجنة أو المجلس([44]), لأن من شأن ذلك التأثير على قراره.
إضافة إلى هذا هناك شهادات لا يمكن الأخذ بها إلا إذا اطلع عليها الموظف المعني أو مدافعه في المجلس سواء عن طريق تقرير التحقيق أو سماعهم للشاهد في الجلسة([45]).
و أهم الضوابط التي تحكم عملية الإدلاء بالشهادة هي:
- عدم جواز سماع شهادة شاهد أمام آخر.
- أن تؤدى الشهادة دون ضغوطات أو تهديدات مادية أو معنوية.
- عدم إطلاع الشاهد على شهادة من سبقه.
- مواجهة الشهود ببعضهم البعض في حالات تضارب الأقوال حول واقعة معينة([46]).
و الهدف من وضع مثل هذه الشروط و الضوابط هو الحصول على شهادة خالية من العيوب يمكن أن يستعين به المجلس التأديبي لاتخاذ الرأي الصائب في القضية و من ثمة تحقيق العدالة.


المبحث الثاني: حدود مبدأ الدفاع النتائج المترتبة عن عدم احترامه


إن مبدأ حقوق الدفاع كضمانة قررها المشرع للموظف خلال سير الدعوى التأديبية لا يطبق على إطلاقه لأنه قد تظهر في بعض الأحيان ظروف تحول دون إعماله أو تؤدي إلى إنقاص فعاليته و لكن هذا الإجراء لا يعد خرقا لهذا المبدأ لأن حالاته محددة على سبيل الحصر كما أن المشرع رتب عدة نتائج لصالح الموظف في حالة عدم احترام المبدأ سواء من الإدارة أو من مجلس التأديب.


المطلب الأول: حدود إعمال مبدأ قانون الدفاع


قد يتعذر إعمال مبدأ حقوق الدفاع لجملة من الأسباب منها ما هو راجع للموظف و أخرى فرضتها ظروف معينة خارجية عن إرادة الأطراف و هو ما سنتعرض له تباعا.

الفرع الأول: تعذر تطبيق المبدأ لأسباب ترجع للموظف


هناك عدة تصرفات يقوم بها الموظف و تقوم دون استفادته من حقوق الدفاع و يعد أصل تقريرها إلى مجلس الدولة الفرنسي عن طريق الاجتهادات التي يصدرها بمناسبة تصديه للطعون في القرارات التأديبية التي يرفعها الموظف ونذكر منها:
- حق الإدارة في عدم تبليغ الموظف بتاريخ مثوله أمام مجلس التأديب و التهم المنسوبة إليه إذا كان قد ترك الوظيفة بطريقة غير شرعية و بالتالي تصبح الإدارة غير ملزمة بتبليغه دون أن يمس ذلك بصحة الإجراءات([47]).
- لا يؤدي عدم الإطلاع على الملف التأديبي إلى بطلان الإجراءات التأديبية إذا كان الموظف هو من رفض الإطلاع أو وضع عوائق حالت دون إطلاعه على الملف([48]).
- كما لا تلزم الإدارة بحق الموظف بالإطلاع على ملفه التأديبي إذا كن هناك إهمال و سوء نية من جنب هذا الأخير كتغييره لمحل إقامته دون ترك عنوانه الجديد بل على العكس يمكن للإدارة في مثل هذه الحالة توقيع عقوبات إضافية أو جديدة بسبب هذا التصرف.
و بالمقابل لا يعفي إضراب الموظف عن العمل الإدارة من احترام حقه في الإطلاع على ملفه التأديبي([49]) لأنه بتصرفه هذا يكون قد أسقط كل الحقوق و الضمانات التي منحها إياه القانون في مواجهة الإدارة([50]).
مما تقدم نجد أن الإدارة ملزمة بإخطار الموظف بالتهم المنسوبة إليه و بتاريخ مثوله أمام مجلس التأديب لأن هذا الأخير لا يمكنه معاقبة الموظف إلا بعد سماع دفاعه و إلا تعرض قراره للبطلان إلا في حالة رفض الموظف لهذا الإخطار مع وجوب إثبات ذلك ([51]),لأنه إذا كان الموظف قد تعذر عليه الحضور أو تغيب لسبب لا يتعلق بإهماله أو سوء نيته فإن الإجراءات التي تمارس ضده تعد غير قانونية([52]).


الفرع الثاني : تعذر تطبيق المبدأ لظروف استثنائية


هناك حالات خاصة يتعذر فيها إعمال مبدأ حقوق الدفاع ومن ثمة تبقى الإجراءات التأديبية صحيحة رغم عدم ممارسة الموظف لهذا الحق وهذه الاستثناءات المطبقة على المبدأ من إنشاء مجلس الدولة الفرنسي وتتمثل خصوصا في :
- إعفاء الإدارة من التزام اطلاع الموظف على ملفه التأديبي في حالة تطبيق نظرية الطوارئ نتيجة للظروف القهرية التي تمر بها الإدارة والتي تمنعها من تطبيق قواعد المشروعية ([53]).
- وكذا في حالة هلاك المكان الموجود فيه الوظيفة ومن ثمة هلاك الملف كما يتوقف العمل بهذا المبدأ في فترة الحرب ([54]).
- و يحدد أو يقلص إعمال مبدأ حقوق الدفاع في حالة مرور البلاد بظروف استثنائية و اضطرابات سياسية مما قد يؤدي بالمشرع إلى إسقاط بعض الحقوق المقررة للمواطن بصفة عامة وللموظف بصفة خاصة في الظروف و الأحوال العادية بما في ذلك حقه في الاستفادة من حقوق الدفاع.
لأنه من الصعب توفير الضمانات التي تحمي المواطن أو الموظف من كل مساس بحقوقه في مثل تلك الفترة([55]).
لكن هذا لا يعني تحويل الاستثناءات إلى قاعدة إذ يجب العودة إلى القواعد العادية بمجرد انقضاء الظروف الاستثنائية التي استدعت ذلك.


المطلب الثاني : النتائج المترتبة عن عدم احترام مبدأ حقوق الدفاع


كما سبق وأن رأينا يعتبر مبدأ حقوق الدفاع من أهم الضمانات التي قررها المشرع وقبله الفقه والقضاء للموظف العام في مواجهة الإدارة وما تملكه من وسائل وسلطات أثناء المواجهة التأديبية .
وذلك بهدف خلق توازن بين حقوق والتزامات الطرفين .
لكن تقرير المشرع للمبدأ لا يعني بالضرورة احترام الجهة المعنية بتوقيع العقوبة له ونقصد هنا اللجنة المتساوية الأعضاء المنعقدة كمجلس تأديب و حتى الإدارة خلال المرحلة الأولى من تحريك الدعوى لذلك رتب المشرع عن عدم احترام هذا المبدأ بكل عناصره عدة نتائج تتلخص في الطعن الإداري أو التظلم بكل أنواعه والطعن القضائي.


الفرع الأول : الطعن الإداري


وقد نصت عليه المادة 275 من قانون الإجراءات المدنية وهو وسيلة من الوسائل التي تحرك الرقابة الإدارية الذاتية كما أنه وسيلة لحل المنازعات الدائرة بين الأفراد والإدارية بشكل سلمي ودون اللجوء إلى القضاء.
كما أن التظلم كان يعد شرطا من الشروط الشكلية لقبول دعوى الإلغاء قبل تعديل قانون الإجراءات المدنية بموجب القانون 90-23 أين تم إلغاؤه في المنازعات التي تنظرها المحاكم الإدارية وتعويضه بإجراء الصلح بينما بقي على مستوى مجلس الدولة بالنسبة للقرارات الصادرة عن الإدارة المركزية ([56]),وفي بعض القوانين الخاصة.
والتظلم الإداري هو شكوى يقدمها أصحاب الصفة والمصلحة وهو هنا الموظف إلى السلطات الإدارية , أو الولائية أو الرئاسية أو الوصائية أو إلى لجنة إدارية خاصة وهي أنواع التظلم .
1-التظلم الإداري الولائي :
وهو طلب يرفعه الموظف إلى نفس الجهة التي أصدرت القرار وهي مجلس التأديب يلتمس فيه , إعادة النظر في القرار الذي أصدرته إما بإلغائه أو تعديله وذلك بتمكين الإدارة من مراجعة قرارها خلال شهرين من تاريخ نشر القرار أو بتبليغه ([57]).
2-التظلم الإداري الرئاسي :
وهو طلب يقدمه المعني الى السلطة الرئاسية التي تعلو السلطة مصدرة القرار المطعون فيه وذلك في شكل شكوى ودعوتها للتدخل لمراقبة القرارات الإدارية الصادرة هنا عن مجالس التأديب الولائية إما بالإلغاء أو السحب أو الحلول ويجب أن يسبق الطعن الرئاسي الطعن الولائي ([58]).
3-التظلم الإداري أمام لجنة خاصة أو التظلم الإداري شبه لقضائي :
وهو التظلم الذي يرفع في شكل شكوى أو طعن أمام لجنة إدارية شبه قضائية و هو عبارة عن مجالس إدارية متخصصة يحددها القانون والنصوص التنظيمية , وطلب تدخلها لمراقبة قرارات السلطات الإدارية الولائية الرئاسية وجعلها أكثر عدالة في مواجهة حقوق وحريات الأفراد ([59]).
فالتظلم هو إجراء سابق للجوء إلى القضاء لأن من شأنه أن يوفر على الموظف الوقت والمال خاصة إذا أدى هذا التظلم نفعا وانصف المعني كما انه يجنب الجهات القضائية كثرة المنازعات التي تتطلب جهدا ووقتا لحلها في الوقت الذي كان من الممكن أن تحل وديا بعيدا عن القضاء وإجراءاته الطويلة والمعقدة .
لكن في إذا لم يأتي التظلم بجديد ولم يتمكن الموظف من تحقيق أهدافه فلا طريق أمامه إلا اللجوء إلى الطعن القضائي أمام الجهات الإدارية خلال الآجال والمواعيد القانونية .


الفرع الثاني : الطعن القضائي


للموظف إذا لم يحقق له التظلم الإداري ما يريده اللجوء إلى القضاء وذلك بالطعن في القرارات الصادرة عن مجلس التأديب لاشتمالها على عيب من العيوب التي تمس القرار الإداري .
فالإدارة عادة ما تكون ملزمة بحملة من الإجراءات أو التصرفات التي تسبق اتخاذها لقرار ما و من شأن إهمالها لهذا الالتزام تعريض قرارها للإلغاء عن طريق الطعن فيه بالبطلان أمام القضاء ([60]). وعادة ما يكون سبب الإلغاء في المجال التأديبي هو عدم احترام الشكل أو الإجراءات. فمجلس التأديب قبل إصداره للقرار التأديبي ملزم بمراعاة حقوق الدفاع المنصوص عليها في مختلف قوانين وتنظيمات الوظيفة العامة وذلك بكل ما يحتويه هذا المبدأ من حقوق فرعية كحق الاطلاع على الملف التأديبي وإعلامه بالتهم المنسوبة إليه وكذا بحق الموظف في تقديم دفاعه والاستعانة بمدافع أو بشهود لتبرئة نفسه مما نسب إليه من مخالفات وبالتالي في حالة عدم احترام المجلس التأديبي لهذه الإجراءات قبل إصدار قراره يكون هذا الأخير محل طعن بالإلغاء مع إمكانية رفع دعوى تعويض لجبر الضرر الذي لحق بالموظف من جراء تطبيق القرار التأديبي.
وفي تطبيقات مجلس الدولة الجزائري في هذا المجال نجده أقر أن إصدار قرار العزل في غياب الموظف المعني الذي كان رهن الحبس الاحتياطي يبطل القرار لعدم احترامه لحقه في الدفاع عن نفسه.
بينما ميزت محكمة العدل العليا في الأردن بين الأشكال والإجراءات الجوهرية و الأشكال والإجراءات غير الجوهرية فاعتبرت الإجراءات جوهرية إذا مست المخالفة مصالح الموظفين ومخالفتها تؤدي إلى بطلان القرارات التأديبية , أمام إذا لم تمس المخالفة بمصالح الموظفين فانه لا يترتب عليها بطلان القرار التأديبي([61]).
والطعن في القرار التأديبي لا يحول دون توقيع العقوبة التأديبية الصادرة عن السلطة التأديبية([62]).


--------------------------
[1] - مقدم (سعيد), أخلاقيات الوظيفة العامة, الطبعة 2دار هومه, الجزائر, سنة 1999 ,ص 140
2- المادة 129 من المرسوم رقم 85-59 المؤرخ في 23/03/1985 يتضمن القانون الأساسي النموذجي لعمال المؤسسات و الإدارات العمومية
[3] - رحماوي (كمال), تأديب الموظف العام في القانون الجزائري, دار هومه,الجزائر, سنة2003, ص 149
[4] -التعليمة رقم 7 المؤرخة في 7/05/1969 الصادرة عن وزارة الداخلية الخاصة بالإجراءات التأديبية
[5] Piquemal) Marcel), Le Fonctionnaire, tome II, Devoir et Obligation, 2eme edition, Berger la varoul, Paris,1979, p 304
[6] - المنشور رقم 5 المؤرخ في 12/04/2004 المحدد لكيفيات تطبيق المادتين 130و 131 من المرسوم رقم 85-59 المؤرخ في 23/03/1985 المتضمن القانون الأساسي النموذجي لعمال المؤسسات و الإدارات العمومية
[7] - رحماوي (كمال), المرجع السابق, ص 153
[8] - Piquemal (Marcel), op.cit, p304
[9] - Piquemal (Marcel), op.cit, p290
5- Plantey (Alain), Traité pratique de la fonction publique, 3eme edition, tome premier, Librairie generale de droit et de jurisprudence, Paris, 1971, p510
[11] - أوصديق (فوزي), الوافي في شرح القانون الدستوري, الجزء الثالث, السلطات الثلاث, الطبعة الأولى, ديوان المطبوعات الجامعية, الجزائر, 1994, ص 159
[12] - Palantey (Alain), op.cit, P500
[13] - Salan (Serge) et Savignac (Jean Charles), Fonction public, Agent des collectivités locales et des grands services publics, Sergesalan, Monue Esaloz, 1926, p 226
[14] - قاسم (محمد أنس), مبادئ الوظيفة العامة و تطبيقاتها في الجزائر التشريع الجزائري,دون دار نشر , دون طبعة , دون سنة, ص 138
[15] - Piquemal( Marcel), op.cit, p291
[16] - رحماوي (كمال), المرجع السابق, ص 153
[17] Plantey (Alain), op.cit, p503
[18] - كنعان (نواف), القانون الإداري, الدار العلمية الدولية, و دار الثقافة للنشر, الأردن, 2003, ص 205
[19] - يكن (زهدي), القانون الإداري, منشورات المكتبة العصرية, بيروت, دون سنة نشر, ص 373
[20] Plantey (Alain), op.cit, p502
[21] - Piquemal ( Marcel), op.cit, p292
[22] - أوصديق (فوزي), المرجع السابق, ص 159
[23] - لتفصيل أكثر حول تنظيم السلطة المختصة بالعقاب في المجال التأديبي راجع بوضياف (أحمد) الجريمة التأديبية للموظف العام في الجزائر , المؤسسة الوطنية للكتاب , الجزائر , 1986 , ص75 وما بعدها .
[24] - عبد الوهاب محمد (محمد), البيروقراطية في الادارة المحلية , دار الجامعة الجديدة للنشر , الإسكندرية ,2004 ص 341.
[25] -المادة 57 من الأمر رقم 66-133 المؤرخ في 02/06/1966 المتضمن القانون الأساسي للوظيفة العامة .
[26] - خليفة عبد المنعم (عبد العزيز), الضمانات التأديبية في الوظيفة العامة . دار الفكر العربي مصر 2003 ص 214.
[27] - خليفة عبد المنعم (عبد العزيز), المرجع نفسه –ص 215.
[28] - خليفة عبد المنعم (عبد العزيز), المرجع نفسه – ص 216 وما بعدها.
[29] - خليفة عبد المنعم (عبد العزيز), المرجع نفسه – ص215.
[30] - رحماوي (كمال) , المرجع السابق , ص151.
[31] - المادة 57 من الأمر رقم 66/133 المتضمن القانون الأساسي للوظيفة العامة .
[32] - Piquemal (Marcel), op.cit, P 305
[33] - Plantey (Alain), op.cit, P 510
[34] - خليفة عبد المنعم (عبد العزيز), المرجع السابق, ص 266 و ما بعدها.
[35] - Piquemal (Marcel), op.cit, P305
[36] - خليفة عبد المنعم (عبد العزيز), المرجع السابق, ص 146
[37] -المادة 127 من المرسوم رقم 85-59 المؤرخ في 23 مارس 1985 المتضمن القانون الأساسي النموذجي لعمال المؤسسات
و الإدارات العمومية
[38] - خليفة عبد المنعم (عبد العزيز), المرجع السابق, ص 147
[39] - أوصديق (فوزي), المرجع السابق, ص 159
[40] - خليفة عبد المنعم (عبد العزيز), المرجع السابق,ص 220-221
[41] - Piquemal ( Marcel), op.cit, p305
[42] - Plantey( Alain), op.cit, p510
[43] - خليفة عبد المنعم (عبد العزيز), المرجع السابق, ص 221
[44] - Piquemal( Marcel), op.cit, p 305
[45] - Plantey (Alain), op.cit, p511
[46] - خليفة عبد المنعم (عبد العزيز), المرجع السابق, ص 222-223
[47] - رحماوي (كمال), المرجع السابق, ص 147
[48] -Piquemal (Marcel), op.cit, p297
[49] - Plantey ( Alain), op.cit, p505
[50] - يكن (زهدي), المرجع السابق, ص 393
51- رحماوي( كمال), المرجع السابق, ص 147
52- المادة 65 من المرسوم 82-302 المؤرخ في 11/09/1982, المتعلق بكيفيات تطبيق الحكام التشريعية الخصة بعلاقات العمل الفردية.
[53] - خليفة عبد المنعم (عبد العزيز), المرجع السابق – ص 236.
[54] - Piquemal( Marcel), op.cit, P 297.
[55] -مرسوم 93-54 المؤرخ في 16/02/93 ريحدد بعض الواجبات الخاصة المطبقة على الموظفين والأعوان العموميين.
[56] - عيسى (رياض) , مقال , ملاحظات حول تعديل قانون الاجراءات المدنية وأثرها على طبيعة الغرفة الادارية في التنظيم القضائي الجزائري , ملتقى قضاة الغرف الادارية , الديوان الوطني للشغال التربوية 1992 ص 94.
[57] - بوضياف (أحمد) , الهيئات الاستشارية في الادارة الجزائرية المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1989 ص 281.
[58] - بعلي (محمد الصغير) , الوجيز في المنازعات الدارية , دار العلوم الجزائر 2002 ص 72 .
[59] - عوابدي (عمار) , نظرية الدعوى الادارية , ديوان المطبوعات الجامعية الطبعة 2 الجزائر 2003 ص 367.
[60] - عوابدي عمار , المرجع السابق , ص 512.
[61] - كنعان نواف , المرجع السابق .ص 214.
[62] - بوضياف احمد , المرجع السابق , ص281.

الدكتور عادل عـامر
03-04-2010, 07:51 PM
بعد الانتهاء من التحقيق بإسناد مخالفة او مخالفات محددة إلى المتهم، يحـال الموظف المتهم إلى المحاكمة أمام الهيئات التأديبية المختصة . (المحاكم التأديبية في مصر) فالمحاكمة التأديبية هي المرحلة الأخيرة، التي يتعرض بعدها المتهم لعقوبة قد تصل إلى فصله عن عمله في أقصى حدّ لها . هنا يأتي دور مبدأ حق الدفاع الضمانة الأساسية التي يلزم القانون المجلس التأديبي احترامها بعد التحقيق، وإلا تعرض القرار التأديبي للطعن أمام القضاء الإداري، النفس الأخير الذي يستطيع من خلاله الموظف تحقيق دفاعه النهائي وإبطال القرار الإداري او قرار المجلس التأديبي لمخالفته مبدأ حق الدفاع .
من أهم المقومات التي تقوم عليها المحاكمة التأديبية مواجهة المتهم بما هو منسوب اليه، تقيد المحكمة بما ورد في قرار الإحالة، التحقيق الذي تجريه المحكمة وأخيراً تسبيب الحكم او القرار التأديبي، متناولين هذا المبحث في ثلاثة مطالب على الشكل التالي(1) : المطلب الأول : مبدأ المواجهة المطلب الثاني : الدفوع من حقوق الدفاع المطلب الثالث : تقيد المحكمة بقرار الإحالة وتسبيب أحكامها
المطلب الأول : مبدأ المواجهة principe de contradictoire
يعتبر مبدأ الموجهة في الإجراءات بشكل عام من ضمانات حقوق الدفاع، وعنصراً من عناصرها، بحيث يلزم ان يتم كل إجراء قضائي سواء في مرحلة التحضير او في غيرها من مراحل سير الدعوى في مواجهة الطرف الآخر ومناقشة ما يقدمه أطراف الدعوى من أدلة وعناصر للإثبات . وعلى هذا الأساس فان مبدأ المواجهة يتعلق بسير إجراءات الدعوى وعلى وجه الخصوص ما تعلق منها بالاستيفاء والتحضير . وتتحصل حقوق الدفاع من ان القاضي لا يستطيع الفصل في الدعوى على أساس مستند لم يتيسر لأحد الطرفين فرصة الاطلاع عليه، وأخذ الوقت اللازم لمناقشته وتقديم ملاحظاته . ويبين مجلس الدولة الفرنسي ان حقوق الدفاع هي الأصل، وان مبدأ المواجهة عنصر منها، وهي أقدم في الظهور منه، واستقر الاجتهاد بعدها ليكملها ويثبت وجودها ومضمونها(1).
النصوص القانونية في فرنسا عديدة، كرسها المشرع الفرنسي لاحترام الطابع الوجاهي في المحاكمة ضماناً لاحترام حقوق الدفاع . نذكر منها: المادة 67 من قانون 19 ت1 سنة 1946 ان للموظف المتهم بمجرد إحالة الأمر إلى مجلس التأديب الحق في الاطلاع الكامل على ملفه الشخصي، وعلى كافة الوثائق والمستندات المرفقة به ... وبعد قيام دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة، صدر أمر 4 شباط 1959 وقرر في المادة 31 منه ان السلطة التأديبية تباشر بعد اتباع إجراءات نص عليها في المادة 65 من قانون 22 نيسان سنة 1905 وبعد استشارة مجلس إداري مشترك منعقد على شكل هيئة تأديبية . وتنص المادة المذكورة على انه : "كل الموظفين المدنيين والعسكريين وكل المستخدمين والعمال في جميع الإدارات العـامة لـهم حـق الاطلاع الشخصي والسري على الأوراق والوثائق التي يتكون منها ملفهم قبل اتخاذ إجراء تأديبي ضدهم" . وقد كانت هذه المادة محور التطبيق أمام مجلس الدولة، فبين حدودها وأوضح مضمونها واعتبر ان المادة 65 تنطبق ليس فقط على الموظفين، بل على كل العمال، ويسري على كافة العقوبات التأديبية بدون تفرقة(1). وفي قانون المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية الجديد تنص المادة R.138 صراحة على هذا المبدأ، بأن كل مستند او كل سبب تسويغ يقدمه أحد الفرقاء يجب ان يتاح للفريق الآخر مناقشته . يطبق مجلس الدولة الفرنسي بصلابة هذا المبدأ، ولا يقبل ان يكون بإمكان قاعدة السرية الموجودة في بعض المواد، ان تسمح للإدارة بان لا تقدم الملف كله او جزءاً منه، او ان لا تعلم القاضي بهذا المستند او ذاك بدون قبول اطلاع الملتمس عليه(2). ولكن مجلس الدولة الفرنسي لم يطبق مبدأ الوجاهية في أسباب التسويغ التي يثيرها القاضي تلقائياً . ولكن مرسوم 22 janvier 1992 أجبر الأجهزة القضائية الإدارية، عندما يبدو لها ان سبب تسويغ ما يجب ان يثار عفواً على إعلام الفرقاء به قبل جلسة الحكم وتحديد مهلة لتقديم ملاحظاتهم(3).
أمـا في مصر فالنصوص القانونية عديدة نوجزها على الشكل التالي : المادة 23 من القانون رقم 117 سنة 1958 : "يتضمن قرار الإحالة بياناً بالمخالفات المنسوبة إلى الموظف . ويحدد رئيس المحكمة جلسة لنظر الدعوى وتتولى سكرتارية المحكمة إعلان صاحب الشأن بقرار الإحالة، وتاريخ الجلسة خلال أسبوع من تاريخ إيداع الأوراق . ويكون الإعلان بخطاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول" . وتنص المادة 60 من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة رقم 46 سنة 1964 انه : "لا يجوز توقيع عقوبة على العامل إلا بعد التحقيق معه كتابة وسماع أقواله وتحقيق دفاعه ..." وفي القانون رقم 47 سنة 1972 نصت المادة 34 على ذات المبادئ السابقة مع إضافة بعض التفاصيل كتحديد مكان الإعلان في محل إقامة المعلن اليه او في محل عمله، و كذلك بالنسبة للقوات المسلحة ومن في حكمهم ممن تسري في شأنهم أحكام هذا القانون .
بالإضافة لهذه النصوص، أوضحت المحكمة الإدارية العليا تفصيلياً كيفية إعلان الموظف المحال إلى التأديب استناداً إلى قانون المرافعات باعتباره تقنيناً للأصول العامة ومن ثم بطلان إجراءات محاكمة الموظف الذي لم يعلن إعلانا سليمـاً، وبطلان الحكـم الصادر استنـاداً إلى تلـك الإجراءات(1). واستناداً إلى قانون النيابة الإدارية رقم 117 سنة 1958 فان إعلان المتهم وإخطاره يعتبر إجراءاً جوهرياً يترتب على إغفاله وقوع عيب شكلي يؤثر بالحكم ويؤدي إلى بطلانه شكلاً(2).
الوضع في لبنان لا يختلف عن غيره، فبعد انتهاء التحقيق بإسناد مخالفة او مخالفات محددة إلى الموظف المتهم، يحال بمقتضاها إلى الهيئة العليا للتأديب . وقد كرس المشرع اللبناني المبادئ السابقة بنصوص قانونية في نظام الهيئة العليا للتأديب، المرسوم رقم 7236 تاريخ 8 أيار 1967 تناولها تحت عنوان "الاطلاع على الملف وحق الدفاع" في المواد 25 – 26 – 27 . وفقاً للمادة 25 الفقرة الأولى "يحق للموظف ان يطلع على ملف القضية الموجود لدى المجلس وان يستنسخ منه ما يراه لازماً للدفاع عن نفسه وعليه توقيع وثيقة تعهد لهذه الغاية تثبت اطلاعه وتحفظ في الملف" . نفهم من هذا النص، حرص المشرع اللبناني على تكريس مبدأ المواجهة احتراماً لحقوق الدفاع وضماناً للمتقاضين، تثبته الفقرة الأخيرة من المادة بتوقيع وثيقة تثبت اطلاع الموظف المتهم على الملف، التي تضفي على المحاكمة طابع الوجاهية وتقضي باطلاع صاحب العلاقة على كل المآخذ بحقه وكل مستند يرمي إلى إدانته . فان اعتبارات العدالة تحتم حق الموظف المتهم بالاطلاع على كامل الأوراق والمستندات التي يحتويها ملف القضية، بأن يستلم نسخاً عن هذه الوراق والمستندات بما يراه لازماً للدفاع عن نفسه .
فالمحاكمة التأديبية إنما وجدت للحد من السلطة التسلسلية في التقرير، والمفروض على السلطة التأديبية تمحيص المستندات واستماع الشهود بحال وجودهم ومواجهة الواحد مع الآخر عند الاقتضاء وتمكين المحال على التأديب من مناقشتهم، فكل ذلك يتصل بحق الدفاع الذي أقرته المبادئ العامة العليا . وهكذا فان تسرع مجلس التأديب وأعطى قراره بدون اللجوء إلى الحيطة المفروضة في التحقيق تلمساً للعدالة واحتراماً لحق الدفاع يكون جرد قراره من الأساس الصحيح ونجاوز حدود سلطته وعرض قراره للإبطال(1). وقد حرص مجلس شورى الدولة عملاً بمبدأ المواجهة واحتراماً لحقوق الدفاع إلى ضرورة استماع الشهود، ويرى ان "المحاكمة التأديبية وجدت لتمحيص جميع مستندات الملف ومناقشة الوسائل التي يدلي بها المحال على التأديب واستماع الشهود بحال وجودهم ومواجهة الواحد مع الآخر عند الاقتضاء وتمكين المحال من مناقشتهم . وان ذلك كله يتصل بحق الدفاع الذي أقرته المبادئ العامة وكرسته القوانين . فان لم يتبع المجلس التأديبي هذه الأصول وهذا النهج الضروري لضمانة قناعته فيكون قد جرد قراره من الأساس الصحيح وعرضه للإبطال"(2). كما انه على الهيئات التأديبية ان تعمد حتى من تلقاء ذاتها إلى مواجهة المحالين عليها بالأدلة التي تعتمدها ركيزة لقراراتها، والى تمحيص الإثبات وكل شكل يمكّن المحالين من مناقشتها(3) . كما كرسها المشرع في المادة 27 من المرسوم للموظف "ان يقدم إلى المجلس المذكرات والمستندات التي يراها مناسبة وأسماء شهود الدفاع مباشرة او بواسطة من يولي الدفاع عنه . وذلك خلال مهلة تحددها هيئة المجلس" . وأخيراً ، بيّن المشترع أصول التبليغ في المادة 22 من المرسوم، فأجاز ان يوجه المجلس أوراق التبليغ إلى الموظف في مركز عمله او في مقامه المختار بواسطة الإدارة التابع لها، او بواسطة قوى الأمن الداخلي، او بأية طريقة إدارية أخرى يراها ملائمة ويمكن عدم التقيد بقاعدة التسلسل الإداري . فإذا جرت المحاكمة التأديبية التي أدت إلى القرار المطعون فيه دون تبليغ المستدعي المحال إلى التأديب حسب الأصول، يكون مجلس التأديب خرق حق الدفاع وخالف أحكام القانون الصريح(1).
وتعتبر المادة 23 ان التبليغ الوجاهي بالنسبة للموظف والشاهد أثناء الجلسات قانونياً . ولكن على الموظف ان يحضر الجلسات بالذات، فإذا تغيب يبلغ ثانية، وإذا لم يحضر نظر المجلس في القضية بالاستناد إلى التحقيق واعتبر قراره وجاهياً (المادة 26) .
تأكيداً لذلك قضى مجلس شورى الدولة في قرار حديث له ان "أصول المحاكمات الإدارية تشترط شكلاً معيناً لتبليغ المعاملات الإدارية، فيكون التبليغ صحيحاً وكاملاً وبالتالي منتجاً آثاره القانونية في كل مرة يثبت فيها ان الشخص المعني بالتبليغ اطلع بصورة كافية على مضمون القرار او المستند موضوع معاملة التبليغ بشكل يمكنه من معرفة ما قد ينطوي عليه من عيوب ومدى تأثير ذلك على وضعه القانوني كي يستطيع عند الاقتضاء ممارسة حقه في ولوج طرق المراجعة القضائية بشأنه ضمن المهل المحددة قانوناً"(2). المطلب الثاني : الدفوع من حقوق الدفاع
قبل ان نبين بعض هذه الدفوع، نوضح ان على القاضي في فترة المحاكمة ان يحكم إعمالا بالمبدأ العام بعدم تجاوز الخصم . فهي في القضاء الإداري مثل القضاء العادي يجب احترامها وإلا كان القاضي متجاوزاً لحقوق الدفاع التي يعتبرها القضاء الإداري من الانتظام العام .
وبالعودة لهذه الدفوع، فهي تعتبر من أهم مقتضيات المحاكمة التي توجبها قوانين المرافعات لمناقشة مطالب المستدعي والرد عليها، وهي بالتأكيد تعتبر صوناً لحقوق الدفاع . نذكر البعض منها :
1 – الدفع بوقف التنفيذ
تنص المادة R.118 من قانون المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية الجديد، ان المراجعة القضائية ليس لها طابع معلق او موقف . فالقرارات الإدارية النافذة تحفظ لها قوتها التامة رغماً عن المراجعات المقدمة ضدها طالما لم يبطلها القاضي صاحب الصلاحية، فله حتى قبل ان يبت بالأساس وقف مفعول القرار المحال اليه عندما تسوغ ذلك أسباب هامة . تطبيقاً للمادة المذكورة قضى مجلس الدولة الفرنسي في قرار (1)Huglo ان المراجعـة القضائية كالمراجعـة الإداريـة ليس لهـا طـابع معلـق او موقف .
إلا ان مجلس الدولة الفرنسي في تقديره "لخطورة نتائج تنفيذ القرار وجدية أسباب الدفاع المتمسك بها ضده" قضى بحق المتقاضي الذي يقدم مراجعة ضد قرار، ان يطلب الحصول عند الاقتضاء على وقف تنفيذ القرار المطعون فيه وهو يشكل ضمانة أساسية لحقوق الدفاع(2). 2 - الدفع بتأجيل المحاكمة
أقرت المحكمة القضاء الإداري في مصر حق المتهم طلب التأجيل إذا قامت أسباب قوية تدعو إلى ذلك، وان عدم إجابته إلى طلب التأجيل يعتبر نوعاً من العنت، يخل بحق الدفاع . وفيه تقول المحكمة : "ان المحاكمة التأديبية يجب ان تجري على أصول وضوابط تكفل سلامة القرارات التي تصدرها الهيئات المنوط بها إجراء المحاكمة، وبعدها عن مظنة العنت او سوء استعمال السلطة . وأولى هذه القواعد تمكين المتهم من الدفاع عن نفسه ... فإذا قام سبب يحول دون استعمال هذا الحق كالمرض الشديد الذي تأيد بالشهادة الطبية، وجب تأجيل المحاكمة" .
3 – الدفع بعدم الدستورية
يجد البعض، ان الدفع بعدم الدستورية يندرج في أسباب الدفاع، يتذرع صاحبه ببطلان القانون المطبق عليه لمخالفته الدستور(1). فهو رغم أهميته قد لا يعرفه حالياً القضاء اللبناني والفرنسي، لأنه ليس من حق الأفراد الطعن بعدم الدستورية في فترة المحاكمة . ولكن يمكن ان نلحظ مثل هذا الدفع أمام المحاكم المصرية إذ يجوز للطرف في الدعوى الطعن بعدم الدستورية .
بأي حال، مهما كانت الدفوع التي تقدم بها أحد أطراف الدعوى فهي تدخل في ضمانة حقوق الدفاع وهو ما نؤكده وفقاً لقانون أصول المحاكمات المدنية التي حددت الدعوى على الوجه التالي : "الدعوى هي الحق الذي يعود لكل ذي مطلب بان يتقدم إلى القضاء للحكم له بموضوعه وهي بالنسبة إلى الخصم الحق بان يدلي بأسباب دفاع او دفوع ترمي إلى دحض ذلك المطلب . ويكون حق الادعاء وحق الدفاع لكل شخص طبيعي او معنوي لبناني او أجنبي" . بموجب هذا النص، يصبح واضحاً لدينا ان تقديم أسباب الدفاع والدفوع دحضـاً للمطلـب الأصلـي يقتضي حلها والحكم بها تحت طائلة اعتبار
القاضي مستنكفاً عن إحقاق الحق ومنهكاً لحقوق الدفاع وانتقاصاً لدورها القضائي .
ان كان القاضي الإداري يكفل احترام حقوق الدفاع فهو من ناحية أخرى يحافظ على عدم تجاوز أي طرف هذه الحقوق والخروج على حدودها إعمالا لحسن سير العدالة واحترماً للمحكمة وأعضائها . فقد نلحظ مثل هذه التجاوزات أمام المحاكم الإدارية او غيرها من الهيئات التأديبية. وعالجها القضاء الإداري ونوضحها في الصورتين التاليتين : أولاً : استبعاد العبارات الجارحة قد تشتمل بعض المذكرات او الأقوال الشفهية المقدمة أثناء فترة المناقشة بعض الألفاظ غير اللائقة التي تخرج عن حدود الدفاع وتنطوي في قذف الطرف الآخر . ردد قانون المرافعات استبعاد العبارات الجارحة باعتباره من ضمانات حقوق الدفاع الواجبة الرعاية والاحترام، وأشارت المادة 50 من قانون 22 يوليو 1889 بشأن المحاكم الإدارية صراحة إلى تطبيق المادة 41 من قانون 29 يوليو 1881 المعمول بها أمام القضاء العادي والتي تقضي ان قضاة الموضوع يمكنهم تقرير استبعاد العبارات الجارحة او التي تنطوي على سب او قذف(1). وتنص المادة 50 المذكورة ان : " القضاة، أثناء النظر بالدعوة، يمكنهم استبعاد الألفاظ الشائنة والمهينة او القذفية " . “ Les juges saisis de la cause et statuant sur le fond, pourront prononcer la suppression des discours injurieux, outrageants ou diffamatoires…” تطبيقاً لذلك، قضى مجلس الدولة الفرنسي انه لما كانت الفقرة الواردة بمذكرة المستدعي المقدمة أمام المجلس وتتضمن كلمات تتجاوز فيها الحق
في المناقشة وتتناول فيها سباً في حق موظف مصلحة الضرائب غير المباشرة، فان ذلك يبرر تقرير استبعادها(1). وقد أوضحت محكمة القضاء الإداري في مصر ما تقدم بأحد أحكامها بقولها : انه "وان كانت حرية الدفاع حق مقدس مجمع على وجوب احترامه وكفالته، إلا انه من المقرر ان لهذه الحرية حدها الطبيعي الذي تقف عنده، ان تكون المرافعات الشفوية او المكتوبة بعبارات وألفاظ تعف عن اللذعات الجارحة والقول الفاحش احتراماً للهيئات القضائية وتوقيراً لها، وصوناً لشرف الناس وكرامتهم وسمعتهم . من أجل ذلك كان للمرافعة والمدافعة تقاليد وأصول وقواعد تنبثق من أدب الدين وأدب الدنيا تضافرت على ان الجدل لا يكون إلا بالحسنى ... وان لم يلتزموا عند الطعن في أحكام جهات القضاء او التعقيب على آراء الهيئات التي تعاونها ما يجب لهذه الأحكام والآراء من احترام ... حق للقاضي محو العبارات والكلمات الجارحة او المخالفة للآداب او النظام العام سواء طلب الخصم منه ذلك او لم يطلب طبقاً لنص المادة 127 من قانون المرافعات"(2).
وفي حكم آخر ترى المحكمة انها لا ترى مانعاً من إجابة طلبها وأمر بمحو هذه العبارات طبقاً للمادة 105 من قانون المرافعات(3).
نخلص مما سبق، انه خلال فترة التحضير والمرافعة قد تتضمن اللوائح المقدمة من طرفي الدعوى، بعض العبارات الجارحة تتجاوز حرمة المحكمة ودون مراعاة حقوق الدفاع . وفي هذه الحالة يتولى القاضي الإداري، طبقا للمبادئ العامة للإجراءات، سواء من تلقاء نفسه او بناء على طلب من صاحب الشأن استبعاد المذكرات والعبارات الجارحة دون حاجة إلى نص خاص إعمالا لحقوق الدفاع ومراعاة لحدودها وعدم تجاوزها(4).


ثانياً : الإنذار القضائي
ان إطالة مدة الدعوى أمر متجاوز لحقوق الدفاع، فقد يتخذ طرفاً في الدعوى موقفاً سلبياً يقف عائقاً في سير الدعوى، وخصوصاً تأخير الإدارة في تقديم الرد والمستندات اللازمة . وبالتأكيد فان بطء المحاكمة يعتبر تجاوزاً لحقوق الدفاع، وهو ما نستخلصه من قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الذي انتهى إلى إدانة فرنسا بسبب بطء القضاء الإداري وتنكرها للمادة 1-6 من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان، فقد أعلنت المحكمة في قرار 24 octobre 1989 "ان لكل شخص الحق في ان يستمع إلى قضيتـه بإنصاف ... وفي مهلـة معقولة ..."(1).
وتكون الحاجة ملحة لتجاوز هذا الموقف من قبل القاضي الإداري، ابتداع وسيلة فعالة هي الإنذار القضائي la mise en demeure . ففـي حكـم (2)Farges لاحظ مجلس الدولة الفرنسي ان الوزير المدعى عليه لم يعد الملف الذي تسلمه للاطلاع عليه، وعليه قرر ان الادعاء المقدم من المستدعي ولم تنازع فيه الإدارة يتعين اعتباره ثابتاً . وهو في كفالة لحقوق الدفاع وعدم تجاوزها، يمارس القاضي الإداري عملية فعالة تدفع كل طرف للاستجابة لطلباته والالتزام بحدود حقوقه دون تجاوز حقوق الطرف الآخر، خشية صدور حكم في غير صالحه(3).
أما المحكمة الإدارية العليا في مصر، فاعتبرت تخلف الخصم عن إيداع المستندات المطلوبة او تسببه في فقدها يؤدي إلى قيام قرينة قضائية لصالح الطرف الآخر تلقي عبء الإثبات على عاتق الطرف الذي تخلف عن تقديم المطلوب وهو الإدارة عادة، تجعل الإدارة في حل من الأخذ بما قدم من أوراق ومستندات والاعتداد بصحـة الوقائـع والمستندات التي قدمهـا الخصم(4) .
وبهذه القرينة، كما يقول البعض، يعالج مجلس الدولة المصري تجاوز حقوق الدفاع في حالـة التراخي او التقاعس عن تقديـم الأوراق والبيانات المطلب الثالث : تقيد المحكمة بما ورد في قرار الإحالة وتسبيب أحكامها
أولأً : التقيد بقرار الإحالة
بعد الانتهاء من التحقيق، يقدم المتهم أمام الهيئة التأديبية بناء على قرار الإحالة الذي يبين فيه التهم المنسوبة اليه، ويكون على الهيئة ان تبت فيما إذا كانت الوقائع المنسوبة إلى المتهم قد حدثت فعلاً، وما إذا كان هو مرتكبها . والأصل، انه ليس للمجلس التأديبي العام ان يضع يده ليبحث أمرا لم يحل عليه من قبل السلطة الصالحة او يتعدى نطاق الإحالة . لذا اعتبر مجلس شورى الدولة انه لا يمكن لمجلس التأديب ان يستعرض بصورة شاملة عامة مسلك الموظف المحال إلى المحاكمة بل ان عليه ان يحصر بحثه وتحقيقه في المخالفة التي حصلت الإحالة من أجلها . فإذا ما أدان القرار التأديبي المستدعي من أجل سبب لم يظهر صراحة انه كان سبباً مستقلاً للإحالة فيكون مستوجباً الإبطال لأن فيه حرمان المستدعي من حق الدفاع المكرس بالقوانين الوظيفية والذي أقرته المبادئ العامة العليا(2).
ولكن اجتهاد مجلس شورى الدولة الحديث يرى في بحث المجلس التأديبي العام أموراً تتعدى نطاق الإحالة، عملاً خارجاً عن نطاق تطبيق القانون، على اعتبار ان تجاهل نطاق القانون، يحصل إذا طبق القانون على عمل او على حالة او على فئة غير خاضعة له او هي في خارج نطاقه في الزمان والمكان(3). وفي ذات الطرق تسير المحكمة الإدارية العليا، ففي قرار لها تلزم محكمة التأديب ان تتقيد بقرار الإحالة سواء بالنسبة إلى المخالفات المبينة به او العاملين المنسوبة اليهم هذه المخالفات(2).
من الطبيعي ان التقيد بالمخالفات الواردة في قرار الإحالة يضمن حقوق الدفاع للمتهم لأنه سيكون على علم بالتهم المنسوبة اليه . إلا ان ما لا شك فيه ان هيئات التأديب لا تتقيد بالوصف القانوني الذي يبني عليه قرار الإحالة بالاستناد إلى الوقائع الثابتة في التحقيق. فاذا رأت الهيئة تغيير وصف التهمة، هنا نميز بين أمرين(3) : من ناحية، لا نرى مشكلة إذا كان التعديل في مصلحة المتهم . ولكن من ناحية أخرى، يثور الخلاف إذا كان التعديل في غير صالح المتهم، في هذه الحالة يجب على الهيئة تنبيه المتهم إلى ذلك، فإذا طلب تأجيلاً لتحضير دفاعه بناء على الوصف الجديد، يجب على الهيئة ان تقبل طلبه وآلا كان ذلك إخلالاً بحق الدفاع كما رأينا سابقاً . ويكون عدم إخطار المتهم بالوصف الجديد إخلالا بحقوق الدفاع ومخالفة للقانون يؤدي إلى بطلان المحاكمة . فالمادة 407 من قانون مجلس الدولـة المصري الجديد تنص انه "تفصل المحكمة في الواقعة التي وردت في قرار الإحالة، ومع ذلك يجوز للمحكمة سواء من تلقاء نفسها، او بناء على طلب النيابة الإدارية، التصدي لوقائع لم ترد في قرار الإحالة، والحكم فيها إذا كانت عناصر المخالفة ثابتة في الأوراق، وبشرط ان تمنـح العامـل أملأ مناسبـاً لتحضير دفاعه إذا طلب ذلك" .
أما في لبنان فتنص المادة 54 من المرسوم رقم 7236 تاريخ 8/5/1967 المتعلق بنظام المجلس التأديبي العام على أنه "إذا تبين أثناء المحاكمة ان الموظف المحال قد ارتكب مخالفة أخرى لم تذكر في الإحالة، او ان لغيره من الموظفين علاقة في المخالفة موضوع الإحالة ولم يحل على المجلس التأديبي، او ان هناك مخالفة أخرى اقترفت من قبل موظف آخر لم يرد ذكرهما في الإحالة، فللمجلس ان يطلب إلى مفوض الحكومة إجراء التحقيق او التوسيع فيه وإشعار الإدارات المختصة بالأمر لاتخاذ التدبير اللازم كما له ان يطلب ذلك مباشرة من الإدارات" .
يستفاد من أحكام هذه المادة ان المشرع قد تجاوز القاعدة المستقرة قضائياً ان "ليس للمجلس التأديبي العام ان يضع يده ليبحث أمراً لم يحل عليه من قبل السلطة الصالحة او يتعدى نطاق قرار الإحالة"(1). فالمشرع اللبناني مثل المشرع المصري تجاوز الأصل بهذا الاستثناء الذي يعطيه حق التوسع في التحقيق، ويكون في هذه الحالة في وسع المتهم ان يستدرك قصور التحقيق وله ان يبدي ما يراه من دفاع أمام المحكمة التأديبية، إذ هي مرحلة تستكمل فيها مراحل التحقيق السابق، إذا يواجه المتهم بما نسب اليه، يستطيع عندها ان يستدرك ما فاته من وسائل دفاع، مما يجعل دفعه ببطلان التحقيق استناداً إلى الإخلال بحقه في الدفاع، دفعاً لا يستقيم في الواقع والقانون(2).
ثانياً : تسبيب الحكم او القرار التأديبي
من مقومات المحاكمة الأساسية تسبيب الحكم او القرار التأديبي، فالقاعدة الأساسية في التقاضي عموماً ان يصدر الحكم مسبباً وإلا ترتب على إغفالها بطلان الحكم . نأخذ على سبيل المثال المادة 537 الفقرتين 8 و12 من قانون أصول المحاكمات المدنية التي يترتب على إغفالها بطلان الحكم ومنها :
الفقرة 8 : خلاصة ما قدموه من طلبات وأسباب لها ومن أسباب دفاع ودفوع . الفقرة 12 : أسباب الحكم وفقرته الحكمية . وتنص المادة 36 من نظام المجلس التأديبي العام يجب ان تكون قرارات المجلس معللـة . فالتسبيب يعنـي ان يصدر الحكم معللاً، ويتناول وقائع الدعوى من حيث الشخص المتهم والأفعال المسندة اليه والدلالة التي استندت اليها المحكمة في تكوين اقتناعها سلباً أو إيجابا ونصوص القانون التي طبقتها وأخيراً ان يكون الحكم خلاصة منطقية لكل ذلك(1).
بأي حال، فالتعليل او التسبيب لا يهدف فقط لتبرير الحل الذي انتهت اليه الهيئة او المحكمة، بل انه سيكون خلاصة ثمرة دفاع المتهم بما تقدم به من دفوع، بالإضافة إلى دوره الهام لتوفير طمأنينة المتقاضين وإقناع الموظف المتهم بالحكم الذي انتهت اليه الهيئة او المحكمة . ومن ناحية أخرى فهو يسمح للسلطات الرقابية الأعلى قبول الطعن ومراقبة النتيجة التي خلص اليها القرار ان من ناحية كون الحكم خلاصة منطقية للتعليل السابق او نقصان التعليل او فقدان التعليل . ونؤكد علاقة تسبيب الحكم بحقوق الدفاع ما قضى به مجلس شورى الدولة ان "القانون لم يحدد الأصول التي يعتبرها تفسح المجال بطلب إعادة المحاكمة ويعود لمجلس شورى الدولة تحديد تلك الأصول التي تكمن في تلك الإجراءات التي يرى انه لا بد من اتباعها لكونها من مقومات التحقيق والحكم لاتصالها بالانتظام العام او المبادئ العليا التي قد ينص القانون الوضعي عليها صراحة او قد يكرس مضمونها او آثارها كحق دفاع"(2).
ولمجلس الدولة المصري قضاء غني في مجال التسبيب والكل مماثل لقرار المحكمة الإدارية العليا(3)، اذ تقول "يكفي لسلامة الحكم ان يكون مقاماً على أسباب تستقيم معه ولا يلزم بتعقب حجج الخصوم في جميع مناحي أقوالهم استقلالاً، ثم يفندها تفصيلاً الواحدة تلو الأخرى كما لا يعيب الحكم عدم ذكر أسماء الشهود في تحقيق تضمنت القضية أوراقه، وعدم إيراده نصوص أقوالهم وعباراتهم . وحسب الحكم السديد ان يورد مضمون هذه الأقوال . ومتى كان ما استخلصه الحكم من أقوال الشهود غير متناقض مع ما هو ثابت بالتحقيقات كان قضاؤه لا غبار عليه" . إلا ان مجلس شورى الدولة اللبناني يرى ان الموجب على هيئة التأديب العليا بتعليل قراراتها من الأمور الشكلية ولا يتعلق بالعيوب الأساسية التي تعتري التحقيق ذاته . فالنقص في التعليل، خلافاً لفقدان التعليل لا يعتبر مخالفة جوهرية من شأنها جعل الحكم مشوباً بعيب يقتضي معه قبول إعادة المحاكمة(1). يؤكد لنا هذا الحكم، ان نقصان التعليل خلافاً لفقدان التعليل لا يشكل عيباً يؤدي إلى إعادة المحاكمة، ولكن يبقى لمجلس شورى الدولة مراقبة صحته وانطباقه على القانون(2). ولكن التسبيب او التعليل يكتمل بتوقيع الحكم، فكما اشترط القانون ان تصدر الأحكـام التأديبية مسببة، اشترط في المادة 36 من نظام الموظفين "ان توقع هذه القرارات من الرئيس والعضويين والموظف المكلف بتنظيم محاضر الجلسات" . ومثلها نصت عليها المادة 28 من القانون رقم 118 لسنة 1958 والمادة 43 من قانون مجلس الدولة الجديد انه "يجب في جميع الأحوال ان تودع مسودة الحكم المشتملة على أسبابه موقعة من الرئيس ومن القضاة عند النطق بالحكم، إلا إذا كان الحكم باطلاً، ويكون المتسبب بالبطلان ملزماً بالتعويضات ان كان لها وجه" .