المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث في استحقاق غلة العقار المشفوع



ahmed*saif
21-02-2010, 02:26 AM
بحث في استحقاق غلة العقار المشفوع
في ظل القانون القديم:
لم يكن قانون الشفعة المُلغى يوجب على الشفيع إيداع الثمن قبل رفع دعوى الشفعة، بل لم يكن يوجب عليه عرض الثمن عرضًا حقيقيًا، لذلك كان الرأي الراجح فقهًا وقضاءً هو أن تكون غلة العقار المشفوع للمشتري إلى أن يقضي نهائيًا للشفيع بأحقيته لأخذ العقار بالشفعة، وإلى أن يؤدي للمشتري الثمن وملحقاته القانونية.
وكان أصحاب هذا الرأي يؤيدون رأيهم بما نصت عليه المادة (18) من قانون الشفعة من أن (الحكم الذي يصدر نهائيًا بثبوت الشفعة يعتبر سندًا لملكية الشفيع).
وهذا ما قرته محكمة النقض في آخر حكم أصدرته في هذا الموضوع قبل صدور القانون المدني الجديد، إذ قررت:
(إن العين المشفوعة لا تصير إلي ملك الشفيع في غير حال التراضي إلا بالحكم النهائي القاضي بالشفعة، فتكون دعوى الشفيع بريع هذه العين عن المدة السابقة على هذا الحكم لا سند لها من القانون، ولا يغير من هذا النظر أن يكون الشفيع قد عرض الثمن على المشتري عرضًا حقيقيًا وأن يكون قد أودعه خزانة المحكمة إثر رفضه لأنه ما كان ليصبح مدينًا بالثمن للمشتري بمجرد طلب الشفعة ولا كان ملزمًا قانونًا بعرضه ولا بإيداعه، فإن كان قد ألزم نفسه بما لم يلزمه به القانون فهو وشأنه، على أنه ليس له أن يتوسل بفعله إلى حرمان المشتري من حقه) [(1 (http://mohamoon.com/montada/Default.aspx?action=Preview_Research&id=335&Type=5&CatID=20#1))].
ويؤيد هذا الرأي الأستاذ محمد كامل مرسي استنادًا إلى أن الشفيع لا يصبح مالكًا للعقار المشفوع إلا من وقت التراضي أو من وقت الحكم بالشفعة قضاء، وأن هذا ما يوافق حكم الشريعة الإسلامية الذي يقضي بأن تملك العقار قضاءً كان أو رضاءً يعتبر شراءً جديدًا في حق الشفيع [(2 (http://mohamoon.com/montada/Default.aspx?action=Preview_Research&id=335&Type=5&CatID=20#2))].
في ظل القانون المدني الجديد:
لم يرد بالقانون المدني الجديد نص صريح في شأن استحقاق غلة العقار المشفوع، وإن كان نص المادة (944) جاء مطابقًا لنص المادة (18) من قانون الشفعة المُلغى، إذ يقرر أن (الحكم الذي يصدر نهائيًا بثبوت الشفعة يعتبر سندًا لملكية الشفيع، وذلك دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالتسجيل).
ولكن لما كان القانون الجديد قد أوجب على الشفيع أن يودع قبل رفع دعوى الشفعة كل الثمن الحقيقي الذي حصل به البيع وإلا سقط حق الأخذ بالشفعة (مادة (942) فقرة (2))، فإن استحقاق المشتري لغلة العقار المشفوع فيه إلى أن يصدر الحكم النهائي بأحقية الشفيع لأخذ العقار بالشفعة أصبح محل نظر، إذ ليس من العدالة في شيء أن يفيد المشتري المنكر للحق من مطله، وأن يحرم الشفيع المحق من فوائد الثمن وريع العقار في وقت معًا....
وقد رجعنا إلى ما كتبه الفقهاء شرحًا للقانون الجديد لعلنا نجد تفسيرًا لسكوت المشرع عن وضع نص يعاجل الحالة الجديدة التي نشأت عن إيجاب إيداع كامل الثمن قبل رفع دعوى الشفعة - خلافًا لما كان عليه الحال في ظل قانون الشفعة المُلغى – فلم نجد ما يشفي غليلاً...
فلقد أصر الأستاذ محمد كامل مرسي على رأيه السابق – غير ملقٍ بالاً إلى النص الذي استحدثه القانون الجديد من ضرورة إيداع الثمن قبل رفع دعوى الشفعة – وهو في هذا منطقي مع نفسه لأنه كان يؤسس رأيه في المقام الأول على أن الشفيع لا يصبح مالكًا للعقار المشفوع إلا من وقت التراضي أو حكم القاضي، وعلى أن الريع من حق المالك.
أما الدكتور شفيق شحاتة فلم يتعرض في مذكراته لموضوع استحقاق الغلة.
أما الدكتور محمد علي عرفه فقد أشار في تعليقه على المواد (954 - 947) من القانون المدني الجديد إلى حكم محكمة النقض الصادر في 31 أكتوبر سنة 1946 ثم قال: ( والرأي عندنا أن ما ذهبت إليه المحكمة العليا أصبح محلاً للنظر بعد أن أصبح طالب الشفعة ملزمًا قانونًا بإيداع كل الثمن الحقيقي وإلا سقط حقه في الشفعة) [(3 (http://mohamoon.com/montada/Default.aspx?action=Preview_Research&id=335&Type=5&CatID=20#3))]، وأشار الدكتور عرفه كذلك إلى النص الذي اقترح في مشروع التنقيح بأن تكون الغلة للشفيع من وقت إعلانه الأخذ بالشفعة.
وبالرجوع إلى الأعمال التحضيرية للقانون المدني الجديد يبين إن جاء بالمذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي أن اللجنة [(4 (http://mohamoon.com/montada/Default.aspx?action=Preview_Research&id=335&Type=5&CatID=20#4))] تناقشت في جلستها الأخيرة التي عقدتها للنظر في نصوص الشفعة (الجلسة الثانية عشرة) في إضافة نص يقضي بأن الغلة تكون للشفيع من وقت إعلانه الأخذ بالشفعة، وعليه من ذلك الوقت أيضًا فوائد ما لم يودعه من الثمن في خزانة المحكمة وقد اقترح أحد الأعضاء في لجنة فرعية نصًا بهذا المعنى ولكن اللجنة لم تناقشه (والرأي في ذلك أن الشفيع يحل محل المشتري في الصفقة فيملك من وقت البيع الأول ويعتبر المشتري كأنه لم يملك أصلاً، إلا إذا استولى على ثمار المبيع إلى إعلان الرغبة فهو يتملك الثمار بالحيازة إذ هو حسن النية إلى هذا الوقت، وما دام قد تملك الثمار فلا يتقاضى فائدة على الثمن، ومنذ يعلن بالرغبة في الأخذ بالشفعة لا يملك الثمار وتكون للشفيع إذ هو المالك، وللمشتري أن يطالب بالفوائد من الوقت الذي لا يتملك فيه الثمار) [(5 (http://mohamoon.com/montada/Default.aspx?action=Preview_Research&id=335&Type=5&CatID=20#5))].
ويلاحظ أن صاحب هذا الرأي ممن يرجعون تملك الشفيع إلي وقت البيع الأول، تأسيسًا على أن القواعد القانونية تقضي بأن الأحكام معلنة أو مقررة للحقوق، لا موجدة أو منشئة لها [(6 (http://mohamoon.com/montada/Default.aspx?action=Preview_Research&id=335&Type=5&CatID=20#6))]، وهو الرأي الذي عارضته محكمة النقض في حكمها الذي أشرنا إليه فيما تقدم كما عارضه الأستاذ محمد كامل مرسي.
والرأي عندي أنه بعد أن نص القانون المدني الجديد على وجوب إيداع كامل الثمن قبل رفع دعوى الشفعة لم يبقَ ثمت محل للخلاف في أمر استحقاق الشفيع لغلة العقار المشفوع فيه من وقت إيداع الثمن، يؤيد هذا النظر ويؤكده الاعتبارات الآتية:
1 - لا يسوغ قانونًا ولا عدالة أن يوجب المشرع على الشفيع إيداع كامل الثمن قبل رفع الدعوى ثم يحرمه ثمار العقار فوق حرمانه من الانتفاع بالثمن!
2 - إن المبادئ العامة في القانون لا تجيز للمشتري الذي أنكر حق الشفيع أن يفيد من إنكاره ومطلة، ويتملك الثمار رغم سوء نيته، كما لا تجيز حرمان الشفيع المحق في طلبه من ريع العقار وفوائد الثمن !!
3 - إن حكم النقض الصادر في 31 من أكتوبر سنة 1946 إذا كان قد رأى غير هذا الرأي فقد كان متأثرًا بأحكام قانون الشفعة المعمول به وقتئذ، والذي كان لا يوجب على الشفيع إيداع الثمن ولا عرضه عرضًا حقيقيًا، وقد أشار إلى ذلك صراحة إذ قال إن الشفيع لو عرض أو أودع الثمن فإنه (يكون قد ألزم نفسه بما لم يلزمه به القانون، وليس له أن يتوسل بفعله إلى حرمان المشتري من حقه)، وغنى عن البيان أن هذا النظر يتغير حتمًا بعد إذ ألزم القانون الشفيع بإيداع الثمن قبل رفع الدعوى وإلا سقط حقه...
4 - إن سند الرأي العكسي هو أن الريع من حق المالك، وأن الملكية لا تنتقل قانونًا إلى الشفيع إلا من تاريخ تسجيل الحكم النهائي الذي يصدر بأحقيته لأخذ العقار، وفقًا لنص المادة (944) التي تقرر أن (الحكم الذي يصدر نهائيًا بثبوت الشفعة يعتبر سندًا لملكية الشفيع وذلك دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالتسجيل)، والواقع أنه سواء أكان المقصود من هذا النص هو أن حكم الشفعة يعتبر دليل الشفيع على ملكية العين المشفوعة titre de propriété أم سببًا قانونيًا لملكية الشفيع cause juridique فإن غلة العين يجب أن تكون من حق الشفيع من وقت إيداعه الثمن سواء اعتبر مالكًا من وقت طلب الشفعة أو من وقت البيع الأول أو من وقت الحكم النهائي، حيث لا ارتباط بين الحق في الحصول على ثمار العين وبين تاريخ انتقال الملكية، إذ من المبادئ المقررة أن المشتري بعقد غير مسجل يحق له الانتفاع بالعين المبيعة فإذا امتنع البائع عن تسليمها إليه حق له مطالبته بالتسليم وبالريع من تاريخ دفع كامل الثمن - باعتبار هذا وذاك من الحقوق الشخصية التي تترتب على البيع ولا تتوقف على نقل الملكية.
5 - إن هذا ما يستفاد من المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي للقانون المدني الجديد، وإذا كان المشرع لم يدون النص الذي اقترحه بعض أعضاء اللجنة، بأن تكون الغلة للشفيع من وقت إعلانه الأخذ بالشفعة، أو إيداع الثمن، فأغلب الظن أن إغفال ذلك النص يرجع إلى أنه يقرر قاعدة بديهية يكفي فيها الرجوع إلي القواعد العامة بعد إذ أوجب القانون على الشفيع إيداع الثمن كاملاً قبل رفع دعوى الشفعة.

منقول