المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : استراتيجية مكافحة جرائم الاتجار بالبشر (دراسة مقارنة)



أحمد لطفى السيد
28-01-2010, 01:51 AM
موجز دراسة بعنوان

إستراتيجية مكافحة جرائم الاتجار بالبشر

دراسة مقارنة



د. أحمد لطفي السيد مرعي*
دراسة مقبولة للنشر بمجلة جامعة الملك سعود (الأنظمة والعلوم السياسية)

ونشرت بمصر لدى

دار النهضة العربية

2009
أولاً : التعريف بالاتجار بالبشر :
يُعرِف برتوكول الأمم المتحدة الخاص بمنع وحظر ومعاقبة الأشخاص الذين يتاجرون بالبشر، وخاصة النساء والأطفال، الاتجار بالبشر بأنه : "تجنيد ونقل وإيواء أو استقبال الأشخاص من خلال وسائل التهديد أو استخدام القوة أو غيرها من أساليب الإكراه، والاختطاف والتزوير والخداع، وسوء استخدام السلطة أو موقف ضعف، أو إعطاء أو استلام دفعات مالية، أو خدمات، للحصول على موافقة الشخص على أن يسيطر عليه شخص أخر من أجل استغلاله.

ويتضمن الاستغلال في حده الأدنى، استغلال الأشخاص للعمل في البغاء، أو أية أشكال أخرى من الاستغلال الجنسي، أو الإكراه على العمل أو الخدمات ؛ فضلاً عن العبودية، أو الممارسات المشابهة للعبودية ؛ أو العمل الشاق الجبري، أو إزالة الأعضاء.

ويعرف بروتوكول الأمم المتحدة هذا "الأشكال الحادة للاتجار بالبشر" على أنها :الاتجار بالجنس سواء من خلال عمل جنسي تجاري يتم بالقوة أو الاحتيال أو الإكراه أو الذي يتم فيه إغواء شخص لمثل هذا العمل لم يبلغ ثماني عشرة سنة من العمر، وكذلك تجنيد أو إيواء أو نقل أو الحصول على شخص للعمل أو للخدمات عن طريق استخدام القوة أو الاحتيال أو الإكراه بهدف تعريضه للعمالة الإجبارية أو أعمال السخرة أو عبودية الديون أو العبودية.

ويعرف قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر في الولايات المتحدة الأمريكية "الأشكال الحادة من الاتجار بالبشر" تعريفاً قريباً من ذلك فيقول بأنها:

أ- الاتجار بالبشر لغايات جنسية حيث يتم الإجبار على ***** التجاري بالقوة والخداع والإكراه أو في حالة كان الشخص الذي أجبر على القيام بمثل هذه الأفعال لم يبلغ سن الثامنة عشر ؛

ب- تجنيد، أو إيواء، أو نقل، أو توفير، أو امتلاك البشر من أجل العمل أو الخدمة عن طريق القوة، أو الخداع أو الإكراه بهدف الإخضاع لعبودية قسرية وأعمال السخرة وضمان الدّين والرق.

وفي فهم قانون حماية الاتجار بالبشر فإنه يقصد "بالنشاط ****** التجاري" القيام بأي نشاط جنسي مقابل قيمة مادية يعطيها الشخص أو يستلمها.

أما "العبودية القسرية" فتشمل الظروف التي يتم الإجبار عليها من خلال :

1- أي مشروع أو خطة أو نهج يهدف إلى جعل الشخص يعتقد أنه إذا لم يقم بتنفيذ نشاط ما، أو استمر بفعله؛ فإنه أو أي شخص أخر، سوف يعاني من أذى خطير وتقييد جسدي ؛

2- الإيذاء والتهديد بإلحاق الأذى عن طريق اللجوء إلى عملية قانونية.

أما "ضمان الدين" : فيعني الحالة أو الظرف الذي ينشأ نتيجة تعهد المدين بتقديم خدمات شخصية أو قيام أشخاص تحت سيطرته، بأعمال خدمة للدين وضمان له، إذا قُدرت قيمة تلك الخدمات بشكل معقول، وإنما لم تسوى من أجل استهلاك الدين، أو إذا لم يتم تحديد طبيعة تلك الخدمات أو مدتها.

بينما يقصد "بالإكراه" :
1- التهديد بإلحاق أذى أو تقييد لشخص ما ؛

2- أي مشروع أو خطة أو منهج يهدف إلى جعل الشخص يعتقد انه إذا فشل في تنفيذ نشاط ما فسيتم إلحاق الأذى به أو تقييده جسديا ؛

3- سوء استخدام القانون أو التهديد بإلحاق الأذى عن طريق عملية قانونية.
ويجب هنا التفريق بين الاتجار بالبشر وتهريب البشر، أو ما يسمى "المرور الغير الشرعي للأشخاص عبر الدول". فتهريب البشر ليس إلا جلب الأشخاص ونقلهم إلى دولة أخرى بطريقة غير قانونية بهدف الربح، وهو مسلك إجرامي لا يعتبر في حد ذاته اتجاراً بالبشر، رغم أن تنفيذه يتم غالباً في ظروف خطرة أو مهينة. فتهريب البشر يستلزم موافقة المهاجرين على القيام بذلك النشاط، بينما لا يتضمن الاتجار بالبشر موافقة الضحايا، أو إذا تم الحصول على موافقتهم في البداية؛ فإن تصرفات التجار المؤذية والقسرية والمخادعة، تؤدي إلى إلغاء تلك الموافقة. فغالباً ما يجهل ضحايا الاتجار بالبشر أنهم سيُجبرون على العمل في البغاء، أو أنهم سيستغلون في أعمال مختلفة. فالعنصر الرئيسي الذي يميز الاتجار بالبشر عن تهريبهم هو وجود عنصر الخداع، أو القوة، أو الإكراه. ولذلك ففي الغالب ما يبدأ الاتجار بالبشر بمسلك إجرامي يتصل بالمرور غير الشرعي للمهاجرين بين الدول (تهريب البشر). وعموماً فإن التفرقة بين النشاطين تتطلب توفر معلومات مفصلة حول ظروف الضحية النهائية.

والاتجار بالبشر – خلافاً للتهريب - قد يحدث داخل حدود الدولة أو خارجها. ولا ينص قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر الأميركي على ضرورة نقل الضحايا من منطقة إلى أخرى واستغلالهم، لاعتبار ذلك نوعاً حاداً من أنواع الاتجار بهم. بل يكفي تجنيد، أو إيواء، أو نقل، أو توفير الضحايا من أجل القيام بعمل أو خدمات عن طريق القوة، أو الإكراه، أو الخداع، بهدف إخضاعهم لخدمة إجبارية، أو لأعمال السخرة، أو لضمان الدين، أو للعبودية.

ثانياً : حجم وأسباب ظاهرة الاتجار بالبشر :
أ- حجم الظاهرة :
تقدر الإحصاءات التي وردت في تقرير تجارة البشر لعام 2004 الصادر عن مكتب مراقبة الاتجار بالبشر ومكافحته بوزارة الخارجية الأمريكية أنه يتم الاتجار بنحو 000,600 إلى 800.000 شخص عبر الحدود الدولية. وكشف محللو هذه المعلومات أن 80% من هؤلاء الضحايا هن من النساء، وأن 70% منهن تمت المتاجرة بهن لأغراض جنسية؛ فيما يشكل الأطفال غالب النسبة المتبقية. ويتراوح عدد الأشخاص الذين تمت المتاجرة بهم في الولايات المتحدة وحدها ما بين 14.500 إلى 17.500. والحقيقة أنه من الصعب تقدير عدد ضحايا الاتجار بالبشر حول العالم، ذلك أنها تمثل نشاطاً سرياً مما يجعل تحديد أشكالها المختلفة أمراً صعباً للغاية. وفي الغالب تتخذ من عملية تهريب الأجانب أو إساءة استخدام العمالة المهاجرة الأجنبية ستاراً لها. هذا فضلاً عن ضعف المعلومات المتوفرة حول الاتجار بالبشر، وبصفة خاصة عدد الأشخاص الذين تتم المتاجرة بهم في الشرق الأوسط وعبره. ولذلك غالباً ما ترتكز المعلومات على الأشخاص الذين تتم المتاجرة بهم عبر الحدود الدولية، وذلك لسهولة تحديد هؤلاء الضحايا مقارنة مع الذين تتم المتاجرة بهم داخل الدول.

وعلى كل فإن بعض التقديرات لوزارة الخارجية الأمريكية تشير إلى أن مجموع الأشخاص الذين يتم الاتجار بهم داخل الدول يتراوح بين مليونين وأربع ملايين شخص، حال أن يجبر الضحايا على العمل في الدعارة أو في المصانع، أو المزارع، أو الخدمة المنزلية، وفي صفوف الأطفال المجندين، وفي أشكال عديدة من الأعمال الاستعبادية الإجبارية الشاقة.

ب- أسباب الظاهرة :
1- تنامي طلب العمالة :
بدأ ازدهار تجارة عبودية القرن الحادي والعشرين بالأساس نتيجة زيادة الطلب العالمي على العمالة غير القانونية الرخيصة والمستضعفة. فالطلب على الخدم في المنازل في دول شرق أسيا يُعتبر الأكبر، وكثيراً ما يتم استغلال الضحايا أو استعبادهم بالأعمال الشاقة. وهنا تظهر أحد أشكال الاتجار بالبشر الحادة المسمى "العبودية القسرية". وينشأ هذا النمط من العبودية حين يهجر الأفراد تجمعاتهم النامية لأسباب اقتصادية ويسافرون إلى المراكز الحضرية القريبة أو إلى البلدان ذات الوفرة الاقتصادية من أجل العمل، وعندها يصبحون عرضة لأوضاع العبودية القسرية خاصة حال عملهم في أعمال الخدمة المنزلية. ويكشف عن تلك العبودية تعرض هؤلاء العمال لأشكال من الأذى اللفظي والجسدي من قبل رب العمل؛ فضلاً عن خرق عقد العمل الذي يحكم العلاقة بين الطرفين من خلال تأخير الأجور، أو عدم منح عطلة للراحة من العمل، ويزداد هذا الأذى في الحالات التي تحتجز فيها وثائق الهوية الخاصة بهؤلاء العمال تحت يد صاحب العمل.
وقد جاء في قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر الأمريكي أن استغلال العمالة يتحول إلى عبودية قسرية عندما يلجاً رب العمل إلى استخدام أذى لفظي أو جسدي أو التهديد أو غير ذلك من أشكال الإساءة لإبقاء العامل في خدمته، أو إذا كان رب العمل سبباً في اعتقاد العامل أنه لا يمكنه الخلاص من ذلك الوضع دون التعرض للإساءة والاحتجاز. كما يُعتبر احتجاز رب العمل لجواز سفر العامل أو تصريح عمله أو هويته الشخصية شكلاً من التقييد الجسدي، يدعم وجود نوع من العبودية القسرية.

2- ضعف المستوى المعيشي :
إن تفشي الفقر وتنامي الصعاب الاقتصادية في العديد من الدول أوجدت تفتتاً للنسيج الاجتماعي، ساعد بدوره على تزايد حركة الاتجار بالبشر في تلك الدول، خاصة بالنسبة للنساء، اللائي يعتبرن في البلدان الفقيرة ذات النظام الأبوي عبئاً اقتصادياً، الأمر الذي يدفع العائلات إلى التخلص منهن كمحظيات، أو نقلهن إلى دول أخرى حيث يجبرن على الزواج أو على العمل في البغاء.

والمؤكد أن البغاء وما يتصل به من نشاطات، مثل القوادة والإغراء ورعاية المواخير والإنفاق عليها، تساهم في الاتجار بالبشر، كونها توفر واجهة يعمل خلفها القائمون على هذه التجارة لغرض الاستغلال ******. وقد أظهرت دراسة أجرتها الحكومة السويدية بأن الكثير من الأرباح التي تُجنى من تجارة البغاء الدولية تذهب مباشرة إلى جيوب المتاجرين بالبشر. كما تقدر منظمة الهجرة الدولية بأنه يتم بيع حوالي خمسمائة ألف امرأة كل عام إلى أسواق البغاء المحلية في أوروبا.

والثابت أن إضفاء الصفة القانونية على مهنة البغاء لم يؤدي في الدول التي أقرت هذا الأسلوب إلى القضاء على الاتجار بالبشر. فقد ثبت أنه عندما تتسامح المجتمعات والسلطات الحكومية مع البغاء؛ فإن جماعات الجريمة المنظمة تعمل بحرية أكبر للاتجار بالبشر. وحيثما جُعلت مهنة البغاء قانونية؛ فإن قيمة الخدمات الجنسية سوف تشتمل على إيجار الماخور، والفحص الطبي، ورسوم التسجيل. وبسبب هذه التكاليف ازدهر البغاء غير القانوني في المناطق المرخص لها، ذلك أن الزبون يبحث عن سلعة جنسية أرخص ثمناً. ويتراوح عدد النساء اللاتي لم يسجلن رسمياً في الدول التي سمحت بالبغاء، بين ثلاثة إلى عشرة أضعاف اللاتي سجلن أسماءهن في سجلات الحكومة. لذلك فان السماح الرسمي لمهنة الدعارة يمنح القائمين على الاتجار بالبشر أفضل غطاء، الأمر الذي يخولهم إضفاء الصفة القانونية على تجارة العبودية الجنسية، ويجعل من الصعب التعرف على ضحايا الاتجار بالبشر.


3- السياحة الجنسية :
لاحظت التقارير الدولية أن الرغبة في رفع مستوى الحالة الاقتصادية للأفراد قد أزادت من تفشي ظاهرة السياحة الجنسية، وبخاصة ممارستها قبل الأطفال، تلك التي أصبحت تجارة عالمية تسهلها وسائل تكنولوجية بما في ذلك الإنترنت التي توسع الخيارات المتاحة للمستهلكين، وتسمح بعقد صفقات مباشرة، بطريقة تكاد تكون غير قابلة للكشف. ويزدهر هذا النمط من تجارة البشر بين السياح اليابانيون الذين يقصدون ***** من بلادهم إلى تايلاند، بينما يسافر الأميركيون إلى المكسيك وأميركا الوسطى. وهناك البعض ممن لا يقصدون السفر خصيصاً لممارسة ***** مع الأطفال، وإنما يستغلون وجودهم في دولة معينة لفعل ذلك.



ونتيجة لاستفحال ظاهرة سياحة *** الأطفال؛ فإن المنظمات الحكومية وصناعة السياحة والحكومات، قد بدأت في مواجهة هذا الموضوع. وقد انعقد المؤتمر العالمي الخاص بمكافحة الاستغلال ****** التجاري في استكهولم عام 1996، وفي يوكوهاما عام 2001، بهدف جلب الانتباه الدولي لهذا الموضوع. وقد شكلت منظمة السياحة العالمية لجنة عمل لمكافحة الاستغلال ****** التجاري. وأعلنت عن نظام انضباط عالمي للسياحة عام 1999. وقد تبنت اثنتان وثلاثون دولة قوانين خارجة عن نطاق التشريع الوطني تسمح بملاحقة مواطنيها على جرائم ترتكب في الخارج، بصرف النظر إن كان فعل الشخص يعد جريمة في الدولة التي حدث فيها.


وقد اتخذت عدة دول خطوات جديرة بالثناء لمكافحة سياحة *** الأطفال. فعلى سبيل المثال، وضعت وزارة التعليم الفرنسية مع ممثلين عن صناعة السياحة، توجيهات تخص سياحة *** الأطفال ليتم تعليمها في منهاج مدارس السياحة، كما أن خطوط الطيران الفرنسية الرسمية قد خصصت جزءاً من مبيعات الألعاب داخل الطائرة لصندوق خاص ببرامج تهدف إلى التوعية بسياحة *** الأطفال. ونظمت البرازيل حملة توعية وطنية ودولية خاصة بسياحة *****. وتتطلب إيطاليا أن يوفر المرشدون السياحيون معلومات تتعلق بقوانينها التي تسمح بمعاقبة مرتكبي جرائم سياحة *** الأطفال، وقد وقّع جميع المرشدين السياحيين في السويد تقريباً، على نظام انضباط من شأنه الموافقة على تثقيف الموظفين بشأن سياحة *** الأطفال. وقد استحدثت كمبوديا وحدات شرطة مهمتها التركيز على مكافحة سياحة *** الأطفال، وقد اعتقلت عدداً من الشاذين جنسياً الأجانب ورحلتهم إلى بلادهم. وتلاحق اليابان مواطنيها الذين يضبطون وهم يمارسون ***** مع الأطفال في دول أخرى.

وقد عززت الولايات المتحدة قدرتها على مكافحة سياحة *** الأطفال من خلال إقرار إعادة العمل بقانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر، الذي من شأنه دعم الوعي بمخاطر سياحة *** الأطفال، وقد رفع هذا القانون العقوبات لتصل إلى ثلاثين عاماً من السجن لمن يرتكب جرم سياحة *** الأطفال. وفي الثمانية أشهر الأولى من "عملية المفترس" (وهي مبادرة طرحت عام 2003، لمكافحة استغلال الأطفال، وصور الأطفال الإباحية، وجرائم سياحة *** الأطفال)، اعتقلت السلطات الأميركية خمسة وعشرين مواطناً أميركياً لجرائم تتعلق بسياحة *** الأطفال، وصدرت أحكامضد اثني عشر شخصاً مارسوا السياحة لاستغلال الأطفال جنسياً.وبشكل عام؛ فإن المجتمع الدولي يزداد وعياً حول سياحة *** الأطفال المخيفة، وقد بدأ باتخاذ خطوات أولية هامة.


4- سوء استخدام التأشيرات الفنية :
ويعاظم من ظاهرة الاتجار بالبشر أيضاً سوء استخدام التأشيرة "الفنية" أو تأشيرة "ممارسة الأعمال الترفيهية". ففي العديد من الدول يتم الحصول على تأشيرة فنية أو لممارسة أعمال ترفيهية، وذلك لتسهيل حركة الاتجار بالبشر واستغلال ضحاياه. ويتم منح آلاف النسوة هذه التأشيرة المؤقتة بهدف الحصول على عمل قانوني في مجالات الترفيه أو الضيافة. وغالباً ما تلعب وكالات التوظيف المرخص لها بموجب قوانين الدولة الأصلية وتلك التي تتوجه إليها الضحية، دوراً رئيسياً في خداع هؤلاء النسوة وتطويعهن للعمل.

ولدى وصول الضحايا إلى الدول التي يقصدن، يتم تجريدهن من وثائق وجوازات سفرهن، ويتم إجبارهن على أوضاع يجري فيها استغلالهن جنسياً أو إجبارهن على الأعمال الشاقة. وإذا تجاوزت إقامة الضحية مدة التأشيرة أو أخلت بأحد بنودها، يتم إجبارها على الطاعة من قبل الذين يستغلونها مع التهديد بالإبلاغ عنها لسلطات الهجرة. وقد أقرت حكومات سويسرا وسلوفانيا وقبرص واليابان صدور مثل هذه التأشيرات بأعداد كبيرة لدخول أراضيها واستخدامها كآلية للاتجار بالبشر. وقد ذكرت تقارير أن اليابان أصدرت العام 2003 نحو 55.000 تأشيرة أعمال ترفيهية لنساء من الفلبين يشتبه بأن العديد منهن أصبحن ضحايا الاتجار بهن.


وهنا يتعين على السلطات أن تدقق في شروط منح هذا النوع من التأشيرات وأن تطبق إجراءات رقابة خاصة على مقدمي الطلبات المتكررة ومن يكفلونها. وينبغي إجراء حملات توعية في البلدان الأصلية لتنبيه طالبات تأشيرة الأعمال الترفيهية من الخدع التي يلجأ إليها المتاجرون بالبشر لإغراء النساء على استغلالهن في العمل وإجبارهن على الدعارة.


5- النزاعات المسلحة :
الثابت أن تزايد النزاعات المسلحة قد مكن من تنامي ظاهرة تجنيد الأطفال كأحد الأشكال الحادة للاتجار بالبشر. وهنا تشير الإحصاءات إلى أنه قد تم تجنيد عشرات الآلاف من الأطفال تحت سن الثامنة عشر للمشاركة في نزاعات مسلحة وللعمل في جيوش نظامية، وميليشيات مسلحة، وجماعات متمردة. وبينما يُختطف بعض الأطفال لإجبارهم على العمل، يجند آخرون نتيجة تهديدهم أو عن طريق تقديم رشاوى، أو وعود كاذبة بالتعويض.

ويأمل الأطفال في العديد من الحالات في الحصول على مأكل، وملبس، ومأوى، إلا أن قرار طفل الانضمام إلى جماعة مسلحة لا يجوز اعتباره قراراً حراً. إن الأطفال الذين يتورطون في النزاعات المسلحة يبحثون بائسين عن وسائل للبقاء. ولكون الأطفال غير ناضجين عاطفياً وجسدياً؛ فإنهم يُستغلون بسهولة ويُجبرون على العنف. ومما يؤسف له أن العديد من الجنود الصغار يُكرهون على شرب الخمر واستخدام المخدرات لجعلهم يتحملون العنف ولتعزيز أدائهم.

وغالباً ما يفتقد الأطفال الذين يتم تجنيدهم إلى التدريب المناسب، ويعاملون بقسوة، ويتم دفعهم إلى ساحات المعركة بسرعة. وقد يتم إرسال الأولاد والبنات إلى أرض المعركة أو تلك المزروعة بالألغام قبل إرسال القوات النظامية. ويُستخدم بعض الأطفال لشن هجمات انتحارية، أو لإجبارهم على ارتكاب أعمال وحشية ضد عائلاتهم ومجتمعاتهم. ويُجبر غيرهم، بمن فيهم نحو خمسة عشر ألف طفل متورطين في نزاعات ليبيريا الأخيرة، على العمل كحمالين، وطباخين، وحراس، وخدم، وسعاة، أو جواسيس.

ويتعرض الكثير من الأطفال المجندين، وخاصة البنات، للأذى الجنسي، ويواجهون خطر الإصابة بالأمراض الجنسية المعدية وبحالات الحمل غير المرغوب بها.

وتكشف التقارير عن أن الجنود من الأطفال يقتلون ويجرحون بنسب تفوق النسبة التي يقتل بها رفاقهم الأكبر عمراً. وعادة ما تضع جماعات مسلحة "علامة" على وجوه مجنديها من الأطفال، أو صدورهم، بواسطة سكين أو قطعة زجاج. ويعاني الناجون من صدمات متعددة وأثر نفسي نتيجة العنف والوحشية التي مروا بها. كما أن نموهم كأشخاص، غالباً ما يصاب بأذى لا يمكن تصحيحه. وغالباً ما ترفض عائلات الأطفال الذين جندوا في السابق ومجتمعاتهم عودتهم إليها، بسبب العنف الذي مارسه هؤلاء أو جماعتهم ضد مجتمعاتهم.
وإذا كانت ظاهرة تجنيد الأطفال تكثر على نحو خاص في إفريقيا، إلا النزاعات المسلحة التي تشهدها بعض دول أسيا وأميركا الجنوبية والشرق الأوسط كشفت عن تنامي تلك الظاهرة؛ فضلاً عن ضعف الإرادة السياسية في البلدان ذات الصلة بتلك النزاعات للخضوع للالتزامات الدولية التي تحظر تجنيد الأطفال وتقيده.

6- الفساد وعدم الاستقرار السياسي :
لاشك أن غلواء الحكومات الفاسدة؛ فضلاً عن عدم الاستقرار السياسي في بعض البلدان، قد شكلا تربة خصبة لعمل المنظمات الإجرامية الدولية في النشاطات الإجرامية المتعلقة بالاتجار بالبشر. وهنا تقدر هيئة الأمم المتحدة أن الأرباح الناجمة عن الاتجار بالبشر تحتل المركز الثالث من مصادر دخل الجريمة المنظمة، وتلي في الترتيب الاتجار بالمخدرات والاتجار في السلاح. وتقدر وكالة الاستخبارات الأميركية الواردات السنوية لهذا الاتجار بحوالي 9.5 مليار دولار أميركي. ولذلك ليس بالغريب أن ترتبط ظاهرة الاتجار بالبشر بنشاطات إجرامية منظمة أخرى مثل عمليات غسيل الأموال وتهريب المخدرات وتزوير الوثائق وتهريب البشر؛ فضلاً عن ارتباطها المؤكد بالجماعات الإرهابية. وهنا نؤكد أن الدولة التي تختار التقليل من شأن مشكلة الاتجار بالبشر عليها أن تتحمل عواقب هذا الأمر أحياناً على أمنها القومي.

ثالثاً : أنماط الاتجار بالبشر في المملكة :
من المؤكد أنه لا تخلو دولة من ظاهرة الاتجار بالبشر مع فوارق في نوع وحجم تلك الظاهرة، ويمكننا أن نحدد أنماط الاتجار بالبشر الأكثر شيوعاً في المملكة في الظواهر الآتية :

أ- عمالة الأطفال :
يقصد بعمالة الأطفال؛ في جانبها السلبي، العمل الذي يضع أعباء ثقيلة على الطفل، أي العمل الذي يهدد سلامته وصحته ورفاهيته، والعمل الذي يستفيد من ضعف الطفل وعدم قدرته عن الدفاع عن حقوقه، والعمل الذي يستغل الأطفال كعمالة رخيصة بديلة عن عمل الكبار، والعمل الذي يستخدم وجود الأطفال ولا يساهم في تنميتهم، والعمل الذي يعيق تعليم الطفل وتدريبه ويغير حياته ومستقبله.

وقد انتشرت عمالة الأطفال في مدن المملكة بشكل واضح؛ فتجدهم أمام ساحات الحرمين , وعلى الكورنيشات والمتنـزهات العامة , وعند مفترق الطرق والإشارات. وفي تقرير لمنظمة العمل الدولية (حول مكافحة عمل الأطفال) أن عدد الأطفال العاملين في العالم 246 مليوناً , منهم 127 مليون طفل أقل من 14 عاماَ يعملون في المنطقة الآسيوية، ومنهم 73 مليون طفل عامل تقلّ أعمارهم عن عشر سنوات.

ومن أهم العوامل التي ساعدت على نشوء هذه الظاهرة في المملكة :

1- الفقر والحاجة التي شكلها تواجد الجنسيات الوافدة بشكل غير رسمي في أحياء مشهورة في مدن المملكة. وقد أدى ذلك إلى تزايد معدلات التسول بسبب انقطاع فرص العمل فيضطر الأطفال للتسول لتأمين لقمة العيش ؛

2- تدني ثقافة الأسرة وتفككها؛ فضلاً عن رضا الوالدين أن يزجّوا بأبنائهم الصغار الذين لم تكتمل قدراتهم العضلية والعقلية من أجل حفنة من الريالات ؛

3- تهريب الأطفال : يشكل تهريب الأطفال إلى السعودية قلقاً بالغاً للحكومة اليمنية التي نفذت دراسة ميدانية حول هذا الموضوع كشفت فيها أن الفقر يقف عاملاً رئيساَ وراءها , وصدر تقرير عن منظمة اليونيسيف يؤكد أن خمسين ألف طفل وطفلة يمنيين تتراوح أعمارهم ما بين 7-18 سنة هُرِبوا خلال العام الماضي، منهم الكثير عبر الأراضي السعودية.

ب- العبودية القسرية تجاه خدم المنازل :
وضعت وزارة الخارجية الأمريكية في عام 2005 تقريراً جديداً عن حالة الاتجار بالبشر في العالم وضعت فيه المملكة العربية السعودية؛ فضلاً عن ثلاث دول خليجية أخرى هي الكويت وقطر والإمارات العربية؛ في المرتبة الثالثة في تصنيف طبقات الدول غير المتعاونة في مجال مكافحة الاتجار بالبشر. وأشار التقرير إلى أن دول الخليج تلك هي المقصد للأشخاص المتاجر بهم من جنوب شرق آسيا ومنشرق أفريقيا كأرقاء للخدمة المنزلية والعمل في الأعمال الوضيعة، ويأتي الضحايا بصورة رئيسية من إندونيسيا، والفيليبين، وسريلانكا، وبنجلاديش.

وقد أشار التقرير إلى أن السعودية لم تبذل أي مجهود بقصد حماية ضحايا التجارة بالأشخاص. فالخدم في المنازل لا يتمتعون بالحماية القانونية الكافية، خاصة وأنهم مستثنون من نطاق تطبيق نظام العمل والعمال الجديد لعام 1426هـ (م.7 من النظام). وغالباً ما تسوى معظم القضايا المتعلقة بالاتجار بخدم المنازل والاعتداء عليهم، بما فيها شكاوى ذات طابع جنائي، خارج المحكمة من خلال الوساطة والتسويات النقدية. ويواجه ضحايا الاتجار بالأشخاص عوائق في سعيهملتقديم أرباب عملهم، أو الذين يتجرون بهم، للمحاكمة. وغالبا ما يتعرض ضحايا تلك التجارة للاعتقال والسجن والترحيل في حال مخالفتهمقوانين الهجرة، وقد يعادون إلى مستخدميهم الذين يسيئون معاملتهم. ويقول التقرير إن السعودية لم تلاحق المتاجرين بالبشر لمحاكمتهم، باستثناءحالة واحدة حيث قدمت الحكومة السعودية مستخدما واحداً للمحاكمة في قضية لها علاقة بمخالفة من نوع الاتجار بالأشخاص خلال الفترة التي يشملها التقرير.
ويوضح التقرير أنه لا توجد في السعودية أي قوانين تحرم الاتجار بالبشر وتجرمه أوتوفر أي حماية لخدم المنازل بموجب قانون العمل. ويقول إن حالات إساءة معاملة العمال الأجانب نادرا ما تعرض على القضاء للنظر فيها كقضايا جرمية.

ووفق تقرير سابق لمكتب الأمم المتحدة بعنوان "الاتجار غير المشروع بالبشر.. الاتجاهات العالمية" فإن المملكة العربية السعودية قد سجلت معدلاً "مرتفعا" كدول مصب في مجال الخدمة المنزلية. كما أشار التقرير الأمريكي السنوي عن أوضاع حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية إلى أن من بين ملايين العمال الأجانب في البلاد، جرى ابتزاز بعض الأشخاص، وبالأخص خدم المنازل، من قبل مكاتب التوظيف، أو جرى استغلالهم من قبل أصحاب العمل. وقد يظلّ بعض العمال يعملون بعد انتهاء المدة المحددة في عقود عملهم، ويُستَغَلون بالتالي، نظراً لتمتّعهم بحماية قانونية متدنية. وقد هرب العديد من خدم المنازل من ظروف عمل شملت احتجازهم القسري داخل المنازل، وضربهم أو غير ذلك من أعمال الإيذاء الجسدي، وحرمانهم من الطعام واغتصابهم، والحرمان التعسفي من الحرية، والقيود المفروضة على التنقل، وهى أمور تجعل ظروف العمل أشبه بالعبودية. وعلى الرغم من أن هذا يتعارض معالقانون السعودي؛ فإن بعض العمال الأجانب الذين يفتقرون للخبرة يجري احتجاز جوازاتسفرهم وتغيير عقودهم، ويعانون من عدم دفع رواتبهم بدرجات ولمدد متفاوتة.

وفي تقرير لمنظمة العفو الدولية نشر في السابع عشر من يناير عام 2007 على موقع المنظمة الالكتروني جاء على لسان إحدى الضحايا تدعى ناتيفاداد لمبيادو، وهي خادمة من الفلبين، قولها "كان جميع أفراد الأسرة يبصقون علىّ بانتظام، وكنت أتعرض للضرب، وكان الوالد هو الذي يضربني عادة. وكان يضربني بعقاله، وقد بدأ الضرب بعد قضائي ثلاثة أشهر في المنزل، وكنت قد طلبت أجرى إذ إنني لم أكن تلقيت أي شيء حتى تلك اللحظة… وبعدها صرت أُضرب كل يوم".

وقد روت كارسيني بنت ساندي، وهي عاملة منزلية إندونيسية تبلغ من العمر 19 عاماً، لمنظمة العفو الدولية أن مستخدميها تهجّموا عليها، ثم شتمها رجال الشرطة وهددوا بإعدامها عندما طلبت المساعدة منهم. وقد نجحت آخر الأمر في الفرار والعودة إلى إندونيسيا.

ورغم كل ذلك فإن منظمة العفو الدولية قد رحبت في تقريرها بالخطوة الإيجابية المهمة التي اتخذتها المملكة العربية السعودية مؤخراً، بالانضمام إلى "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" الصادرة عن الأمم المتحدة، وإن كانت قد أبدت تحفظات واسعة عليها. كما أشاد التقرير بما أعدته المملكة بأكاديميات الشرطة من دورات تدريبية للضباط الجدد حول كيفية التعامل مع القضايا العمالية بغرض توفير حماية قانونية فعالة للعمالة بصفة عامة.

ج- طرد العمالة الأجنبية :
في السابع عشر من شهر يناير عام 2007 وجه موقع منظمة العفو الدولية على الشبكة الدولية للمعلومات حملة ضد حكومة المملكة العربية السعودية لاتهامها بأنها تمارس عمليات اعتقال قسري وطرد للعمالة والمهاجرين الأجانب لأسباب قائمة على التمييز بسبب معتقداتهم وانتماءاتهم الدينية. وقد جاء هذا الهجوم في أعقاب طرد ما لا يقل عن 14 أجنبياً، جميعهم من العمال المهاجرين وأفراد عائلاتهم الذين ينتمون إلى دول مختلفة، من المملكة العربية السعودية في الأسبوع الماضي. وقد أُمر العمال جميعهم، ومعظمهم يعمل في السعودية منذ سنوات، بمغادرة البلاد بسبب صلتهم الفعلية أو المشتبه بها كما يبدو بالطائفة الأحمدية، وهي طائفة دينية تعتبر نفسها إسلامية، رغم أنه لا يُعَرف أنه تم توجيه أية تهمة لأحدهم بارتكاب أية جرائم.

وبحسب المعلومات التي تلقتها منظمة العفو الدولية، كان قد ألقي القبض على حوالي 55 أجنبياً، جميعهم من العمال المهاجرين وعائلاتهم في 29 ديسمبر 2006 في مكان للعبادة بجدة على أيدي أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم سُلِموا إلى الشرطة المدنية في جدة لاعتقالهم، وفي 10 يناير 2007، أُطلق سراح 35 منهم، بينهم نساء وأطفال، وقد أبلغوا بأنه ينبغي عليهم مغادرة السعودية حالما ينجز كفلاؤهم الترتيبات الضرورية لسفرهم، ولم يتح لهؤلاء أية فرصة للطعن على قرار طردهم.

د- أساليب الرق المعاصر نحو المرأة :
كانت منظمة العفو الدولية قد أشارت في تقرير لها أصدرته في السابع والعشرين من سبتمبر عام 2000 بعنوان "انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تتعرض لها المرأة"، إلى أنه "بالرغم من المناقشات المشجعة التي برزت مؤخراً حول حقوق المرأة في المملكة العربية السعودية؛ فإن النساء ما زلن يتعرضن لأقصى أشكال التمييز والقيود على حقوقهن الإنسانية الأساسية". ويصف التقرير على نحو مفصل أنماطاً شتى من انتهاكات حقوق الإنسان التي تكابدها المرأة في السعودية من جراء السياسات والممارسات التي أصبحت راسخة بحكم التقاليد والأعراف والفتاوى الدينية. فالتمييز ضد النساء يمس جميع أوجه حياتهن تقريباً، سواء على مستوى الحياة العائلية، أو اتخاذ القرار، أو العمل، أو التعليم، أو النظام القضائي. وهو عنصر مؤثر في عدد كبير من انتهاكات حقوق الإنسان التي عادةً ما ترد أنباء عنها من السعودية، بل ومن شأنه أن يضاعف من وطأة هذه الانتهاكات.

وأشار التقرير إلى أن هناك قيود عديدة تفرض على المرأة بشأن تنقلها؛ فالبين أن المرأة في السعودية لا تستطيع أن تسير بمفردها في حرية كاملة حتى في المناطق المجاورة لبيتها؛ فكثيراً ما تتعرض للإيقاف أو الضرب أو الاعتقال، وخصوصاً عل أيدي أفراد هيئة الأمر بالمعروف، والذين قد يحتجزونها للاشتباه في ارتكابها جريمة أخلاقية.
كما لا يُسمح للمرأة بالذهاب إلى أي مكان أو بالسفر خارج البلاد بدون محرم من الذكور، أو بدون موافقة كتابية منه.

وعلى مستوى نظام القضاء الجنائي تتعرض المرأة في السعودية إلى محاكمات جائرة لا تفي بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة. فعند تعامل النساء مع نظام القضاء الجنائي، يتولى استجوابهن في جميع الحالات محققون ذكور، ونظراً لأن أولئك النسوة لم يسبق لهن التعامل مع ذكور من غير أقاربهن؛ فإنهن يصبحن أكثر عرضة للترهيب لحملهن على الإدلاء باعترافات تُستخدم فيما بعد كدليل وحيد على إدانتهن ومعاقبتهن.

ويشير التقرير إلى أن التمييز يأخذ مساراً حاداً إذا انتقلنا إلى مجال التعليم والعمل. وكما جاء على لسان أحد الكتاب حين تساءل : "هل هناك أي تبرير منطقي لإنفاق مقادير طائلة من الأموال على تعليم البنات، وآلاف الخريجات يواجهن أحد احتمالين إما البقاء في المنزل أو الالتحاق بمهنة واحدة". ولا يقتصر التمييز في القوانين ضد المرأة، كما يوضح التقرير، على القوانين التي تحكم نظام الحكومة واتخاذ القرارات، بل يمتد إلى "نظام العمل ولوائحه" الذي يتضمن فقرات تتسم بالتمييز المباشر وغير المباشر ضد المرأة. وكثيراً ما يؤدي هذا التمييز على أساس النوع إلى حرمان المرأة من التمتع بالفرص والخدمات على قدم المساواة مع الرجل. وطبقاً لإحصائيات السنوات القليلة الماضية، تمثل النساء نسبة 55% من خريجي الجامعات في المملكة العربية السعودية، ويمتلكن 40% من الثروات الخاصة، ونحو 15000 مؤسسة تجارية، ومع ذلك لا يُسمح للمرأة بأن تتولى علناً إدارة مشاريعها التجارية أو بأن تكون طرفاً في أية معاملات تتعلق بها، إذ يتعين أن يقوم أحد أقاربها الذكور أو وكيلها الشرعي بتمثيلها في مثل هذه المعاملات.

ويمثل العنف في إطار الأسرة أشد مظاهر العبودية التي يتحدث عنها التقرير المشار إليه. وكما يقول البعض فإن "….العنف في التعامل مع الزوجة في مجتمعنا السعودي إنه جريمة مسكوت عنها لما فيه من ضرر مستمر في صمت". ويوضح التقرير إلى أنه لم يتسن لمنظمة العفو الدولية أن تكشف النقاب إلا عن قدر ضئيل من المسائل المتعلقة بالعنف في إطار الأسرة في المملكة العربية السعودية. فالسلطات لا تنشر عادةً أية إحصائيات عن قضايا الرجال الذين اتُهموا بالاعتداء على زوجاتهم. وترى منظمة العفو الدولية أن بعض القوانين والممارسات السارية في السعودية، من قبيل القيود على تنقل المرأة، تفاقم من أثر الانتهاكات التي يرتكبها أفراد عاديون. فالقيود على حرية المرأة في التنقل تبلغ حداً يجعل من الصعب عليها في كثير من الأحيان أن تسعى لطلب الحماية أو الإنصاف دون أن تخاطر بالتعرض لمزيد من الانتهاكات.

رابعاً : جهود المملكة في مكافحة الاتجار بالبشر:
الحق أنه من العسف أن نأخذ ما ورد بالتقارير الدولية عن وضع ظاهرة الاتجار بالبشر في المملكة على أنه يرسم الصورة الفعلية لواقع الظاهرة على الأرض؛ فكثيراً ما تستخدم تلك التقارير لتمرير غايات سياسية وفرض نوع من الضغوط لتحقيق مكاسب بشأن إشكاليات إقليمية ذات صلة بالمملكة. ومن الخطأ أيضاً الاعتقاد بأن أجهزة الدولة تتغافل عن تلك المشكلة؛ فالواقع يشهد بأن هناك جهوداً حكومية وعلمية قد بذلت من أجل رصد الإشكالية داخل المجتمع السعودي ومحاولة رسم سياسة مكافحة فعالة قبلها.

فقد قامت الحكومة بتدريب الشرطة للتعرف على حالات الإساءة للعمال الأجانب ومعالجتها. ومنذ عام 2003 والحكومة السعودية تجري مناقشات ثنائية مع حكومات البلدان المصدر فيمحاولة لتحسين مراقبة حالات الاتجار بالأشخاص المحتملة المتعلقة بخدم المنازلالأجانب الذين يعملون في المملكة العربية السعودية. وفي مطلع عام 2004، ألقت السلطات السعودية القبض على عصبة لتهريب الأطفال عبر الحدود اليمنية، وتعمل الحكومة مع عدة مؤسسات خيرية إسلامية لتوفير الرعاية طويلةالأجل للأطفال الذين جرى التخلي عنهم، بمن فيهم الذين جرى الاتجار بهم لإجبارهم على التسول. كما ألقت القبض على رجال بتهم تهريب خادمات أجنبيات إلى جدة للعمل في بيتدعارة. وكانت هذه أول حالة اتجار بالأشخاص لأغراض الاستغلال ****** يبلغ عنها في المملكة. كما تدير الحكومة السعودية ملاجئ ومخيمات رعايةاجتماعية في أكبر ثلاث مدن للعاملات الأجنبيات اللواتي يتعرضن للاعتداء عليهن، بمن فيهن بعض ضحايا الاتجار بالأشخاص. وفي الدمام أنشأت سلطات المنطقة الشرقية مكتباً للرعاية الاجتماعية للعمال الأجانبالذين لديهم شكاوى. ويعمل المكتب كوسيط بين خادمات المنازل وأرباب عملهن.

هذا وقد زادت المملكة العربية السعودية، منذ عام 2003 الجهود التي تبذلها لمنع الاتجار بالأشخاص، لاسيما في مجال خادمات المنازل وذلك بإنشائها عدة لجان مشتركة بين الوكالات للبحث ووضع برامج لتثقيف العمال الأجانب وتيسير عودتهم إلى بلدانهم وحماية الأطفال. ولا تسمح الحكومة بالعمل في المملكة العربية السعودية إلا لوكالات التوظيف المرخصة، ولا يجوز لهذه الوكالات أن تتعامل إلا مع وكالات مرخصة في بلدان المصدر التي يأتي منها العمال. كما توفر وزارةالخارجية للعمال الأجانب، عندما يتسلمون تأشيراتهم في الخارج، معلومات عن الاتجار بالأشخاص والإساءة إلى العمال الأجانب. وقد دعمت الحكومة إعلاناً لخدمة الجمهور موجهاً لخادمات المنازل اللواتي يتعرضن للإساءة، يطلب منهن السعي للحصول على مساعدةالملاجئ التي تديرها الحكومة. كما أنشأت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قاعدة بيانات بأسماء الذين يعرف أنهم أساءوا للعمالالأجانب لمنعهم من توظيف أي شخص في المستقبل.

خامساً : نحو تفعيل سياسة المكافحة بالمملكة:
مع تقديرنا للجهود التي تبذلها المملكة من أجل الحد من ظاهرة الاتجار بالبشر على أراضيها، إلا أن نجاح المملكة في سياسة المكافحة نراه متوقفاً على التزام الوسائل التالية :

أ- البدء الفوري في إصدار تشريع متكامل يجرم كافة الأنماط المتعارف عليها للاتجار بالبشر، ويتضمن خدم المنازل الأجانب بصفة خاصة ؛ رغم إيماننا أن معظم أشكال الاتجار بالأشخاص تقع تحت طائلة القوانين القائمة ؛

ب- تقرير اختصاص للقاضي السعودي بنظر الدعاوى عن الجرائم الخاصة بالاتجار بالبشر سواء وقعت على الإقليم السعودي أو خارجها ؛ وذلك لمواجهة حالات الاستغلال ****** من الوطنيين خارج الإقليم السعودي ؛

ج- تضمين نظام العمل والعمال جزاءات جنائية قاسية لأرباب العمل اللذين يمارسون أنماط من العبودية القسرية قبل عمالهم، مع إخضاع الخدم بالمنازل لأحكام نظام العمل ؛

د- اتخاذ التدابير الكافية لمنع تهريب العمالة غير الشرعية داخل المملكة بحسبانها مدخلاً لوجود حالات من الأشخاص القابلين للاستغلال ؛

هـ- اتخاذ التدابير الكافية للحد من عدد "التأشيرات غير المقيدة" أو التأشيرات غير المرتبطة بوظيفة فعلية ؛

و- إطلاق حملة توعية بين الجيل الناشئ في المدارس والجامعات بمخاطر العبودية المعاصرة وأثارها السلبية على المجتمع ؛

م- تكريس الجهود المجتمعية لمنع ظاهر تسول الأطفال، وخاصة اتخاذ التدابير الكافية لمنع تهريب الأطفال عبر الحدود تجاه المملكة ؛

ن- توجيه نشرات توعية تستهدف المنظمات والهيئات الدولية، وذلك للتبصير بخصوصيات المجتمع السعودي وأصوله العقائدية، التي ربما تتشابك مع ظاهرة الاتجار بالبشر إذا نظر إليها بمعايير مجتمعات أخرى ؛

ي- ضرورة استكمال المملكة لخطوات انضمامها لمواثيق حقوق الإنسان المتعارف عليها، وخاصة العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادرين عن الأمم المتحدة عام 1966.



اللهم اجعل هذا العمل خالصاً لوجهك الكريم