المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عدم دستورية حرمان العامل ببنك التنمية والائتمان الزراعي من مقابل رصيد أجازاته



أحمد الجمل
03-12-2009, 10:53 PM
قضية رقم 59 لسنة 25 قضائية المحكمة الدستورية العليا "دستورية"

باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد 19 ديسمبر سنة 2004 ، الموافق 7 من ذى القعدة سنة 1425 ه .
برئاسة السيد المستشار / ممدوح مرعى رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين : محمد عبدالعزيز الشناوى وماهر سامى يوسف والسيد عبدالمنعم حشيش وسعيد مرعى عمرو والدكتور عادل عمر شريف وتهانى محمد الجبالى
وحضور السيد المستشار / نجيب جمال الدين علما رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 59 لسنة 25 قضائية " دستورية " ، المحالة من محكمة القضاء الإدارى فى الدعوى رقم 4391 لسنة 56 قضائية .
المقامة من
السيد / على محمد عمر طعيمة
ضد
1 السيد رئيس مجلس إدارة البنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى
الإجراءات
بتاريخ الخامس من شهر فبراير سنة 2003 ، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم 4391 لسنة 56 قضائية ، من محكمة القضاء الإدارى تنفيذاً لقراراها الصادر بجلسة 30/12/2002 بوقف الدعوى وإحالتها إلى هذه المحكمة للفصل فى دستورية نص المادة (112) من لائحة شئون العاملين بالبنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى والصادرة بقرار مجلس الإدارة رقم (86) بتاريخ 23/3/1985 والمعدلة فى 26/4/1993 ، فيما تضمنته من حرمان العامل من البدل النقدى لرصيد إجازاته الاعتيادية فيما جاوز أربعة أشهر .
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى .
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها .
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم .
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق ، والمداولة .
حيث إن الوقائع على ما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق تتحصل فى أن المدعى كان قد أقام الدعوى رقم 1679 لسنة 1998 عمال كلى أمام محكمة جنوب القاهرة ضد المدعى عليه ، بطلب الحكم بأداء المقابل النقدى عن كامل إجازاته الاعتيادية التى لم يحصل عليها أثناء مدة خدمته بالبنك ، البالغة 261 يوماً حيث لم يصرف له سوى 120 يوماً وفقاً للحد الأقصى المقرر بموجب المادة (112) من لائحة شئون العاملين بالبنك ، وبتاريخ 29/12/1998 حكمت المحكمة بعدم اختصاصها نوعياً بنظر الدعوى وإحالتها إلى محكمة العمال الجزئية ، حيث قيدت لديها برقم 872 لسنة 1999 عمال جنوب القاهرة ، وبجلسة 22/3/2001 حكمت المحكمة بإلزام البنك المدعى عليه بأن يؤدى للمدعى المقابل النقدى عن كامل إجازاته الاعتيادية التى لم يحصل عليها أثناء مدة خدمته بالبنك ، وإذ لم يرتض البنك المدعى عليه هذا القضاء فقد طعن عليه بالاستئناف رقم 324 لسنة 2001 أمام محكمة عمال مستأنف القاهرة ، وبتاريخ 25/10/2001 حكمت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجدداً بعدم اختصاص المحكمة ولائياً بنظر الدعوى وإحالتها إلى محكمة القضاء الإدارى حيث قيدت برقم 4391 لسنة 56 قضائية ، وإذ تراءى للمحكمة الأخيرة عدم دستورية نص المادة (112) من لائحة شئون العاملين بالبنك لاتفاقها مع نص الفقرة الأخيرة من المادة (65) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 ، والذى قضت المحكمة الدستورية العليا بجلسة 6/5/2000 بعدم دستوريته ، فقد قررت وقف الدعوى وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية النص محل الدعوى الراهنة .
وحيث إن نطاق الدعوى الماثلة ينحصر فى ما تضمنه نص المادة (112) من لائحة شئون العاملين بالبنك المدعى عليه من وضع حد أقصى لرصيد الإجازات التى يستحق العامل مقابلاً نقدياً عنها ، وهو ما تتحقق به المصلحة فى الدعوى .
وحيث إن المدعى فى الدعوى المعروضة كان من العاملين بالبنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى والذى ينص قانون إنشائه رقم 117 لسنة 1976 على أنه هيئة عامة قابضة لها شخصية اعتبارية مستقلة ، ومن ثم يكون من أشخاص القانون العام ويكون العاملون فيه موظفين عامين يرتبطون به بعلاقة تنظيمية تحكمها لائحة نظام العاملين بالبنك والصادرة بقرار من مجلس إدارته متضمنة النص المطعون فيه ، وهى بهذه المثابة تعتبر تشريعاً بالمعنى الموضوعى بما يمتد إليه اختصاص هذه المحكمة فى الرقابة الدستورية ، ويغدو الدفع بعدم اختصاص المحكمة على غير أساس متعيناً الحكم بعدم قبوله .
وحيث إنه - من المقرر فى قضاء هذه المحكمة - أن لكل حق أوضاعاً يقتضيها أو آثاراً يرتبها من بينها – فى مجال حق العمل - ضمان الشروط التى يكون أداء العمل فى نطاقها منصفاً وإنسانياً ومواتياً . فلا تنتزع هذه الشروط قسراً من محيطها ، ولا ترهق بفحواها بيئة العمل ذاتها ، أو تناقض بأثرها ما ينبغى أن يرتبط حقاً وعقلاً بالشروط الضرورية لأداء العمل بصورة طبيعية لا تحامل فيها . ومن ثم لا يجوز أن تنفصل الشروط التى يتطلبها المشرع لمباشرة عمل أو أعمال بذواتها ، عن متطلبات ممارستها ، وإلا كان تقريرها انحرافاً بها عن غايتها يستوى فى ذلك أن يكون سندها علاقة عقدية أو رابطة لائحية .
وحيث إن الدستور وإن خول السلطة التشريعية بنص المادة (13) تنظيم حق العمل إلا أنها لا يجوز لها أن تعطل جوهره . ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئاً لإهدار حقوق يملكها ، وعلى الأخص تلك التى تتصل بالأوضاع التى ينبغى أن يمارس العمل فيها ويندرج تحتها الحق فى الإجازة السنوية التى لا يجوز لجهة العمل أن تحجبها عن عامل يستحقها وإلا كان ذلك منها عدواناً على صحته البدنية والنفسية . وإخلالاً بأحد التزاماتها الجوهرية التى لا يجوز للعامل بدوره أن يتسامح فيها ، ونكولاً عن الحدود المنطقية التى ينبغى وفقاً للدستور أن تكون إطاراً لحق العمل ، واستتاراً بتنظيم هذا الحق للحد من مداه .
وحيث إن المشرع – وفى الإطار السابق بيانه – قد صاغ بنص المادة (65) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 المعدل بالقانون رقم 219 لسنة 1991 – وهو القانون العام بالنسبة للعاملين بالدولة وهيئاتها العامة – حق العامل فى الإجازة السنوية فغدا بذلك حقاً مقرراً له بنص القانون . يظل قائماً ما بقيت الرابطة الوظيفية قائمة وقد أخذت عنه لائحة العاملين بالبنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى متضمنة ذات الأحكام متوخية لذات الأهداف .
وحيث إن المشرع تغيا من ضمان حق العامل فى إجازة سنوية بالشروط التى حددها أن يستعيد العامل خلالها قواه المادية والمعنوية . ولا يجوز بالتالى أن ينزل العامل عنها ولو كان هذا النزول ضمنياً بالامتناع عن طلبها ، إذ هى فريضة اقتضاها المشرع من كل من العامل وجهة الإدارة فلا يملك أيهما إهدارها كلياً أو جزئياً إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل ، ولا أن يدعى العامل أنه بالخيار بين طلبها أو تركها ، وإلا كان التخلى عنها إنهاكاً لقواه ، وتبديداً لطاقاته ، وإضراراً بمصلحة العمل ذاتها التى يتعذر صونها مع الاستمرار فيه دون انقطاع . بل إن المشرع اعتبر حصول العامل على إجازة اعتيادية لمدة ستة أيام متصلة كل سنة أمراً لا يجوز الترخص فيه ، أو التذرع دون تمامه بدواعى مصلحة العمل وهو ما يقطع بأن الحق فى الإجازة السنوية يتصل بقيمة العمل وجدواه وينعكس بالضرورة على كيان الجماعة ويمس مصالحها العليا صوناً لقوتها الإنتاجية البشرية .
وحيث إن المشرع قد دل بما تضمنته المادة (112) من لائحة شئون العاملين بالبنك المدعى عليه ( الفقرة المطعون عليها ) ، إنه لا يجوز أن يتخذ العامل من الإجازة السنوية وعاءً ادخارياً من خلال ترحيل مددها التى تراخى فى استعمالها ، ثم تجميعها ليحصل بعد انتهاء خدمته على ما يقابلها من الأجر ، وكان ضمان المشرع لمصلحة العمل ذاتها قد اقتضاه أن يرد على العامل سوء قصده ، فلم يجز له أن يحصل على ما يساوى أجر هذا الرصيد إلا عن مدة لا تجاوز أربعة أشهر ، بيد أن هذا الحكم لا ينبغى أن يسرى على إطلاقه ، بما مؤداه أنه كلما كان فوات الإجازة راجعاً إلى جهة العمل أو لأسباب اقتضتها ظروف أدائه دون أن يكون لإرادة العامل دخل فيها كانت جهة العمل مسئولة عن تعويضه عنها ، فيجوز للعامل عندئذ – وكأصل عام – أن يطلبها جملة فيما جاوز ستة أيام كل سنة إذا كان اقتضاء ما تجمع من إجازاته السنوية على هذا النحو ممكناً عيناً ، وإلا كان التعويض النقدى عنها واجباً . تقديراً بأن المدة التى امتد إليها الحرمان من استعمال تلك الإجازة مردها إلى جهة العمل ، فكان لازماً أن تتحمل وحدها تبعة ذلك .
وحيث إن الحق فى هذا التعويض لا يعدو أن يكون من العناصر الإيجابية للذمة المالية للعامل ، مما يندرج فى إطار الحقوق التى تكفلها المادتان (32 و34 ) من الدستور اللتان صان بهما الملكية الخاصة والتى جرى قضاء هذه المحكمة على اتساعها للأموال بوجه عام وانصرافها بالتالى إلى الحقوق الشخصية والعينية جميعها ، متى كان ذلك ، فإن حرمان العامة من التعويض المكافئ للضرر والجابر له يكون مخالفاً للحماية الدستورية المقررة للملكية الخاصة .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة (112) من لائحة شئون العاملين بالبنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى الصادرة بقرار مجلس الإدارة رقم (86) المؤرخ 23/3/1985 والمعدل فى 26/4/1993 ، وذلك فيما تضمنته من حرمان العامل من البدل النقدى لرصيد أجازاته الاعتيادية فيما جاوز أربعة أشهر ، متى كان عدم الحصول على هذا الرصيد راجعاً إلى أسباب اقتضتها مصلحة العمل .