المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم القوى وقوة القوانين



البريتور
29-09-2009, 08:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


حكم القوى وقوة القوانين

منبر الحرية / أنثوني دي جاساي:



ليس كل شيء على ما يرام في سياساتنا. فلم يحدث في التاريخ، ربما باستثناء اليونان القديمة، أن سُيِّست الحياة المدنية الى الحد الذي وصلت اليه اليوم. قد يبدو أن المجتمع يجب أن يكون في حال أفضل اليوم، وأن تخدمه الحكومات بشكل أفضل من أي وقت مضى.





لكن ربما أن قلة من الناس هم من يعتقدون ذلك ويبدو أن الناتج الرئيسي للتدخل الاوسع، والرعاية الأكبر، والسياسات الأكثر شمولية هو مزيد من الكراهية لحكومة مصابة بخلل وظيفي. في المجالات التي تعمقت فيها هذه العملية، في "ظل اشتراكية حقيقية قائمة" وصل الفشل الى مدى مذهل. لكن سواء كانت الحكومات تدعي العيش وفق المبادئ الديمقراطية أو الاشتراكية، أو وفق نظام مهجن صعب التحقيق مكون من تلك المبادئ مجتمعة، فإن علاقاتها مع المحكومين سيئة للغاية.



أسباب هذه الحالة صارت مفهومة على نطاق واسع. حيث أنها أصبحت الحكمة السائدة في العلوم السياسية والاقتصاد السياسي. إن دراسة نظرية الخيار العام تفسر وبشكل مقنع السبب في انحراف القرارات السياسية نحو مفاقمة الأمور، وإعطاء تأثيرات معاكسة مثالية جزئيا، ونتائج ذات "حصيلة سلبية"، كما تفسر لماذا نواصل نحن، كلاعبين عقلانيين في "اللعبة" السياسية طلب المزيد من الشيء ذاته. ونظرا لقواعد اللعبة، فإن من المستبعد الحصول على نتائج أخرى طالما أن هناك عدد كاف من الناس يتصرفون بتعقل، ويعملون على تحقيق اقصى ما يمكن من مجموعة من الأهداف المادية. بالطبع، يمكن للناخبين غير الانانيين أو السياسيين الانتحاريين، تقديم حلول أقل مدعاة للكآبة، لكن هؤلاء يبدون فصيلة نادرة جدا. وبسبب عدم امكانية اجراء تغيير كلي للمشاعر، فإن الحل الوحيد المحتمل يطرح نفسه، وهو: تغيير القواعد. من هنا كان ازدياد الاهتمام بالدساتير، سواء بشكلها الحالي أو كيف يجب أن تكون.



وقد وصف جيمس بيوكانن (1993: 1)، الذي بدا قريبا من حالة اليأس بسبب منطق الخيار العام الذي شارك هو في تكوينه ولم يفهمه أحد أفضل منه، الأمر ببلاغة بقوله: "كيف يمكن إصلاح إطار العمل الدستوري بحيث يمكن مكافأة اللاعبين الذين يعملون للمصلحة العامة فعلا بدل معاقبتهم؟... الجواب واضح .. يجب إزالة العناصر التوزيعية من اللعبة السياسية."



من سيقبض ماذا، ومن سيدفع ماذا؟



الحقيقة أن أي دستور يزيل العنصر التوزيعي، سيلغي السياسة ذاتها. والسبب في التأكيد على أن السياسة توزيعية في جوهرها بسيط للغاية. فحين تأتي جميع المنافع وجميع التكاليف المرتبطة بها على شكل قطع قابلة للتوزيع، بدل أن تأتي على شكل كتلة لا تقبل التوزيع، فكل منفعة يحصل عليها الشخص يمكن جعلها مشروطة بدفع ثمن يغطي بالكامل تكلفة الانتاج، بما في ذلك تكلفة استبعاد من لم يدفعوا. عندها سينتج الافراد، في التعاملات التعاقدية أو شبه التعاقدية، منافع مربحة متبادلة لبعضهم، بحيث يدفع كل واحد مقابل ما يتلقاه، دون الحاجة الى أي قرار جماعي. اذا، واذا فقط، وجدت بعض الاشياء المهمة غير القابلة للقسمة، أو كان هناك احساس بضرورة وجودها (مثلا، على اساس أن انتاج السلم، أو العدالة، أو الامن من مخاطر الحياة ممكن، ويجب انتاجه للجميع) فإن بعض السياسة يصبح أمرا لا مفر منه. ورغم أن المسافة بين "بعض السياسة" واقامة دولة كاملة مجرد خطوة واحدة، فإن حاجتنا الاساسية للسلع العامة غير القابلة للتقسيم (والتي يشكل الأمن العام إحدى الحالات الخاصة لها) هو ما يجعل المفكرين السياسيين يعتقدون بالحاجة الى وجود سلطة عليا قسرية. السلع المجانية الوافرة لا تحتاج الى قرارات، ففي وسع الشخص أن يغرف منها بقدر ما يريد، والحال كذلك بالنسبة للشخص الذي سيأتي بعده. إلا أن السلع العامة التي لها تكلفة انتاج تتطلب توزيع التكلفة السياسية والمشاركة في المنافع السياسية. وبغض النظر عن مدى حدة "الحاجة" لمثل هذه السلع التي نتبناها، حتى لو كانت مجرد خدمة حارس ليلي يؤمن الأمن العام، فلا بد أن تشتمل على قرار جماعي حول من سيتحمل هذا الجزء أو ذاك من التكلفة. ووضع معيار عالمي لتوفير منفعة عامة، هو حتما، مسألة سياسية لها عواقب توزيعية. واذا نظرنا الى الأمر على نطاق أوسع، فإن تلك القرارات لا تؤثر على الحاضر وحسب، بل تحكم مسبقا على المستقبل ايضا، عن طريق منح حقوق دون مقابل (تخويل) وتعيين الالتزامات المترتبة على الملزمين غير المتطوعين. ومن هذا المنظور السياسي، فإن الجدل بأن الخيارات السياسية يجب الا تتعلق بالتوزيع يعني ببساطة التوقف عن القيام بخيارات سياسية.



لكن نظرة عن كثب تبين لنا أن ما يفترضه بيوكانن ليس ازالة قضايا التوزيع من السياسة (والذي من الناحية المنطقية البحتة قد يشكل تضاربا حقيقيا)، بل ضرورة حلها بما يتناسب مع مبدأ "المساواة في المعاملة"، او التعميم، الذي يمكن تطبيقه في مجال السياسة بالقدر نفسه كما في القانون. ويشير بيوكانن (1994: 2) الى أن دساتير القرن الثامن عشر قد فعّلت هذا المطلب. على اية حال، اعتقد ان وجهة النظر هذه تعطي تلك الدساتير ثقة أكثر مما تستحق، على الأقل بالحكم من وجهة نظر التجربة الامريكية. فمع مرور الوقت، اثبت الدستور الامريكي انه ميال للغاية نحو التكيف مع سياسات الجماعة التوزيعية، ومع الليبرالية الامريكية الحديثة المتسمة بالنفاق، والمبالغة بالنصوص القانونية، والتدخل فيما لا يعنيها، مبتعدا عن حماية الملكية حسب مذهب لوك الذي استلهم نصوصه منه.



سأعود الى محتوى مبدأ المساواة في المعاملة فيما بعد. أما الآن فتكفي الاشارة الى انه اذا كان المبدأ صادقا في الوعد الذي يحمله اسمه، فهو لن يلغي السياسة، بل من المؤكد أن يلغي بعضا من جاذبيتها. لانه اذا كانت المساواة في المعاملة تعني ما يبدو انها تعنيه لأول وهلة، فإن تبنيها قد يغير العالم. فلن يعود في وسع السياسة تمكين البعض من الكسب على حساب الآخرين، ولن يعود في وسع الاغلبيات سلب الاقليات، ولن يعود في وسع الجماعات المنظَّمة استغلال بعضها البعض، محاولة أن تأخذ بالسياسة ما انكرته عليها اقتصاديات الملكية والعقود.



إن دستورا ينجح في إقامة خيار جماعي مم دون الحصول على إجماع مطلق لما يزعم أنه نهج ضيق ومباشر لمبدأ المساواة في المعاملة الذي يدعيه بيوكانن، سيخفض، حسب المنطق نفسه، وبقدر كبير من مخاطر اللعبة السياسية. وسوف يفقدها معظم ما فيها من متعة، ومعظم مقاصدها، وستصبح بالكاد جديرة بأن تُلعب. فمبدأ الرفاهية الاجتماعية لا يستطيع محاباة جماعات معينة. ومبدأ التدخل لن يكون قادرا على إرضاء جمهوره الطبيعي، أي مصالح الشركات الكبرى.[1] والقواعد الدستورية التي تضمن بشكل فاعل المساواة في المعاملة قد تغير بالكامل بنية الحوافز في الحياة العامة. وستكون خلاصة تأثير ذلك عكس توجهات القرن الأخير أو أكثر، وستبدأ المواقع الخاصة بالدولة والمجتمع المدني بالتحرك والعودة الى المثل الليبرالية الكلاسيكية. فهل في وسع أي دستور تحقيق هذا القدر من الاشياء؟ وهل يمكنه في هذا المجال، تحقيق أي شيء مهم؟


عقد أم عهد؟



ثمة طريقتان للوصول إلى قرار جماعي يكون ملزماً للجميع دون الحصول على الإجماع. إحداها أن تسيطر القوة الأكبر على القوة الأصغر، وأن تخضعها لإرادتها. ولا يحتاج الأمر دائماً إلى ليّ ذراع الطرف الأضعف، وإهانته بحمله على الاستسلام علناً. فيكفي غالباً أن يدرك كل طرف قوته النسبية لتوليد ما يشبه الإجماع. وثمة افتراض مسبق يعمل لصالح تجنب القيام باختبار فعلي للقوة، لأن استخدام القوة لسحق أحد الأطراف وحمله على الرضوخ مكلف للطرفين. كما أن مخاطر البلطجة وليّ الذراع وخروجها عن السيطرة وتصعيد الأمر لقتال مؤذ للجانبين، رادع ضد القيام بالعديد من "الخيارات الاجتماعية" المختلف عليها، ومضاعفتها بشكل غير معتدل وحتى عبثي، ببساطة لأن لدى كل طرف فكرة جيدة عمن هو الطرف الأقوى في هذه الساعة.[2]



وفي الوقت نفسه، فإن الحزب الأقوى في عملية ليّ الذراع الخفية، أو القتال الحقيقي، ليس لديه فرصة قوية في أن يبقى العصبة الأقوى لفترة طويلة. فالتاريخ يخبرنا أن تغيير التحالفات يحافظ عادة، أو يستعيد، التوازن الصعب بين التحالفات المتعارضة. ولا يمكن لأي جماعة أن تحافظ على تفوق شبه دائم، لا لسبب سوى أن عدم التوازن يخلق حوافز لكسر التحالفات، التي يُدفع أعضاؤها لتغيير انتماءاتهم لحين قيام شبه توازن في القوة.



دعونا نطلق على هذا الأمر منهج غير رسمي للوصول إلى قرارات في وجه تضارب مصالح أو خيارات "حكم القوى". وما زالت هذه القاعدة، حتى يومنا هذا، هي التي تحكم "طريقة العيش" في العلاقات الدولية. إلا أنه في أوروبا القرون الوسطى، كما في العصر الحديث وحتى ظهور الاحتكار الفعال لاستخدام القوة في الدول الوطنية المركزية، ساد، بشكل أساسي، حكم توازن القوة مجالات اتخاذ القرار. وكانت تلك المجالات تهتم، من حيث المبدأ، بأدوار الامير وامتيازاته و"القوى الحية" للمجتمع المدني، مثل الاقطاعيين الرئيسيين، والاقطاعيات، وروابط المدن، والتي يتحالف بعضها مع الامير، في حين تعارضه أخرى عند ظهور قضية مشاكسة. ولم يكن "الدستور" أكثر من تعبير مختصر عن توازن تلك القوى الاجتماعية.



البديل عن "حكم القوى" هو "قوة القوانين". بموجب الأول، تطيع القرارات الجماعية، بشكل عام، رغبة ذلك التحالف داخل المجتمع القادر على إجبار، أو ينظر إليه على انه قادر على إجبار، الباقين على الخضوع باستخدام القوة المسلحة، أو قوة الاقتصاد، أو السطوة المعنوية.[3] أما "قوة القوانين" فتعتمد، خلافا لذلك على التزام سابق من قبل جميع الأطراف المعنية بالإذعان لقرارات ممجوجة شريطة أن تأتي بطريقة نظمت وتم الاتفاق عليها مسبقا.[4] "حكم القوى" يسود في عالم هوبز المكون من فاعلين، الحكومة والمجتمع، في علاقة خالية من الود، تعاونية جزئيا، ومعادية جزئيا، ولديها السمات الأساسية لعقد ضمني.



في هذه الحالة، تكون نصوص الدستور موضوعية، لأن الغرض منها، وإن يكن بكلمات قليلة، تحديد ما يتعين على الحكومة فعله أو تجنبه لتفوز بالطاعة وتجنب الثورة. وتناسب "قوة القوانين" العالم الخيالي الذي تسوده "الإرادة العامة" وتوابعها، التي تحدث عنها روسو، أي دالّة الرفاه الاجتماعي التي يجب زيادتها إلى أقصى حدّ في نظرية الخيار الاجتماعي المعاصرة. الحكومة هنا ليست فاعلاً رئيسياً وليست طرفاً في عقد ضمني مع مجتمع محكوم بقوى موجودة لدى الجانبين، هناك فاعل واحد فقط، المجتمع. والحكومة هي الوكيل الخاضع له. هنا نجد مشكلة "الفاعل الرئيسي-الوكيل" بينهما، لكن ليس لها أهمية من الدرجة الأولى. ولا يعود هدف الدستور تشذيب الحواف الخشنة لعلاقة متنافرة، بل إظهار "الإرادة العامة" بتحديد إجراءات التعرف عليها. وكما نفضل أن نقول الآن، فهي لتوفير طريقة متفق عليها من "كشف الخيارات الاجتماعية وتجميعها". وبالتالي فإن القواعد الدستورية تستثمر مع قوة معنوية مفترضة، حيث أنها الأداة التي بواسطتها تعبّر الخيارات الاجتماعية عن نفسها.



كنتيجة منطقية ملازمة لهذا التمييز، يتبع ذلك عاقبتان. تتعلق الأولى بالوظائف الخاصة بنوعي الدستور، ذاك الذي يقوم على القوى، والآخر الذي يقوم على القوانين. القوى تخضع لبعضها البعض في المسائل الموضوعية، عندما يتعين عليها ذلك، لكنها لا تحتاج لأن تقلق بالنسبة للإجراءات. فالإجراءات غير مهمة ما لم يكن لقرار إجرائي تأثير متوقع على نتيجة موضوعية. في هذه الحالة، تكون المسألة التي تبدو إجرائية مسألة موضوعية في الواقع، حتى عند إزالتها. وبعكس ذلك، فإن القواعد التي توضع لتقرير أي البدائل يجب قبوله من قبل الجميع بوصفه الخيار "المفضل اجتماعياً" هو بطبيعة الحال إجرائي.[5] وهي تقول، أو أنها وضعت لتقول، أنه إذا اختير أحد البدائل بموجب قواعد معينة متفق عليها حول الطريقة التي يجب إجراء الاختيار بموجبها، فإن ذلك البديل يجب أن يأخذه الجميع على أنه الأفضل للجميع "بالإجمال" وأكثر من أي بديل آخر كان من الممكن اختياره، لكن لم يتم اختياره.



إن القواعد الإجرائية تتماشى مع المعايير الديمقراطية؛ أما القواعد الموضوعية فتسير ضدها. للوهلة الأولى، ثمة شيء متناقض حول فكرة أن على المجتمع تبني دستور يستبعد بعض البدائل—مثال ذلك، التدخل في حرية التعاقد—نظراً لأن القيام بذلك يجعل المجتمع يلزم نفسه باختيار بديل قد لا يفضله مستقبلاً. ورغم أن في الإمكان الحصول على حس جيد من هذا الحل، فإنه يتطلب جهداً عقلياً ومعنوياً قد لا يتوفر دائماً. والقواعد الموضوعية من هذا النوع التي تشوش آلية الخيار الاجتماعي التي تتناقض مع بعضها، لا تجلس مرتاحة مع الديمقراطية. ولا أجد طريقة تثبت أن بيوكانن (1994: 2-4) مصيب، لكنني أتبعه دون تردد حيث يؤكد أن القواعد الموضوعية، وليس الإجرائية، هي التي تصنع دستوراً ليبرالياً. ومع ذلك، كنت أتمنى لو أنه دفع بحكمه هذا بقوة اكبر في وطنه بشكل أكثر دوغماتية مما يريد، لأنه يلامس مشكلة خطرة حول التناغم المنهجي ما بين الديمقراطية والليبرالية. سنتحدث أكثر عن هذا الموضوع مستقبلاً.



العاقبة الثانية هي أن دستورا لا يعبر عن نوع من توازن القوى بين اطراف رئيسية تترصد بعضها البعض حول مسائل محددة، بل هو عملية ميكانيكية لاتخاذ قرارات جماعية في جميع المسائل، له البنية المحفزة للتعهد (عهد يقطعه المرء مع نفسه) أكثر مما هو عقد بالمعنى المفهوم. قد لا يتم الالتزام بجميع العقود، لكنها بالاجمال يمكن فرضها، ويعتمد ذلك على القوى التي لها مصلحة مباشرة أو غير مباشرة فى الوفاء بها. (جميع الذين اعتمدوا على العقود في بعض المناسبات لديهم مصلحة مباشرة في الوفاء بجميع العقود.) العهود قد يتم الالتزام بها، إلا أنه لا يمكن فرض الالتزام بها. "المجتمع" قد يحترم "تعهدا" دستوريا يوقفه، في بعض المناسبات، عن أختيار بديل مغرٍ. لكنه اذا رغب في الرضوخ للإغراء، فإن كل ما عليه فعله هو تعليق ذلك التعهد، أو اعادة تفسيره، أو تعديله. فليس هناك قوة أكبر تحمي سلامة التعهد أكثر من قوة شخصية الفرد ( أو "المجتمع" كما في حالتنا) الذي قطع العهد على نفسه. إفرض أنه تم الوصول الى قرار اجرائي، بأغلبية الاصوات، مثلا، والذي قد يكون مضمونه الموضوعي غير دستوري، فيه نقض للعهد. فإن القوة الوحيدة التي يمكن تكريسها لفرض الالتزام "بالعهد"، يوجهها، حسب القواعد المتبعة، "الخيار الاجتماعي" الاجرائي ذاته الذي يقترح نقض ذلك العهد. وليس ثمة حاجة لنشوء مثل هذا الوضع، لأن هناك عادة طرقا للتلاعب بالعهود السياسية بحيث لا يكون هناك حاجة لنقضها. لكن اذا طرأت حالة مماثلة، فمن الصعب رؤية ما يمكن فعله بشأنها، باستثناء الاعتراض بضعف أو تجاهل الأمر كله.



إن دستوراً يقوم على "قوة القوانين" بدلا من "حكم القوى" القديم، فيه شيء من صفات خدعة الثقة الحميدة التي يحترمها معظم الناس، أو أن معظم الناس يؤمنون بأن معظم الناس يحترمونها، حسب قول ديفيد هيوم. لكن حسب حكم الأغلبية، فإن الخدعة يجب أن تتكيف مع وجهة نظر الأغلبية، وذوق الأغلبية، ومصلحة الأغلبية، وهذا هو السبب في أن القوانين الدستورية تتطور في ظل نظام المراجعة القضائية. فإن لم تتمكن من ذلك، فمن الصعب أن تبقى. وثمة أمثلة ذات مغزى في تغير حظوظ شرط "المقبوضات" وشرط التجارة في التاريخ الامريكي. العدد القليل من القواعد الدستورية التي قد يكون لها "خيارا اجتماعيا" غير ملائم، أعيد تفسيرها على مر الايام بحيث لم يعد التعرف عليها ممكنا. وكمثال على ذلك، ليس على المرء إلا أن ينظر الى حقيقة أن ايطاليا تتبع ميزانية متوازنة دستوريا.[6]



معاملة مساواتية أم معاملة تفضيلية



خذ مثلا قاعدة موضوعية تبدو قوية، ولم تجرب (حسبما أعلم) في التطبيق، وتعد بتغيير البنية المحفزة السائدة للسياسة للأفضل، ويصغر مجال صلاحياتها بدل أن يزيد كما في زمننا الحاضر: مثل قاعدة المساواة في المعاملة التي اقترحها بيوكانن (1994). وقد كان بيوكانن مدركا الى أن وضع هذا المبدأ موضع التنفيذ قد يثير مشاكل عدة في التفاصيل. إلا أنه، بشكل عام، كان يؤمن بوضوح أن في الامكان ترجمته الى خطوط ارشادية مفهومة، بحيث تجد الحكومات صعوبة في تخطيه بشكل مفضوح.



فقد تجبر الحكومة، مثلا، على فرض ضرائب بنسب موحدة، وتستبعد النسب التفضيلية بين الاشخاص، والمنظمات، والاماكن، والصناعات، والمنتجات، أو أي تصنيفات أخرى من الجهات الخاضعة للضريبة (بيوكانن 1993: 5). رسميا على الأقل، هناك أربعة أنواع من فرض الضرائب، لكل واحد منها معدل موحد خاص به، يتفق مع هذا الخط الارشادي. في وسعنا فرض ضريبة اجمالية على الاشخاص الطبيعيين والاعتباريين على حد سواء، أو ضريبة رأس على جميع الاشخاص الطبيعيين، الاغنياء والفقراء، أو ضريبة اجمالية على جميع الهيئات الاعتبارية الصغيرة والكبيرة، أو ضريبة متساوية على جميع الدخول، العالية والمنخفضة، أو ضريبة بنسبة موحدة على جميع القادرين على الدفع (وقد تكون هذه ضريبة دخل تصاعدية تحت اسم مختلف). إلا أنه، ورغم أن جميع الأنظمة قد تبدو موحدة، إلا أن في الامكان القول أنها تفضيلية: فجميعها تعامل بعض الاعضاء الخاضعين للضريبة من طبقة معينة بشكل أسوأ من الآخرين.



خط ارشادي آخر ممكن، ذكره بيوكانن، يمنح دعما موحدا لكل صناعة. مثل دعم موحد حسب عدد العاملين في المؤسسة، يوزع مساعدات الدولة بين الصناعات بطريقة، ودعما لرأس المال المستخدم بطريقة أخرى، وواحد حسب الناتج المادي أو المبيعات كطريقة ثالثة. وهناك حجج متشابهة تبين أن الهدف من الخطوط الارشادية هو تقوية الرابطة بين المنافع المأخوذة من السلع العامة وتكلفتها (مثال ذلك، "المنطقة التي ستستفيد من الطريق الرئيسة الجديدة عليها أن تدفع مقابل ذلك") يمكن، بالنظر للارادة السياسية، محاصرتها دوما بادعاءات لا يمكن دحضها بأن لها منافع خارجية عديدة وكبيرة. تمويل المزيد من المرافق التعليمية من ايرادات مركزية بدل الايرادات المحلية، لنفع أسر محلية واطفالها، قد يكون نتيجة محتملة للالتفات لمثل هذه الادعاءات—وهي النتيجة ذاتها التي نميل الى الحصول عليها على أي حال، من دون خطوط ارشادية عن المساواة في المعاملة.



من دون الخوض في التفاصيل فإن كل "مساواة" في المعاملة فيها مساواة بالنسبة لفئة مختارة أو طبقة من الحالات، وعدم مساواة بالنسبة لآخرين. اعطاء الراتب نفسه لجميع الطلاب القادرين والمستحقين يعامل جميع الطلاب القادرين والمستحقين على قدم المساواة، لكنه يعامل جميع الطلاب—الذين بعضهم غير قادرين وغير مستحقين—بعدم مساواة. والمساواة في معاملة جميع المسنين الفقراء فيه عدم مساواة في معاملة جميع المسنين (الفقراء والاغنياء) وعدم مساواة في معاملة جميع الفقراء (الشباب والمسنين). عدم المساواة المتولدة نتيجة تحقيق المساواة لفئة من الحالات او المواضيع، لا تعد ولا تحصى. ويعتمد عددها على ثراء قاموس مفرداتنا في صياغة فئات أكثر وأدق، تمنح المعاملة نفسها للجميع ضمن كل فئة منها.



نحن نعرف بالطبع، ومنذ ايام أرسطو أن ما ندعوه مساواة هو في الواقع "مساواة في التناسب"، نسبة ثابتة بين كل فرد من طبقة من الكيانات وكل عضو من طبقة أخرى. حصة موحدة لكل عضو من طبقة "الاسر" وكل عضو من طبقة "دولارات الدخل" تعطي "دخولا متساوية للأسر" لكنها لا تعطي "دخولا متساوية للفرد"، "للفرد الموظف المنتج"، أو "للطفل العالة". وهذه حالة حميدة نسبيا عن وضع النتائج التوزيعية المختلفة التي يمكن الحصول عليها عند الالتزام بحزم "بالمساواة في المعاملة"، لكنها تغير الطبقة المرجعية. يمكن للمرء أن يثق في صدق مشاعر محاميي وسياسيي الكواليس القلقين من نتائج الانتخابات المقبلة عند التفكير في الآخرين الذين لهم عضة توزيعية أمضى وأعمق، بينما هم ما زالوا يعملون وفق بعض البنى المقبولة من المساواة في المعاملة والعموميات.



إختيار الاجراء، إختيار الموضوع



هناك بعضا مما يتعين قوله حول الاجراء، والموضوع، والاحتمالات بالنسبة لدستور ليبرالي. إن القواعد الدستورية ليست شريعة موسوية. فهي ليست منزلة من السماء، وحتى لو انزلت، فإن الناس على الارض سيعيدوا صياغتها. انه افتراض غريب القول بأن السياسة تسير ضمن قيود دستورية، لكن القيود ذاتها هي الى حد ما فوق السياسة، تقررها بدل أن تتقرر بها مثلها مثل أي منتج آخر من منتجات صناعة القرارات الجماعية. وهذا هو السبب في أن أي دستور ليس دستورا "ثابتا" للأسف. ومع تغير القيم، وتغير وجهات النظر حول الطريقة التي يعمل بها العالم—والقوى الاجتماعية المرتبطة بوجهات النظر تلك—فان الدساتير تتغير ايضا. سواء بتعديل نصوصها أو اعادة تفسير روحها (مقاصدها). ليس ثمة صعوبة تقنية تعترض تطويرها. الحفاظ على أي عقبة امام التغيير—مثلا، قانونا يحمي الملكيات الخاصة من المصادرة—يبقى لانه من مصلحة الاقليات المعرقلة الحفاظ على هذا القانون. وازالته تسمح بإعادة توزيع المكاسب التي توازي قيمتها، في عالم ليس فيه احتكاكات أو "دلاء تسيل"، قيمة الفائدة. المستفيدون المحتملون يمكنهم قبول جزء من المصلحة المضادة، (ويزيحون بذلك الاقلية المعرقلة) مع الابقاء على شيء ما. إراحة القانون الذي يحمي الملكية يحرر الموارد التي يمكن لتوزيعها الجديد أن يسيطر، ويهزم القديم سياسيا، بالطريقة ذاتها التي يمكن أن يهزم بها أي توزيع قائم بصفقة اعادة توزيع جديدة، مطيعا خيارات فئات المجتمع المتبدلة.



كل مجموعة من القواعد الدستورية تسمح بأن يحصل تحالف فائز على حد أقصى من مكاسب اعادة التوزيع. وفي ظل دستور ليبرالي، فإن اكبر مكسب ممكن قد يكون صغيرا نسبيا. والقول ان القواعد الدستورية تقلل من مدى سياسات اعادة التوزيع هو، في الواقع، جيد بقدر جودة التعريف العملياتي للدستور الليبرالي الذي يمكنني التفكير فيه (رغم أن القراء قد يشجبوا ذلك بوصفه استجداء للأسئلة، لانه يفترض أن التحديد الدستوري لمدى اعادة التوزيع هو نتيجة عملية). فاذا اختيرت تلك القواعد حسب الحوافز المنوه عنها في العلوم السياسية الحديثة، فإن التحالف الفائز سيسعى للحصول على مجموعة القوانين المتبناة التي ستزيد مكاسبه التوزيعية المحتملة الى أقصى حد. وما هو متاح لإحدى الفئات يجب أن يكون متاحا للفئات الاخرى. واختيار القواعد التي تزيد مكاسب الفائزين الى اقصى حد من السياسة يماثل تماما زيادة المكاسب الى اقصى حد عند إعطاء تلك القواعد. فاذا كانت الأخيرة فرضية عقلانية، فإن الأولى كذلك، ويتعين علينا بالتالي أن نقول وداعاً لفكرة دولة حماية أدنى.



يمكن "اختيار" الموضوع—مثل حالة مثقلة باعادة التوزيع حيث كل واحد يدعم كل شخص آخر، مع سياسات تدخل قوية—عن طريق اختيار الاجراء. كلما كان التحالف الفائز، الذي يستطيع اتخاذ قرار معين لصالحه، أصغر، كان بقايا التحالف الخاسر أكبر، وتبعا لذلك، كانت الغنائم التي يمكن للفائزين انتزاعها من الخاسرين أكبر. وبموجب المساواة الديمقراطية، حيث يزن كل شخص وصوته القدر نفسه، فإن أصغر تحالف فائز ممكن يساوي نصف عدد الناخبين مع جولة ترجيح لتقرير الفائز، الناخب المتوسط. لذلك فان القاعدة الاجرائية التي ستعطي أفضل نتيجة مطلوبة هي التي تصنع أغلبية حاسمة بسيطة لكل قضية. فكذلك تبين تحليلات الدساتير المبادئ الليبرالية والديمقراطية: متباعدتين بشدة، مثل قطار صاعد وقطار نازل، يسيران في اتجاهين متعارضين على سكتين متوازيتين.



ملاحظات:



1ـ ستترك السياسة مع قاعدة انتخابية لا يمكن خفضها، المثقفون المتطرفون الذين لا يسعهم إلا الاعتقاد بأن على المرء أن "يعيد اختراع الحكومة" لأن هندسة المجتمع قوة للخير لا يجوز التخلي عنها بإرادته.

2ـ وبعكس ذلك، فإن اتخاذ القرار الجماعي بحسب القاعدة المتبعة، حين يكون من واجب الجميع أن يقبلوا بسلام النتيجة الصادرة على ماكينة عدّ الأصوات، ليس رادعاً بل مؤشراً إيجابياً على صنع الخيارات الاجتماعية: تزال فيه مخاطر النزاع والثورة، ولا تبقى سوى جائزة الفائز.

3ـ لكن نظرا للمقدرة المنظورة لفعل ذلك، فإن الحاجة لاستخدام هذه القوة نادرا ما تحصل.

4ـ بالطبع، ينبغي على الجميع أن يحترم هذه الاتفاقية بعد وقوع الحدث.

5ـ أشار نورمان باري (1989: 279) أن ليبرالية اليوم تفسر غالباً على أنها "تشتمل على اتفاق على الإجراءات بغض النظر عن النتائج التي قد تتمخض عنها". وهو الموقف الذي يعزوه باري (1989: 277) إلى هايك في أنه "ليس هناك أي حدود موضوعية لما يمكن للمشرِّع أن يفعله، هناك فقط قيود إجرائية حازمة". في اقتراحات هايك الدستورية، تسعى القواعد الموضوعية إلى إصدار حكم مسبق على "الحالات النهائية"، والتي ينظر إليها الآن، وعلى نطاق واسع بأنها طموح غير ليبرالي. الإجراءات فقط، "العدالة الإجرائية"، و"العملية" (كما في "العملية السلمية" لتمييزها عن السلام) هي أهداف صحيحة سياسياً. وهذا مثال آخر على الرطانة الموجهة التي تحجب الفكر. ويبدو تشخيص باري دقيقاً للأسف.

6ـ أدين لهذا البند المذهل من المعلومات إلى انتونيو مارتينو. الموازنة الإيطالية، بالطبع، تتوازن مثل أي موازنة أخرى بالأموال التي تنشط الخزينة لاقتراضها. وكل من يصوت على هذا الوضع يحاول أن يضمن بأن يقوم أطفاله، عندما يكبرون، بالعمل على نقل عبء الدين إلى أطفال أناس آخرين.



معهد كيتو