المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث مدى أحقية التاجر في الامتناع عن بيع سلعة مسعرة



أحمد الجمل
23-09-2009, 09:02 PM
مجلة المحاماة - العدد الرابع
السنة الرابعة والثلاثون سنة 1954


بحث
مدى أحقية التاجر في الامتناع
عن بيع سلعة مسعرة
للسيد الأستاذ أحمد رفعت خفاجي وكيل نيابة أمن الدولة
1 - تمهيد:
من المعروف في علم الاقتصاد السياسي (نظرية الأثمان) أن الاقتصاديين الأحرار يرون أن ثمن السلعة يتحدد طبقًا لقانون العرض والطلب، ومن ثم فللتاجر أن يبيع بضاعته لأي شخص أراد وبأي ثمن شاء لا يرد على حريته قيد في هذا السبيل إلا أن الدولة - جريًا على فكرة التدخل في السياسة الاقتصادية - تعمل على شل تطبيق هذا القانون في بعض الأحوال لاعتبارات تقدرها، فحماية لبعض المستهلكين من عسف التجار ومغالاتهم في رفع الأسعار لسلعهم بغية الحصول على أكبر ربح ممكن رأى الشارع تسعير بعض المواد وبخاصة في السلع الضرورية للفرد فحدد لها ثمنًا لا يجوز للبائع أن يتعداه عند بيعه لها وهو ما يعبر عنه بالتسعير الجبري.
2 - موضوع البحث:
ولقد صدر في 4 أكتوبر سنة 1945 المرسوم بقانون رقم (96) لسنة 1945 الخاص بشؤون التسعيرة الجبري فنص في مادته السابعة (المعدلة بالقانون رقم 132 سنة 1948) على عقاب كل من باع سلعة مسعرة أو محددة الربح في تجارتها أو عرضها للبيع بسعر أو ربح يزيد على السعر أو الربح المحدد أو امتنع عن بيعها بهذا السعر أو الربح.
ولما أُلغي هذا المرسوم بقانون واستبدل به المرسوم بقانون رقم (163) سنة 1950 الصادر في 3 سبتمبر سنة 1950 ورد في مادته التاسعة النص على عقاب كل من باع سلعة مسعرة أو معينة الربح أو عرضها للبيع بسعر أو ربح يزيد عن السعر أو الربح المعين أو امتنع عن بيعها بهذا السعر أو الربح أو فُرض على المشتري شراء سلعة أخرى معها أو علق البيع على أي شرط آخر يكون مخالفًا للعرف التجاري.
وظاهر أن النص الجديد يغاير النص القديم مما دعانا إلى البحث في مدى أحقية التاجر في الامتناع عن بيع سلعة مسعرة وهل يجوز له ذلك إبان تطبيق المرسوم بقانون رقم (96) لسنة 1945 أو في ظل المرسوم بقانون رقم (163) لسنة 1950 المعمول به الآن أم لا ؟
3 - المرسوم بقانون رقم (96) لسنة 1945:
أما المرسوم بقانون رقم (96) لسنة 1945 فلقد وردت صياغة مادته السابعة مطلقة من كل قيد مؤكدة عقاب كل تاجر يمتنع عن بيع سلعة مسعرة بسعرها الرسمي، ومن ثم فلا يسوغ له أن يمتنع عن بيعها لأي سبب كان، ولقد جاء في تفسير هذه المادة حكم من أحكام محكمة النقض والإبرام في القضية رقم (238) سنة 18 قضائية بتاريخ 23 فبراير سنة 1948 (متى كانت السلعة محددة السعر وعرض المشتري الثمن المحدد على البائع وجب على هذا الأخير أن يبيعها ولا يحتمل النص أن يباح للبائع أن يتعلل في الامتناع عن البيع بأية علة ثم يقول إن هذه العلة هي سبب امتناعه - ذلك لأن القانون أراد أن يخرج على الأصل في حرية التجارة لتدبير وسائل العيش الضرورية للناس فحدد أثمان بعض الحاجيات وأرغم التجار أن يبيعوها بهذا السعر وألا يحق لهم الامتناع عن البيع به...) [(1 (http://www.mohamoon.com/montada/Default.aspx?action=Preview_Research&id=418&Type=5&CatID=23#1#1))]
4 - المرسوم بقانون رقم (163) سنة 1950:
ويبدو من المادة التاسعة من المرسوم بقانون رقم (163) لسنة 1950 أن المشرع ينص على أن كل من يمتنع عن بيع سلعة مسعرة بسعرها الرسمي أو يفرض على المشتري شراء سلعة أخرى معها أو يعلق البيع على أي شرط آخر يكون مخالفًا للعرف التجاري فإنه يقع تحت طائلة العقاب.
وبمطالعة المذكرة الإيضاحية note explicative المؤرخة 23 أغسطس سنة 1950 التي أجرتها وزارة التجارة والصناعة ورفعتها إلى مجلس الوزراء في شأن هذا التشريع - لم يرد فيها للأسف الشديد أية إشارة لهذا النص الجديد أو السبب الذي دعا إلى صياغة المادة التاسعة على النحو السابق.
وبالبحث في ثنايا أحكام محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية لم نعثر على حكم متعلق بتفسير هذه المادة.
وإذا كان المشرع المصري قد سن هذه المادة ولم يبين الغرض المقصود منها في المذكرة الإيضاحية، وإذا كان قضاء محكمتنا العليا لم يتعرض بعد لهذه المادة لاستيعاب مضمونها فقد وقع العبء كله على رجال الفقه المصري للتعليق على هذه المادة يفسرها ويوضح أوجه تطبيقها.
ويلوح لي من تلاوة هذه المادة أن المشرع خلص بطريق العلم أن النص القديم قد أوجد صعوبات في العمل إذ شُل يد التاجر كليةً عن حقه في التصرف في بضاعته فأراد أن يخفف من غلواء هذا النص الذي وضع خارجًا على حرية التجارة مخالفًا قانونًا اقتصاديًا في نظرية الأثمان مما حدا به إلى النص في المرسوم بقانون (163) سنة 1950 على عقاب كل بائع يعلق بيع سلعة مسعرة على أي شرط يكون مخالفًا للعرف التجاري ومضمون ذلك بمفهوم المخالفة á contrario أنه يجوز للبائع أن يعلق البيع على أي شرط يكون متفقًا مع العرف التجاري ومن ثم فيباح له الامتناع عن البيع للسلعة المسعرة إذا لم يقبل المشتري تنفيذ شرط وضعه البائع متفق مع العرف التجاري.
ويجب الرجوع إلى فقه القانون التجاري في تفسير العرف التجاري L’usage cemmercial الذي يكون الشرط الذي يضعه البائع ويعلق عليه بيع سلعته مسعرة متفقًا معه وبالتالي لا تثريب عليه إذا امتنع عن البيع لعدم قبول المشتري تنفيذ هذا الشرط.
والعرف التجاري ويسمى أيضًا بالضمير العام للسوق la concieuse générale de la place من أهم مصادر القانون التجاري وهو ناشئ منذ اللحظة التي تتحول فيها الشروط الصريحة المكتوبة إلى شروط ضمنية وتصير بفضل اتباعها بوجه عام منفصلة عن الاتفاق الصريح وقائمة باعتبارها نصًا موضوعيًا ضمنيًا.
ويقسم الأستاذ (جان اسكارا) أستاذ القانون التجاري بجامعة باريس في مؤلفه Mamuel de droit commercial العرف التجاري إلى قسمين:
( أ ) عرف واقعي أو اتفاقي ueage de fait ou conventionnel وهو شرط حقيقي ضمني مفهوم دون حاجة إلى النص عليه في الاتفاق veritable clause sous entendue ومثاله التقليدي طريقة حزم أو وزن أو تسليم البضاعة ومسموح الوزن، وهو شرط واجب التنفيذ ما لم يرد في الاتفاق المبرم نص يخالفه.
(ب) عرف قانوني ueage de droit وله قوة القاعدة القانونية الملزمة يكونه التوافق العام للمجتمع التجاري دون حاجة إلى النص عليه في الاتفاق مثل اعتبار التضامن مفروضًا في المواد التجارية.
ويمكن الاستئناس بآراء الغرف التجارية المختلفة chambre de commerce لمعرفة ما إذا كان الشرط الذي يفرضه التاجر على المشتري ويعلق بيع سلعة مسعرة عليه متفقًا مع العرف التجاري أم مخالفًا له إذ أن هذه الغرف تدرك أولاً بأول ما تعارف عليه التجار.
5 - خاتمة:
وفي الختام يمكننا أن نؤكد في هذا الصدد أنه لا لوم على التاجر إذا أراد أن يعلق بيع سلعة مسعرة على شرط يكون متفقًا مع العرف التجاري، كما أنه لا جريمة إن امتنع عن بيع تلك السلعة المسعرة إذا لم يقبل المشتري تنفيذ الشرط الذي وضعه التاجر متفقًا مع العرف التجاري.



[(1)] مجموعة القواعد القانونية المواد الجنائية الجزء السابع رقم 547 صـ 506.