المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مصر البطلمية



د/سالي جمعة
11-09-2009, 02:35 AM
مصر البطلمية

marefa.org

إن أهم ما يعنينا في مصر البطلمية هو تجربتها الواسعة في الاشتراكية الدولية. لقد كانت ملكية الأرض من زمن بيد عادة مقدسة في مصر ، وكان لفرعون ، بوصفهِ ملكاً وإلهاً ، حق كامل على الأرض وعلى كل ما تنتجه. ولم يكن الفلاح عبداً ، ولكنه لم يكن يستطيع أن يترك مكانه إلا بإذن الحكومة، وكان يُطلب إليه أن يورد الجزء الأكبر من محصوله إلى الدولة. وأبقى البطالمة على هذا النظام ووسعوا نطاقه بإستيلائهم على الأراضي الواسعة التي كانت في عهد الأسر الحاكمة السابقة ملكاً للأعيان المصريين أو للكهنة. وكانت هيئة بيروقراطية كبيرة من الموظفين الحكوميين ، يؤيدها حراس مسلحون ، تدير شؤون أرض مصر كلها كأنها مزرعة حكومية ضخمة. وكان هؤلاء الموظفون يعينون لكل زارع تقريباً قطعة الأرض التي ينبغي له أن يزرعها ، والمحصولات التي يجب أن ينتجها؛ وكان في وسع الدولة أن تجنده هو ودوابه للعمل في المناجم ، وإقامة المباني العامة، والصيد ، وشق قنوات الري ، وإنشاء الطرق. وكانت محصولاته تكال بمكاييل حكومية ؛ ويدون الكتبة مقدارها ، وتُدرس في أجران الملك ، ويحملها الفلاحون أنفسهم إلى مخازن الملك. وكان يُستثنى من هذا النظام بعض حالات: فقد كان البطالمة يجيزون للفلاح أن يمتلك بيته وحديقته ، ويجيزون الملكية الخاصة في الحواضر ، ويؤجرون قطعاً من الأرض للجنود يكافئونهم بها على ما قدموا للدولة من خدمات. ولكن هذه الأراضي المستأجرة كانت مقصورة في العادة على المساحات التي يوافق صاحبها على أن يخصصها للكروم ، أو البساتين ، أو أشجار الزيتون ؛ ولم يكن يُسمح له أن يورثها أبناءه أو أن يوصي بها لمن يشاء ؛ وكان للملك أن يلغي حق الإيجار متى أراد. ولما تحسنت حال هذه الأرض التي يشترك في ملكيتها الفرد والدولة بفضل جهود اليونان ومهارتهم ، بدأ أصحابها يطالبون بأن يكون لهم حق توريثها أبناءهم. وكان العرف لا القانون يجيز هذا التوريث في القرن الثاني ، ثم أعترف به القانون في القرن الأول قبل الميلاد، وتم بذلك التطور المألوف من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة. وما من شك في أن تطور هذا النظام الإشتراكي الحكومي ، قد حدث لأن أحوال الزراعة في مصر كانت تتطلب من التعاون ووحدة العمل في الزمان والمكان أكثر مما تستطيع أن تهيئه الملكية الفردية ، وأن مقدار ما يزرع من الغلات ونوعها يقفان على مقدار الفيضان السنوي ، وكفاية نظام الري والصرف ، وهذه كلها مسائل تتطلب أن تشرف عليها هيئة مركزية. وقد عمل المهندسون اليونان الذين استخدمتهم الحكومة على تحسين الأساليب القديمة ، وإستخدموا في زراعة الأرض وسائل أكثر انطباقاً على العلم وعلى الإنتاج الضيق الوفير ، فإستبدل بالشادوف "الناعورة" أو "الساقية"، وهي عجلة كبيرة يبلغ طول قطرها أحياناً أربعين قدماً تعلق عليها دلاء غير مشدودة على حافتها الخارجية . فإذا وصل الدلو إلى أعلى مكان في العجلة أثناء دورتها مال على قضيب وأفرغ ما فيه من الماء في حوض. وخير من هذه الآلة "لولب أركميديز " ومضخة تسبيوس وهما يرفعان الماء بسرعة لم تكن معروفة قبل عصر البطالمة. وبفضل تركيز الإدارة الاقتصادية في يد الحكومة ونظام السخرة أمكن إقامة المنشآت العامة للتحكم في فيضان النيل ، وإنشاء الطرق ، وشق قنوات الري ، وتشييد المباني ، وتمهيد السبيل للأعمال الهندسية الكبرى التي تمت في أيام الحكم الروماني. وقد جفف بطليموس الثاني بحيرة موريس وحول قاعها إلى مساحة واسعة من الأرض الخصبة وزعها على جنوده ، وشرع في عام 258 يعيد فتح القناة التي تصل النيل بالقرب من عين شمس بالبحر الأحمر قرب السويس. وكان نخاو ودارا قد حفرا هذه القناة من قبل، ولكن الرمال في كلتا الحالتين طمرها، كما طمرت قناة بطليموس بعد مائة عام من شقها. وسارت الصناعة وسط ظروف مماثلة لهذه الظروف ، فلم تكن الحكومة تمتلك المناجم فحسب، بل كانت تديرها بنفسها أو تستولي على ما يخرج من المعادن. واستغل البطالمة رواسب الذهب الغنية في بلاد النوبة ، وكانت لهم عملة ذهبية مستقرة ؛ وكانوا يسيطرون على مناجم النحاس في قبرص وطور سيناء ، ويحتكرون صناعة الزيت-ولم يكونوا يستخرجونه من الأرض ، بل كانوا يعصرونه من النبات كبذور الكتان وحب الملوك (الكروتن) ، والسمسم ؛ وكانت الحكومة تحدد في كل عام مقدار ما يُزرع من الأرض بهذه النباتات ، وتستولي على المحصول بالثمن الذي تحدده له ؛ وتصر الزيت في مصانع تمتلكها الدولة بعصَّارات من كتل الخشب الضخمة يحركها أقنان الأرض ، ثم تبيع الزيت إلى تجار التجزئة بالثمن الذي تريده هي ، وتمنع المنافسة الأجنبية بالضرائب الجمركية العالية ؛ وكانت أرباحها من هذه العملية تتراوح بين سبعين وثلاثمائة في المائة. ويلوح أن الحكومة كانت تجني أرباحاً مماثلة لهذا الربح من الملح ، والنطرون (كربونات الصودا المستخدمة في صنع الصابون) ، والبخور ، والبردي ، والمنسوجات. وكانت في البلاد مصانع للنسيج يمتلكها الأفراد ، ولكنها كانت تضطر إلى بيع كل ما تنتجه إلى الحكومة. أما الصناعات الصغرى فقد تُركت للأفراد ، وكانت الدولة تكتفي بالتصريح بها ومراقبتها ، وابتياع جزء كبير من منتجاتها بالثمن الذي تحدده لها ، وفرض ضريبة طيبة على أرباحها تُجبى لخزانتها. وكانت الصناعات اليدوية تقوم بها هيئات من العمال يتوارث أعضاؤها صناعاتهم بحكم التقاليد المرعية ، وكانوا بحكم هذه التقاليد نفسها مرتبطين بقراهم ومنازلهم أيضاً. وكانت الصناعة متقدمة ، فكانت العربات ، وقطع الأثاث ، والفخار ، والأبسطة ، ومواد التجميل تُصنع بكميات كبيرة؛ وكان صنع الزجاج ونسيج التيل من الصناعات التي إختصت بها الإسكندرية. وكانت الإختراعات أكثر تقدماً في مصر في عصر البطالمة منها في أي عصر آخر قبل رومة الإمبراطورية. وكانت الأدوات اللولبية والتروس ، وطارات السيور ، والضاغطات اللولبية ، كانت هذه كلها معروفة مستعملة؛ وتقدمت كيمياء الصباغة إلى حد إستطاعوا معه أن يعالجوا الأقمشة بالقواعد الكيميائية المختلفة بحيث إذا غُمر القماش في صبغة واحدة نتج عن ذلك عدد من الألوان الثابتة. وكانت مصانع الإسكندرية يديرها العبيد عادة ، وكانت نفقاتهم القليلة تمكن البطالمة من أن يبيعوا منتجاتها في الأسواق الأجنبية بأقل مما تُباع به المصنوعات اليدوية اليونانية. وكانت الحكومة تشرف على التجارة بأجمعها وتنظم شؤونها ، فكان بائعو الأشتات عادة وكلاء معينين من قبل الدولة لتوزيع بضائع الدولة، وكانت الدولة تمتلك جميع طرق القوافل والطرق المالية. وقد أدخل بطليموس الثاني الجمل في مصر وأقام مخفراً من راكبي الجمال في جنوب القطر ؛ يتولى نقل المخابرات الحكومية دون غيرها؛ ولكن هذه المخابرات كانت تشمل الرسائل التجارية كلها تقريباً. وكان نهر النيل غاصاً بسفن الركاب والبضائع، ويبدو أن هذه السفن كانت ملكاً للأفراد وخاضعة لأنظمة الدولة. وقد أنشأ البطالمة لتجارة البحر الأبيض المتوسط أعظم أسطول تجاري في ذلك الوقت، وكانت حمولة السفينة الواحدة من سفنه تبلغ ثلاثمائة طن. وكانت مخازن الإسكندرية تستهوي التجارة العالمية، وكان مرفأها المزدوج مما تحسدها عليه سائر المدن، كما كانت منارتها من عجائب الدنيا السبع . وكانت حقول مصر ومصانعها كبيرة وصغيرة تنتج قدراً كبيراً من الغلات الزائدة على حاجة البلاد تباع في الأسواق النائية التي تصل إلى الصين شرقاً، وإلى أواسط إفريقية جنوباً، وإلى الروسيا والجزائر البريطانية شمالاً. وقد سار الرواد المصريون جنوباً حتى بلغوا زنجبار وبلاد السومال ونقلوا إلى العالم أخبار سكان الكهوف الذين يعيشون على سواحل إفريقية الشرقية ويقتاتون بالأطعمة البحرية، والنعام، والجزر، وجذور النبات. واستطاعت السفن المصرية أن تقضي على سيطرة العرب على تجارة الهند مع بلاد الشرق الأدنى بسيرها من النيل إلى الهند مباشرة، وأضحت الإسكندرية بتشجيع البطالمة وحكمتهم أهم الثغور التي يُعاد منها شحن البضائع المرسلة إلى أسواق بلاد البحر المتوسط. وكان مما زاد في سرعة نماء التجارة والصناعة وإزدهارهما ما قدمته المصارف المالية من تسهيلات عظيمة. لقد بقي في مصر حتى ذلك الوقت قدر من المقايضة ورثته البلاد من العهود القديمة؛ وكانت الحبوب المحفوظة في المخازن الملكية بمثابة رصيد احتياطي للمصارف؛ ولكن إيداع الحبوب وسحبها، وتحويلها من يد إلى يد كان في الاستطاعة إتمامها على الورق بدل إجراء هذه العمليات بالفعل. وقد قام إلى جانب هذه المقايضة المعدلة نظام اقتصادي نقدي معقد. وكانت الحكومة تحتكر لنفسها إنشاء المصارف، ولكن كان في وسعها أن تنيب عنها في أعمالها شركات خاصة. وكانت الحسابات تُدفع بتحاويل مما لأصحابها في المصارف من أرصدة؛ وكانت المصارف تقرض المال بالربا، وتسدد حسابات الخزائن الملكية. وقصارى القول أننا لا نعرف في التاريخ كله عهداً بلغت فيهِ الزراعة، والصناعة والتجارة، والمالية، ما بلغته كلها في هذا العهد من ثراء، ووحدة، ونماء خالٍ من العاطفة الإنسانية. وكان المشرفون على هذا النظام ومنفذوه هم اليونان الأحرار المقيمون في العاصمة. وكان على رأسهم كلهم فرعون-الملك-الإله. وكان بطليموس في نظر سكان بلاد اليونان منقذاً Soter ، أو محسناً Euergetes بحق، فقد وهبهم مائة ألف منصب حكومي وأتاح لهم فرصاً اقتصادية لا حد لها ، ويسر لهم سبل الحياة العقلية تيسيراً لا عهد لهم به من قبل ، وأوجد لهم بلاطاً كان مصدر الحياة الاجتماعية المترفة ومركزها. ولم يكن الملك نفسه ملكاً مستبداً لا يُسئل عما يفعل؛ فقد اجتمعت التقاليد المصرية والشرائع اليونانية على إقامة نظام تشريعي أخذت بعضه عن القانون الأثيني وحسنت فيه من جميع نواحيه ما عدا ناحية الحرية. وكان لأوامر الملك قوة القانون بأكملها؛ ولكن المدن كانت تستمتع بقسط كبير من الحكم الذاتي، وكانت الجماعات المصرية، واليونانية، واليهودية، تخضع كل منها لشرائعها الخاصة، وتختار قضاتها، وتحاكم أمام محاكمها. وفي تورين بردية سُجلت فيها إحدى قضايا الإسكندرية، وقد حُدد فيها موضوع النزاع تحديداً دقيقاً، وعُرضت فيها الأدلة بعناية فائقة، ولُخصت السوابق، ثم صدر الحكم بالنزاهة المطلوبة من القضاة. وثم برديات أخرى سُجلت فيها وصايا أهل الإسكندرية وهي تزيح الستار عن قدم الصيغ والعبارات القانونية: "هذه هي وصية بيزياس Peisias اللوشياني إبن س ، الكامل العقل ، الحر الإختيار". وكانت حكومة البطالمة أقدر الحكومات وأحسنها نظاماً في العالم الهلنستي ، وقد أخذت شكلها القومي المركزي عن مصر وفارس ، واستقلال مدنها بشؤونها الخاصة عن بلاد اليونان، ثم أخذتهما عنا رومة. وقد قسمت البلاد إلى أقاليم ، يدير كلاً منا موظفون يعينهم الملك ، وكانوا كلهم تقريباً من اليونان. وقد أغفل البطالمة ما كان يعتزمه الإسكندر من جعل اليونان والشرقيين أو المصريين يعيشون ويختلطون على قدم المساواة بعد أن تبين لهم أن هذه الفكرة غير إقتصادية ، وأصبح وادي النيل في ظاهر الأمر وباطنه يُحكم كما تُحكم البلاد المفتوحة ، فقد أدخل المشرفون اليونان على حياة مصر الاقتصادية كثيراً من الرقي في النواحي الفنية وإدارية ، وزادوا ثروة البلاد من الناحية الإقتصادية ، ولكنهم إستولوا على ما زاد من هذه الثروة. ورفعت الدولة أثمان الغلات التي كانت تسيطر عليها، ومنعت المنافسة الأجنبية بفرض الضرائب الجمركية العالية، فكان ما يباع من زيت الزيتون بإحدى وعشرين درخمة في ديلوس يباع باثنتين وخمسين في الإسكندرية. وكانت الحكومة في كل مكان في البلاد تجبي الضرائب وإيجار الأرض ، والرسوم الجمركية ، وعوائد المرور على الطرق، وتستولي من الناس أحياناً على جهودهم وحياتهم نفسها. وكان الفلاح يؤدي للدولة أجراً على إمتلاك الماشية، وعلى ما يقدمه لها من علف ، وعلى الإذن له برعيها في أرض الكلأ العامة. وكان ملاك الحدائق ، والكروم ، والبساتين ، من الأفراد يؤدون للدولة سدس منتجاتها(في أيام بطليموس الثاني نصف هذه المنتجات". وكان الأهلون كلهم ، ما عدا الجنود ، ورجال الدين ، وموظفي الحكومة ، يؤدون فرضة الرؤوس. وكانت الضرائب مفروضة على الملح ، والمحررات الرسمية ، والمواريث. وكانت تُفرض على الإيجارات ضريبة قدرها خمسة في المائة منها، وعلى المبيعات عشرة في المائة من أثمانها، وخمسة وعشرون في المائة على الأسماك المصيدة في المياه المصرية ، وعوائد على البضائع التي تُنقل من القرى أو المدن أو تُنقل بطريق النيل. وكانت رسوم عالية تُفرض في الثغور المصرية على جميع الصادرات والواردات؛ وكانت ضرائب خاصة تُفرض للإنفاق على الأسطول والمنارة البحرية ، وللترفيه عن أطباء البلديات ورجال الشرطة ، ولشراء تاج من الذهب لكل ملك جديد. وقصارى القول أن الدولة لم تكن تترك شيئاً يسمنها إلا فرضت عليهِ ضريبة. وقد احتفظت الدولة بجيش من الكتبة، وبنظام واسع من التسجيل للأشخاص والأملاك ، لتستطيع بهما إحصاء جميع الحاصلات والإيرادات والعمليات المالية والتجارية التي يصح فرض الضرائب عليها. أما جباية هذه الضرائب فقد كانت تُعهد إلى جماعة من الأخصائيين، تراقب هي أعمالهم ، وتجعل أملاكهم ضماناً تحت يدها حتى يؤدوا لها حقها. والراجح أن مجموع إيرادات البطالمة نقداً وعيناً كان أكبر ما جمعته دولة من الدول في الفترة المحصورة بين سقوط دولة الفرس وعظمة رومة.


المصادر

قصة الحضارة