المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حقوق المرأة بين الشريعة الإسلامية والقانون المصرى ، والقضاء الدستورى



د/سالي جمعة
06-09-2009, 07:05 PM
حقوق المرأة بين الشريعة الإسلامية

والقانون المصرى ، والقضاء الدستورى




المستشار/ محمود محمد غنيم

رئيس هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا



يقاس مدى التقدم الحضارى الذى يصل إليه أى مجتمع، بقدر ما يوليه للمرأة من مكانة. وقد اختلفت نظرة المجتمع الانسانى للمرأة على مر التاريخ، وبالتالى اختلفت مكانة المرأة والدور الذى تضطلع به فى أسرتها وفى مجتمعها. وكان الباعث على ذلك دائماً الثقافات والقيم والتقاليد السائدة فى أى مجتمع، سواء كانت مرجعيتها إلى الدين، أو نسبت زوراً إليه لإضفاء قدسية عليها.

(أ) قبل الإسلام:

يجد الباحث فى تاريخ الحضارات المختلفة، أن المرأة المصرية تمتعت منذ قديم الأزل بحقوق لم تصل إليها المرأة فى بعض الحضارات الحديثة إلا مؤخراً، ويكفى لبيان ذلك ترديد مقولة ماكس مولر"ليس ثمة شعب، قديم أو حديث، قد رفع مكانة المرأة، مثل ما رفعها سكان وادى النيل".



فالحضارة المصرية، بعد أن استقرت واستقامت دعائمها، أولت المـرأة – بصفة عامة- مكانة عالية، حتى نصبتها ملكـة على البـلاد، وأولت الزوجة- بصفة خاصة- مكانة لا تقل سمواً، فاعتدت بإرادتها الحرة فى عقد الزواج، فلا تكره المرأة على الزواج. وكان الطلاق مشروعاً، وإن كان مبغوضاً. وكان من حق المرأة أن تطلق زوجها، شريطة أن يكون ذلك مخولاً لها بمقتضى عقد الزواج. والنظام المالى بين الزوجين كان قائماً على استقلال ذمتهما المالية.



وبرغم التقارب الجغرافى بين الجزيرة العربية وبين مصر من جانب، والامبراطورية الرومانية الممتدة بأنظمتها إلى الشام من جانب آخر، والامبراطورية اليونانية، إلا أن مكانة المرأة ووضعها قبل وبعد الزواج كانت شديدة التباين فى كل من هذه النظم، ولم يستطع التجاور الجغرافى أن يحدث تأثيراً يذكر فيما بينها من تباين.



فإن كانت الحضارة الفرعونية قد وصلت بمفهوم الزواج إلى مفهوم العلاقة العقدية القائمة على حرية إرادات أطرافها، وعلى المساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات. إلا أن الحضارة الرومانية كانت أدنى من هذا المستوى فى طورها الأول مع نظام "الزواج بالسيادة"، ولم تقترب بقدر ملحوظ من المستوى الذى بلغته الحضارة الفرعونية إلا فى طورها الأخير، عندما عرفت نظام "الزواج بغير سيادة". أما فى الحضارة اليونانية، فكانت المرأة – سواء قبل أو بعد زواجها- تخضع للسيطرة المطلقة للرجل، وتعتبر من ممتلكاته، ولا تتمتع بأية حقوق مدنية. ومن جانب آخر، كانت الأنظمة السائدة فى الجزيرة العربية قبل الإسلام، دون هذه النظم بكثير، وكانت فى جملتها لا تعتد بإرادة المرأة سواء قبل أو بعد الزواج، وأن العلاقة الزوجية لا تخرج عن كونها علاقة استمتاع الرجل بالمرأة.



(ب) بعد ظهور الإسلام:

وقد تغير الأمر بعد ظهور الإسلام، الذى أعلى من مكانة المرأة سواء قبل أو بعد زواجها، وجاء بمفهوم جديد للزواج، فالعلاقة الزوجية فى ظله هى علاقة تعاقدية بكل الشروط التى يستلزمها العقد من رضائية نابعة من إرادات حرة، والحقوق والواجبات بين الزوجين متبادلة، والرغبة فى تواصل الحياة الزوجية شرط لاستمرارها، وإنهاء الزواج بالطلاق أمر جائز للرجل وللمرأة على السواء، وإن كان حق المرأة فى ذلك مرتبطاً بحكم القاضى، ما لم تكن قد اشترطت لنفسها هذا الحق فى وثيقة زواجها . وقد سوى الإسلام بين الرجل والمرأة فى مختلف الحقوق المدنية، فلها ذمة مالية مستقلة، ولها أن تبيع وتشترى وتملك العقار والمنقول. ولا يفقدها الزواج شئ من ذلك، وتظل المرأة محتفظة باسم عائلتها بعد زواجها، وتتوارث معها، وتجرى كافة التصرفات المالية دون حاجة لموافقة زوجها، والذى يلتزم بالانفاق عليها ولو كانت موسرة أو مختلفة معه فى الدين.



(ج) بعد الفتح الإسلامى لمصر :

وبعد الفتح الإسلامى لمصر، وإنتشار العقيدة السمحة بين المصريين – الذين هم بطبعهم ميالون لحب العدالة بحكم المنشأ الجغرافى والاجتماعى والاقتصادى، إلى جانب الواعز الدينى المتغلغل فى أعماقهم منذ قديم الأزل – إزدادت مكانة المرأة سمواً بين المصريين.



إلا أن سمو المكانة التى بلغتها المرأة المصرية، خاصة بعد الفتح الإسلامى لمصر، سرعان ما تعرضت لهزات قوية ومتتالية لفترة طويلة من الزمن، من جراء الغزوات التى تعرضت لها البلاد، والتى استقدمت معها ثقافات وعادات خارجية أثرت فى ثقافة وعادات المصريين إلى حد كبير، خاصة بعد أن لاقت هوى لدى بعض المتشددين، الذين لا يرون فى المرأة إلا أنها عورة، يجب أن يستقر أمرها على شئون المنزل لا تبارحه، ونسبوا ذلك زوراً للإسلام، ليضفوا على تلك الثقافات قدسية تحول دون مخالفتها، فخدعوا بذلك عوام الناس. وبمرور الزمن استقرت هذه الثقافات فى المجتمع المصرى، حتى باتت المرأة فى مرتبة أدنى من الرجل، لا دور لها إلا الإنجاب والمتعة الجنسية، إلى جانب تربية الصغار وإدارة شئون المنزل، فضلاً عن مشاركتها فى أعمال الزراعة وما يرتبط بها. وإن كان ذلك كله، لم يسلب حق المرأة فى التمتع بذمة مالية مستقلة، لكن تحت إشراف الزوج، ولم تنفصل عن عائلتها الأصلية، فظلت تحمل اسم عائلتها وتتوارث معها فى حدود أحكام الشريعة الإسلامية. ولكنها لا تتمتع بالحقوق السياسية، ولا حظ لها أو نصيب فى التعليم، وبالتالى فى تقلد الوظائف العامة، وتقلصت مشاركتها فى الجانب الاقتصادى، نظراً لقيام زوجها بإدارة أموالها.

وظل الأمر على هذا النحو، إلى أن بدت فى الأفق- وعلى حياء- بعض الكتابات فى نهاية القرن الثامن عشر، تنادى بحق المرأة فى التعليم والمشاركة فى الحياة السياسية وغيرها من أوجه الحياة. ومع بدايات القرن التاسع عشر، إزدادت هذه الآراء علواً، على يد رفاعة الطهطاوى – وهو من رجال الدين – وقاسم أمين. وخاض المصلح خلال هذه الحقبة الزمنية، وما تلاها، الكثير من المعارك الفكرية، وكان له من المعارضين مثل ما كان له من المؤيدين، تأثر فيها المعارضون بالصبغة الدينية المزيفة التى أطلقها المتشددين على الثقافات والعادات التى جلبها معهم الغزاة لمصر- بينما المتأمل لأصول الإسلام، يدرك تماماً أن العيب ليس فى دين الإسلام، ولكن العيب فى فهم البعض لهذا الدين، فالمشكلة تكمن أساساً فى العقول الصخرية الجامدة التى تنسب إلى نفسها الوصايةعلى الدين، وكأن الدين قد جاء لهم فقط، وكأن الدين لا يصلح أن يقترب من فهمه وتفسير أحكامه إلا أمثال هؤلاء.



(د) تطورات ايجابية منذ الربع الأخير للقرن الماضى:

ومع مرور الزمن، بدأت آراء الإصلاح تعلو وتؤتى ثمارها، وإن كان ذلك يتم ببطء، وهو أمر متوقع، ذلك أن تغيير المفاهيم والعادات الاجتماعية والأعراف الموروثة، خاصة مانسب منها زوراً إلى الدين، لا يكون مرة واحدة، ولكن على فترات زمنية طويلة. فالشجرة لا تؤتى ثمارها بمجرد زرع بذرتها الأولى. وأياً كان الأمر، فقد أتت الثمار على مراحل زمنية، بدأت باقتحام المرأة لمجال التعليم بمراحله المختلفة، ثم تقلدها الوظائف العامة، وأحقيتها فى مباشرة كافة حقوقها السياسية، وما استتبعه ذلك من تطور لمكانتها فى كافة المجالات الأخرى.





وقد شهدت الثلاثون سنة الأخيرة، تطوراً ملحوظاً فى فكر المجتمع المصرى نحو وضع ومكانة المرأة فى العملية التنموية، وصاحب ذلك بالضرورة تغيير جذرى فى القوانين المتعلقة بالمرأة والأسرة، وكان ذلك نتيجة حتمية لعدة أسباب، لعل أهمها:

1- المعارك الفكرية التى خاضتها المرأة المصرية للمطالبة بحقوقها التى تقرها الشريعة الإسلامية.

2- زيادة الوعى الدينى لدى المجتمع بمفهوم وضع ومكانة المرأة فى الإسلام.

3- المبادئ التى أرستها المحكمة الدستورية العليا فى الكثير من أحكامها حول المفهوم الصحيح للقواعد الشرعية واجبة الإعمال، خاصة فيما يتعلق بمسائل الأحوال الشخصية. وهو ما ساعد على تغيير فى المفهوم الذى كان سائداً فى المجتمع المصرى نحو مكانة المرأة، نظراً لما وقر فى نفوس المصريين من قدسية للقضاء، وعلى رأسه المحكمة الدستورية العليا، الرقيبة على الشرعية الدستورية.

4- إيمان القيادة السياسية بعدالة مطالب المرأة المصرية، فعملت على مؤزارتها فى مطالبها من خلال القنوات الدستورية والتشريعية.



وباعتبار أن القانون هو آلية لتنظيم المجتمع، من خلال ما يرد فيه من بيان للحقوق والالتزامات المتقابلة، استجابة لاحتياجات المجتمع من ناحية، وتنظيماً لحركته فى عملية التغيير والتقدم من ناحية أخرى ، فإن وضع المرأة فى النظام القانونى يُعد أهم محددات واقعها الاجتماعى، ويمثل القانون الآلية التى يمكن الاستناد إليها فى تحجيم دور المرأة مقارنة بالرجل ، أو فى تحقيق التغيير المجتمعى الذى يؤدى إلى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل . وعلى ذلك ، فقد كان التشريع المصرى يمثل بمواده المتعلقة بالمرأة، الإطار الذى يحدد حقوقها وحدود أدوارها، وبالتالى مكانتها فى المجتمع . وهو ما يحدو بنا إلى إعطاء لمحة عن التطور التشريعى لمنظومة القوانين المصرية المتعلقة بالأحوال الشخصية، خاصة ما يتعلق منها بالمرأة.



التطور التشريعى لمنظومة قوانين الأحوال الشخصية وما يتعلق منها بالمرأة:


يعرف كل مشتغل بأمور التشريع، أن لكل قانون قصة، تبدأ بالظروف التى تنبئ بالحاجة إلى القاعدة القانونية التى تنظم أمراً من الأمور، ثم تعبر إلى الأفكار التى تدور حول هذا التنظيم حتى تخطو خطواتها الأولى إلى أن يتحقق وجود القاعدة المنشودة.



وكان الأمر كذلك بالنسبة للقوانين المنظمة لمسائل الأحوال الشخصية فى مصر، أو ما أصطلح على تسميته- فيما بعد- بالقوانين المنظمة لأحوال الأسرة، فلهذه القوانين قصة، ولعلها قصة طويلة فى المجال الزمنى، أطول منها بالنسبة لقوانين أخرى كثيرة، ولكن طولها ليس هو المثير فيها، بقدر ما كان الصراع الثقافى هو الأكثر إثارة. ولذلك، فإن قصة هذه القوانين تحتمل عملاً علمياًُ مستقلاً، للتعرف من خلالها كيف تتشابك الخطوط وتختلط الرؤى وتتعارض المصالح، وهى تكتسى جميعها بواجهتها الثقافية.



ولطول هذه القصة، الذى لا يحتمله موضوع هذا البحث، ولأهمية القصة من جانب آخر، نعرض بعض اللمحات الأساسية فيها. ومن خلال ذلك ستبدو أهم الأسباب التى أدت لتطور هذه التشريعات، سواء فى جانبها الموضوعى أو الإجرائى أو المتعلق بالإثبات(1).

لقد بدأت القصة، فيما يتعلق بالقواعد الموضوعية، بصدور القانون رقم 25 لسنة 1920، ومن بعده القانون رقم 25 لسنة 1929، مشتملين على بعض من أهم القواعد المنظمة لمسائل الأحوال الشخصية، التى تطبق على المصريين المسلمين بمعرفة المحاكم الشرعية، أما المصريين غير المسلمين فكانت المجالس الملية تطبق كل منها القواعد التى تنتظم ديانة كل ملة وطائفة. وظل الأمر على هذا النحو لحقب طويلة من الزمن، تكشف خلالها عدم كفاية تلك الأحكام لمواجهة مشكلات الأسر المصرية، فضلاً عن اختلاف رؤى المحاكم الشرعية حول الأحكام واجبة الإعمال فيما لم يرد بشأنه نص. وكانت معاناة المرأة أشد لكونها الطرف الضعيف فى ظل الواقع المجتمعى السائد فى ذلك الوقت . ولم يتغير الأمر بصدور القانون رقم 462 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والمجالس المليّة ، وإحالة الدعاوى المنظورة أمامها إلى المحاكم الوطنية . فكان أن أصدر رئيس الجمهورية القرار بقانون رقم 44 لسنة 1979 متضمنا تعديلات جوهرية على أحكام القانونين سالفى الذكر، إلا أن المحكمة الدستورية العليا قضت بعدم دستورية كامل أحكامه لصدوره فى غير الحالات التى يجيز فيها الدستور لرئيس الجمهورية إصدار قرارات لها قوة القانون(2) . مما حدا بالمشرع لإقرار القانون رقم 100 لسنة 1985، متضمنا تعديلات جوهرية للأحكام الموضوعية فى القانونين رقمى 25 لسنة 1920 و25 لسنة 1929، واستحدث قواعد جديدة، رفع من خلالها الكثير مما كانت تعانى منه المرأة المصرية فى ظل العلاقة الزوجية. وقد استقى تلك القواعد من أحكام الشريعة الإسلامية، وهو ما تأكد بعد مباشرة المحكمة الدستورية العليا لرقابتها الدستورية على معظم تلك القواعد، من خلال ما عرض عليها من أنزعة.



أما فيما يتعلق بالقواعد الإجرائية، وتلك المتعلقة بالإثبات فى مسائل الأحوال الشخصية، فقصتها طويلة، يكفى أن نذكر منها أنه حتى ما قبل 1/3/2000 كانت موزعة بين خمسة قوانين ولائحتين، اللائحة الأولى صدرت سنة 1907، والثانية صدرت بموجب المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931. وكانت القواعد الإجرائية المتعلقة بمنازعات الأجانب ينظمها الكتاب الرابع من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 77 لسنة 1949 ، والذى لم يلغ بموجب القانون رقم 13 لسنة 1968 ، وهى تختلف عن الإجراءات المتعلقة بمنازعات المصريين . وقد أثبت الواقع القضائى فى ظل العمل بتلك القوانين واللوائح ، عدم صلاحيتها لمواجهة مشاكل الأسرة، فضلاً عن أنها كانت تفتح الباب للمماطلة والكيد، مما ترتب عليه إطالة أمد التقاضى، فإزدادت فى ظل العمل بها معاناة الأسرة، خاصة المرأة التى كانت تقضى زهرة شبابها فى المحاكم حتى تحصل على حكم، قد يتعذر عليها تنفيذه. إلى أن كانت الانفراجة الأولى ممثلة فى القانون رقم 1 لسنة 2000، الذى ألغى كافة اللوائح والقوانين السابقة، وحل محلها- فى 80 مادة- قواعد جديدة مبسطة تحكم كافة إجراءات التقاضى وتلك المتعلقة بالإثبات، سواء للمصريين- مسلمين وغير مسلمين- أو غير المصريين، وإلزام المحكمة ببذل مساعى الصلح فيما يعرض عليها من أنزعه، ولها أن تستعين بالأخصائيين الاجتماعيين، وندب حكمين من أهل الزوجين أو من غيرهم فى دعاوى التطليق التى يوجب فيها القانون ذلك لموالاة مساعى الصلح. وقد اشتمل هذا القانون- ولأول مرة- على تنظيم حق المرأة فى طلب تطليقها إذا بغضت الحياة مع زوجها بعد أن ترد له ما أعطاها من مهر عند الزواج، وهو أمر تقره الشريعة الإسلامية تحت مسمى "الخلع". كما أنشأ هذا القانون لأول مرة نظاماً لتأمين الأسرة يشرف عليه بنك ناصر الاجتماعى.



وبعد أربع سنوات، تحققت الانفراجة الثانية للأسرة المصرية، بصدور القانونين رقمى 10، 11 لسنة 2004. القانون الأول خاص بمحاكم الأسرة، والذى أوجب عرض كافة منازعات الأحوال الشخصية ابتداء على مكاتب تسوية المنازعات الأسرية، التى تضم ثلاثة اخصائيين، قانونى ونفسى واجتماعى، ليتولوا الاجتماع بأطراف النزاع، وتبصيرهم بجوانبه المختلفة، وآثاره، وعواقب التمادى فيه، وإبداء النصح والإرشاد فى محاولة تسويته ودياً حفاظاً على كيان الأسرة . فإن لم تسفر الجهود عن تسوية النزاع ودياً فى جميع أو بعض عناصره، يحرر محضر بما تم، ويرفق به تقارير الاخصائيين، وترسل الأوراق إلى محكمة الأسرة، الكائنة بدائرة كل محكمة جزئية، والمشكلة من ثلاث قضاة، أحدهم على الأقل بدرجة رئيس محكمة، ويعاونها اخصائى اجتماعى وآخر نفسى، أحدهما على الأقل من النساء . ويكون الطعن على أحكامها أمام دوائر استئنافية مشكلة من ثلاث مستشارين، أحدهم على الأقل بدرجة رئيس بمحاكم الاستئناف، والتى يكون لها أن تستعين بمن تراه من الاخصائيين . وبموجب ذلك القانون تم إلغاء طريق الطعن بالنقض على الأحكام الصادرة فى منازعات الأحوال الشخصية، وانشئ بكل محكمة أسرة إدارة خاصة لتنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة منها أو من دوائرها الاستئنافية، وذلك تحت إشراف قاضى للتنفيذ يختار من بين قضاة محكمة الأسرة . ورغم كل هذه المزايا التى اشتمل عليها القانون رقم 10 لسنة 2004 ، فقد أثبت الواقع القضائى ضرورة إدخال تعديلات على بعض مواده .



والقانون الثانى رقم 11 لسنة 2004، صدر بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة، يتبع بنك ناصر الاجتماعى، وبموجبه تلتزم كل أسرة بالاشتراك فى هذا النظام بواقع مبلغ خمسين جنيهاً عن كل واقعة زواج أو طلاق أو مراجعة، وعشرين جنيهاً عن المستخرج الأول لشهادة الميلاد، ويقوم بنك ناصر الاجتماعى بأداء النفقات والأجور وما فى حكمها من حصيلة موارد هذا الصندوق، ويتولى تحصيلها من المحكوم عليه.

...............................

وبعد، فرغم كل هذه التطورات التشريعية، فإن الإصلاح التشريعى المصرى لمنظومة الأحوال الشخصية لم يقف عند هذا الحد، فقد واكبه تعديلات تشريعية أدخلت على عدة قوانين ذات صلة، ترتب عليها استرداد المرأة المصرية للكثير من حقوقها التى أقرتها الشريعة الإسلامية، على نحو ما سنشير إليه الآن، من خلال بيان الحقوق التى تتمتع بها المرأة المصرية.



حقوق المرأة المصرية فى ضوء الشريعة الإسلامية والقانون والرقابة الدستورية :


تتمتع المرأة فى ظل الإسلام بكافة الحقوق، شأنها فى ذلك شأن الرجل، وقد سايرت التشريعات المصرية المتعاقبة هذا النهج، وما حادت عنه فيه، تولت المحكمة الدستورية العليا تصحيح مساره من خلال ما عرض عليها من أنزعة، وذلك على النحو الآتى:



1 – الذمة المالية المستقلة:

تتمتع المرأة المصرية بالذمة المالية المستقلة، وبالشخصية المدنية الكاملة، متى كانت بالغة عاقلة، سواء قبل زواجها أو بعده، فتدير أموالها كيفما شاءت. وتباشر كافة الحقوق السياسية من انتخاب وترشيح منذ سنة 1957.

ومع ذلك، فالمرأة فى الإسلام مكفولة مالياً برجل طوال حياتها، سواء بمعرفة والدها أو اشقائها أو زوجها أو أولادها. والزوج ملزم بالإنفاق على زوجته حتى ولو كانت موسرة، وفقاًَ لنص الفقرة الأولى من المادة الأولى من القانون رقم 25 لسنة 1920 المعدلة بالقانون رقم 100 لسنة 1985. ولاتفاق هذا النص مع أحكام الشريعة الإسلامية، فقد قضت المحكمة الدستورية العليا بجلسة 15/4/2007 برفض الدعوى رقم 23 لسنة 20 قضائية، المقامة طعناً على دستوريته.



2 – حق المرأة فى التعليم:

وهو ما قررته المادة (18) من الدستور من أن " التعليم حق تكفله الدولة، وهو إلزامى فى المرحلة الابتدائية، وتعمل الدولة على مد الإلزام إلى مراحل أخرى...". وتأكد ذلك بما نصت عليه المادة (54) من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996 من أن " التعليم حق لجميع الأطفال فى مدارس الدولة بالمجان"، وما نصت عليه المادة (59) من أن "مرحلة التعليم الأساسى الإلزامى تتكون من حلقتين، الحلقة الابتدائية والحلقة الاعدادية، ويجوز إضافة حلقة أخرى على النحو الذى تبينه اللائحة التنفيذية".

وقد اقتحمت المرأة المصرية كافة مراحل التعليم، ويكاد عدد الحاصلات على شهادات جامعية من النساء يقارب عدد الرجال، وهناك أعداد ضخمة من النساء حصلن على درجة الماجستير، وعلى درجة الدكتوراه فى كافة أفرع العلوم.



3 – حق المرأة فى العمل وتقلد الوظائف العامة:

وهو ما أكدته المادة (13) من الدستور من أن "العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة.."، والمادة (14) منه التى نصت على أن " الوظائف العامة حق للمواطنين..."، والمادة (11) منه التى نصت على أن " تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها فى المجتمع، ومساواتها بالرجل فى ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية". وأخيراً ما نصت عليه المادة (40) من الدستور، من أن "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة ، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب ***** أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة".

وتعمل المرأة المصرية حالياً فى كافة المجالات، وتتقلد كافة الوظائف الحكومية بدرجاتها المختلفة، حتى درجة الوزير، وتقلدت منذ عام 2003 المناصب القضائية، بما فى ذلك منصب نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا.

وخروج الزوجة للعمل لا يسقط نفقتها، التى تقدر بحسب حالة الزوج يسراً أو عسراً وبما يكفى حاجتها الضرورية ( الفقرة الخامسة من المادة الأولى من القانون رقم 25 لسنة 1920 معدلة بالقانون رقم 100 لسنة 1985). ولاتفاق هذا النص مع أحكام الشريعة الإسلامية، قضت المحكمة الدستورية العليا بجلسة 3/5/1997 برفض القضية الدستورية رقم 18 لسنة 14 قضائية، المقامة طعناً على دستوريته.

4 – تأثيم ختان الأنثى:

ختان الأنثى أمر لا يعرفه الإسلام، وإنما انتشر من خلال عادات عربية وأفريقية مورثة، نسبت للإسلام ظلماً. وإذ لم تفلح جهود الاقناع فى استئصال هذه العادة الوحشية التى تفشت لدى بعض من طوائف المجتمع المصرى، خاصة فى المناطق الريفية، فقد عمد المشرع المصرى إلى رصد عقوبة جنائية لمن يجريها، بموجب نص المادة (242 مكرراً) من قانون العقوبات، المضافة بالقانون رقم 126 لسنة 2008.



5- وجوب توقيع الكشف الطبى على الراغبين فى الزواج:

إعمالاً للقاعدة الشرعية التى سنّها الرسول صلى الله عليه وسلم من أن "لا ضرر ولا ضرار"، وحماية للمرأة والرجل وذريتهما، فقد فرض المشرع المصرى شرطاً جديداً لتوثيق الزواج، يتمثل فى توقيع الفحص الطبى للراغبين فى الزواج للتحقق من خلوهما من الأمراض التى تؤثر على حياة أو صحة كل منهما أو على صحة نسلهما، وإعلامهما بنتيجة هذا الفحص. ويعاقب تأديبياً الموثق الذى يوثق الزواج بالمخالفة لهذا الشرط [الفقرتين الثانية والثالثة من المادة (31 مكرراً) من القانون رقم 143 لسنة 1994 فى شأن الأحوال المدنية، والمضافة بموجب المادة الخامسة من القانون رقم 126 لسنة 2008].



6- توحيد سن زواج الرجل والمرأة:

كان هناك تمييز غير مبرر فى هذا الشأن بين المرأة والرجل، إذ كانت تزوج المرأة متى بلغت 16 سنة، والرجل متى بلغ 18 سنة. وبموجب الفقرة الأولى من المادة (31 مكرراً) من القانون رقم 143 لسنة 1994 فى شأن الأحوال المدنية، المضافة بالقانون رقم 126 لسنة 2008، لا يجوز توثيق الزواج ما لم يكن الزوجين قد جاوزا سن الثامنة عشرة سنة ميلادية. والموثق الذى يخالف هذا الشرط ـ فضلاً عن مساءلته تأديبياً ـ يعاقب بالحبس لمدة لاتجاوز سنتين وغرامة لا تجاوز 500 جنيه، إعمالاً لنص المادة (227) من قانون العقوبات. ولا تقبل أى دعوى زوجية ما لم يكن الزوجين قد بلغا هذا السن وقت رفع الدعوى (المادة 17/1 من القانون رقم 1 لسنة 2000) ، وإن كان الأمر يتطلب تدخل تشريعى لتعديل هذا النص ، لوجود فارق بين شروط التوثيق وشروط سماع أو قبول الدعوى .



7- المرأة لا تتزوج إلا بإرادتها وإختيارها:

وهى أصل من أصول الشريعة الإسلامية، سواء كانت المرأة قاصرة أو بالغة. فعقد الزواج لا ينعقد إلا بإرادات حرة متوافقة، ولا تجبر المرأة على زوج لا تقبله. بينما الشريعة اليهودية تجبر المرأة التى توفى عنها زوجها بأن ترتبط بأخيه أو ابن عمه، فى زواج بلا مهر، وينسب أول أبناء تلك العلاقة لاسم الزوج المتوفى، ورفض الاخ أو ابن العم هذه الزيجة يجلب له العار.



8- حق المرأة فى السفر للخارج:

كان القانون رقم 97 لسنة 1959 بشأن جوازات السفر، يخول وزير الداخلية سلطة إصدار قرار بمنح جواز السفر أو تجديدة أو سحبه، فأصدر وزير الداخلية قراره رقم 3937 لسنة 1996، ناصاً فى مادته الثالثة على عدم جواز منح وثيقة سفر أو تجديدها للزوجة إلا بعد موافقة زوجها على سفرها للخارج، فإن وافق الزوج، كان له فى أى وقت أن يخطر وزير الداخلية برغبته فى عدم سفر زوجته، فيصدر الوزير قراراً بمنعها من السفر.



وقد عرض هذا الأمر على المحكمة الدستورية العليا، فى القضية الدستورية رقم 243 لسنة 21 قضائية، وقضت فيها بجلسة 4/11/2000 بعدم دستورية نص المادتين 8، 11 من القانون رقم 97 لسنة 1959 المشار إليه، وسقوط نص المادة الثالثة من قرار وزير الداخلية رقم 3937 لسنة 1996، لتعارضه مع أحكام الشريعة الإسلامية والحرية الشخصية وحرية التنقل. وحالياً، يتولى رئيس محكمة الأسرة، النظر فى أمر منع أى من الزوجين أو أولادهما القصر من السفر إلى الخارج، وذلك بموجب أمر على عريضة يصدره بعد سماع أقوال ذوى الشأن (3) (البند الأخير من الفقرة الثانية من المادة الأولى من مواد إصدار القانون رقم 1 لسنة 2000، والفقرة الأخيرة من المادة الثالثة من القانون رقم 10 لسنة 2004 بشأن محاكم الأسرة).



9- حق الزوجة المسلمة فى تطليق نفسها بإرادتها المنفردة:

يحق للزوجة المسلمة تطليق نفسها من زوجها بإرادتها المنفردة، إذا كانت احتفظت لنفسها بهذا الحق فى وثيقة زواجها.



10- حق الزوجة المسلمة فى طلب التطليق بحكم من القضاء فى الحالات الآتية:

(أ) امتناع الزوج عن الإنفاق عليها (المواد 4، 5، 6 من القانون رقم 25 لسنة1920).

(ب) إذا وجدت الزوجة بزوجها عيباً مستحكماً لا يمكن البرء منه أو يمكن البرء منه بعد زمن طويل، ولا يمكنها المقام معه إلا بضرر، كالجنون والجزام والبرص والإيدز والعنه، سواء كان العيب بالزوج قبل الزواج ولم تعلم به أم حدث بعد الزواج ولم ترضاه (المواد 9، 10، 11 من القانون رقم 25 لسنة 1920).

(ج) إذا ألحق بها الزوج إيذاء بدنى أو نفسى أو هجر فراشها (المادة 6 من القانون رقم 25 لسنة 1929).

(د) إذا تزوج عليها زوجها، ولحقها من ذلك ضرر مادى أو معنوى يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما، ولو لم تكن قد اشترطت عليه فى العقد ألا يتزوج عليها (المادة 11 مكرراً من القانون رقم 25 لسنة 1929، المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985). وقد طعن على دستورية ذلك النص، فى القضية الدستورية رقم 35 لسنة 9 قضائية، فى خصوص أن ما تضمنه يُعد تقييداً لمنع تعدد الزوجات المباح شرعاً، فقضت المحكمة الدستورية العليا- بجلسة 1/9/1994 برفض الدعوى، على أساس التأويل الذى اعطته للنص وفق أحكام الشريعة الإسلامية.

(هـ) استحكام الخلاف بين الزوجين، إذا طلبت الزوجة التطليق عند إعتراضها على دعوة الزوج عودتها لمسكن الزوجية – إنذار الطاعة (المادة 11 مكرراً ثانياً من القانون رقم 25 لسنة 1929 المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985). وقد طعن على دستورية ذلك النص فى القضية الدستورية رقم 197 لسنة 19 قضائية، وبجلسة 3/4/1999 قضت المحكمة برفض الدعوى لاتفاق النص وأحكام الشريعة الإسلامية.

(و) إذا غاب الزوج عن زوجته سنة فأكثر بلا عذر مقبول، وتضررت من بعده عنها، ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه (المادتان 12 و 13 من القانون رقم 25 لسنة 1929).

(ز) إذا صدر حكم نهائى بعقوبة مقيدة لحرية الزوج مدة ثلاث سنين فأكثر، وطلبت الزوجة التطليق بعد مضى سنة من حبسه، ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه (المادة 14 من القانون رقم 25 لسنة 1929).

(ح) إذا بغضت المرأة الحياة مع زوجها وردت له ما أعطاها من مهر، وهو ما يعرف "بالخلع" (المادة 20 من القانون رقم 1 لسنة 2000) وقد طعن على دستورية ذلك النص فى القضية الدستورية رقم 201 لسنة 23 قضائية، وبجلسة 15/12/2002، قضت المحكمة الدستورية العليا برفض الدعوى لاتفاق النص وأحكام الشريعة الإسلامية.

(ط) وللزوجة المسلمة طلب التفريق بينها وبين زوجها إذا ارتد عن دين الإسلام.

(ى) قبول دعوى التطليق أو الفسخ من الزواج غير الموثق، وهو ما يطلق عليه "الزواج العرفى" (المادة 17/2 من القانون رقم 1 لسنة 2000).



11 – حق الزوجة فى التعويض إذا طلقها زوجها دون رضاها ولا بسبب من قبلها:

وهو ما يعُرف فى فقه الشريعة الإسلامية "بالمتعة"، وقصد بها جبر خاطر المرأة، وتعويضها. ويقدر هذا التعويض بمقدار نفقة سنتين على الأقل وبمراعاة حال المطلق يسراً وعسراً، وظروف الطلاق ومدة الزوجية، ولو كان الطلاق قد تم بموجب حكم من القضاء، متى كان ذلك راجعاً لفعل الزوج أو امتناعه (المادة 18 مكرراً من القانون رقم 25 لسنة 1929، المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985). وقد طعن على دستورية ذلك النص فى القضية الدستورية رقم 7 لسنة 8 قضائية، وبجلسة 15/5/1993 قضت المحكمة الدستورية العليا برفض الدعوى لاتفاق النص وأحكام الشريعة الإسلامية.



12 – حق الزوجة فى إثبات طلاق زوجها لها إذا لم يوثق هذا الطلاق:

وإن كانت الشريعة الإسلامية تجيز للرجل تطليق زوجته بالإرادة المنفردة، وبمجرد التلفظ بما يفيد إنعقاد نيته على طلاقها، إلا أن المادة (5 مكرراً) من القانون رقم 25 لسنة 1929، المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985، ألزمته بتوثيق إشهاد طلاقه لدى الموثق المختص خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إيقاع الطلاق، وتعتبر الزوجة عالمة بالطلاق إذا حضرت توثيقه، وإلا وجب على الموثق إعلانها بإيقاع الطلاق لشخصها بموجـب إعلان على يد محضر وتسليمها نسخة من إشهاد الطلاق. فإذا لم يوثـق الزوج هذا الطلاق، فقد نصت المادة ( 23 مكرراً ) من ذات القانون على معاقبته بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تجاوز مائتى جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين. كما يعاقب الموثق بالحبس مدة لا تزيد على شهر وبغرامة لا تجاوز خمسين جنيهاً إذا أخل بأى من الالتزامات التى فرضها عليه القانون، مع جواز الحكم بعزله أو وقفه عن عمله لمدة لا تجاوز سنة.



وقد كـانت المادة 21 مـن القانون رقم 1 لسنة 2000 تنص على أنه "لا يعتد فى إثبات الطلاق عند الإنكار إلا إذا كان ثابتاً بإشهاد موثق". وقد عرض أمر دستورية ذلك النص على المحكمة الدستورية العليا، فى القضية الدستورية رقم 113 لسنة 26 قضائية، فقضت فيها بجلسة 15/1/2006 بعدم دستوريته فيما تضمنه من قصر الاعتداد فى إثبات الطلاق عند الإنكار على الإشهاد والتوثيق، لما فى ذلك من إعنات بالزوجة التى طلقها زوجها وامتنع عن توثيق طلاقه لها، وانكره، إضراراً بها، وهو ما تأباه مبادئ الشريعة الإسلامية.



13 – عدم الاعتداد بمراجعة الزوج لمطلقته عند الإنكار مالم يكن قد أعلنها بهذه المراجعة بورقة رسمية قبل إنقضاء عدتها (المادة 22 من القانون رقم 1 لسنة 2000)، وذلك لدرء الأضرار التى تحيق بالمرأة من طلاق زوجها لها، وإدعاء مراجعته لها، قبل انقضاء عدتها، نكاية فيها حتى يسقط حقوقها المالية الناجمة عن الطلاق ، أو لمنع زواجها من آخر، أو طلب محاكمتها إذا تزوجت، بزعم جمعها بين زوجين.



14 – حق المرأة فى حضانة الأبناء:

للمرأة حق حضانة الأولاد حتى يبلغ الصغير أو الصغيرة سن 15 سنة ميلادية، ويخير القاضى الصغير أو الصغيرة بعد بلوغ هذه السن فى البقاء فى يد الحاضنة دون أجر حضانة، وذلك حتى يبلغ الصغير سن الرشد (21 سنة) وحتى تتزوج الصغيرة (المادة 20 من القانون رقم 25 لسنة 1929 بعد استبدالها بالقانون رقم 4 لسنة 2005). وقد طعن على دستورية ذلك النص فى خصوص سن الصغير، وذلك فى القضية الدستورية رقم 125 لسنة 27 قضائية، وبجلسة 4/5/2008 قضت المحكمة الدستورية العليا برفض الدعوى لاتفاق النص وأحكام الشريعة الإسلامية.



وقد نصت الفقرة الخامسة من المادة (20) من القانون رقم 25 لسنة 1929 على أن حق الحضانة يثبت للأم ثم للمحارم من النساء، مقدما فيها من يدلى بالأم على من يدلى بالأب. وقد طعن على دستورية ذلك النص فى القضية الدستورية رقم 164 لسنة 19 قضائية، وبجلسة 3/7/1999، قضت المحكمة الدستورية العليا برفض الدعوى لاتفاق النص وأحكام الشريعة الإسلامية.



15- حق المرأة الحاضنة فى الولاية التعليمية على الصغار:

تكون الولاية التعليمية للمرأة الحاضنة، وعند الخلاف على ما يحقق مصلحة الطفل الفضلى، يعرض الأمر على رئيس محكمة الأسرة – بصفته قاضياً للأمور الوقتية – ليصدر قراره فيه بأمر على عريضة، بمراعاة حال ولى الأمر، ودون مساس بحق الحاضنة فى الولاية التعليمية (الفقرة الثانية من المادة 54 من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، المضافة بموجب المادة الأولى من القانون رقم 126 لسنة 2008).



16- حق الأم فى الإبلاغ عن واقعة الميلاد وإثبات نسب الطفل:

إعمالاً للمادتين (4، 15) من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 بعد تعديلهما بالقانون رقم 126 لسنة 2008، يكون للأم حق الإبلاغ عن وليدها وقيده فى سجلات المواليد واستخراج شهادة ميلاد له مدوناً بها اسمها، ولا يعتد بهذه الشهادة فى غير إثبات واقعة الميلاد. وللطفل أو من ينوب عنه أن يثبت نسبه إلى والديه الشرعيين، بكافة وسائل الإثبات، بما فيها الوسائل العلمية المشروعة.



17- تمتع أبناء الأم المصرية من أب غير مصرى بجنسيتها:

بموجب المادتين الأولى والثالثة من القانون رقم 154 لسنة 2004، المعدل للقانون رقم 26 لسنة 1975 بشأن الجنسية المصرية، فإن ابن الأم المصرية من أب غير مصرى، يتمتع بجنسيتها منذ تاريخ ميلاده، أياً كان مكان مولده. أما من ولد قبل تاريخ العمل بالقانون رقم 154 لسنة 2004، فيتمتع بالجنسية المصرية تبعاً لجنسية أمه إذا طلب ذلك ولم يصدر قرار مسبب من وزير الداخلية برفض هذا الطلب. ويراقب القضاء الإدارى مدى مشروعية قرار الرفض.



18- للزوجة أو المطلقة حق طلب الحكم بتعذير الزوج بالحبس، وطلب عقابه، إذا امتنع عن تنفيذ الحكم النهائى الصادر بإلزامه بالنفقة:

إعمالاً لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يجوز تعذير، أى تهديد، الشخص القادر بالحبس إذا امتنع عن سداد ما استحق عليه من ديون. ولكون نفقة الزوجة أو المطلقة أو الأبناء تعد ديناً فى ذمة المحكوم عليه، فإن حكم عليه نهائياً بأداء أى من تلك النفقات والأجور وما فى حكمها، وامتنع عن الوفاء مع مقدرته على الدفع، فيجوز أن يُطلب من القضاء تعذيره بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثين يوما حتى يوفى بما عليه (المادة 347 من المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931، والتى حلت محلها المادة 76 مكرراً من القانون رقم 1 لسنة 2000). وقد طعن على دستورية نص المادة 347 من المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931، فى القضية الدستورية رقم 13 لسنة 15 ق، أمام المحكمة العليا ، وقضت فيها بجلسة 18/1/1975 برفض الدعوى لاتفاق النص وأحكام الشريعة الإسلامية.

فإذا نفذ المحكوم عليه هذا التعذير، وظل على امتناعه عن الدفع، جاز طلب عقابه بالمادة (293) من قانون العقوبات، بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه أو بإحدى العقوبتين، فإن تكرر امتناعه تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة. وقد طعن على دستورية ذلك النص، فى القضية الدستورية رقم 45 لسنة 17 قضائية، وبجلسة 22/3/1997 قضت المحكمة الدستورية العليا برفض الدعوى لاتفاق النص وأحكام الشريعة الإسلامية.



منهج المحكمة الدستورية العليا فيما عرض عليها من منازعات الأحوال الشخصية :

يتعين أن نشير ابتداء إلى الأسس التى وضعتها المحكمة إطاراً لرقابتها على مدى التزام النصوص التشريعية وأحكام الشريعة الإسلامية، والتى تمثلت فى الآتى:

1- اعتباراً من 22/5/1980 ـ تاريخ تعديل نص المادة الثانية من الدستور، التى اعتبرت مبادىء الشريعـة الإسلامية المصـدر الرئيسى للتشريع ـ فإن السلطة التشريعية مقيدة فيما تقره من نصوص تشريعية بأن تكون غير مناقضة لمبادىء الشريعة الإسلامية.

2- التقيد بمبادىء الشريعة الإسلامية قاصر على الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلاتها، أى الثابتة المصدر: وهو ما ينصرف إلى جميع ما ورد فى آيات القرآن الكريم، فضلاً عما ورد من أحاديث ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. ولا يكتفى بذلك، بل لا بد أن تكون الأحكام الثابتة فى القرآن الكريم أو السنة المطهرة واضحة الدلالة على المقصود منها، بحيث لا تحتمل تأويلاً آخر، فإن كان الفقهاء قد اختلفوا فى المقصود منها، فلا يتقيد المشرع بها فيما يصدره من تشريعات. أما إذا كانت قطعية الثبوت والدلالة، فلا يجوز لنص تشريعى أن يخالفها. وتقتصر ولاية المحكمة الدستورية العليا فى شأن مدى اتفاق النصوص التشريعية بالأحكام القطعية الثبوت والدلالة فى الشريعة الإسلامية، على مراقبة التقيد بها وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها.

3- أن أية قاعدة قانونية، ولو كان العمل قد استقر عليها زمنا، لا تحمل فى ذاتها ما يعصمها من العدول عنها وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم حكماً شرعياً قطعى الثبوت والدلالة، وتكون فى مضمونها أرفق بالناس وأحفل بشئونهم وأكفل لمصالحهم الحقيقية.

4- الأحكام غير المقطوع فى ثبوتها أو دلالتها أو بهما معاً، وهى تلك التى كانت محلاً لاختلاف الفقهاء، تنحصر فيها دائرة الاجتهاد(4) . وتلك المسائل بطبيعتها متطورة، تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيماً لشئون العباد، بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً، ولا يعطل بالتالى حركتهم فى الحياة.

5- لا يجوز أن يكون الاجتهاد تقليداً محضاً للأولين، أو إفتراءً على الله كذباً بالتحليل والتحريم فى غير موضعيهما، أو عزوفاً عن النزول على أحوال الناس والصالح من أعرافهم.

6- يجب أن يكون الاجتهاد دوماً واقعاً فى إطار الأصول الكلية للشريعة الإسلامية من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

7- الاجتهاد فى الأحكام الظنية حقاً لولى الأمر، والذى يجب عليه عند الخيار بين أمرين، مراعاة أيسرهما ما لم يكن إثماً، وعليه أيضاً ألا يشرع حكماً يضيق على الناس أو يرهقهم فى أمرهم عسراً، بل يستهدف تحقيق مصالحهم التى تتطور على ضوء أوضاع مجتمعاتهم.



وعلى ضوء تلك المبادئ ، نعرض لبعض من تطبيقات المحكمة الدستورية العليا فى مسائل الأحوال الشخصية، خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة. وحكم خاص بحرية العقيدة.



أولاً: مدى دستورية النص على حظر ارتداء النقاب فى دور التعليم

كان النزاع الموضوعى يدور حول طلب إلغاء قرار وزير التربية والتعليم رقم 113 لسنة 1994 والمفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994 المتضمن تحديد الزى المدرسى فى مراحل التعليم المختلفة، والذى ترتب عليه طرد ابنتىّ المدعى من مدرستهما الثانوية لارتدائهما النقاب . وقد أحالت محكمة القضاء الإدارى الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية هذا القرار فيما تضمنه من منع دخول الطالبات المنقبات لدور التعليم المختلفة ، وإن جاز السماح للطالبة بالدخول وهى تضع غطاء شعر لا يحجب وجهها، إذا اختارت ذلك وبموافقة ولى أمرها.

وبجلسة 18/5/1996، قضت المحكمة الدستورية العليا فى القضية الدستورية رقم 8 لسنة 17 قضائية، برفضها، مؤيدة بذلك دستورية النص على حظر ارتداء النقاب فى دور التعليم المختلفة، وتأسس هذا الحكم على أسباب حاصلها :

1- أن هيئة وثياب المرأة لا يوجد بشأنها نصوص قطعية الثبوت والدلالة فى الشريعة الإسلامية، ومن ثم فهى من المسائل الاختلافية التى ينفتح لها باب الاجتهاد، فى إطار الضوابط الواردة فى القرآن الكريم(5) ، وأن ملابس المرأة ليست من الأمور المتعلقة بالعبادة، فيكون لولى الأمر كامل السلطة فى وضع الأحكام العملية نحو تحديدها على ضوء ما يكون سائداً فى عادت وأعراف المجتمع، والتى تتغير بتغير الزمان والمكان، وإن كان ضابطها الستر بمفهومه الشرعى.

2- أن ما تتوخاه الشريعة الإسلامية من ضبطها لثياب المرأة، أن تعلى قدرها، ولا تجعل للحيوانية مدخلاً إليها، ليكون سلوك المرأة رفيعاً لا ابتذال فيه ولا اختيال، وبما لا يوقعها فى الحرج إذا اعتبر جسمها كله عورة، مع حاجتها إلى تلقى العلوم على اختلافها، وإلى الخروج لمباشرة ما يلزمها من الأعمال التى تختلط فيها بالآخرين. وليس متصوراً بالتالى أن تموج الحياة بكل مظاهرها من حولها، وأن يطلب منها على وجه الاقتضاء أن تكون شبحاً مكسواً بالسواد أو بغيره.(6) بل يتعين أن يكون لباس المرأة شرعاً قرين لتقواها، وبما لا يعطل حركتها فى الحياة، فلا يكون محدداً لجمال صورتها، ولا حائلاً دون يقظتها ومباشرتها لصور النشاط التى تفرضها حاجتها ويقتضيها خير مجتمعها، بل موازناً بين الأمرين، ومحدداً على ضوء الضرورة، وبمراعاة ما يعتبر عادة وعرفاً صحيحين.

3 –القرار المطعون عليه لا ينال من حرية العقيدة التى نص عليها الدستور فى المادة (46) منه، ولا يخالف جوهر الدين فى الأصول الكلية التى يقوم عليها، بل يعتبر اجتهاداً مقبولاً شرعاً لا يتوخى غير تنظيم رداء للفتاة- فى دائرة المعاهد التعليمية عبر المراحل الدراسية التى حددها- بما لا ينتقص من حيائها أو يمس عفافها، أو يشى بعورتها، وعلى ذلك فإن هذا القرار يدخل فى دائرة تنظيم المباح، ولا يعد افتئاتاً على حرية العقيدة.

4 - عدم إخلال القرار المطعون عليه بالحرية الشخصية، إذ أن تلك الحرية لا ينافيها أن يفرض المشرع " فى دائرة بذاتها" قيوداً على الأزياء التى يرتديها بعض الأشخاص " فى موقعهم من هذه الدائرة" لتكون لها ذاتيتها، فلا تختلط أرديتهم بغيرها، بل ينسخلون فى مظهرهم عمن سواهم، ليكون زيهم موحداً، متجانساً ولائقاً، دالاً عليهم ومُعرفاً بهم.

5 – عدم إخلال القرار المطعون عليه بكفالة الدولة للتعليم، إذ أنه لم يطلق أزياء طلبة المعاهد التعليمية من القيود، بل جعل رداءهم موحداً وملائماً، كافلاً صحتهم النفسية والعقلية، بما لا يخل بقيمهم الدينية.



ثانياً: تحديد قواعد الميراث فى الشريعة الإسلامية


تناولت المحكمة الدستورية العليا المصرية، بحث مدى دستورية القانون رقم 228 لسنة 1989، الذى فرض ضريبة على صافى ما يؤول من أموال إلى كل وارث أو مستحق فى التركة، فقضت بجلسة 5/12/1998، فى القضية الدستورية رقم 28 لسنة 15 قضائية، بعدم دستورية ذلك القانون لمخالفته أحكام الشريعة الإسلامية، فضلاً عن أحكام أخرى فى الدستور. وجاء بأسباب هذا الحكم:

1 - أن أحكام الشريعة الإسلامية هى التى تعين الورثة وتحدد أنصبائهم، وتبين قواعد انتقال ملكيتها إليهم، وهى أحكام قطعية الثبوت والدلالة، فلا يجوز تحويرها أو الاتفاق على خلافها.

2 – أن فرض ضريبة على صافى ما يؤول من أموال لكل وارث، مؤداه اقتطاع جزء من نصيبه فى تلك الأموال، ومقاسمة الدولة للورثة فى حقوق قصرها الله تعالى عليهم، بما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية المقطوع بثبوتها ودلالتها.



ثالثاً: تعدد الزوجات وعقاب من يخفى زواجه

عرض على المحكمة الدستورية العليا بحث مدى دستورية إعطاء الزوجة حق طلب تطليقها من زوجها إذا تزوج عليها ولحقها من ذلك ضرر مادى أو أدبى تستحيل العشرة بينهما بسببه، وهو المنصوص عليه فى المادة (11 مكرراً) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985. كما عرض عليها أيضا بحث مدى دستورية ما ورد بالمادة (23 مكرراً) من ذات القانون، من رصد عقوبة جنائية (الحبس والغرامة أو إحداهما) إذا أدلى الزوج بمعلومات غير صحيحة عن حالته الاجتماعية عند توثيق زواجه بأخرى، حتى يخفى ذلك عن زوجته.



* وقد تناولت المحكمة الدستورية العليا، بحث دستورية المسألة الأولى فى القضية الدستورية رقم 35 لسنة 9 قضائية، وقضت فيها بجلسة 14/8/1994 برفض الدعوى. ومن ضمن ما تأسس عليه ذلك الحكم:

1- الأصل فى تشريعات تعدد الزوجات، هو النصوص القرآنية الصريحة (7) التى لا يرتبط تطبيقها بمناسبة نزولها، ولكنها تعد تشريعاً إلهياً لكل زمان ومكان، جوهرة العدل.

2- ما ورد بالنص المطعون عليه من إجازة طلب التطليق لمن تزوج عليها زوجها، لا يقيد أو يصادر حق تعدد الزوجات، لأنه مرتبط بأن تقيم الزوجة الدليل على أن ضرراً منهياً عنه شرعاً قد أصابها بفعل أو امتناع من قبل زوجها مرتبطاً بزواجه الثانى، وأن يعجز القاضى عن الإصلاح بينهما من خلال حلول يقبلانها معاً.

وقد أشارت المحكمة فى أسباب حكمها لبعض مقاصد التعدد، بما يكفل صون عرض المرأة ونسلها، حتى لا تتعرض لهوان أو ضياع أو ابتذال بما يناقض آدميتها أو يمس عفتها، ويؤول – بحرمانها من زوج يرعاها- إلى عزلتها وانكفائها على نفسها بإيصاد طريقها إلى بناء أسرة تتواصل حياتها معها، وتكون أكفل لإصلاح أمرها بما تفئ به عليها.



* وتناولت المحكمة الدستورية العليا المسألة الثانية، المتعلقة ببحث مدى دستورية رصد عقوبة جنائية لمن يدلى بمعلومات غير صحيحة عن حالته الاجتماعية عند توثيق زواجه الثانى، وذلك فى القضية الدستورية رقم 145 لسنة 18 قضائية، وقضت فيها بجلسة 3/6/2000 برفض الدعوى. وتأسس هذا الحكم على أسباب حاصلها "أن العلاقة الزوجية لها قداسيتها بما يجعلها مميزة عن سائر العلاقات بين أفراد المجتمع، وقد اعتبرها القرآن الكريم "ميثاقاً غليظاً"، تعبيراً عن رفعة شأنها وعلو منزلتها، بحسبانها تقوم على الامتزاج والتكامل بين الزوجين فى وحدة يرتضيانها ويستهدفان صون مقوماتها ورعاية حدودها. ومؤدى ذلك أن تظلل الأمانة والإخلاص هذه العلاقة ضماناً لاستمرارها، بعيداً عما يعكر صفوها ويعرقل جريان روافدها. متى كان ذلك، وكانت العقوبة المقررة بنص الفقرة الطعينة -كجزاء على مقارفة الأفعال الواردة به- قد فرضتها ضرورة اجتماعية، قوامها حماية الأسرة، واستمرار الحياة الزوجية على الصدق والوفاء، الذى ينافيهما إقدام الزوج على الزواج بأخرى دون إعلام زوجته بذلك حتى تكون على بينة من أمرها، وذلك إعمالاً لقوله تعالى "وعاشروهن بالمعروف"، فإن تقرير هذه العقوبة لا يكون مخالفاً للشريعة أو للدستور".



رابعاً: الزواج بأجنبية

كان البند السادس من المادة (73) من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 يشترط فى عضو مجلس الدولة (القضاء الإدارى) ألا يكون متزوجاً من أجنبية، وإن جاز له –بإذن من رئيس الجمهورية- أن يتزوج بمن تنتمى بجنسيتها إلى إحدى الدول العربية".

وإذ عرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا، فى القضية الدستورية رقم 23 لسنة 16 قضائية، فقضت فيها بجلسة 18/3/1995، بعدم دستورية ذلك النص فيما اشترطه من "أن لا يعين عضواً بمجلس الدولة من يكون متزوجاً بأجنبية". وتأسس هذا الحكم على عدة دعائم، منها مخالفته الشريعة الإسلامية فى مبادئها الكلية التى تحض على الزواج لمعان اجتماعية ونفسية ودينية، باعتباره عقداً يفيد حل العشرة –على التأبيد- بين الرجل والمرأة، ويكفل تعاونهما. والنصوص القرآنية تدعو إليه وتصرح به (8) .والزواج فوق هذا مستقر الأنفس وقاعدة أمنها وسكنها. واستشهدت المحكمة فى قضائها ببعض ما ورد فى المواثيق الدولية بشأن حق الزواج واختيار الزوج، وما جرت عليه أحكام الدستور من صون لحرمة الحياة الخاصة واحترام الحرية الشخصية وحق تولى الوظائف العامة.



خامساً: حرية العقيدة

التزمت جميع الدساتير المصرية بمبدأ حرية العقيدة وحرية إقامة الشعائر الدينية، باعتبارهما من الأصول الدستورية الثابتة فى كل بلد متحضر. وقد تناولت المحكمة العليا بيان الضوابط الحاكمة لهذا المبدأ فى حكمها الصادر بجلسة 1/3/1975 فى القضية الدستورية رقم 7 لسنة 2 قضائية، بقولها:

لكل إنسان أن يؤمن بما يشاء من الأديان والعقائد التى يطمئن إليها ضميره وتسكن إليها نفسه، ولا سبيل لأى سلطة عليه فيما يدين به فى قرارة نفسه وأعماق وجدانه. أما حرية إقامة الشعائر الدينية وممارستها، فهى مقيدة بقيد عدم الإخلال بالنظام العام وعدم منافاة الآداب. والأديان التى يحمى نص المادة (46) من الدستور حرية القيام بشعائرها، هى الأديان المعترف بها، وهى الأديان السماوية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام.

وبعد أن استعرضت المحكمة العليا العقيدة البهائية(9) ، وأحكام القرار بقانون رقم 263 لسنة 1960 بحل المحافل البهائية، ووقف نشاطها، ورصد عقوبة لمن يخالف ذلك، انتهت المحكمة إلى أن ذلك القرار بقانون لم يتعرض لحرية العقيدة، ولم يمسسها من قريب أو بعيد، وانما عرض لمحافلهم التى يجتمعون فيها ويمارسون نشاطهم وشعائرهم ويبثون دعوتهم المخلة بالنظام العام، فقضى بحلها وقاية للمجتمع من شر هذه الدعوة. ولم يخالف ذلك القرار بقانون أياً من أحكام الدستور، لكون العقيدة البهائية ليست ديناً سماوياً معترفاً به، وأن إقامة الشعائر الدينية لأى دين –ولو كان معترفاً به- مقيدة بألا تكون مخلة بالنظام العام أو منافية للآداب، فضلاً عن أن المحافل البهائية –وفقاً للتكييف القانونى السليم- هى جمعيات خاصة (أهلية) يحظر أن يكون نشاطها معادياً لنظام المجتمع، ونظام المجتمع هو النظام العام الذى لا يجوز الاخلال به. ومن ناحية أخرى، فإن القرار بقانون المشار إليه لا يناهض الاعلان العالمى لحقوق الانسان الـذى أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 10/12/1948 –ووقعته مصر- والذى نص فى الفقرة الثانية من المادة (29) على أن "الفرد يخضع فى ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التى يقررها القانون لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق فى مجتمع ديمقراطى".



خـاتمة:

بقيت كلمة أخيرة، فإن كنا نلتمس بعض العذر لما وقر فى وجدان الدول الغربية من أن الدين الإسلامى يدعو إلى العنف والتخلف، متأثرين فى ذلك بما ارتكبته قلة من المسلمين من أعمال عنف وأرهاب، استطال شرره إلى بلادهم، فضلاً عما تعانيه الدول الإسلامية من تخلف حضارى.

إلا أن المتأمل لأصول وأحكام الدين الإسلامى يجده بريئاً من ذلك كله. وأن ما نسب إليه، ليس فيه، ويبدو ذلك جلياً من الآتى:

1- العيب ليس فى الإسلام، ولكن فى مسلك قلة من المسلمين الذين اتسم مسلكهم بالعنف، متسترين بعباءة الدين، لتحقيق أهداف سياسية. شأنهم فى ذلك شأن بعض المتعصبين فى الديانات الأخرى، بل بين أتباع الدين الواحد.

2- لم يثبت فى التاريخ أن ديناً واحداً ساد العالم كله فى عصر من العصور، وهذا يعنى أن التعددية جزء من الكون وقانون إلهى. وعلى ذلك ففكرة أسلمة العالم التى يرددها البعض، فكرة مرفوضة تماماً، لأن الدين الإسلامى يؤمن بالتعددية، إذ يقول الله تعالى فى القرآن الكريم "ولو شاءَ ربُكَ لجعل الناس أمةً واحدةً"(10)، ويقول تعالى "ولو شاء الله لجعلهم أمةً واحدةً" (11) ، وقوله "شرعَ لكم من الدين ما وصى به نوحاًً والذى أوحينا إليكَ وما وصينا به إبراهيمَ وموسى وعيسى أن أقيموا الدينَ ولا تتفرقوا فيه"(12)

3- الإسلام دين يهذب السلوك، ويكفى لبيان ذلك ، أن أحكامه استطاعت خلال مدة يسيرة من الزمن أن تغير ما كان سائداً لدى العرب فى الجاهلية من عبادة للأصنام، وانغماس فى الرزيلة، وتردى فى الجهل، وميل إلى العنف، ليصيروا عابدين لرب واحد، خالق السموات والأرض، متحابين متطهرين. وأخذوا بأسباب العلم والمعرفة فى كافة المجالات.

4- أن الإسلام دين يدعو إلى العلم والأخذ بأسبابه، بل أن أول ما نزل من القرآن قول الله تعالى "اقرأ باسمِ رَبكَ الذى خلقَ، خلقَ الإنسان من علق، اقرأ وربُكَ الأكرم، الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم".(13) وما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم "من خرج فى طلب العلم فهو فى سبيل الله حتى يرجع". والثابت تاريخياً أن للمسلمين نصيب وافر فيما بلغته الحضارة الإنسانية من تقدم . وقد شهد بعض المستشرقين المعتدلين، فضلاً عما ورد بالكثير من المراجع العلمية ، عن إسهامات المسلمين فى كافة أوجه المعرفة، من طب وحساب وفلك وكيمياء وفيزياء، وغيرها.

5- أن ما نسب للمسلمين من تخلف علمى وعدم مواكبة ما بلغته البشرية من تقدم فى المجالات المختلفة، كانت الدول الغربية ذاتها السبب فيه، منذ أن تنافست فيما بينها على احتلال الدول العربية، ولحقب طويلة من الزمن، امتدت من نهاية القرن الثامن عشر، وإلى قرابة منتصف القرن الماضى، وحتى بعد أن رحلت من أوطاننا، ظل أثر ما استحدثته من تقسيمات فى حدود بعض الدول العربية، مثاراً لمشاكل دائرة حتى الآن. ومن ناحية أخرى فإن بعض دول الغرب لازالت تدعم بعض الطوائف لاثارة القلائل أو لتنشق عن أوطانها، وجانب آخر من الدول الغربية يختلق الأسباب للاعتداء أو للاخلال بأمن دول عربية، تحقيقاً لمصالح سياسية واقتصادية. كل هذه العوامل انهكت الدول العربية والإسلامية، وأدت إلى تخلفها عن مواكبة قاطرة الحضارة لفترة من الزمن.

وأياً كان الأمر، فمؤخراً بدأت بعض دول الغرب تسعى إلى معرفة أحكام الإسـلام، وصـولاً لفهـم كيف يفكر المسلمين، وكيف يطبقون أحكام دينهم. وهى - بحق- نقطة فارقة جديرة بالاحترام:

- فقد كان يعيبنا، كدول إسلامية، أننا نتولى تقييم انفسنا من خلال رؤيتنا لانفسنا، لا كما يرانا الآخرين. وكان يعيب الدول الغربية أنها تحكم على الإسلام والمسلمين من خلال رؤيتها لأفعال قلة من المسلمين، وبذلك لم تستطع الدول الإسلامية أن تغير الانطباع السائد عنها لدى الدول الغربية، ولم تستطع الدول الغربية بدورها أن تفهم حقيقة الإسلام والمسلمين. وقد آن الأوان لأن نرى أنفسنا كما يرانا الآخرون، وأن يرانا الآخرون من خلال ما نتبعه من أحكام ديننا.

- فالمشكلة لا تتعلق بصراع أديان، فهناك رب واحد لنا جميعاً، ويقول الله تعالى فى القرآن الكريم "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا أمنا بالذى أنزل إلينا وإنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون(14) .

- والمشكلة لا تتعلق بصراع حضارات، فالحضارات يكمل بعضها البعض ولا تتنافر أو تتناحر.

- ولكن المشكلة تكمن فى فهم كل منا للآخر، واحترام كل منا لمعتقدات وعادات وتقاليد الآخر. وهى دعوة لنتعارف، من خلال الحوار، فيعم الخير ويسود السلام. وقد صدق الله تعالى إذ قال "يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبيرً (15). فلنتعايش فى سلام، ولنبنى معاً الجسور على أساس من الفهم والالتزام بالحوار، فالحوار هو الدليل على الحياة، وبدونه لا يكون إلا الموت والدمار.

المراجع

(1) أى حق، تنظمة ثلاث قواعد قانونية: أولها- تتناول النص على الحق فى ذاته وما يقابله من التزامات، وثانيها: تبين الإجراءات واجبة الاتباع للحصول على الحماية القضائية لهذا الحق إذا ما تعرض للاعتداء أو الإنكار، وثالثها: تحدد وسيلة إثبات هذا الحق أمام القضاء.

(2) الحكم الصادر بجلسة 4/5/1985 فى القضية الدستورية رقم 28 لسنة 2 قضائية.

(3) نظمت المواد من (194) إلى (200) من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 13 لسنة 1968، المعدل بالقانونين رقمى 23 لسنة 1992 و18 لسنة 1999، إجراءات استصدار الأمر على عريضة ، والتظلم منه وسقوطه.

(4)يقصد بالاجتهاد، إعمال حكم العقل فيما لا نص فيه، توصلاً لتقرير قواعد عملية بقتضيها عدل الله ورحمته بين الناس. وهو ما تسعه الشريعة الإسلامية، إذ هى غير منغلقة على نفسها، ولا تضفى قدسية على أقوال أحد من الفقهاء فى شأن من شئونها، ولا تحول دون مراجتعها وتقييمها وابدالها بغيرها.

(5) ومن ذلك قول الله تعالى "وليضربن بخمرهن على جيوبهن"، "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها"، "يدنين عليهن من جلابيبهن"، "ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن".

(6) جاء بأسباب الحكم " وكان تحريم أمر أو شأن من الشئون، لا يتعلق بما هو محتمل، بل بما يكون معلوماً بنص قطعى، وإلا ظل محمولاً على أصل الحل. وكان لا دليل من النصوص القرآنية، ولا من سنتنا الحميدة على أن لباس المرأة يتعين شرعاً أن يكون احتجاباً كاملاً، متخذاً محيطاً بها منسدلاً عليها لايُظهر منها إلا عينيها ومحجريهما، فإن إلزامها إخفاء وجهها وكفيها، وقدميها عند البعض، لا يكون تأويلاً مقبولاً، ولامعلوماً من الدين بالضرورة، ذلك أن معنى العورة المتفق عليها لا يتصل بهذه الأجزاء من بدنها، بل إن كشفها لوجهها أعون على اتصالها بأخلاط من الناس يعرفونها، ويفرضون نوعاً من الرقابة على سلوكها، وهو كذلك أكفل لحيائها وغضها من بصرها وأصون لنفسيتها، وأدعى لرفع الحرج عنها".

(7) يقول الله تعالى "وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى، فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا".

(8) يقول الله تعالى فى القرآن الكريم "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"، و"لقد أرسلنا رسلاً من قبل وجعلنا لهم أزواجا وذرية"، و"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء".

(9) جاء بالحكم: أن العقيدة البهائية، بدأت نشأتها فى إيران سنة 1844، وأفصح مؤسسها "ميرزا محمد على" الملقب "بالباب"، فى المؤتمر الذى عقده بإيران عام 1848، عن أن هذه العقيدة تخرج وتنفصل تماماً عن الإسلام وشريعته. وقد حفلت كتبهم بما يؤيد هذا الإعلان من مبادىء وأصول تناقض مبادىء الدين الإسلامى وأصوله، كما تناقض سائر الأديان السماوية، وشرعوا لأنفسهم شريعة خاصة على مقتضى عقيدتهم، تهدر أحكام الإسلام فى الصوم والصلاة ونظام الأسرة، وتبتدع أحكاماً تنقضها من أساسها. ولم يقف مؤسسوا هذه العقيدة عند حد إدعاء النبوة والرسالة، بل جاوزوا ذلك فادعوا الألوهية، ثم خرجوا من مجال العقيدة الدينية إلى مجال السياسة المعادية للأمة العربية فضلاً عن الإسلام.

(10) سورة هود: الآية 118.

(11) سورة الشورى: الآية 8.

(12) سورة الشورى: الآية 13.

(13) سورة العلق: الآيات الخمس الأولى.

(14) سورة العنكبوت: الآية 46.

(15) القرآن الكريم: الآية 13 من سورة الحجرات.