المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السياسة التشريعية لمكافحة الإرهاب ومدى اتفاقها مع أصول الشرعية الجنائية



د/سالي جمعة
06-09-2009, 06:30 PM
السياسة التشريعية لمكافحة الإرهاب

ومدى اتفاقها مع أصول الشرعية الجنائية

(دراسة نقدية للقانون المصرى)






تأليف

الدكتور أشرف توفيق شمس الدين
أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائى ووكيل كلية الحقوق بجامعة بنها

الحائز على جائزة الدولة التشجيعية فى القانون الجنائى

القاضى سابقاً



m

- تمهيد: أفضت خطورة جرائم الإرهاب إلى تبنى الدول المختلفة سياسة تشريعية لمكافحتها مبناها التشدد ، فجوهر هذه السياسة هو التوسع فى سلطة الدولة على حساب حقوق الأفراد وحرياتهم. وهذا التوسع هو الأمر الذى تجمع عليه السياسة التشريعية فى القوانين المختلفة ؛ غير أن قدر هذا التوسع وضوابطه والرقابة عليه هو مسألة تتفاوت فيها هذه التشريعات بحسب الوجهة التى تتبناها.

وقد أدى تبنى هذه السياسة إلى التأثير على القواعد الموضوعية والإجرائية للقانون الجنائى: ففى جانب القواعد الموضوعية ، فإن هناك توسعاً فى نطاق التجريم ، وتشديداً للعقوبات المقررة لجرائم الإرهاب ، فضلاً عن الخروج على كثير من القواعد المستقرة فى النظرية العامة للتجريم والعقاب. ومن الناحية الإجرائية فإن هناك زيادة فى السلطات الممنوحة لجهات الضبط والتحقيق على حساب الحرية.

وقد أثر تجريم أفعال الإرهاب كذلك على بعض المفاهيم القانونية المستقرة ، ومنها "فكرة الجريمة السياسية" ، إذ ترتب على التوسع فى مفهوم جرائم الإرهاب أن ضاق مدلولها وانحسر محتواها. بل إن الباعث السياسى قد أصبح فى نظر الكثير من التشريعات سبباً لتغليظ العقوبة أو تطبيق تدابير تتسم بالشدة.

- خطة القانون المصرى: أصدر الشارع المصرى القانون رقم 97 لسنة 1992 والذى قام بمقتضاه بتعديل وإضافة نصوص إلى قانون العقوبات تضع إطاراً لرؤية الشارع لجرائم الإرهاب. كما قام هذا القانون بتعديل قوانين الإجراءات ومحاكم أمن الدولة وقانون سرية الحسابات بالبنوك العليا -قبل إلغاء هذين الأخيرين- وقانون الأسلحة والذخائر. وقد استخدم الشارع تعبير الإرهاب قبل صدور القانون 97 لسنة 1992 ، وذلك بنصه على عدة جرائم يستخدم الإرهاب كوسيلة لارتكابها ؛ غير أن هذا القانون الأخير انطوى لأول مرة على تعريف للإرهاب ، واستحدث بعض الجرائم التى توصف بأنها من جرائم الإرهاب ، كما شدد عقوبات بعض الجرائم بجعل الإرهاب ظرفاً مشدداً لها. ولم يقتصر أثر هذا القانون على قانون العقوبات ؛ وإنما امتد أثره الموضوعى كذلك إلى قانون الأسلحة والذخائر. وقد عدل الشارع أيضاً بعض النصوص الإجرائية المهمة إذا كان محل تطبيقها جريمة من جرائم الإرهاب. وبالإضافة إلى القانون رقم 97 لسنة 1992 سالف الذكر ، فإن قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 السارى منذ السادس من أكتوبر سنة 1981 يتضمن نصوصاً يمكن أن تطبق على ما يدخل فى مدلول الجرائم الإرهابية. ولقانون الطوارئ آثاره الموضوعية فى مجال التجريم والعقاب ، كما أن له آثاره الإجرائية المهمة على المساس بالحقوق والحريات. والطابع العام للقانون 97 لسنة 1992 سالف الذكر هو التشدد فى العقوبات والخروج على القواعد العامة فى الكثير من الأحكام ، سواء المتعلقة بالناحية الموضوعية أم الإجرائية. ويعكس موضع النص على جرائم الإرهاب ضمن الجرائم الماسة بأمن الدولة من جهة الداخل رؤية الشارع المصرى لهذه الجرائم ؛ غير أنه خصها بأحكام تغاير المقررة للجرائم الماسة بأمن الدولة ذاتها(1) ، فإذا كان الشارع قد خص الجرائم الماسة بأمن الدولة بقواعد استثنائية عن غيرها من الجرائم ؛ فإنه قد خص جرائم الإرهاب بأحكام تزيد عن تلك المقررة للأولى.

- نصوص مكافحة الإرهاب بين تخصيص قانون مستقل أو الاكتفاء بإدراجها فى النصوص العامة: انقسم الرأى أثناء صياغة مشروع القانون 97 لسنة 1992 على موضع نصوص مكافحة الإرهاب إلى اتجاهين: الأول يرى تخصيص قانون مستقل يحوى القواعد الموضوعية والإجرائية لجرائم الإرهاب ؛ والثانى يرى دمج هذه القواعد فى نصوص القوانين العادية. وقد انحاز المشروع إلى الوجهة الثانية، إذ أصبح قانون العقوبات هو موضع النص على ما يطلق عليه "جرائم الإرهاب"(2). وقد كان تبرير هذه الخطة هو أن دمج هذه النصوص فى قانون العقوبات من شأنه أن يكفل الاتساق بين نصوص القانون كافة بحيث تبدو فى صورة مجموعة من القواعد متسقة العناصر مكتملة الأركان. وأن قانون العقوبات هو القانون العام للتجريم والعقاب فإنه يكون منطقياً أن يشتمل على القواعد العامة التى تسرى على جميع الجرائم. وقد قيل فى تبرير هذه الخطة أيضاً أنها تنطوى على التزام من الشارع بالمحافظة على كافة الضمانات الأساسية السارية فى التشريعات النافذة والإفادة منها(3).

وفى تقديرنا أن الاعتبارات السابقة التى وردت فى المناقشات البرلمانية ليست حاسمة: فمن ناحية فإن الاتساق بين النصوص التى تجرم أفعال الإرهاب ونصوص قانون العقوبات لا يستوجب حتماً إدماج هذه النصوص فى هذا القانون الأخير ، ذلك أن هذا الاتساق من المفترض حصوله ، حتى ولو كان قد تم تخصيص قانون مستقل لجرائم الإرهاب.

ومن ناحية أخرى ، فإن القول بأن الشارع بخطته السابقة قد التزم بسريان القواعد العامة فى التجريم والعقاب وبالضمانات الأساسية على نصوص مكافحة الإرهاب هو قول محل نظر: فالشارع قد خرج فى أغلب هذه النصوص على هذه القواعد العامة ، بل إنه يمكن القول بأنه يندر أن توجد قاعدة أصولية فى التجريم والعقاب لم يخرج عليها الشارع بنصوص القانون 97 لسنة 1992(4).

وقد ذهب بعض الفقه إلى أنه من الأوفق إيراد النصوص المتعلقة بالإرهاب فى قانون خاص ، وعلة ذلك أن جرائم الإرهاب تقتضى تغيراً فى المواجهة التشريعية الأمر الذى يؤدى إلى تغيير نصوص مكافحتها بحسب الضرورة ، وأنه ليس من الملائم كثرة إدخال التعديلات على قانون العقوبات. كما أن ما نص عليه الشارع من أحكام خاصة لهذه الجرائم تغاير الأحكام العامة للجرائم العادية ، سواء فى جانبها الموضوعى أم الإجرائى ما يبرر إفراد قانون خاص بجرائم الإرهاب بدلاً من أن يكون موضع هذه الأحكام قوانين متعددة(5).

وفى تقديرنا أن موضع النص على جرائم الإرهاب ليس هو الأمر المهم ؛ وإنما ما تنطوى عليه النصوص هو الأهم: فإفراد قانون خاص بجرائم الإرهاب أو إدخال نصوصها فى القوانين العادية لا يجب أن يقلل من التزام الشارع بضوابط التجريم والعقاب وأصول الشرعية الإجرائية. والنصوص الجنائية أياً كان موضع النص عليها يجب أن تلتزم بضوابط صارمة سواء فى صياغتها أو فى تحديد الجرائم التى تتضمنها أو العقوبات المقررة لها ، وفى مدى تحقيقها التوازن بين حقوق الأفراد والأمان فى المجتمع. وخطة الشارع فى دمجه نصوص مكافحة الإرهاب ضمن قانونى العقوبات والإجراءات ليست معيبة فى ذاتها ، وهى خطة اتبعتها تشريعات أخرى مقارنة مثل القانون الفرنسى والألمانى ؛ غير أن ما يدعو إلى التأمل هو ما تضمنته هذه النصوص من سياسة تشريعية تجنح صوب التشدد والخروج على أصول التجريم والعقاب على نحو لا تقتضيه الضرورة الاجتماعية كما سنرى تفصيلاً.

- هل يخلو القانون المصرى من نصوص لمكافحة الإرهاب؟:

على الرغم من تعريف الشارع للإرهاب ونصه على الجرائم التى اعتبرها داخلة فى مدلوله ؛ إلا أنه لم يطلق على القسم الذى تضمن هذه الأحكام اسم "جرائم الإرهاب" ، إذ خلا عنوان القسم الأول من الكتاب الثانى من قانون العقوبات المتضمن هذه الجرائم من أى تسمية له. وقد أدت هذه الخطة إلى أن اعتبر البعض أن القانون المصرى بوضعه الراهن يخلو من نصوص لمكافحة الإرهاب ، وأن العمل بقانون الطوارئ فى هذه الحالة يعد أمراً ضرورياً لسد النقص فى التشريع العقابى. بل وقد علق البعض وقف العمل بقانون الطوارئ لحين صدور قانون لمكافحة الإرهاب ، وذلك على سند من القول بأن النظام التشريعى المصرى يخلو من نصوص لمكافحة الإرهاب ، سواء فى جانبها الموضوعى أم الإجرائى(6) .

وفى تقديرنا أن هذه الوجهة محل نظر ذلك أن الشارع قد نص فى المادة 86 من قانون العقوبات على تعريف الإرهاب وحفلت نصوصه سواء بالنص على الجرائم التى اعتبرها من جرائم الإرهاب ، أو التى اعتبر فيها "الإرهاب" ظرفاً مشدداً للعقوبة فى جرائم عادية. بل ولقد خرج الشارع على القواعد العامة فى التجريم والعقاب بالنظر إلى جسامة جرائم الإرهاب. ولم يقتصر الشارع فى خروجه على الجانب الموضوعى ؛ وإنما نص قانون الإجراءات الجنائية على وضع قواعد خاصة للتحقيق والاتهام والإحالة فى هذه الجرائم. وسوف نرى فى هذه الدراسة أن سلطة النيابة العامة المخولة لها بموجب قانون الطوارئ هى ذاتها التى نص عليها الشارع فى قانون الإجراءات الجنائية بالنسبة لهذه الجرائم ، وذلك على الرغم من أن هذا القانون الأخير هو القانون الذى يحمى الحريات والذى يطبق فى الأحوال العادية. ويعنى ذلك أن هناك تنظيماً لجرائم الإرهاب يعرفه النظام القانونى المصرى سواء فى جانبه الموضوعى أو الإجرائى ، ولا يكون القول بأن هذا النظام يخلو من نصوص لمكافحة الإرهاب صحيحاً.

- مكافحة الإرهاب فى التعديل الدستورى لسنة 2007: بتاريخ 27 مارس سنة 2007 وافق مجلس الشعب على نتيجة الاستفتاء بتعديل الدستور ، وبموجب هذا التعديل عدل الشارع الدستورى -ضمن تعديلات أخرى- عنوان الفصل السادس من الدستور ليكون "مكافحة الإرهاب" بدلاً من "المدعى العام الاشتراكى" ، وهو ما كشف ابتداء عن قصد الشارع فى إفراد جرائم الإرهاب بقواعد تخرج عن القواعد العامة التى تسرى على الجرائم الأخرى. وقد أحالت المادة 179 المعدلة إلى القانون فى شأن مكافحة الإرهاب ، وأجازت له الخروج على القواعد الإجرائية المقررة فى مسائل الضبط والقبض وتفتيش الأشخاص والمساكن ومراقبة المراسلات ، بحيث لا تلتزم سلطات الضبط بالقيود والضمانات المقررة في كل من الفقرة الأولي من المادة‏41‏ والمادة‏44‏ والفقرة الثانية من المادة‏45‏ من الدستور‏.‏

وهناك تعديل آخر أتت به الفقرة الثانية من المادة 179 سالفة الذكر أجازت بمقتضاه لرئيس الجمهورية أن يحيل أية جريمة من جرائم الإرهاب إلي أية جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون‏. وبموجب هذا التعديل يجوز إحالة المتهمين بجرائم الإرهاب إلى القضاء العسكرى.

- دقة البحث وأهميته: تثير الدراسة الكثير من التساؤلات: فما هى السياسة التشريعية التى اختطتها الشارع المصرى لمكافحة الإرهاب؟ ، وما هو مفهوم الإرهاب الذى نص الشارع على تعريفه؟ ، وهل نجح الشارع فى وضع تعريف للإرهاب؟ ، وهل جاء هذا التعريف متسقاً مع أصول التجريم ؛ أم أنه شابه الغموض وعدم التحديد؟. ، وهل اتسقت خطته فى التجريم مع هذا التعريف على نحو حقق معه الشارع الانسجام بين هذا التعريف وما تلاه من نصوص تجرم أفعال الإرهاب ؛ أم أن هذا الانسجام مفتقد؟ ، وإلى أى مدى نجح الشارع فى الإحاطة بالأفعال التى تشكل جرائم إرهاب؟ ، وما هى خطته فى النص على أركانها وعناصرها ، وهل تتفق نصوصه فى ذلك مع أصول التجريم ، أم أن الشارع قد خرج عليها؟ ، وهل جاءت نصوص التجريم متسقة مع بعضها البعض ومنسجمة مع المنطق القانونى أم أنه قد شابها التنافر وعدم الاتفاق؟ ، وهل ما جرمه الشارع من أفعال دعت إليه الضرورة الاجتماعية ؛ أم أن الشارع قد توسع فى هذا التجريم على نحو خرج به عن حدود هذه الضرورة؟ ، وهل أدت خطة الشارع فى التجريم إلى المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم ؛ أم أنها التزمت هذه الحدود؟. وتثير الدراسة كذلك التساؤل عن خطة الشارع فى العقاب على جرائم الإرهاب. فهل اتسقت خطته هذه مع أحكام الدستور وأصول السياسة الجنائية؟ ، وهل راعى الشارع القواعد المقررة فى وجوب تناسب العقوبة مع جسامة الجريمة ودرجة الإثم لدى الجانى ؛ أم أنه قد خرج على هذه القواعد الأصولية؟ ، وهل كانت خطته فى النص على موانع العقاب وتقييد سلطة القاضى التقديرية عند الحكم فى قضايا الإرهاب خطة جديرة بالتأييد أم أنها خالفت أصول الشرعية الجنائية؟

ويثير البحث تساؤلات مهمة عن الجانب الإجرائى لمكافحة الإرهاب نظراً لاتصاله بالحقوق والحريات: فما هى الإجراءات الماسة بالحرية التى أجاز الشارع اتخاذها فى مرحلتى الضبط والتحقيق؟ ، ألا يؤدى منح النيابة العامة لسلطات واسعة فى التحقيق إلى الفاعلية فى مكافحة جرائم الإرهاب؟ ؛ أم أن هذا التوسع فى هذه السلطات قد أخل بحقوق الأفراد على نحو غير مسبوق؟ ، وهل تتوافر للمتهم بجرائم الإرهاب الضمانات التى تحقق له الحد الأدنى من الحفاظ على حقوقه ؛ أم أن هذا الحد الأدنى قد صار فى الخطة التشريعية للقانون المصرى مفتقداً؟ ، وإذا كان أعضاء النيابة العامة -باعتبارها سلطة التحقيق الابتدائى الأصيلة فى القانون المصرى- يخضعون لمبدأ التبعية التدريجية ولأوامر السلطة الرئاسية للنائب العام ، أفلا تكون الضمانات فى هذه الحالة أدعى إلى التمسك بها؟. وهل تتعارض هذه السلطات الواسعة للنيابة العامة فى جرائم الإرهاب مع حقوق الفرد وحرياته المكفولة فى الدستور والقانون؟. وهل أفرغت نصوص مكافحة الإرهاب نصوص الحريات من مضمونها؟ ، أم أن لكل نطاقه الذى يلتزم به ، ولا تداخل بينهما؟. وهل تجاوزت الدولة بذلك سلطتها المخولة لها فى إصدار التشريعات الجنائية ؛ أم أنها ما زالت تلتزم حدود هذه السلطة؟. وهل يؤثر التوسع فى مجال التجريم والعقاب والمساس بحقوق الأفراد وحرياتهم على فكرة الدولة القانونية التى يجب أن تلتزم بحدود تحقق التوازن بين المصلحة المحمية وحقوق الأفراد؟.

- منهج البحث وخطته: سلكت الدراسة منهجاً قوامه نقد نصوص السياسة التشريعية لمكافحة الإرهاب فى القانون المصرى ، سواء فى جانبها الموضوعى أم الإجرائى. وإذا كانت الدراسة تختط منهاجاً نقدياً فإن ذلك يعنى البعد عن الدراسة الوصفية للنصوص ، فليست غاية الدراسة هى شرح هذه النصوص أو الوقوف على معانيها واستجلاء مراميها ؛ ولا يكون ذلك إلا بقدر اتصالها بمنهج الدراسة وغاياته. وقد جمعت الدراسة بين النظرتين النقدية والتأصيلية معاً: فلم تتجه إلى التعليق على نصوص القانون على نحو ما نص الشارع عليه ؛ وإنما أصلت الدراسة الأحكام التى أتى بها القانون بردها إلى طائفتين رئيسيتين: الأولى تتصل بجانب التجريم والعقاب ، والثانية تتصل بجانب الإجراءات.

وعلى الرغم من أن موضوع الدراسة يقتصر على نصوص مكافحة الإرهاب المصرى ؛ فإن الدراسة أشارت بإيجاز إلى خطة بعض التشريعات المقارنة التى جرمت أفعال الإرهاب ، وأهمها القانون الألمانى والفرنسى.

- تقسيم: نقسم هذه الدراسة إلى فصل تمهيدى وثلاثة فصول: فنبحث فى الفصل التمهيدى فكرة الشرعية الجنائية وضوابطها وصلتها بنصوص مكافحة الإرهاب ، ونتناول فى الفصل الأول المدلول التشريعى للإرهاب ، كما نص الشارع عليه ، وفى الثانى القواعد الموضوعية لجرائم الإرهاب سواء فى جانب التجريم أم العقاب. وفى الفصل الثالث نبحث فى القواعد الإجرائية التى نص عليها الشارع لمكافحة الإرهاب. وننهى الدراسة بخاتمة تتضمن أهم النتائج التى توصلت إليها.

الفصل التمهيدى

ضوابط الشرعية الجنائية وصلتها بنصوص مكافحة الإرهاب

- مكافحة جرائم الإرهاب بين التخلى عن الشرعية والالتزام بها:

يرى البعض أنه يجب أن تختط السياسة الجنائية فى مكافحة جرائم الإرهاب طابعاً قوامه التشدد ، وما يبرر هذه الخطة -فى نظر هذا الرأى- هو خطورة هذه الجرائم والآثار المترتبة عليها. وأنه فى سبيل مواجهتها يمكن التضحية ببعض ضوابط التجريم ووضع قيود على الحريات. وأنه لا مجال للحديث عن الحقوق والحريات ؛ لأن الجانى فى جرائم الإرهاب ينال بالإيذاء هذه الحقوق ، وأنه من الأفضل الحديث عن حقوق المجنى عليهم الذين أصابت أفعال الإرهاب حياتهم وسلامتهم وحريتهم الشخصية. وأنه لا يوجد مبرر للتساهل إزاء الجناة فى جرائم الإرهاب ؛ لأن من شأن ذلك أن يؤدى إلى تشجيعهم على ارتكاب جرائمهم(7). وقد ذهب بعض أنصار هذا الرأى إلى أن الجانى فى هذه الجرائم لا يستحق مجرد خضوعه للقواعد العامة للرأفة التى تتيح للقاضى تخفيف العقوبة(8). وأنه فى سبيل مكافحة هذه الجرائم يمكن الخروج على القواعد القانونية المستقرة التى تتصل بالشرعية الإجرائية ، بالانتقاص من ضمانات وحقوق الأفراد فى مرحلتى الاتهام والمحاكمة ، ومن بينها قلب عبء الإثبات ، فبدلاً من التمسك بقرينة البراءة والتى توجب إثبات التهمة فى حق المتهم ، فإن المتهم بهذه الجرائم هو الذى يجب عليه إثبات براءته ، فيصبح الأصل فيه هو الإدانة ، لا البراءة ، أى أن يفترض إدانته إلى أن يثبت هو العكس(9).

وفى تقديرنا أن الضرر الذى ينتج من هذه النظرة السابقة أكبر من نفعه: فالتمسك بأصول الشرعية الجنائية فى مجال التجريم والعقاب وفى مجال الحفاظ على الحريات هو أمر يتصل بأصول الدولة القانونية. وضابط التمييز بين دولة القانون ودولة الاستبداد إنما يكون بالنظر إلى تصرف الدولة تجاه مواطنيها ، وذلك من خلال ما تصدره من قوانين عقابية استناداً إلى سلطتها. ولا يجوز للدولة أن تلجأ فى مواجهة الخروج على القانون بخروج مماثل ؛ لأن من شأن ذلك أن ينال من شرعيتها. ومن الأصول المقررة أن مخالفة المرء للقانون ، لا تجعله بمنأى عن حماية هذا القانون. فإذا لجأت سلطة الدولة إلى الخروج على الشرعية فى مواجهة ظاهرة إجرامية معينة ، فإن ذلك مؤداه احتمال مؤاخذة البرئ والمدان ، إذ سيصعب رسم الخط الفاصل بين ما يعتبر من أفعال الإرهاب وبين ما يخرج عن هذه الأفعال. وهو ما ينطوى ذلك على مساس خطير بحريات الناس الأمر الذى يؤدى إلى إيقاف حركة المجتمع وتعطيل الحياة السياسية ، وتهديد كافة الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فيه. وسوف يؤدى الخروج على الشرعية إلى المساس بأمن الأفراد ، فإذا كانت جرائم الإرهاب تنال من هذا الأمن ، فإن الخروج على الشرعية الجنائية تنال منه بدرجة أكبر. ومن زاوية المتهمين بجرائم الإرهاب ، فإن من شأن المبالغة فى السياسة التشريعية وعدم التزامها بضوابط الشرعية الجنائية والمعاملة المهينة التى قد يلقونها أن يغلق الطريق أمام هؤلاء للعودة إلى جادة الصواب ؛ وKوأن يعمق وأن يعمق لديهم الشعور بكراهية المجتمع وإلى اعتزاله ، وإلى تأكيد فكرتهم السلبية عنه ، وهو ما يؤدى إلى صعوبة اقتلاع هذه الأفكار ومواجهتها فيما بعد. وجرائم الإرهاب فى حقيقة الأمر لا تعدو أن تكون نوعاً من الإجرام المنظم ، وهو ما يقتضى اتباع سياسة جنائية خاصة لمواجهته. وقد ذهبت خطة بعض التشريعات المقارنة كالقانون الألمانى إلى هذه النظرة ، فجرائم الإرهاب فى نظر هذا القانون لا تعدو أن تكون صورة من صور الإجرام المنظم ، والسياسة الجنائية لمواجهته يجب أن تلتزم بضوابط الشرعية ، لا أن تخرج علها. وهذه النظرة قد دعت الجمعية الدولية لقانون العقوبات فى اجتماعها بنابولى سنة 1997 لبحث موضوع الجريمة المنظمة إلى أن توصى بضرورة التقيد بأصول القانون الجنائى ولاسيما فى تحديد السلوك المجرم والالتزام بقاعدة لا جريمة بغير إثم ، وأن الشك يفسر لمصلحة الجانى(10). كما أوصى مؤتمر الجمعية الدولية لقانون العقوبات فى بودابست سنة 1999 بأن القواعد التقليدية للتجريم والعقاب تعد كافية لمواجهة الجريمة المنظمة بصفة عامة ، غير أنه يمكن تجريم بعض الأفعال التى تسهم فى هذه المواجهة ؛ ولكن فى هذه الحالة فإنه يجب أن تكون نصوص التجريم واضحة ومحددة وليست مبهمة ، وأن تحترم الحقوق المقررة فى الإجراءات الجنائية(11).

- عدم كفاية الرقابة الدستورية لضمان عدم الانحراف بسلطة التشريع:

قد يظن البعض أن الشرعية الجنائية تعنى ألا يكون التشريع مخالفاً للدستور ، وأنه إذا التزمت السلطة التشريعية ما نص عليه الدستور ، فإن أعمالها تتفق مع أصول الشرعية. غير أن هذه النظرة ليست صحيحة: فالسلطة التشريعية تتمتع بسلطة تقديرية واسعة ، وهو ما يجعل هذه السلطة بمنأى فى بعض الأحيان عن الرقابة الدستورية. فلا تخضع السلطة التشريعية لرقابة المحكمة الدستورية العليا فيما تصدره من تشريعات إعمالاً لسلطتها التقديرية ، ما لم تخالف بها أهداف الدستور (12). ودور المحكمة الدستورية العليا فى استجلاء المخالفة لأهداف الدستور يفترض أن يكون هذا الإخلال واضحاً ظاهراً جلياً بحيث يكشف عن انتفاء الضرورة أو عدم التناسب فى التجريم والعقاب ، دون أن يحتاج الأمر إلى مراجعة السلطة التقديرية للشارع والتى تقوم على اعتبارات الملاءمة فى اختيار أفضل الوسائل لتحقيق المقاصد التى توخاها الدستور(13).

والسلطة التقديرية فى مجال التشريع هى الأصل ، والاستثناء هو أن يقيد الدستور هذه السلطة بقيود معينة. ونطاق هذه السلطة التقديرية يكاد يستغرق النشاط التشريعى ، وهذا النطاق هو الذى يقع فيه الانحراف فى استعمال السلطة التشريعية. ويعنى ذلك أن مجال الانحراف بالتشريع أوسع بكثير من مجال مخالفة التشريع للدستور(14). ويترتب على هذا التحديد أن الرقابة الدستورية ليست كافية لضمان عدم الانحراف بالسلطة التقديرية فى التشريع. كما يترتب على ذلك نتيجة أخرى مهمة هى أن القضاء بدستورية نص لا يعنى أن هذا النص لم يكن مشوباً بعيب الانحراف بسلطة التشريع. وتطبيق هذه القاعدة فى مجال تقدير نصوص مكافحة الإرهاب له أهمية بالغة: فتقرير دستورية هذه النصوص لا يعنى أنها تسلم من مخالفتها لأصول الشرعية الجنائية ، فقد تنطوى على انحراف بالسلطة فى التشريع لتجاوزها هذه الأصول ولافتقارها للضرورة الاجتماعية. ويبدو أهمية ذلك فى ضوء ما نصت عليه التعديلات الدستورية لسنة 2007 من إجازة صدور قانون يجعل القبض وتفتيش الأشخاص والمساكن ومراقبة المراسلات والمحادثات فى جرائم الإرهاب جائزة دون مراعاة القيود والضمانات التى نص عليها الدستور ذاته فى الجرائم الأخرى. وتجيز هذه التعديلات إحالة المتهمين بجرائم الإرهاب إلى جهات القضاء التى نص عليها الدستور أو القانون ، ومن بينها القضاء العسكرى. وهو ما يجعل نصوص مثل هذا القانون غير منافية مع الدستور ظاهرياً ؛ غير أنها -مع ذلك- يجب عليها أن تلتزم حدود الشرعية الإجرائية ؛ وإلا عدت انحرافاً بالتشريع عن غاياته ، وانطوت على افتئات جسيم بحقوق الأفراد وحرياتهم.

- ضوابط عدم الانحراف بالتشريع فى المجال الجنائى:

هناك ضوابط مختلفة تضمن عدم انحراف السلطة التشريعية بسلطتها التقديرية. وعلى الرغم من أن هذه الضوابط قد حاول بعض الفقه ردها إلى نصوص الدستور ، وأعملتها المحكمة الدستورية العليا فى الكثير من أحكامها باعتبارها كذلك ؛ فإن هذه الضوابط فى حقيقة الأمر تقتضيها الرقابة على السلطة التقديرية فى مجال التشريع ، حتى ولو لم ينص عليها الدستور. ومن هذه الضوابط أن تتسم نصوص التشريع بالموضوعية ، وألا تجاوز الغرض المخصص الذى رسم من أجله ، وألا تنطوى على مساس جسيم بالحقوق والحريات(15). ومن الأصول المسلم بها أنه على الدولة القانونية بحكم وظيفتها أن تحمى جميع المصالح القانونية ، وهذه المصالح ليست مقصورة على مصلحة الدولة فقط ؛ بل إنها تشمل أيضاً حقوق الفرد وحرياته ، ولا يجوز إهدارها بدعوى المحافظة على مصلحة المجتمع ، بل يجب التوفيق بين المصلحتين وعدم طغيان إحداها على الأخرى. والتوسع فى التجريم يجب أن يلتزم فكرة الضرورة الاجتماعية ولا يجوز تجريم أفعال لا تصلح أن تكون محلاً للتجريم أو كانت لا تنطوى على تهديد للمصلحة المحمية ، كما لا يجوز أن تأتى نصوص التجريم متسعة العبارة ، غامضة المعنى ، مزدوجة الدلالة. ويجب أن تتسم نصوص العقاب بالتناسب مع جسامة الفعل المرتكب ، وألا تنطوى على قسوة مبالغ فيها ، أو تقيد سلطة القضاء فى تقدير العقوبة وفى استعمال الرأفة. وتهتم النظم الاستبدادية بإعادة ترتيب نظامها الإجرائى الجنائى ، وذلك من أجل منح سلطات الضبط والتحقيق والاتهام والإحالة سلطات واسعة فى المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم ، كما أنها تلجأ إلى تقوية سلطة الدولة فى المحاكمات الجنائية وتجريد الفرد من ضمانات حريته ، فأصبح قانون الإجراءات الجنائية فى هذه النظم أداة للسلطة ، وليس أداة لتوخى الحقيقة وإجراء محاكمة منصفة يتم فيها ضمان الحقوق والحريات(16).

الفصل الأول

المدلول التشريعى للإرهاب



- خطة التشريعات المقارنة فى النص على جرائم الإرهاب:

سلكت التشريعات المقارنة فى تحديد جرائم الإرهاب إحدى وجهتين: الأولى هى أن تنص على تحديد مدلول معين للإرهاب ، ثم تنتقى بعض الأفعال التى تتصل بهذا المدلول ، وغالباً ما تكون هذه الأفعال مجرمة سلفاً بنصوص قانون العقوبات. ثم تفرد هذه الجرائم المنتقاة بأحكام موضوعية وإجرائية خاصة. وأما الوجهة الثانية من التشريعات فهى تأخذ بتجريم بعض الأفعال التى تعتبرها إرهابية دون أن تجتهد فى وضع تعريف للإرهاب.

والعلة التى تدعو التشريعات التى تتبنى الوجهة الأولى هى أن وضع تعريف للإرهاب من شأنه أن يكفل تمييز الأفعال التى تعتبر من جرائم الإرهاب عن غيرها من أفعال مجرمة. وتفسير ذلك أن الكثير من الأفعال التى تعتبر من جرائم الإرهاب هى أفعال مجرمة طبقاً للنصوص العامة فى قانون العقوبات ، مثل القتل والجرح وأخذ الرهائن وغيرها ، فإذا أعاد الشارع النص على تجريم هذه الأفعال مرة أخرى بوصفها جرائم إرهاب ، فإنه يجب فى هذه الحالة تحديد الضابط الذى يميز هذه الأفعال بهذه الصفة. ولم يكن هناك مفر فى هذه الحالة من قيام الشارع بوضع مدلول للإرهاب ، بحيث أنه إذا توافر فى الفعل المرتكب ، اعتبرت فى هذه الحالة من جرائم الإرهاب.

وأما الاعتبارات التى تقف وراء خطة التشريعات التى تتبنى الوجهة الثانية فهى أن تعريف الإرهاب هو أمر بالغ الصعوبة ، وقد يترتب على الصياغة غير الدقيقة له آثار تتسم بالخطورة على الحقوق والحريات ، وأن التوسع فى صياغة تعريف للإرهاب هو أمر لا يتفق مع أصول الشرعية الجنائية. ومضمون خطة هذه التشريعات أنه لا يوجد ازدواج فى التجريم بين الأفعال التى تعتبر جرائم إرهاب وغيرها من أفعال مجرمة طبقاً لنصوص التجريم العامة . وأنه يكفى -فى نظر هذه الخطة- النص بدقة على الجرائم التى تعتبر من جرائم الإرهاب دون حاجة لوضع تعريف محدد للإرهاب ، لأن مثل هذا التعريف قد لا يكون له أهمية عملية تذكر.

وقد أخذ الشارع الفرنسى بالوجهة الأولى ، إذ نص فى المادة 421-1 من قانون العقوبات على تحديد مدلول معين للإرهاب (17) ، ثم انتقى بعض الجرائم التى رأى أنها تندرج فى مدلول الإرهاب وخصها بأحكام إجرائية معينة. وقد ذهب الشارع المصرى إلى خطة قريبة من الشارع الفرنسى ، فهو وضع تعريفاً للإرهاب ، ثم أعاد النص على تجريم بعض الأفعال التى كانت مجرمة فعلاً ؛ غير أن الشارع المصرى خالف خطة الشارع الفرنسى فى أنه قد أضاف إلى هذه الأفعال أفعالاً جديدة لم يكن ينص عليها.

بينما تبنى الشارع الألمانى الوجهة الثانية ، إذ لم يفرد تعريفاً معيناً للإرهاب ؛ وإنما جرم تكوين جماعة يكون أحد أغراضها ارتكاب أفعال محددة على سبيل الحصر أو الانضمام إلى عضويتها أو تدعيمها (18).

- صعوبة تأصيل خطة الشارع المصرى فى نصه على جرائم الإرهاب:

إذا كان ما سبق هو خطة التشريعات المقارنة ، فإن تأصيل خطة الشارع المصرى يثير صعوبة حقيقية: فالشارع نص فى تعريفه للإرهاب على مجموعة من التعبيرات التى يصعب الوقوف على محتواها أو تحديد مضمونها. كما أن الشارع نص على عدة جرائم جديدة اعتبرها من جرائم الإرهاب ؛ غير أنه لم يقتصر على ذلك ، وإنما شدد العقوبة على عدد كبير من الجرائم العادية إذا ارتكبت لغرض إرهابى. وبينما خضعت الطائفة الأولى لأحكام استثنائية تخرج عن القواعد العامة سواء من الناحية الموضوعية أو الإجرائية ؛ فإن الشارع لم يطبق هذه الأحكام الاستثنائية على الطائفة الثانية من الجرائم التى ترتكب لغرض إرهابى. وهو ما يثير التساؤل عن مغزى السياسة الجنائية التى اتبعها الشارع فى ذلك؟.

ومن ناحية أخرى ، فإنه كان من المفترض أن تعريف الإرهاب الذى اجتهد الشارع فى النص عليه يسرى على جرائم الإرهاب التى أنشأها الشارع بالقانون رقم 97 لسنة 1992 ؛ غير أن التحليل الدقيق للنصوص -كما سيلى تفصيلاً- يوضح أن هذا التعريف لا يسرى على عدد من هذه الجرائم التى اعتبرها جرائم إرهاب بالمعنى الدقيق. وهو ما يثير التساؤل عن خطة الشارع والسياسة التشريعية التى انتهجها؟.

- مدلول الإرهاب فى نظر الشارع:

نص الشارع فى المادة 86 من قانون العقوبات على أنه يقصد بالإرهاب "كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع يلجأ إليه الجانى تنفيذاً لمشروع إجرامى فردى أو جماعى بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه لخطر من شأنه إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو الاتصالات أو المواصلات أو الأموال أو المبانى العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح".

ويمكن تحليل تعريف الإرهاب بحسب ما نص عليه الشارع فى المادة 86 سالفة الذكر بأنه يحتوى على عنصرين: الأول مادى ، والثانى معنوى. والعنصر المادى هو استخدام القوة أو العنف أو التهديد لتنفيذ مشروع إجرامى فردى أو جماعى. وأما العنصر المعنوى ، فهو انصراف قصد الجانى إلى الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة وأمن الدولة للخطر.

- تقدير خطة الشارع فى تحديده لمدلول الإرهاب:

من الأصول المقررة أن الفعل المجرم يجب أن يكون واضح العناصر على نحو يكفل التحديد الدقيق لماهيته ؛ أما النص على تجريم سلوك يشوب تحديده الإبهام والغموض فإنه يكون غير صالح للتجريم. وتحديد ماهية الفعل على نحو واضح ودقيق هو فى الواقع قيد على السلطة التشريعية ، وتؤدى مخالفته إلى أن يصبح النص مشوباً بعيب عدم الدستورية. كما أن هذا الإيضاح هو الذى يميز بين التوسع المسموح به فى مدلول هذا الفعل والتوسع الذى يؤدى إلى إضافة أفعال أخرى بما يؤدى إلى خلق جرائم أخرى. وسوف نرى فيما يلى مدى تمسك الشارع فى تعريفه للإرهاب سالف الذكر بهذه القواعد.

- الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة وأمن المجتمع للخطر لا يصلح ضابطاً لتمييز جرائم الإرهاب:

ميز الشارع جرائم الإرهاب بوجوب توافر قصد جنائى خاص فيها هو أن يستهدف الجانى بفعله غاية معينة هى "الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر" ، فليس مجرد استعمال القوة أو التهديد يكفى لاعتبارها جريمة إرهاب ، وإنما يجب أن يبتغى الجانى بفعله القصد الخاص على النحو السابق. وهذه الغاية التى نص عليها الشارع تبرز المصلحة التى أراد الشارع حمايتها بالنصوص التى تجرم الإرهاب.

وفى تقديرنا فإن خطة الشارع محل نظر من نواح متعددة:

فمن ناحية فإن جوهر القصد الخاص هو أن ينصرف غرض الجانى إلى تحقيق واقعة معينة ، وهذه الواقعة لابد أن تتصف بالتحديد ، ولا يعد الإخلال بالنظام العام وتعريض أمن المجتمع وسلامته للخطر من الوقائع المحددة التى تصلح لأن تشكل قصداً جنائياً خاصاً فى جرائم الإرهاب. ومن ناحية ثانية فإنه من الأصول الدستورية المسلم بها أن أركان الجريمة يجب النص عليها بوضوح وأن تبعد عن الغموض والالتباس. وتعبيرات كالإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع للخطر تتسم بالمرونة والاتساع ؛ بل والغموض وقد تستعصى على التحديد. ففكرة النظام العام هى فكرة نسبية تتغير بتغير الزمان والمكان والفلسفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى تسود فى المجتمع ، ومن ثم فهى فكرة يصعب تحديد مدلولها أو الوقوف على محتواها ، وإذ كان مضمون هذه الفكرة قد أثار خلافاً فى الرأى فى فروع القانون المختلفة ، فإن القانون الجنائى يجب أن ينأى عن استخدام تعبيرات مختلف على تحديدها أو تتصف بالغموض والاتساع ، ولذلك فإن ما نص عليه الشارع لا يصلح فى تقديرنا ضابطاً لتمييز جرائم الإرهاب ، ويبقى ما نص عليه الشارع فى ذلك موصوماً فى تقديرنا بعيب مخالفة مبدأ الشرعية.

ومن ناحية ثالثة فإن عدم وضوح التعبيرات التى نص الشارع عليها ، سوف يفضى إلى نتيجة مؤداها صعوبة إثبات هذا القصد ، فكيف يمكن الوقوف على أن المتهم قد استهدف بفعله الإخلال بأمن وسلامة المجتمع أو أنه قد أخل بنظامه العام. وما هى القرائن المقبولة على توافر هذا القصد فى هذه الحالة؟ وهل تكفى هذه القرائن لأن تقطع دلالتها فى توافر القصد الخاص فى هذه الحالة؟.

وأخيراً ، فإنه يبدو أن خطة الشارع المصرى لا فائدة منها ، فما المبرر الذى يدعو الشارع إلى تطلب استهداف الجانى بفعله الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع للخطر. وإذا كانت الأفعال التى تشكل جرائم إرهابية تتصف فى ذاتها بالجسامة ، فإنه كان من الأوفق ألا يقيد الشارع نص تجريمه بقيود قد يؤدى تعذر إثباتها إلى نقيض مقصود الشارع.

- الإخلال بالنظام العام وسلامة المجتمع وأمنه يتحقق فى كافة الجرائم: ربط الشارع فكرة الإرهاب بأن يستهدف الجانى من الجرائم التى يرتكبها "الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع أو أمنه للخطر". ويرى بعض الفقه أن كل جريمة تخل بالمجتمع ؛ غير أن الجانى فيها لا يستهدف هذا الإخلال لذاته ، ذلك أنه لا يعدو أن يكون دافعاً للجريمة ؛ بخلاف جرائم الإرهاب التى يهدف فيها الجانى الإخلال بالنظام العام وسلامة المجتمع وأمنه لذاتها (19).

وفى تقديرنا أن ما نص عليه الشارع لا يصلح معياراً لتمييز جرائم الإرهاب ، فكافة الجرائم يستهدف بها الجانى الإخلال بالنظام العام ، كما أنها تؤدى إلى تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر. كما أن هناك الكثير من الأفعال يصعب استخلاص هذا القصد فيها: فقيام المحكوم عليه أو أقربائه بمقاومة السلطات لمنعها من تنفيذ الحكم الصادر ضده ، ينطوى على إخلال بالنظام العام ؛ غير أنه لا يعتبر عملاً إرهابياً. وتخريب وسائل الإنتاج أو الممتلكات العامة أو ما فى حكمها عمداً(المادتان 89 ، 90 من قانون العقوبات) لا يعتبر فى نظر الشارع جريمة من جرائم الإرهاب ، ذلك أنها تخرج عن القسم الأول المخصص للجرائم التى اعتبرها الشارع من جرائم الإرهاب.

- المشروع الفردى أو الجماعى الذى يهدف الجانى إلى تنفيذه:

عرف الشارع الإرهاب بأنه "كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع يلجأ إليه الجانى تنفيذاً لمشروع إجرامى فردى أو جماعى ..... ". وقد حاول السيد وزير العدل أثناء عرض مشروع القانون 97 لسنة 1992 على مجلس الشعب أن يوضح أن تعبير المشروع يستبعد العمل الارتجالى ، إذ يفترض بالضرورة وجود قدر من الإعداد وحد أدنى من التنظيم. وأن هذا هو المعنى الذى أخذ به الشارع الفرنسى لتعبير المشروع والذى أخذ به هذا الشارع فى تعريفه للإرهاب. ويرى بعض الفقه أن تعبير "المشروع" من التعبيرات المألوفة ، إذ أخذ به الشارع فى جريمة النصب والتى تتحقق باستعمال وسائل احتيالية من شأنها إيهام الناس بوجود مشروع كاذب. وأن تعبير المشروع ينصرف إلى كافة صور النشاط التى تحتاج إلى جهود منظمة لتحقيق غرض معين سواء أكانت هذه الجهود ثمرة عمل فردى أو جماعى. فالمقصود بتعبير المشروع هو كل تدبير مهيأ لأن يوضع موضع التنفيذ ، وهو ما يقتضى وجود تدبير معد أو خطة محددة جاهزة للتنفيذ لتحقيق هدف معين. وقد ساد هذا المدلول المناقشات البرلمانية لنصوص جرائم الإرهاب فى القانون الفرنسى (20). وفى تقديرنا فإن استخدام تعبير "المشروع الفردى أو الجماعى" هو محل نظر ، ذلك أن هذا التعبير أقرب للتعبيرات السائدة فى القانون التجارى ؛ غير أنه لا يصلح أن يكون تعبيراً واضحاً فى نظر قانون العقوبات. ففكرة المشروع هى فكرة غريبة على القانون الجنائى. ولا يصلح حجة أن الشارع قد استخدم هذا التعبير فى جريمة النصب ، ذلك أن المشروع الكاذب فى نطاق النصب يختلف معناه عن المشروع فى جرائم الإرهاب. كما لا يصلح حجة القول بأن الشارع الفرنسى يأخذ بهذا التعبير ، ذلك أن خطة الشارع الفرنسى ذاتها لا تسلم من النقد ، إذ لم يعط الشارع الفرنسى لتعبير المشروع مدلولاً محدداً ، كما أنها فكرة غامضة ، وتؤدى إلى إثارة مشكلات كبيرة فى التطبيق ، فمتى تتعلق الجريمة بهذا المشروع الفردى أو الجماعى؟. وإذا كان مدلول المشروع يعنى التدبير ، فلماذا لم يستخدم الشارع هذا التعبير الأخير وهو أقرب للدلالة على مقصوده؟. ومن ناحية أخرى فإن تعبير المشروع قد يفضى إلى التضييق من نطاق التجريم فى حالات يمكن وصفها بأنها من أفعال الإرهاب: وتفسير ذلك أن الإرهاب كما يكون منظماً ؛ فإنه يمكن كذلك أن يكون غير منظم ؛ بل قد يكون وليد اللحظة ودون أن يسبقه تدبير.

- تقدير النص على الترويع كوسيلة لارتكاب جرائم الإرهاب: نص الشارع فى المادة 86 سالفة الذكر على أنه يقصد بالإرهاب "كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع يلجأ إليه الجانى تنفيذاً لمشروع إجرامى ...". وقد ثار أثناء المناقشات البرلمانية لتعريف الإرهاب الخلاف على جدوى النص على "الترويع". وكانت وجهة نظر وزارة العدل أن هناك بعض الصور التى يتحقق فيها الترويع دون أن يتوافر فيها استعمال القوة أو التهديد بها. ومثال ذلك أن يقوم الجناة بتسميم مورد مياه فيموت البعض من جراء ذلك ، أو أن يقوموا بفك قضبان السكك الحديدية فينقلب القطار ، ففى هذه الصور لا يستخدم الجانى القوة أو التهديد ، وإنما يقع مجرد ترويع(21). وقد أيد بعض الفقه هذه الوجهة(22). ويرى جانب آخر من الفقه إن تعريف الإرهاب بالترويع أو إلقاء الرعب ، لا يضيف جديداً للتعريف(23) ، وأن خطة التشريعات المقارنة تميل إلى عدم النص على وسائل معينة لارتكاب جرائم الإرهاب ، مكتفية بالأثر الذى تحدثه الأفعال المجرمة (24). وفى تقديرنا أن الشارع قد خلط بين الوسائل والأثر ، فالترويع ليس هو وسيلة ارتكاب جريمة الإرهاب ؛ وإنما هو الأثر الذى يحدثه فعل الجانى. فالإرهاب ذاته ليس فعلاً إجرامياً متميزاً ؛ وإنما هو الأثر الذى ينتج من فعل الجانى. والأمثلة السابقة التى ذكرها السيد وزير العدل فى المناقشات البرلمانية لا تعدو أن تكون وسائل أحدثت أثراً هو الترويع ، فمجرد تسميم المياه أو فك قضبان السكك الحديدية لا يصدق عليه وصف الترويع ، وإنما ما يترتب على هذه الأفعال من أثر هو الذى يعد ترويعاً. فهذه الأفعال هى التى تمثل السبب الذى أحدث الترويع العام ولا تختلط به (25). ومن ناحية أخرى ، فإن "إلقاء الرعب" هى فكرة يعود تحديدها إلى الأثر النفسى الذى وقع على المجنى عليه ، ويعنى ذلك أن تحديد مدلول الإرهاب قد أصبح يستند إلى عناصر شخصية مستمدة من نفسية المجنى عليه قد يكون من الصعب استخلاصها والوقوف عليها ، ومن ثم فإن النص على ذلك يتصف بالغموض وعدم التحديد ويتنافى مع مبدأ الشرعية.

ويرى بعض الفقه أن استخلاص خطة الشارع المصرى تجعل فعل الإرهاب مرتبطاً بطريق اللزوم مع إخافة الناس وترويعهم (26).

وفى تقديرنا أن هذا الرأى محل نظر ذلك -أنه كما سنرى- فإن الكثير من الجرائم التى نص عليها الشارع فى القسم الخاص بجرائم الإرهاب تتجرد من استعمال القوة أو العنف أو التهديد فيها. ويترتب على هذا أن الجريمة تعتبر من جرائم الإرهاب على الرغم من أنه لم يدخل فى ارتكابها عنف أو تهديد ، ذلك أن أركانها التى نص الشارع عليها لا تفترض ارتكابها بهذه الوسائل.

- هل يعد الإرهاب فى نظر الشارع المصرى ظرفاً مشدداً لجرائم عادية:

لم يحدد الشارع المصرى فى المادة 86 من قانون العقوبات الفعل المادى الذى يقصده بالإرهاب. وقد تبع فى ذلك خطة الشارع الفرنسى فى المادة 421-1 من قانون العقوبات فى فقرتها الأولى ؛ فلا يعد هذا النص نصاً تجريمياً ، إذ لا يحوى بياناً لفعل معين يجرمه القانون أو بعقوبة مستحقة عليه. ولذلك اتجه الرأى فى المناقشات البرلمانية التى سبقت صدور قانون الإرهاب إلى القول بأنه لا عقاب على المادة 86 فى ذاتها ، وإنما هى تنطوى على ظرف مشدد يجب أن يقترن بفعل محدد منصوص عليه فى قانون العقوبات(27).

وقد أيد هذه الوجهة جانب من الفقه (28) ، وأضافوا إلى هذه الحجة أن المواد اللاحقة على المادة 86 سالفة الذكر تشدد العقوبة إذا استخدم الجانى الإرهاب فى ارتكابها. ومن أمثلة ذلك أن المادة 86 مكرر فى فقرتها الأولى تجرم إنشاء أو تأسيس أو إدارة أو تنظيم جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة بغرض تعطيل أحكام الدستور أو القوانين ، ثم تنص المادة 86 مكررا (أ) على تشديد العقوبة إذا استخدم الإرهاب فى ارتكابها.

وفى تقديرنا أن هذا الرأى وما خلصت إليه المناقشات البرلمانية محل نظر: فالإرهاب فى نظر الشارع المصرى هو فكرة مستقلة لها مدلول نص عليه الشارع ، وليس الإرهاب ظرفاً مشدداً خالصاً فى خطة الشارع. وبيان ذلك أن الشارع قد أضاف بعد تعريفه الإرهاب ، نص المادة 86 مكرر سالفة الذكر التى تجرم إنشاء وإدارة وتنظيم جماعة الغرض منها تعطيل أحكام الدستور أو القانون أو منع إحدى مؤسسات الدولة من ممارسة عملها ...، وهو ما يعنى أن الشارع قد اعتبر هذه الجريمة من جرائم الإرهاب ؛ غير أنه لم يجعل الإرهاب ظرفاً مشدداً فيها أو حتى عنصراً من عناصرها ، ففكرة الإرهاب فى نظر الشارع لا ترادف دائماً فكرة الظرف المشدد. ومن الأمثلة الأخرى كذلك أن الشارع قد جرم فى المادة 87 من قانون العقوبات محاولة قلب أو تغيير دستور الدولة أو نظام الحكم بالقوة. ولم يستخدم الشارع فى نصه على هذه الجريمة تعبير "الإرهاب" مما يعنى أن الجريمة لا تفترض وجود الإرهاب كظرف مشدد فيها. غاية الأمر أن الشارع قد اعتبر هذه الصورة تندرج ضمن مفهومه الذى أخذ به فى تعريف الإرهاب. لا شك فى أن الشارع قد اعتبر الإرهاب ظرفاً مشدداً فى بعض الصور ؛ غير أنه لا يبدو فى تقديرنا صواب القول بأن الشارع قد اعتبر دائماً الإرهاب ظرفاً مشدداً ، لأنه كما أوضحنا فإن هناك جرائم لا تفترض تشديد العقوبة حال ارتكابها ؛ غير أنها تنتمى رغم ذلك إلى جرائم الإرهاب.

- النص على الإرهاب قرين القوة أو التهديد لا يضيف جديداً :

استخدم الشارع تعبير الإرهاب باعتباره ظرفاً مشدداً أو وسيلة لارتكاب بعض الجرائم ؛ غير أنه نص على اعتبار القوة أو التهديد ظرفين مشددين أيضاً فى هذه الجرائم أو اعتبر أحدهما وسيلة لارتكابها ، وهو ما يثير التساؤل عن علة النص على الإرهاب فى هذه الحالة. ولا سيما وأن تعريف الإرهاب الذى جاء به الشارع يتضمن القوة والعنف والتهديد(29). ومن أمثلة ذلك ما ينص عليه الشارع فى المادة 88 مكررا من المعاقبة على فعل القبض أو الاحتجاز , أو الحبس كرهينة , ثم تشديده العقوبة "إذا استخدم الجانى القوة أو العنف أو التهديد أو الإرهاب". ومن الأمثلة أيضاً ما تنص عليه المادة 98 أ من قانون العقوبات التى تعاقب على إنشاء أو تأسيس أو تنظيم أو إدارة جمعيات أو هيئات أو منظمات ترمى إلى سيطرة طبقة اجتماعية ...... متى كان استعمال القوة أو الإرهاب أو أى وسيلة أخرى غير مشروعة ملحوظا فى ذلك. وما تنص عليه المادة 124ب من قانون العقوبات التى تعاقب كل من اعتدى او شرع فى الاعتداء على حق الموظفين أو المستخدمين العموميين فى العمل باستعمال القوة او العنف أو الارهاب او التهديد او ......". وقد وردت أمثلة هذه العبارة فى نصوص المواد 98 ب ؛ 98 مكرراً ؛ 174 فى بندها ثانياً ؛ 375 أولاً ؛ 375 ثالثاً.

فخطة الشارع فى صياغته لهذه النصوص تتسم بالتناقض: فهو جعل الجرائم التى تضمنتها هذه النصوص من جرائم الإرهاب ، والتى تفترض بحسب التعريف الذى نص عليه للإرهاب استعمال القوة أو التهديد ، ثم جعل من استعمال هذه القوة أو التهديد ظرفاً مشدداً فيها ، بينما تفترض هذه الجرائم بطريق اللزوم استعمالاً لهذه الوسائل. وكان يكفى الشارع تشديد العقوبة ابتداء إذا كان يعتبرها من جرائم الإرهاب. وخطة الشارع قد تبعث خطأ على الاعتقاد أن جرائم الإرهاب فى نظره يمكن أن ترتكب بدون قوة أو عنف ، وهو ما ينافى ما نص عليه من تعريف للإرهاب.

- النص على مساواة الإرهاب بالوسائل غير المشروعة الأخرى يعكس عدم الإلمام بطبيعة الإرهاب:

سبق أن ذكرنا أن الشارع قد نص على الإرهاب كوسيلة لارتكاب بعض الجرائم ، ومن بينها جريمة الترويج لتغيير مبادئ الدستور الأساسية أو النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية أو .....متى كان استعمال القوة أو الإرهاب أو أى وسيلة أخرى غير مشروعة ملحوظا فى ذلك (المادة 98 ب من قانون العقوبات). وخطة الشارع فى هذه الجرائم فى تسوية الإرهاب مع باقى الوسائل الأخرى مثل الغش والتدليس والتزوير تكشف عن عدم إلمام الشارع بطبيعة الإرهاب وجسامته ، وأنه لا يمكن مساواته مع غيره من الوسائل.

- هل تبنى الشارع مدلولاً محدداً للإرهاب: فى تقديرنا أن النصوص التى جاء بها الشارع المصرى لا تساعد على تصور أنه تبنى مفهوماً محدداً للإرهاب ؛ بل إن هذه النصوص تتعارض بعضها مع البعض وتفتقر للمنطق القانونى السليم وفيما يلى نبين ذلك:

- الإرهاب كغرض فى جرائم عادية:

ينص الشارع فى الكثير من الأحوال على اعتبار الجريمة العادية من جرائم الإرهاب إذا كان غرضها "إرهابياً" ومثال ذلك جرائم: التشويش على إقامة الشعائر الدينية وتخريب مبان معدة لإقامة هذه الشعائر (المادة 160) ؛ التزوير فى تذاكر السفر واصطناعها واستعمالها (المواد216-218) ؛ التسمى بأسماء مزورة فى دفاتر الفنادق أو المقاهى أو المحلات المفروشة المعدة للإيجار (المادة 219) ؛ جرائم الضرب والجرح (المادتان 242،243) ؛ الضرب المفضى إلى موت (المادة 236) ؛ القتل العمد (المادة 234).

وهذه الخطة فى تقديرنا محل نظر ، ذلك أن اعتبار الإرهاب غرضاً فى هذه الجرائم ، على نحو يشكل ظرفاً مشدداً فيها يتناقض مع تعريف الشارع للإرهاب ذاته. فهذا التعبير الأخير يفترض ارتكاب سلوك إجرامى معين وبوسيلة محددة وأن يكون مصحوباً بقصد خاص نص الشارع عليه فى تعريف الإرهاب. فإذا ارتكب الجانى جريمة قتل عادية ولكن مدلول الإرهاب شملها ، فهى فى هذه الحالة تكون جريمة من جرائم الإرهاب. ولا يمكن اعتبار الإرهاب فى هذه الحالة غرضاً يسعى الجانى إليه ، ذلك أن الإرهاب فى نظر الشارع المصرى هو جريمة خاصة لها أركانها وعناصرها ، إذا تحققت اعتبرت الأفعال الداخلة فيها جريمة إرهاب. ولا يقبل المنطق القانونى -فى تقديرنا- اعتبار الإرهاب جريمة خاصة لها مدلول معين ، ثم جعله بعد ذلك غرضاً ، والنص عليه كظرف مشدد.

- الشارع يجرم أفعالاً تحت وصف الإرهاب لا يصدق عليها تعريفه للإرهاب: على الرغم من تعريف الإرهاب الذى اجتهد الشارع فى النص عليه ، فإن النصوص اللاحقة لهذا التعريف التى جرم الشارع بمقتضاها أفعالاً رأى أنها تندرج فى نظرته للإرهاب ، لا تفترض بين أركانها أو عناصرها عناصر التعريف الذى أتى به الشارع. وهو ما يجعل تعريف الإرهاب منقطع الصلة مع النصوص التى تجرم أفعالاً تعد تطبيقاً له. فإذا كان تعريف الإرهاب يمثل الرأس ، بينما جرائمه تمثل الجسم ، فإن استجلاء الخطة التشريعية لقانون العقوبات المصرى يقطع بانفصال الرأس عن هذا الجسم. وسوف نبين فيما يلى أمثلة لذلك.

1- الشارع يربط الإرهاب بالعنف أو التهديد بينما ينص على جرائم إرهاب تتجرد من ذلك: يكاد يجمع الفقه(30) والمناقشات البرلمانية على أن مدلول الإرهاب الذى تبناه الشارع المصرى يرتبط حتماً باستخدام الجانى القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع ، وهو ما نص عليه الشارع فى المادة 86 سالفة الذكر صراحة. ويرتبط بذلك ما ذهب إليه بعض الفقه من أن الإرهاب لا يعدو أن يكون شرطاً مفترضاً يجب سبق توافره قبل ارتكاب الجرائم التى نص عليها الشارع فى القسم الأول من الباب الثانى والتى يمكن إطلاق وصف جرائم الإرهاب عليها(31).

وخلاصة هذا الرأى أن الشارع بتعريفه الإرهاب فى المادة 86 يكون قد وضع شرطاً مفترضاً فى الجرائم التى تلى النص على هذه المادة ، إذ يصبح هذا التعريف عنصراً لازماً فى كافة هذه الجرائم. غير أن ما تلا هذه المادة من مواد تنص على جرائم يفترض أنها من جرائم الإرهاب لا يساعد على هذا التصور الذى تبناه الشارع: فالمادة 86 مكرراً من قانون العقوبات تجرم أفعال "إنشاء أو تنظيم أو إدارة جمعية أو تنظيم على خلاف أحكام القانون" ، وتجرم كذلك الانضمام إلى هذه الكيانات أو الترويج لأغراضها أو حيازة مطبوعات أو محررات تتضمن تحبيذاً أو ترويجاً لها ، وليس من بين أركان هذه الجرائم استعمال القوة أو العنف أو التهديد به. كما أن الفقرة الثانية من المادة السابقة تشدد العقاب على من تولى دوراً قيادياً فى هذا التنظيم أو أمده بمعونات مالية ؛ غير أن الشارع لم يتطلب أن يقترن هذا التنظيم باستعمال قوة ما أو التهديد بها. ويلاحظ أن الجرائم المتعلقة بالتنظيمات غير المشروعة هى أهم جرائم الإرهاب ، سواء فى خطة القانون المصرى أو المقارن ، فإذا كانت هذه الطائفة من الجرائم التى تعبر عن مفهوم الإرهاب لا تفترض بين أركانها استعمالاً للقوة أو العنف ؛ فإن التعريف الذى أتى به الشارع للإرهاب يكون لا فائدة منه. بل إنه على العكس ، فإذا أخذنا بوجهة النظر القائلة بأن هذا التعريف هو شرط مفترض فى كافة جرائم الإرهاب ، فإن النتيجة التى تترتب على ذلك هى انتفاء جرائم التنظيمات إذا تجردت من عنصر القوة أو التهديد. وهذه نتيجة ربما لم يقصد إليها أصحاب الرأى السابق.

وخلاصة ما تقدم فإن الأمر لا يخرج عن فرضين: الأول هو أنه إذا قلنا بتوافر أركان جرائم التنظيمات المحظورة دون حاجة لاستعمال القوة أو العنف ، فإن ذلك مؤداه التضحية بالتعريف التشريعى للإرهاب واعتباره لا قيمة له. والثانى أن هذا التعريف يمثل شرطاً مفترضاً ضرورياً فى كافة جرائم الإرهاب ، وهو ما يجعل الجرائم المتعلقة بالتنظيمات سالفة الذكر منتفية إذا تجردت من عنصر القوة أو التهديد.

2- الشارع يتطلب فى الإرهاب أن يكون من خلال مشروع بينما يجرم تحت وصف الإرهاب أفعالاً لا يتطلب فيها ذلك:

ذكرنا فيما سبق أن الشارع تطلب فى تعريف الإرهاب أن تقع أفعال العنف من خلال مشروع فردى أو جماعى ، بحيث يستبعد منه الأفعال الارتجالية التى ترتكب دون تخطيط. وبعد أن بين الشارع تعريف الإرهاب عدد الأفعال التى جرمها تحت هذا الوصف. وكان المفترض أن تكون الأفعال التى اعتبرها الشارع من جرائم الإرهاب أن يتوافر فيها كافة عناصر التعريف التى نص عليه الشارع للإرهاب. غير أن الأفعال التى اعتبرها الشارع من جرائم الإرهاب كما أنه يتصور ارتكابها من خلال مشروع فردى أو جماعى ؛ فإنه يتصور كذلك ارتكابها دون تخطيط أو تدبير. ومن أمثلة ذلك أن الشارع يجرم فى المادة 87 من قانون العقوبات محاولة قلب نظام الحكم بالقوة أو تغيير دستور البلاد. وإذا كانت هذه الأفعال تقع غالباً نتيجة تدبير أى من خلال مشروع ؛ فإنها يمكن أن ترتكب كذلك دون توافر هذا التدبير. فإذا خرج بعض الأشخاص مصادفة مطالبين بخفض سعر سلعة ضرورية ، ثم نادوا أثناء المظاهرة بسقوط نظام الحكم وتغيير دستور البلاد ، ثم قاموا بإتلاف ما يتعرض طريقهم من ممتلكات ، فإن هذا الفعل يشكل الجريمة المنصوص عليها فى المادة السابقة ، على الرغم من أنه وقع ارتجالاً ودون تخطيط أو تدبير. ويعنى ذلك أن هذا الفعل ينتفى فيه وصف الإرهاب بحسب التعريف الذى نص عليه الشارع ، إذ لم يقع ثمرة مشروع فردى أو جماعى ؛ غير أنه يعتبر جريمة من جرائم الإرهاب ، إذ يستجمع كافة أركان الجريمة المنصوص عليها فى المادة 87 سالفة الذكر.

وإذا حاز شخص بشكل منفرد كتاباً يتضمن خلاصة أفكار تنظيم محظور يدعو إلى تغيير نظام الحكم ويعدد أسباب عدم شرعيته ، فإن هذا الفعل يندرج تحت طائلة التجريم ، على الرغم من أن الحائز فى هذه الحالة لا علاقة له بفكرة المشروع ، والتى لم تطرأ أصلاً على ذهنه. ومن الأمثلة أيضاً أن يعتصم أحد الأشخاص نتيجة قرار فصل تعسفى صدر من رئيسه فى العمل ، وحال محاولة القبض عليه يقوم باحتجاز أحد الأشخاص الذين تصادف وجودهم كرهينة بهدف إجبار السلطة المختصة على الانصياع لطلباته أو النظر فى شكواه. وهو الفعل المجرم بنص الفقرة الأولى من المادة 88 مكرراً من قانون العقوبات. وهذا الفعل الذى ارتكبه الجانى يهدف إلى التأثير على السلطة العامة ويشكل جريمة أخذ الرهائن مكتملة الأركان ، وذلك على الرغم من أن الفعل لم يرتكب من خلال مشروع على الإطلاق ، ولم يتوافر فيه التدبير أو التخطيط ، بل إنه وقع ارتجالاً.

ويعنى ما تقدم أنه على الرغم من أن هذه الأفعال تشكل جرائم إرهاب ، فإن تعريف الإرهاب الذى نص الشارع عليه لا يشملها.

- مدلول الإرهاب يمكن أن يطبق على جرائم عادية:

ترتب على تحديد الشارع لمدلول الإرهاب على نحو يشوبه الغموض والاتساع أنه يمكن تطبيق هذا المدلول على كافة الجرائم العادية التى يستخدم فيها العنف أو التهديد ، كجرائم السطو المسلح أو قطع الطرق من عصابات مسلحة أو التظاهر للمطالبة بحق من الحقوق أو الإضراب احتجاجاً على أوضاع سيئة للعمل وغيرها من جرائم عادية.

وقد لاحظ جانب من الفقه -بحق- أن التعبيرات التى استخدمها الشارع فى تعريف الإرهاب ، من استعمال للقوة أو التهديد ووجود مشروع إجرامى بهدف الإخلال بالنظام العام وتعريض أمن المجتمع وسلامته للخطر ، فيها من الاتساع بحيث يمكن اعتبار جرائم السطو المسلح على البنوك والمحال التجارية وتظاهرات الطلاب من قبيل جرائم الإرهاب ، إذ أن من شأن هذه الجرائم جميعاً الإخلال بالنظام العام وأن تعرض سلامة المجتمع للخطر(32).

- الشارع خلط بين جرائم الإرهاب وجرائم المساس بأمن الدولة:

ذكرنا فيما سبق أن المصلحة المحمية التى ابتغى الشارع حمايتها بالنصوص التى تجرم أفعال الإرهاب ليست واضحة: وتفسير ذلك أن موضع النص على جرائم الإرهاب هو الباب الثانى من الكتاب الثانى من قانون العقوبات والذى يحمل عنوان "الجنايات والجنح المضرة بالحكومة من جهة الداخل" والتى يعبر عنها بالجرائم الماسة بأمن الدولة من جهة الداخل. وهذه النظرة من الشارع المصرى لجرائم الإرهاب باعتبار أنها موجة ضد نظام الدولة هى نظرة غير صحيحة: فهذه الأفعال لا تنال من أمن الدولة فحسب ؛ وإنما تنال من الأمن الشخصى للأفراد كذلك. ويترتب على ذلك أنه فى خطة التشريعات المقارنة يجوز وقوعها من الأفراد أو ممثلى الدولة ذاتها. والشارع لم يستفد من خطة التشريعات المقارنة ومن المناقشات البرلمانية والآراء الفقهية التى صاحبت وضع نصوص جرائم الإرهاب. فعلى سبيل المثال فإن الشارع الفرنسى قد استبعد جرائم أمن الدولة من الخضوع للنظام الذى وضع لجرائم الإرهاب ، وذلك بناء على قرار من المجلس الدستورى فى 3 سبتمبر سنة 1986 ، إذ رأى أن هذه الجرائم لا تتضمن ذات الخصائص التى تم بمقتضاها إخضاع جرائم الإرهاب لقواعد موضوعية وإجرائية مغايرة للجرائم الأخرى(33). والشارع الألمانى عند نصه على جريمة الجماعات الإرهابية فى الداخل والخارج (المادتان 129 أ ، 129 ب من قانون العقوبات) لم يجعل هذه الجرائم فى الباب المخصص للجرائم الماسة بالدولة ؛ وإنما أفرد باباً أطلق عليه "الجرائم الماسة بالنظام العام" ، وقد اشتمل هذا الباب على الجرائم الماسة بحرمة المسكن (المادة 126) ، والتهديد بارتكاب جرائم تمس السلم العام (المادة 128) مثل جرائم القتل والإبادة الجماعية والجرح وغيرها. فنظرة الشارع الألمانى لجرائم الإرهاب هى أن هذه الجرائم تنال السلم العام ، وليس أمن الدولة أو أجهزتها.

- تعقد الصياغة التشريعية للنص المحدد لمدلول الإرهاب:

من القواعد المستقر عليها أن النص العقابى يجب أن يتميز بالإيجاز والوضوح ، وأنه يجب أن يبعد عن تعقد العبارة وتعدد العناصر على نحو يؤدى إلى صعوبة تتبع المعنى. والملاحظ على نص المادة 86 سالف الذكر والذى عرف به الشارع الإرهاب أنه يتسم بتعقد الصياغة وطول العبارة حداً يصعب معه الإلمام بالمعنى الذى قصده الشارع ، ولا سيما وأنه قد جمع بين الوسائل والعناصر المفترضة والغرض والنتائج التى تترتب على فعل الجانى ، وذلك كله دون اتساق أو خطة واضحة. وقد حشد الشارع فى هذا النص الكثير من المترادفات التى يجب أن تبعد عنها نصوص التشريع. ومثال ذلك أنه استخدم تعبيرى "القوة أو العنف" ، "التهديد أو الترويع" بينما كان يكفى النص على أحدهما. كما أن الكثير من التعبيرات التى استخدمها تتسم بالغموض وعدم الوضوح كتعبير "الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع للخطر".

ومن ناحية أخرى فإن الشارع قد كرر فى النص تعبيرات كان قد ذكرها ، وهذا التكرار يرجع فى تقديرنا إلى عدم إلمام الشارع بمدلول الإرهاب ذاته. ومثال ذلك أنه بعد أن نص على استخدام القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع ، ذكر أن يكون الخطر الذى يستهدفه الجانى من شأنه "إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر". والملاحظ أن استخدام الجانى القوة أو العنف من شأنه أن يؤدى حتماً إلى إيذاء الأشخاص الذين وقعت عليهم أفعال الجانى ، كما أن استخدام الترويع من شأنه أن يلقى الرعب بين هؤلاء الأشخاص. وعلى الرغم من هذه الصياغة التى يبدو أن الشارع حاول فيها أن يحيط بتعريف الإرهاب ، فإنها اتسمت بعمومية على نحو لم يستطع الشارع بها أن يقيم الحد الفاصل بين فعل الإرهاب وغيره من أعمال(34).

- هل كان الشارع فى حاجة إلى تعريف الإرهاب:

أثار تعريف الإرهاب جدلاً كبيراً سواء فى معناه اللغوى أو الاصطلاحى ، كما اختلف الفقه المقارن فى تحديد هذا التعريف ، وقد امتد الخلاف أيضاً إلى المنظمات الدولية والإقليمية التى حاولت التصدى لتحديد مدلول له ووضع الضوابط التى تميزه عن المقاومة المشروعة. وقد ذهب بعض الفقه إلى ضرورة وضع تعريف للإرهاب رغم توافر هذه الصعوبة ، وذلك حتى يمكن تمييز الإرهاب عن غيره من جرائم العنف ، وحتى يمكن وضع سياسة ثابتة لمكافحته ، سواء أكانت هذه السياسة تشريعية أو أمنية أو غير ذلك (35). وأضاف البعض الآخر حجة مستمدة من مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات والذى يقتضى وضع تعريف محدد للإرهاب (36).

وفى تقديرنا أنه إذا كان الشارع المصرى لم يوفق فى نصه على تحديد مدلول الإرهاب على النحو الذى سبق بيانه ؛ فإنه -فى حقيقة الأمر- لم يكن فى حاجة إلى وضع تعريف للإرهاب. والتعريف الذى أخذ به يشوبه الغموض والتحكم ويمكن أن يطبق على أغلب الجرائم. والشارع المصرى لم يستفد من خطة بعض التشريعات المقارنة التى تجنبت صعوبة وضع هذا التعريف ، فلجأت إلى حصر الجرائم التى تعتبرها من جرائم الإرهاب ، دون أن تعنى هذه التشريعات بوضع تعريف محدد للإرهاب قد ينجم عنه خلاف فى التفسير ومشكلات فى التطبيق. وقد سلكت الاتفاقية الأوربية لمنع الإرهاب ذات الخطة ، إذ تجنبت وضع تعريف للإرهاب واقتصرت على بيان حصرى للجرائم التى اعتبرتها جرائم إرهابية. ومن ناحية أخرى فإن الشارع المصرى قد خص الجرائم التى انتقاها بأحكام موضوعية وإجرائية معينة ، ومن ثم كان بمقدوره أن يبعد عن وضع هذا التعريف ولاسيما وأن هذا التعريف قد يترتب عليه ضرر أكبر من الفائدة المتوخاة منه.

وحجج الرأى الذى يذهب إلى ضرورة وضع تعريف للإرهاب ليست حاسمة: فإزالة اللبس والغموض عن معنى الإرهاب بوضع تعريف مختلف عليه ، قد يؤدى إلى عكس المقصود منه ، ذلك أن محاولة وضع هذا التعريف على نحو فضفاض متسع واستخدام عبارات مرنة واختلاف وجهات الرأى فى تحديد مضمونه ، يؤدى إلى العجز عن وضع تعريف للإرهاب يتوافر له الحد الأدنى من التوافق. والقول بالحاجة إلى وضع سياسة ثابتة لمكافحة الإرهاب لا يجعل من تعريف الإرهاب ضرورة حتمية: وتفسير ذلك أن الكثير من الظواهر الإجرامية يمكن التعرف عليها من خلال أمرين: الأول هو ما تتصف به من خصائص ، والثانى هو من خلال الجرائم التى نص الشارع عليها. فجرائم الفساد والجريمة المنظمة والجرائم الاقتصادية وغيرها ، لا يتوافر لها تعريف محدد ، وإنما يمكن الوقوف عليها من خلال ما تتصف به طوائف هذه الجرائم من صفات مشتركة، ومن نظرة الشارع لها من خلال النصوص التى تجرم الأفعال التى تندرج فى مفهومها. ويعنى ذلك أن عدم وضع تعريف للإرهاب لا ينال من التعرف على الجرائم التى تدخل فى مدلوله ، ومن ثم فليس صحيحاً أن وضع سياسة لمكافحة الإرهاب يرتبط بالضرورة بتعريفه.

ومن ناحية أخرى فإن عدم وضع تعريف للإرهاب لا يتعارض مع مبدأ الشرعية ، فمن المسلم به أن عدم النص على هذا التعريف ليس معناه خلو نصوص القانون من الجرائم التى تعد من جرائم الإرهاب. وقد سلك هذه الخطة عدة تشريعات مقارنة ، منها قانون العقوبات الألمانى الذى فضل عدم النص على تعريف للإرهاب ، وأن اكتفى بالنص على الجرائم التى اعتبرها من وجهة نظره تعتبر جرائم إرهاب.

نخلص مما سبق أن الاتجاه التشريعى الذى لا يضع تعريفاً للإرهاب ويقتصر على تحديد أفعال معينة محددة حصراً تكون هى الغرض من تكوين تنظيم محظور أو الانضمام إليه هو أسلم هذه الاتجاهات ، وأنه كان الأجدر بالشارع المصرى أن يتبناه.



الفصل الثانى

القواعد الموضوعية لجرائم الإرهاب

- تقسيم: نقسم هذا الفصل إلى مبحثين: نتناول فى الأول نصوص التجريم فى جرائم الإرهاب ، وفى الثانى نصوص العقاب فى هذه الجرائم ، مبينين مدى اتفاق الأحكام التى جاءت بها هذه النصوص مع أصول التجريم والعقاب.

المبحث الأول

نصوص التجريم

- تأصيل الأفعال التى اعتبرها الشارع جرائم إرهاب بمعناها الدقيق: ذكرنا أن خطة الشارع تنقسم إلى شقين: الأول أنه نص على جرائم معينة بعد تعريفه للإرهاب، على نحو يمكن أن نطلق عليها أنها جرائم الإرهاب بالمعنى الدقيق. والشق الثانى أنه نص على اعتبار الإرهاب ظرفاً مشدداً لعدد كبير من الجرائم العادية إذا كان هو الغرض الذى يسعى إليه الجانى أو الوسيلة التى استخدمها فى ارتكابها.

وقد سبق أن تناولنا فى الفصل الأول تقدير خطة الشارع فى نصه على الإرهاب كوسيلة أو غرض لجرائم عادية. ولذلك سوف نقتصر فى هذا المبحث على تقدير خطة الشارع فى نصه على أهم جرائم الإرهاب بالمعنى الدقيق الذى سبق الإشارة إليه. ويمكن تأصيل هذه الجرائم بردها إلى ثلاثة طوائف: الأولى هى جرائم التنظيمات غير المشروعة ، والثانية جرائم أخذ الرهائن وخطف وسائل النقل ، والثالثة هى الاشتراك فى جرائم الإرهاب.

أولاً: جرائم التنظيمات

- بيان خطة الشارع وتقديرها: عاقب الشارع فى المادة 86 مكرراً من قانون العقوبات "كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار , على خلاف أحكام القانون , جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة". وصياغة النص سالف الذكر تستبعد تحقق فعل الإنشاء أو التأسيس إذا كانت هذه التنظيمات قد نشأت موافقة أحكام القانون ؛ غير أنه لا يستبعد توافر فعل التنظيم أو الإدارة إذا تم تأسيس الكيان على نحو مشروع ولكن تم الانحراف عن غرضه ومخالفة أحكام القانون(37).

وفى تقديرنا فإن الصياغة السابقة محل نظر ، وقد تفضى إلى مشكلات فى التطبيق: فمن ناحية فإن الشارع استخدم تعبيرات مترادفة لا يقتضى النص استخدامها. فلا يختلف تعبير الإنشاء عن التأسيس. وتعبير "الجمعية أو الهيئة أو المنظمة أو الجماعة أو العصابة" هى من المترادفات التى لا يجب استخدامها. فقد كان يكفى الشارع أن يستخدم تعبير "جماعة" أو "جمعية". ومن ناحية أخرى فإن تعبير "عصابة" الذى استخدمه الشارع يتناقض مع نصه "على خلاف أحكام القانون" ، فهذه العصابة يتم انشاؤها بداهة بالمخالفة لأحكام القانون. وعبارة "بالمخالفة لأحكام القانون هى عبارة تنطوى على تزيد وليس لها أهمية تذكر: ذلك أن من يؤسس جماعة أو يديرها يكون غرضها إرهابياً لا شك فى أنها تكون مخالفة لأحكام القانون ، دون حاجة إلى ذكر ذلك. ومن ناحية فإن هذه العبارة لا فائدة منها ، ذلك أن الجماعة قد تؤسس بالمخالفة لأحكام القانون ؛ غير أنه لا يكون غرضها إرهابياً ، وفى هذه الحالة يقتصر الأمر على مخالفة قانون الجمعيات ، ولا يكون هناك شأن لنصوص مكافحة الإرهاب. وفى تقديرنا أنه كان من الأجدى أن يميز الشارع فى العقاب بين من أسس الجمعية وبين من اقتصر دوره على مجرد الانضمام إليها ، فالإدارة أو التنظيم لا تعدو أن تكون من قبيل الانضمام إلى الجماعة. فمن ينضم إلى جماعة غير مشروعة ، يتصور أن يقوم بدور ما فيها ، سواء من ناحية الإدارة أو التنظيم ، وهذا الدور لا يعبر عن زيادة فى مقدار الإثم تبرر إفراده بعقوبة أشد.

- استخدام المترادفات فى بيان الركن المادى: من الأصول المقررة فى الصياغة التشريعية أن يبعد النص عن استخدام المترادفات ؛ غير أن الشارع لم يلتزم بذلك عند صياغته لجرائم التنظيمات. ومن أمثلة ذلك ما نص عليه فى المادة 86 مكرراً فى فقرتها الأولى من معاقبة كل من "انشأ أو أسس أو نظم أو أدار , جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة..". وتعبير الإنشاء يحمل معنى التأسيس ، وكان يمكن الاكتفاء بالتعبير الأول. ونص الشارع على "الجمعية أو الهيئة أو المنظمة أو الجماعة أو العصابة ، وكان يكفيه أن ينص على تعبير الجماعة بدلاً من هذا التكرار الذى لا فائدة منه. والملاحظ أن الشارع قد استخدم تعبيرات تطلق على أشخاص اعتبارية لها وجود شرعى ، كتعبير الجمعية أو الهيئة ؛ بينما المفترض أن الكيانات التى يجرم الشارع إنشاؤها تتجرد من صفة الشرعية ، أى أن الشارع قد استخدم كذلك تعبيرات فى غير محلها.

والشارع المصرى لم يستفد من خطة بعض التشريعات المقارنة كالشارع الألمانى الذى نص فى المادة 129 أ من قانون العقوبات على تجريم "تكوين جمعية إرهابية" ، إذ جرم الشارع الألمانى فعلى "تأسيس جمعية إرهابية" أو "الانضمام إلى عضويتها" ، وهو بذلك قد استوعب أفعال "الإنشاء والتأسيس والتنظيم والإدارة" التى نص الشارع المصرى عليها.

- تعطيل تطبيق الدستور أو تغيير مبادئه الأساسية:

نص الشارع فى تعريفه للإرهاب على أن يكون الغرض من فعل الجانى"تعطيل تطبيق الدستور" (المادة 86 من قانون العقوبات) كما جرم الشارع كذلك تأسيس أو الانضمام إلى تنظيم يهدف إلى الدعوة إلى "تعطيل أحكام الدستور" ، أو "إلى الاعتداء على الحقوق العامة التى كفلها الدستور" (المادة 86 مكرراً) ، وجرم الترويج للمذاهب التى ترمى إلى "تغيير مبادئ الدستور الأساسية". وقد اعترض بعض نواب مجلس الشعب أثناء مناقشة القانون 97 لسنة 1992 وطالبوا بحذف عبارة تعطيل الدستور ؛ غير أن السيد وزير العدل رد على هذا الاقتراح بأن هناك فرقاً بين تعطيل الدستور أو القانون وتغييره ، وأن الدعوة إلى التغيير تتفق مع أحكام الدستور بخلاف التعطيل (38).

وفى تقديرنا أن هذا الرد ليس حاسماً من ناحيتين: الأولى أن الشارع ذاته قد جرم ترويج أو تحبيذ الدعوة إلى تغيير مبادئ الدستور الأساسية (المادة 174 من قانون العقوبات) ، والثانية أن التعطيل قد يدخل فى مدلول التغيير ، فالدعوة إلى إيقاف سريان نص فى الدستور أو القانون ينطوى بالضرورة على المطالبة بتغييره.

- الاعتداء على الحرية الشخصية والإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى: جرم الشارع تأسيس أو الانضمام لجماعة يكون الغرض منها " الاعتداء على الحرية الشخصية للمواطن أو غيرها من الحريات والحقوق العامة التى كفلها الدستور والقانون , أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى".

وتعبير الحرية الشخصية هو من أكثر التعبيرات التى أثارت خلافاً فى الرأى فى فقه القانون العام ، كما أنه ليس له مدلول محدد فى نظر القانون الجنائى ، ولم يعط الشارع المصرى لهذا التعبير معنى محدداً. وكذلك الشأن فى "الحقوق والحريات العامة" ، إذ ليس لها مضمون محدد فى نظر القانون ، فضلاً عن كونها فكرة نسبية تختلف باختلاف الزمان والمكان ، وتستعصى على الحصر. وإيراد هذه التعبيرات فى نصوص جرائم الإرهاب هو أمر يتنافى مع أصول التجريم ، التى تحول دون النص على تعبيرات تتسم بالعمومية والاتساع فى مدلولها ، بما لا يمكن معه رسم الخط الفاصل بين الأفعال المجرمة وتلك المباحة (39). ويثير تعبير الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعى التساؤل عن مضمونهما ، وما إذا كان اختلاف الرأى وتبنى الوجهة المعاكسة لما قد يسود المجتمع من أفكار من شأنه أن يهدد السلام الاجتماعى أو الوحدة الاجتماعية. وفى تقديرنا أن هذه العبارات لا يصح أن ترد فى نصوص عقابية ، إذ هى عبارات مطاطة تتسم بالغموض وعدم التحديد ، وتتنافى مع مبدأ الشرعية. كما أنها تهدد حرية الرأى والتعبير ، وحرية الصحافة وتنال من أن يقوم الحوار على أساس متكافئ بين المتحاورين.

وإذا كانت أصول التجريم تقتضى أن يلحق الفعل المجرم ضرراً اجتماعياً ، وأن يكشف عن خطورة إجرامية معينة لدى الجانى ؛ فإن هذه الضوابط تبدو محل شك فى الأفعال السابقة التى جرمها الشارع: فهى أفعال مزدوجة الدلالة بحيث يصعب رسم الخط الفاصل بين اتصافها بالشرعية وبين نفى هذه الصفة عنها ، وهو ما يجعل تجريمها أمراً بالغ الصعوبة. كما أن غموض ما استخدمه الشارع من تعبيرات واتساع معناها يجعل استخلاص خطورة الجانى وإثمه فيها أمراً متعذراً. ولذلك فإن ما نص عليه الشارع يخرج فى تقديرنا عن أصول الشرعية الجنائية ، الأمر الذى يبرز الحاجة الملحة لتعديل نصوصه السابقة.

- تجريم الترويج والتحبيذ بالقول أو بالفعل أو بحيازة ما يدعو لذلك: الترويج هو التحسين ، وينطوى على جعل الفكرة محل قبول من الغير والتهوين من الاعتراضات عليها ، ما يجعلها فى النهاية مقبولة ، أما التحبيذ فهو التأييد. ويتسع معنى الترويج كذلك ليشمل كافة الوسائل التى تسمح بعرض وتداول الفكرة مثل الإذاعة والتلفزيون والقنوات الفضائية وأشرطة العرض السنيمائى والفيديو كما يتسع ليشمل الوسائل المكتوبة مثل الصحف والمجلات والمنشورات والكتب وغيرها. ويتسع الترويج إلى إلقاء الخطب وإجراء الندوات والمؤتمرات. ويتسع معناه ليشمل المقابلات التلفزيونية والتحقيقات الصحفية ، وإلى النشر الإليكترونى بمختلف صوره وبث الأفكار على شبكات المعلومات الدولية مثل الإنترنت. كما يتسع مدلول الترويج لمجرد إرسال رسائل تتضمن استحسان الفكرة سواء أكانت هذه الرسائل ورقية من خلال البريد المعتاد أو رسائل إليكترونية أو رسائل قصيرة على الهواتف المحمولة.

وعلى الرغم من أن الشارع قد ربط الترويج بفكرة التنظيم ، فإن نص المادة 86 مكرر يجعل من المتصور حدوث هذا الترويج من أحد أعضاء هذا التنظيم أو من غيره ، فقد يقع الترويج أو التحبيذ دون أن ينخرط الشخص فى عضوية التنظيم ، سواء أكان ذلك الترويج قد تم بدافع التعاطف مع هذه التنظيمات أو حتى بدون رضاء عنها ، وقد تتحقق هذه الصورة الأخيرة بتقاضى مقابل نظير هذا الترويج على الرغم عن عدم اتفاق من يقوم بالترويج مع فكر وأهداف هذه التنظيمات(40).

- تجريم الانضمام أو المشاركة بأى صورة فى تنظيم غير مشروع:

تنص الفقرة الثالثة من المادة 86 مكرراً من قانون العقوبات على أنه "ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات كل من انضم إلى إحدى الجمعيات أو الهيئات أو المنظمات أو الجماعات أو العصابات المنصوص عليها فى الفقرة السابقة, أو شارك فيها بأية صورة مع علمه بأغراضها. وقد ساوى بعض الفقه بين تعبيرى الانضمام والمشاركة وذلك بانصراف معناهما إلى قبول العضوية فى الجماعة (41) ؛ بينما حاول البعض الآخر أن يميز بين الانضمام والمشاركة ، من أن تعبير المشاركة ينصرف إلى الدخول فى التنظيم دون أن تكون له العضوية فى هذا التنظيم ، كأن يحضر كل أو بعض اجتماعات التنظيم ويشايع أفكاره أو أن يساعد فى شئون التنظيم بما لا يدخل فى نطاق جريمة الإمداد بمعونات ، ودون أن يقصد المشارك الانضمام فى عضوية التنظيم(42).

وفى تقديرنا فإن وجهة الشارع ومن حاول أن يبررها محل نظر: فالانضمام يفترض أن الجانى على علم بكيان التنظيم وبأغراضه فيدخل فيه ؛ أما ما سوى ذلك فلا يصلح أن يكون فعلاً مجرماً. فالقول بأن المشاركة بأى صورة تعنى أن الجانى قد حضر اجتماع أو أكثر من اجتماعات التنظيم لا يكشف عن إرادة جازمة فى الدخول فى هذا التنظيم ، فقد يكون هذا الحضور من باب حب الاستطلاع أو الرغبة فى الوقوف على تفاصيل أفكار التنظيم. ومن ناحية أخرى ، فإن ضابط التفرقة بين الانضمام والمشاركة استناداً إلى ضابط توافر العضوية فى التنظيم أو انتفائه ، هو افتراض يبعد عن الواقع. فالعضوية فى التنظيم غير المشروع لا ترادف العضوية فى الجمعيات والهيئات المشروعة ، إذ لا يستخرج العضو فى التنظيم بطاقة تفيد عضويته ، كما أنه لا يقدم طلباً للانضمام إليها. وتوافر فعل الانضمام يقتضى الإلمام بكافة العناصر الواقعية التى أحاطت بفعل الجانى ، وذلك حتى يمكن القول بأنه قد انضم إلى التنظيم من عدمه. أما إذا انتفى هذا الانضمام ، فإنه يصعب القول بأن الشخص قد شارك فى تنظيم ، إذ لا يعبر فعل المشاركة الذى ميزه الشارع عن الانضمام عن فعل مؤثم يتصل بإرادة إجرامية. ووجهة الشارع تؤدى إلى استخدم سيف العقاب للنيل من أفعال غير واضحة الدلالة على مساسها بالمصلحة المحمية: فعلام يدل حضور شخص اجتماع لجماعة ، هل يمكن أن يستفاد تأييده لها أو سعيه لتحقيق أغراضها؟ ، وهل مجرد الحضور فعل له دلاله إجرامية جازمة تجعله واضح المعالم ، أم أن هذا الفعل يشوبه الغموض وعدم التحديد.

ويلاحظ أن تعبير المشاركة لا يرادف تعبير التحبيذ أو التأييد ، فمن المتصور أن يتوافر التأييد دون المشاركة فى التنظيم ، ولذلك فإن تعبير المشاركة لا يضيف معنى جديداً.

وأخيراً فإنه لا يبرر خطة الشارع أنه سبق وأن نص على الانضمام والمشاركة قبل قانون 97 لسنة 1992 ، فى الجرائم الماسة بأمن الدولة من جهة الداخل ، وذلك بنصه على تجريم الفعلين بموجب نص المادة 98 ج من قانون العقوبات ؛ لأن سابقة الخطأ لا تصلح مبرراً لتكراره ، وكان الأجدى بالشارع أن يعدل نصوص التجريم المعيبة على نحو يكفل تحقيق الشرعية الجنائية.

- نصوص جرائم الإرهاب يمكن أن تشمل التعبير السلمى عن الرأى وأن تهدد المشاركة السياسية وحرية الاجتماع:

على الرغم من أن حرية الرأى والاجتماع وحق تكوين وإنشاء الجمعيات هى من الحريات الدستورية التى يجب عدم المساس بها ، فإن الشارع قد جعل هذه الحرية مهددة بأن تطولها نصوص جرائم الإرهاب. فالمادة 86 مكررا التى أضافها الشارع بقانون 97 لسنة 1992 عاقبت بالسجن كل من انشأ أو أسس أو نظم أو أدار , على خلاف أحكام القانون , جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة , يكون الغرض منها الدعوة بأية وسيلة إلى تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو منع احدى مؤسسات الدولة واحدى السلطات العامة من ممارسة أعمالها".

ويترتب على هذا النص أنه يمكن أن يشكل جريمة من جرائم الإرهاب مجرد تكوين رابطة أو جمعية تنادى بتغيير الدستور أو وضع قيود على سلطة رئيس الدولة أو تنظيم العلاقة بين السلطات أو الدعوة إلى حل البرلمان أو استقالة الحكومة أو وقف العمل بقوانين مقيدة للحرية كقانون الطوارئ مثلاً. ويخضع هذا الفعل للتجريم حتى ولو كانت هذه الدعوة سلمية وتخلو من أى عنف. وهو ما يشكل خطراً حقيقياً على حرية الرأى والاجتماع. ويلاحظ أن الشارع توسع فى النص سالف الذكر ، فاكتفى لتوافر الجريمة مجرد "جماعة" وهو ما يتسع ليشمل أقل ممكن عدد من الأفراد ، وحتى ولو لم تكن لها صفة الاستمرار.

وفى تقديرنا أن تجريم مجرد إنشاء أو تأسيس هيئة أو جماعة أو جمعية يكون هدفها ما سبق هى تجريم مناف للحق فى حرية الاجتماع ، وهو حق كفله الدستور. كما أنه ينال من وجهة أخرى من الحق فى حرية التعبير والرأى.

وهذا الفعل لا يتبلور فيه -فى تقديرنا- خطورة تستأهل هذا التجريم ، فهو لم يقترن بالعنف ، ولا بالدعوة إلى التغيير بالقوة ، ومن ثم لا يعدو أن يكون نوعاً من المعارضة السياسية لا يجب على القانون أن يتدخل بتجريمها. والأغراض التى حددها الشارع فى نص التجريم تتسم بالغموض وعدم التحديد مثل "تعطيل القوانين أو الاعتداء على الحقوق العامة أو الحرية الشخصية للمواطنين أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى" ، إذ أن مثل هذه العبارات تتسم بأنها فضفاضة ويمكن أن تطبق على أى صورة من صور المشاركة السياسية. وصياغة نص التجريم على النحو السابق من شأنه أن يهدد حرية العمل السياسى وحق تكوين الأحزاب السياسية ، ذلك أن القانون يجعل الموافقة على إنشاء الأحزاب بيد لجنة خاصة تملك الحق فى رفض منح هذه الموافقة. ويعنى ذلك أن اجتماعات طالبى الترخيص بإقامة حزب يمكن اعتبارها من قبيل إنشاء أو تأسيس جمعيات أو جماعات على خلاف أحكام القانون. وإذا رفضت اللجنة الموافقة على قيام الحزب السياسى ، فإن هذا الكيان الواقعى للحزب يمكن أن يشكل جريمة تأسيس أو تنظيم أو إدارة جماعة على خلاف أحكام القانون. ولا يخفى أن فى هذه الأحكام تضييق لا مبرر له على مباشرة العمل السياسى ، وفيه تهديد بنصوص تجريم بالغة القسوة ، والنتيجة المباشرة لهذه النصوص التشريعية مجتمعة هو تعقد القنوات الشرعية لممارسة العمل السياسى ، وإحجام المواطنين عن القيام بدورهم فى المشاركة السياسية.

وليس صحيحاً ما ذكره بعض الفقه من أنه يمكن تأسيس التجريم فى هذه الصورة على مخالفة تأسيس هذه الجمعية لقانون الجمعيات والذى يحظر إنشاء جمعية سرية يكون نشاطها مخالفاً للنظام العام ، وأن هذا التجريم يستند كذلك إلى فكرة "الخطر المحتمل" فى وقوع أفعال مجرمة قد تم تأسيس الجماعة لارتكابها ، وأن الشارع قد استخدم فكرة الخطر المحتمل فى تجريم حيازة الأسلحة بدون ترخيص وتجريم التحريض غير المتبوع بأثر(43).

ذلك أنه -فى تقديرنا- فإن مخالفة قواعد تأسيس الجمعيات ، وهى بالكاد تعتبر جريمة تنظيمية ، لا تؤدى إلى وضع الفعل فى مصاف جرائم الإرهاب ، ولا تبرر إحاطة أحكام التجريم فيه لقواعد استثنائية وتقرير عقوبات بالغة الشدة جزاء ارتكابه ، كما لا تبرر كذلك حرمان المتهمين بها للكثير من حقوقهم الإجرائية.

ومن ناحية أخرى ، فإن فكرة الخطر المحتمل ليست فكرة مطلقة فى النظرية العامة للتجريم: فلابد لتحققها من توافر فعل مادى له الإمكانات الموضوعية التى تجعل من وقوع الأفعال الأخرى أمراً محتمل الوقوع. وليس مجرد تأسيس جمعية بالمخالفة لقانون الجمعيات ما يجعل الخطر فى هذا الفعل متوافراً. وتجريم حيازة أو إحراز الأسلحة النارية بدون ترخيص هى أفعال مادية تتوافر فيها الإمكانات الموضوعية التى تجعلها تهدد المصالح التى يحميها القانون ، وكذلك الشأن فى فعل التحريض غير المتبوع الأثر ، فهذا التحريض محله فعل مجرم أصلاً ، بخلاف تأسيس جمعيات على خلاف أحكام القانون ، فهذا الفعل لا تتوافر فيه فى تقديرنا الإمكانات الموضوعية للتجريم باعتباره من جرائم الإرهاب.

ويلاحظ كذلك أن الشارع قد جرم فعل كل من روج بالقول أو الكتابة أو بأية طريقة أخرى للأغراض المذكورة فى الفقرة الأولى من المادة 86 مكرراً سالفة الذكر , وكذلك كل من حاز بالذات أو الوساطة أو أحرز محررات أو مطبوعات أو تسجيلات أيا كان نوعها , تتضمن ترويجاً أو تحبيذا لشيء مما تقدم. ويلاحظ أن الترويج يتسع لطرح الرأى فى ندوة أو محاضرة أو إذاعته فى وسيلة من وسائل الإعلام (44).

- التعبيرات التى استخدمها الشارع تسمح بالقياس فى التجريم:

من المبادئ المسلم بها أن القياس فى نصوص التجريم محظور. غير أن هذا المبدأ المسلم به يمكن المساس به إذا استخدم الشارع تعبيرات مطاطة تسمح بتأويل معناها وإدخال أفعال مختلفة فى مضمونها المتسع. وإيضاح ماهية الفعل على نحو واضح ودقيق هو الذى يميز بين التوسع المسموح به فى مدلول هذا الفعل والتوسع الذى يؤدى إلى إضافة أفعال أخرى بما يؤدى إلى خلق جرائم أخرى. والملاحظ على الأفعال التى استخدمها الشارع فى نصوص جرائم الإرهاب أنها تتسم بالتوسع فى معناها والغموض فى دلالتها على نحو يؤدى تفسيرها إلى إدخال الكثير من الأفعال فى مدلولها. فلقد نص الشارع فى المادة 86 مكرراً من قانون العقوبات على "تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو منع احدى مؤسسات الدولة واحدى السلطات العامة من ممارسة أعمالها , أو الاعتداء على الحرية الشخصية للمواطن أو غيرها من الحريات والحقوق العامة التى كفلها الدستور والقانون , أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى". وهذه العبارات التى نص عليها الشارع لا تعدو أن تكون مماثلة للعبارة التى كان يستخدمها قانون العقوبات الألمانى فى الحقبة النازية من تجريم الفعل إذا كان "متعارضاً مع الأفكار الأساسية لقانون العقوبات والذى يراه الشعور العام للجماعة جديراً بالتجريم". وتبدو خطورة هذه التعبيرات الفضفاضة فى أن سلطة القاضى فى التفسير أصبحت واسعة أكثر مما تقتضيه السياسة الجنائية ، إذ يمكن للقاضى أن يتوصل إلى عقاب أفعال هى غير معاقب عليها فى الأصل. ولا يقتصر الأمر على مرحلة إصدار الحكم ؛ بل إن مرحلة ما قبل المحاكمة تمثل خطورة واضحة على الحقوق والحريات: فهذه المرحلة تشمل أعمال الاستدلال والتحقيق الابتدائى والإحالة ، وإذا ما توسعت السلطات فى هذه المرحلة فى تفسير نصوص التجريم ، فإن ذلك يعنى اعتبار الشخص متهماً ، وهو ما يعرضه للمساس الجسيم بحريته واعتباره هو وأسرته. وقد يمتد هذا المساس إلى حبسه احتياطياً فترات طويلة ، وذلك لمجرد اعتبار فعله ماساً "بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى".

- وجوب ارتباط فكرة التنظيم بارتكاب أفعال إجرامية محددة وتتصف بالجسامة: ذهب بعض الفقه إلى تأييد وجهة الشارع المصرى فى تجريم الانضمام إلى تنظيم غير مشروع يستهدف غرضاً إرهابياً ، وطالب هذا الرأى بوجوب التوسع فى هذا التجريم لينال الانضمام إلى جماعة إجرامية منظمة(45).

وفى تقديرنا أن هذا التجريم يجب أن ينطوى على ضوابط محددة أهمها وضوح الغرض من التنظيم من خلال ربطه بجرائم محددة لها كيان مادى واضح وتتصف بجسامة معينة. وهذه الضوابط قد تبنتها خطة بعض التشريعات المقارنة كالقانون الألمانى ، فكما سبق القول ، فإن الغرض من الجماعة غير المشروعة يجب أن يكون ارتكاب أفعال مجرمة تتسم بالوضوح والتحديد.

ثانياً: جرائم أخذ الرهائن وخطف وسائل النقل

- تمييز جريمة أخذ الرهائن عن غيرها من الجرائم: اعتبر الشارع أخذ الرهائن جريمة من جرائم الإرهاب ، فألحقها فى الباب الثانى من الكتاب الثانى من قانون العقوبات الذى نص على الجرائم الماسة بأمن الحكومة من جهة الداخل ، ومن ثم فقد اعتبرها الشارع جريمة من جرائم الإرهاب. وقد نص الشارع على جرائم القبض والحجز والحبس فى الباب الخامس من الكتاب الثالث والذى خصصه الشارع "لجرائم القبض على الناس وحبسهم بدون وجه حق وسرقة الأطفال وخطف البنات وهجر العائلة" ، وهى من الجرائم التى يحمى بها الشارع الحرية الشخصية.

وتشترك جريمة أخذ الرهائن التى أنشأها القانون رقم 97 لسنة 1992 سالف الذكر وجرائم القبض والحجز والحبس دون حق الواردة فى النصوص العامة لقانون العقوبات ، فى أن الأولى يتشكل ركنها المادى من أفعال القبض والحجز والحبس ، أى أن ارتكاب جريمة أخذ الرهائن يفضى حتماً إلى تعدد معنوى بين النصوص ، إذ نكون بصدد فعل واحد يطبق عليه عدة نصوص. ويعنى ذلك أن الشارع المصرى قد أعاد النص على تجريم أفعال القبض والحجز والحبس بوصفها جريمة أخذ الرهائن ، ومن ثم تكون التفرقة بين نوعى الجريمتين لازمة. والذى يميز جريمة أخذ الرهائن عن غيرها من جرائم القبض والاحتجاز هو أنه يجب أن يتوافر لدى الجانى قصد خاص ، يتمثل فى أن يكون الباعث على الجريمة هو"التأثير على السلطة العامة فى أدائها لعملها أو الحصول على ميزة أو منفعة من أى نوع" (46).

- تقدير خطة الشارع المصرى:

1-من حيث غياب النصوص التى تجرم أخذ الرهائن كجريمة عادية:

يؤخذ على خطة الشارع المصرى أنه لا يجرم فعل أخذ الرهائن كجريمة عادية استقلالاً ، وقد أدت هذه الخطة إلى تطبيق نصوص وضعت لأفعال أقل خطورة على فعل احتجاز الرهائن. كما أنها قد أفضت إلى عدم تناسب العقوبة التى يمكن تطبيقها على الجريمة ، ذلك أن الشارع عند نصه على العقوبات المقررة لجريمة القبض والاحتجاز والحبس غير المشروع ، إنما يكون راعى فى تقديره للعقوبة جسامة هذه الأفعال ومدى مساسها بالمصلحة المحمية ؛ غير أن هذه العقوبات لا تتناسب فى تقديرنا مع جريمة أخذ الرهائن. فمن ناحية فإن جرائم القبض والاحتجاز والحبس هى فى أغلبها من الجنح. ومن ناحية أخرى فإن هذه الجرائم لا تفترض من بين أركانها ما تقتضيه جريمة أخذ الرهائن من عناصر وأركان. فلا تفترض توافر قصد الجانى لإجبار الغير على فعل أو الامتناع عنه ، ولا تفترض توافر صلة سببية بين فعل الاحتجاز وبين هذا العمل أو الامتناع.

وخطة الشارع المصرى تخالف بذلك خطة كافة التشريعات المقارنة التى تجرم أخذ الرهائن كجريمة عادية من بين الجرائم التى تحمى الحرية الشخصية للأفراد.

2-من حيث تحديد الشارع لماهية القصد الخاص فى جريمة أخذ الرهائن:

يعيب خطة الشارع المصرى أنه اقتصر فى التجريم على أن يكون الغرض من أخذ الرهائن هو التأثير على السلطة العامة فى أدائها لعملها أو الحصول على ميزة أو منفعة من أى نوع ، وهو أمر محل نظر فقد لا يهدف الجانى بفعله أى غرض مما سبق ؛ وإنما قد يهدف إلى لفت الأنظار إلى فكر ينادى به أو موقف يؤيده ، ومن ثم لا تكون الجريمة قد توافرت أركانها ، وفى هذا تضييق من نطاق التجريم بغير مبرر على الرغم من أن الفعل المرتكب قد نال الحق الذى يحميه الشارع بالاعتداء ، وكان من المناسب ألا يقيد الشارع المصرى التجريم فى هذه الحالة على النحو الذى نص عليه ، ويكون من الملائم اعتبارها ظروفاً مشدداً لجريمة تكاملت أركانها.

وهناك مفارقة قد أفضت إليها خطة الشارع ، هى أنه بينما لا تعد جريمة أخذ الرهائن متوافرة إذا اقتصر الجانى على طلب فدية من أهل المجنى عليه ؛ فإن هذا الفعل يوفر جريمة أخذ الرهائن فى نظر كافة التشريعات المقارنة. بل إن الشارع الفرنسى قد نص صراحة فى المادة 224-4 من قانون العقوبات على اعتبار قصد الجانى الحصول على فدية من صور القصد الخاص فى الجريمة. وهذه المفارقة ترجع إلى أن نصوص قانون العقوبات المصرى لا تعرف جريمة أخذ الرهائن كجريمة عادية ، بخلاف التشريعات المقارنة التى تجرم فعل أخذ الرهائن بالنصوص العامة ، ثم تجعل منه جريمة من جرائم الإرهاب إذا وقع فى ظروف معينة. وعدم تجريم أخذ الرهائن فى القانون المصرى كجريمة عادية يمثل نقصاً تشريعياً فى خطة هذا القانون. ولا يجوز القول بأن هذا الفعل يمكن أن يشكل قبضاً أو حبساً غير مشروع ؛ لأن هذه الأفعال تقل خطورة عن أخذ الرهائن ، فضلاً عن أن العقوبة المقررة لها لا تتناسب مع جسامة هذه الجريمة الأخيرة.

3- من حيث نصه على الظروف المشددة فى الجريمة:

شدد الشارع المصرى العقوبة إذا استخدم الجانى"القوة أو العنف أو التهديد أو الإرهاب". وفى تقديرنا فإن خطة الشارع تتسم بالتناقض ، فهو نص على اعتبار جريمة أخذ الرهائن من جرائم الإرهاب ؛ ثم جعل الإرهاب ظرفاً مشدداً فيها ، وهو بذلك جعل الكل جزء ، فلا يستقيم اعتبار الإرهاب جزء من جريمة تتصف بأنها تنتمى إلى جرائم الإرهاب.

ومن جهة أخرى فإن ما نص الشارع عليه من اعتبار استخدام القوة أو التهديد أو العنف أو حتى الإرهاب ظرفاً مشدداً لا يعدو أن يكون خلطاً بين الظروف والأركان: ذلك أن جريمة أخذ الرهائن لا يتصور وقوعها إلا باستخدام القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع ، فلا يمكن أن ينصاع الرهائن لإرادة الجانى فى الغالب من الأحوال إلا إذا استخدم الجانى القوة أو التهديد. ويعنى ذلك أن الجريمة تفترض من بين أركانها دائماً أحد الظروف السابقة ، ومن ثم فإن الجريمة لا يتصور وقوعها –إلا نادراً-بغير استعمال أحدها. ولذلك فإن إعادة النص على القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع هو من قبيل تحصيل الحاصل ، ولا يضيف جديداً للجريمة ؛ بل إنه يمكن القول بتحققها دائماً فى صورتها المشددة.

4- تطلب تعريض سلامة من بالوسيلة للخطر لا يقتضيه علة التجريم:

ينال على خطة الشارع المصرى -فى تقديرنا -ما نص عليه من أن يكون خطف وسائل النقل "معرضاً سلامة من بها للخطر" ، ذلك أن من شأن هذا الشرط أن يضيق نطاق التجريم دون مبرر ، فمجرد واقعة خطف وسيل النقل يعد كافية فى تقديرنا للتجريم المشدد ، وإن لم يقترن بها تعريض سلامة مستقلوها للخطر. ومن ناحية أخرى فإن النص على استخدام الإرهاب كظرف مشدد يعيبه فى تقديرنا عدم التحديد ، فالشارع المصرى ذكر أفعال الضرب والجرح المنصوص عليها فى المادتين 240 ، 242 من قانون العقوبات باعتبارها ظرفاً مشدداً ، وكان يكفيه أن ينص على استعمال الإكراه أو التهديد بدلاً من النص على ظرف الإرهاب وهو اصطلاح قد يثير عند تطبيقه صعوبات فى التفسير.

ثالثاً: الاشتراك فى جرائم الإرهاب

- الخروج على قواعد المساهمة فى الجريمة خلافاً لأصول التجريم:

هناك قواعد عامة فى المساهمة الجنائية التبعية نصت عليها المادة 40 من قانون العقوبات توجب لتحققها وقوع الجريمة الأصلية ، وأن يكون الاشتراك سابقاً أو معاصراً للنشاط الإجرامى الأصلى ، كما يجب أن يتوافر لدى الشريك العلم بالنشاط الإجرامى واتجاه إرادته إلى المساهمة فى تحقيقه.

وهذه القواعد العامة يمكن الخروج عليها ، إذ يمكن النص على خلافها إذا اقتضت ضرورات التجريم ذلك. وهى كذلك ليست محل تسليم فى خطة التشريعات المقارنة. فعلى سبيل المثال ، فإن بعضاً من هذه التشريعات يعتبر المساعدة اللاحقة صورة من صور الاشتراك فى الجريمة ؛ بينما هى لا تعتبر كذلك فى خطة الكثير من البعض الآخر ، ومن بينها القانون المصرى ؛ وإنما تجرم فى هذه الحالة باعتبارها جريمة مستقلة. وعلة هذه الوجهة الأخيرة أن هذه الصورة من المساعدة لم ترتبط بالجريمة الأصلية بعلاقة السببية ، ولم يتم اتفاق الجناة عليها قبل الفعل ، ومن ثم كان من الأوفق العقاب عليها استقلالاً. وقد أخذ المؤتمر الدولى السابع لقانون العقوبات المنعقد فى أثينا سنة 1957 بهذه الوجهة.

وفى تقديرنا فإن يجب أن يكون ضابط الخروج المبرر على القواعد العامة هو الالتزام بمبدأ الشرعية وأصول السياسة الجنائية التى تقضى بأن المسئولية الجنائية شخصية ولا تفترض ، وأن الشريك يجب أن يرتبط فعله بالجريمة الأصلية بصلة السببية ، وأن تنصرف إرادته إلى ارتكابها. وقد خرج الشارع على القواعد المستقر عليها فى المساهمة الجنائية ، فافترض وجود المساعدة فى بعض الصور على الرغم من أن المساعد لم تنصرف إرادته إلى ارتكاب الجريمة ، وتوسع فى مدلول المساعدة فى صور أخرى. كما أن الشارع اعتبر الشارع التحريض غير المتبوع بأثر جريمة مستقلة ، خلافاً للقواعد العامة التى توجب وقوع الجريمة المحرض عليها. وقد توسع الشارع فى مدلول التحريض ليشمل كذلك التشجيع. وهذه الجرائم مستقلة عن الجريمة الأصلية ، فتتحقق حتى ولو لم ترتكب الجريمة المتفق عليها أو التى شجع على ارتكابها. وقد ورد بتقرير لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب تعليقاً على هذه الأحكام "أن هذه المواد تقرر المعاقبة على صور الاشتراك المختلفة ، ولو لم يترتب عليها ارتكاب الجريمة ، وذلك خروجاً على القواعد العامة فى الاشتراك نظراً لخطورة هذه الأفعال". وفيما يلى نتناول بالدراسة أهم الصور التى انطوت على هذا الخروج.

- افتراض الاشتراك دون تطلب علاقة سببية مع الجريمة الأصلية:

خرج الشارع على القواعد العامة فى المساهمة الجنائية فى جرائم الإرهاب ونص فى المادة 82 التى أحالت إليها المادة 88 من قانون العقوبات على أنه "يعاقب باعتباره شريكا في الجرائم المنصوص عليها في هذا الباب: 1-كل من كان عالماً بنيات الجانى وقدم إليه إعانة أو وسيلة للتعيش أو السكنى أو مأوى أو مكاناً للاجتماع أو حمل رسائله أو سهل له البحث عن موضوع الجريمة أو إخفائه أو نقله أو إبلاغه. 2- كل من أخفى الأشياء التى استعملت فى ارتكاب الجريمة أو أعدت للاستعمال فيها أو تحصلت منها مع العلم بذلك. 3-كل من أتلف أو اختلس أو أخفى أو غير عمداً مستنداً من شأنه تسهيل كشف الجريمة وأدلتها أو عقاب مرتكبيها".

- تقدير خطة الشارع: إذا كان يمكن تبرير اعتبار المساعدة اللاحقة صورة من صور الاشتراك ؛ فإنه لا يمكن تبرير اعتبار شخص شريكاً فى جريمة لم تتجه إرادته إلى الاشتراك فيها ، بل ولم يدر فى خلده أنه يمكن أن يساهم فيها. فمجرد تقديم طعام أو شراب أو مشورة قانونية أو رعاية طبية لا يمكن اعتباره اشتراكاً فى الجريمة. فافتراض هذا الاشتراك دون أن تتوافر صلة السببية بين فعل الجانى والجريمة ، مؤداه عدم صلاحية الفعل للتجريم بهذه الكيفية. فمن المقرر أن الركن المادى للجرائم لا يفترض ، كما أن تقرير مسئولية الشريك عن الجريمة الأصلية دون أن يتوافر لديه قصد الاشتراك فى الجريمة يدخل فى باب المسئولية عن عمل الغير ، وهذه المسئولية لا تلتقى مع نصوص الدستور التى تجعل المسئولية الجنائية دائماً شخصية. كما أن اعتبار أفعال إتلاف أو اختلاس أو إخفاء أو تغيير مستند من شأنه تسهيل كشف الجريمة وأدلتها أو عقاب مرتكبيها ، هو أمر لا صلة له بالجريمة الأصلية ، ولا يمكن أن تتقرر مسئولية الجانى فى هذه الحالة بناء على افتراض الشارع. وهذه الأفعال تعد من الأفعال الماسة بالعدالة والتى تستهدف تضليلها وطمس الدليل فى الدعوى ، ويمكن العقاب عليها كأفعال مستقلة ؛ غير أنه لا يمكن أن نعتبر مرتكبيها شركاء فى الجرم الأصلى ، إذ لا ينسب إليهم دور فيه. ويلاحظ أن هذه الأفعال لا تعتبر من قبيل المساعدة اللاحقة ؛ فنشاط الجانى فيها منبت الصلة بالجريمة الأصلية. فالمساعدة اللاحقة تفترض ارتكاب نشاط يتصل بالجريمة الأصلية ويعتبر امتداداً لها ؛ أما إتلاف مستند بهدف عدم كشف الجريمة ، فإنه فعل مستقل لا صلة له بالجريمة الأصلية ، ولا يعتبر امتداداً لها ، ولا يسوغ فى أصول السياسة الجنائية تقرير مرتكب هذه الأفعال كشريك فى الجريمة الأصلية.

- تجريم الاشتراك فى الاشتراك: جرم الشارع ثلاثة صور من الاشتراك فى الاشتراك: الأولى هى الاشتراك فى اتفاق الغرض منه أو كانت وسيلته ارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب ، والثانية هى التحريض على هذا الاتفاق ، والثالثة أن يكون للجانى شأن فى إدارة حركة هذا الاتفاق. وتعنى هذه الصورة الثالثة أن يضطلع الجانى بأى دور ، ولو كان بسيطاً فى إدارة حركة الاتفاق الجنائى ، ومثال ذلك أن ينظم اجتماعات المتفقين أو أن يقدم لهم مكان لعقد هذا الاجتماع أو أن ينقل إرادة بعضهم لبعض. كما جرم كذلك الشارع مجرد من دعا آخر إلى ارتكاب فعل من الأفعال التى اعتبرها الشارع جرائم إرهاب ، ولم تقبل هذه الدعوة. والشارع -كما سبق القول- لا يتطلب وقوع الجريمة محل الاتفاق ، ويعنى ذلك أنه يعتبر الاتفاق فى هذه الصورة جريمة مستقلة ، ويكون المساهم فيه فاعلاً أصلياً ، وليس شريكاً (47).

وفى تقديرنا فإن الأفعال السابقة لا تعبر عن خطورة إجرامية تستوجب إخضاعها لنصوص التجريم ، فهى لا تعدو أن تكون أعمالاً تحضيرية لا تكشف بذاتها عن خطورة إجرامية.

- تجريم التشجيع دون توافر نية الاشتراك فى الجريمة:

وقد خرج الشارع على القواعد العامة كذلك بتجريمه التشجيع على ارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب ، وذلك بمعاونة مادية أو مالية دون أن تكون لدية نية الاشتراك مباشرة فى ارتكاب تلك الجرائم. ويعنى التشجيع تعضيد الجانى وشد أزره معنوياً. غير أن الشارع قد تطلب أن يقع هذا التشجيع بوسيلة معينة هى "المعاونة" سواء أكانت مادية أو مالية ، ويعنى ذلك أن التشجيع المعنوى لا يكفى لتوافر الجريمة. وتطبيقاً لذلك فإن إدارة أموال التنظيم والتى تأخذ شكلاً مشروعاً أو إمداده بالسلاح تعتبر من أفعال المعاونة المعاقب عليها. ويلاحظ على خطة الشارع أنه كان يكفيه النص على المعاونة المادية لأنها تشمل المعاونة المالية أيضاً. ومن ناحية ثانية فإن هناك تناقضاً فى النص على تجرم التشجيع بالمعاونة المادية على ارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب ؛ فى حين أن الشارع ينص فى الوقت ذاته على أنه لا يشترط أن تتوافر لدى المشجع نية الاشتراك مباشرة فى ارتكاب الجريمة. وإذا كان الشارع قد تطلب أن ينصرف غرض المشجع إلى أن يرتكب الجانى جريمة معينة ، فإن النص على عدم تطلب قصد الاشتراك يكون مناقضاً لما تطلبه الشارع.

ومن ناحية ثالثة فإن معاونة الجانى لغيره من الجناة معاونة مادية بهدف ارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب هو فى حقيقة الأمر اشتراك فى هذه الجريمة بطريق المساعدة ، فالمساعدة تتحقق بالمعاونة على ارتكاب الجريمة متى كان الغرض من هذه المعاونة معلوماً لمن يقدمها ، وبذلك يضحى النص لا لزوم له. وإذا كان الأصل أن مجرد التعاطف مع فكرة الجريمة أو استحسانها لا يرقى إلى درجة التحريض ؛ فإن الشارع قد جرم فعل التشجيع على الرغم من أنه فعل دون التحريض على ارتكاب الجريمة.

وقد حاول البعض تفسير خطة الشارع بقوله أن الجانى فى هذه الصورة يقوم "بتشجيع غيره على ارتكاب جريمة من الجرائم التى نص الشارع عليها دون علم منه بنوعية الجريمة التى شجع عليها ولا زمان أو مكان ارتكابها"(48).

وفى تقديرنا أنه يتعذر تبرير وجهة الشارع ، وهو ما يدعونا إلى التساؤل: هل يمكن تقرير مسئولية شخص عن جريمة لم يعلم نوعها ولا زمانها ولا مكان ارتكابها. نعتقد أن أصول السياسة الجنائية تأبى تقرير ذلك ، فهو شخص شجع شيئاً لم يعرف نوعه ولا زمانه ولا مكانه ، فأى دور لهذا الشخص وأى إثم يمكن أن ينسب إليه؟.

- التكييف الصحيح للتشجيع دون قصد المساهمة فى الفعل: فى تقديرنا أن الشارع قد خلط بين المساهمة فى جريمة معينة من جرائم الإرهاب وبين المساهمة فى التنظيم غير المشروع: فالتشجيع هو مسألة تتصف بصعوبة الإثبات ، وله دلالة ظنية ، ولا يصلح فى تقديرنا أن يكون فعلاً مشكلاً لمساهمة إجرامية فى فعل آخر. غير أن فعل التشجيع الذى يتخذ شكل المعونة المادية دون أن ينطوى على اشتراك فى الجريمة المرتكبة هو فى حقيقة الأمر لا يعدو أن يكون مساهمة فى التنظيم ذاته ، وهو فعل مجرم أيضاً. ولذلك فإن الصلة التعسفية التى حاول الشارع أن يقيمها بين التشجيع وبين الفعل موضوع هذا التشجيع والتى لم ينتو المشجع المساهمة فيه لا مبرر لها ، لأن التكييف الصحيح لهذا التشجيع هو أنه مساهمة فى التنظيم الذى يدعو إلى أغراض غير مشروعة من بينها الفعل المرتكب ، وليس التشجيع فى هذه الصورة اشتراكاً فى هذا الفعل.

- هل يمتد الحكم بعدم دستورية الاتفاق الجنائى إلى جرائم الإرهاب:

قضت المحكمة الدستورية العليا بجلسة 2 يونيه سنة 2001 بعدم دستورية نص المادة 48 من قانون العقوبات والتى كانت تجرم الاتفاق الجنائى. وقد كانت الأسباب التى استندت إليها المحكمة هى أن التجريم على النحو الذى تضمنه النص المطعون فيه "يفتقر إلى الضوابط اللازمة فى التجريم ، إذ لا يتناول سوى التقاء إرادتين فحسب ، ولا يتطلب استمرار هذا الاتفاق ، ولا أن يكون محله جرائم معينة تتصف بالجسامة ، فهو يتناول كل جناية أو جنحة حتى ولو لم تكن محددة ، وأن التجريم يفتقر للضرورة الاجتماعية". كما استندت المحكمة أيضاً إلى مبالغة العقوبات المقررة للاتفاق الجنائى وعدم تناسبها مع العقوبات للجريمة التى تم الاتفاق على ارتكابها(49). وقد ثار التساؤل عن أثر هذا الحكم على جريمة الاتفاق على ارتكاب جرائم الإرهاب والتى اعتبرها الشارع جريمة مستقلة بنص المادة 96 من قانون العقوبات فى فقرتها الأولى.

فذهب جانب من الفقه إلى أنه بصدور حكم المحكمة الدستورية سالف الذكر ، تكون كافة نصوص جرائم الاتفاق الجنائى الواردة فى قانون العقوبات ، ومن ضمنها جرائم الإرهاب ، غير دستورية ، وأن أثر الحكم بعدم دستورية المادة 48 سالفة الذكر ينسحب حتماً على المادة 96 سالفة البيان (50).

وفى تقديرنا أن هذا الرأى محل نظر ، ذلك أن البين من أسباب ومنطوق حكم المحكمة الدستورية العليا أن سبب القضاء بعدم دستورية المادة 48 سالفة الذكر كان غياب ضوابط التجريم ، فالشارع -بحسب أسباب الحكم- لم يحدد طبيعة الاتفاق وما إذا كان يتصف بقدر من التنظيم أو الاستمرار ، ثم إن الشارع لم يحدد الجريمة محل الاتفاق ، بل إن النص شمل مجرد الاتفاق على ارتكاب عنف حتى ولو لم يحدد المتفقون ماهيته. ولم ينص على تطلب جسامة معينة فى الفعل تبرر عقاب الاتفاق على ارتكابه.

ومفاد وجهة المحكمة الدستورية العليا أن المحكمة لم تستبعد إمكانية العقاب على الاتفاق الجنائى ، وذلك إذا توافرت فيه ضوابط التجريم. ومن ثم كان أمراً منطقياً مع هذه النظرة أن تقتصر المحكمة فى منطوق حكمها على القضاء بعدم دستورية المادة 48 من قانون العقوبات فقط ، دون أن تسقط معها ما يرتبط بها من أحكام نصت عليها مواد أخرى.

وإذا كان الأمر كذلك فإن النص على تجريم الاتفاق الذى يكون موضوعه جريمة من جرائم الإرهاب لا يكون منافياً للدستور إذا استجمع الضوابط اللازمة فى الفعل محل التجريم. ومن بين هذه الضوابط ما هو متحقق فى النصوص الحالية ، فالشارع لا يطلق تجريم الاتفاق فى هذه الصورة دون تحديد ، كما فعل فى المادة 48 سالفة الذكر ، إذ يجعل موضوع الاتفاق جرائم معينة ومحددة ، وهذه الجرائم تتصف بالجسامة وخطورتها على المجتمع. وهذه المبررات تستوفى -فى تقديرنا- بعضاً من ضوابط التجريم. غير أنه يبقى مع ذلك أن يكون هذا الاتفاق متصفاً بقدر من الاستمرار على نحو يقطع بجديته وخطورته ، فلا يصح فى تقديرنا اعتبار مجرد الالتقاء العرضى لإرادتين فعلاً كافياً للتجريم ؛ بل يجب أن يتصف هذا الالتقاء بضوابط معينة تجعل منه فعلاً إجرامياً يهدد بالإيذاء المصالح التى يحميها القانون.

المبحث الثانى

نصوص العقاب

- تمهيد: نتناول فى هذا المبحث تقدير خطة الشارع من حيث نصه على العقوبات المقررة لجرائم الإرهاب ، ووجهته فى تقييد سلطة القاضى التقديرية فى العقاب ، وأخيراً ما نص عليه من موانع للعقاب فى هذه الجرائم.

§1-تقدير خطة الشارع فى نصه على العقوبات المقررة لجرائم الإرهاب

- المبالغة غير المبررة فى العقوبات المقررة لجرائم الإرهاب: إذا كان أساس تقدير الشارع للعقوبة هو تحقيق "المنفعة الاجتماعية" ، وذلك من خلال ردع العقوبة للجانى من معاودة الإقدام على جريمته ثانية ؛ فإن هذا الغرض يرتبط على نحو وثيق بكون هذه العقوبة متناسبة مع خطورة الجانى وما ألحقه من مساس بالحق أو المصلحة التى يحميها القانون. والملاحظ على خطة الشارع فى تقدير العقوبات فى جرائم الإرهاب أنها تتسم بالشدة المبالغ فيها ، والتى قد تجاوز حدود التناسب بين خطورة الفعل والعقوبة.

- أوجه مخالفة عقوبة جرائم الإرهاب لأصول الشرعية الجنائية:

تتسم خطة الشارع فى النص على كثير من العقوبات التى قررها لمكافحة الإرهاب بالتناقض فى الكثير من الأحيان. وعلة ذلك أن هذه الخطة التى سلكها الشارع فى تقدير العقوبات كان مبناها التشدد دون نظر إلى وجوب تدرج العقوبة بقدر جسامة إثم الجانى. وقد أدت هذه الخطة إلى أن يفرد الشارع عقوبات جسيمة لأفعال ؛ بينما ينص على عقوبات أقل جسامة لأفعال أخرى تزيد عن الأولى فى الخطورة. ومن الأصول الدستورية أن عدم تناسب العقوبة مع إثم الجانى يجعلها غير دستورية. وإذا كان تقدير العقوبة هو أمر يدخل فى إطار السلطة التقديرية للشارع ؛ فإن الرقابة على دستورية هذه العقوبة تكون من خلال نصوص الشارع ذاته بما ينص عليه من عقوبات لأفعال أخرى. وقد كانت من بين الأسباب التى استندت إليها المحكمة الدستورية العليا فى القضاء بعدم دستورية المادة 48 التى تجرم الاتفاق الجنائى هو "عدم تناسب العقوبة المقررة لجريمة الاتفاق مع إثم الجانى ، ذلك أن الجريمة المتفق على ارتكابها قد تقل عقوبتها عن جريمة الاتفاق ذاتها ، مما يدل على مبالغة الشارع فى العقاب وعدم تناسبه"(51).

- أولاً: من يؤسس تنظيماً إرهابياً أو ينضم إليه أو يروج له تقل عقوبته عن التحريض على اتفاق عليه: مد الشارع بنص المادة 88 ب تطبيق المادتين 95 ، 96 على جرائم الإرهاب المنصوص عليها فى القسم الأول من الباب الثانى. وهذان النصان يعاقبان بالسجن المشدد أو بالسجن على التحريض غير المتبوع بأثر وكذلك الاشتراك فى اتفاق جنائى الغرض منها ارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب ، ويعاقب النص الأخير بالسجن المؤبد على من يحرض على اتفاق يهدف إلى ارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب. وقد فات الشارع أن الجرائم التى نص عليها فى القسم الأول والتى اعتبرها جرائم إرهاب قد قرر لها فى بعض الصور عقوبة السجن فقط ، ويعنى ذلك أن من يرتكب هذه الجريمة تامة يعاقب بالسجن ؛ بينما لو حرض عليها كانت عقوبة السجن المشدد ، كما أنه لو اشترك فى اتفاق يستهدف ارتكابها كانت عقوبته السجن المؤبد. فالشارع يعاقب بموجب الفقرة الأولى من المادة 86 مكرراً من قانون العقوبات على إنشاء أو تأسيس جمعية أو تنظيم إرهابى بعقوبة السجن ، كما ينص فى الفقرة الثانية من هذه المادة على أنه يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات من انضم إلى الجمعيات المذكورة بالفقرة الأولى. وعاقب فى الفقرة الثالثة بهذه العقوبة كل من روج أو حاز مطبوعات تتضمن ترويجاً أو تحبيذاً لأغراض هذه الجمعيات.

وإذا كان العقوبات السابقة هى المقررة للجريمة التامة ؛ فإنه يتنافى مع التناسب أن تكون عقوبة التحريض غير المتبوع بأثر عليها هى السجن المشدد ، وأن تكون عقوبة التحريض على اتفاق يستهدف إقامة تنظيم غير مشروع هى السجن المؤبد ؛ بينما لو أقام أنشأ أو أسس هذا التنظيم كانت العقوبة السجن فقط.

- ثانياًً: عقوبة من يقوم بأخذ رهينة أقل ممن يحرض على اتفاق عليه:

ومن الأمثلة أيضاً على التناقض أن الشارع يعاقب فى المادة 88 مكرراً بالسجن المشدد على فعل أخذ الرهائن ؛ بينما طبقاً للمادة 96 التى مد الشارع تطبيقها على الجريمة الأولى ، فإن عقوبة من حرض على اتفاق على أخذ رهينة تكون عقوبته السجن المؤبد. ويعنى ذلك أن من يقوم باحتجاز الرهينة يكون أحسن حالاً مما يحرض على اتفاق لأخذ رهينة.

وخطة الشارع السابقة لا تتفق مع قاعدة تناسب العقوبة بحسب إثم الجانى ، فهى تجعل لأفعال أقل خطورة عقوبات تفوق أفعالاً أخرى أخطر وأشد جسامة منها.

- ثالثاًً: التحريض على الاتفاق يزيد فى عقوبته عن الاتفاق ذاته:

ومن أمثلة التناقض أيضاً أنه بينما يعاقب الشارع بالسجن المؤبد على "التحريض على اتفاق يهدف إلى ارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب أو كان له شأن فى إدارته ؛ فإنه عاقب على الاتفاق على ارتكاب جرائم من جرائم الإرهاب بالسجن المشدد(المادة 96 من قانون العقوبات). وتعنى خطة الشارع أن من يتفق على ارتكاب الجريمة هو أحسن حالاً مما يحرض على هذا الاتفاق (52). ومن جهة أخرى فإن الشارع يعاقب فى المادة 96 سالفة الذكر بالسجن المؤبد لمن حرض على اتفاق يهدف إلى ارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب ؛ بينما عاقب فى المادة 95 بالسجن المشدد أو السجن على التحريض غير المتبوع الأثر على ارتكاب الجريمة ذاتها-وليس الاتفاق على ارتكابها. ومفاد خطة الشارع أن من يحرض على ارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب ولا يقبل تحريضه يكون أحسن حالاً ممن حرض على مجرد اتفاق يستهدف ارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب.

رابعاً: تأسيس أو إنشاء تنظيم محظور يقل فى عقوبته عن إمداده بالمال:

عاقب الشارع فى الفقرة الأولى من المادة 86 مكرراً من قانون العقوبات بالسجن "كل من انشأ أو أسس أو نظم أو أدار , على خلاف أحكام القانون , جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة .....". بينما عاقب فى الفقرة الثانية من المادة سالفة الذكر بالسجن المشدد كل من تولى زعامة أو قيادة إحدى التنظيمات المذكورة بالفقرة الأولى أو أمدها بمعونات مادية أو مالية مع عمله بغرضها. ويلاحظ على خطة الشارع أمران: الأول أنه اعتبر فعل الإمداد بمعونة أخطر من فعل إنشاء أو إدارة التنظيم ذاته ، وهى وجهة فى تقديرنا محل نظر ، ذلك أن فعل إنشاء التنظيم إن لم يزد فى خطورته عن فعل الإمداد ، فإنه على الأقل يتساوى به من حيث درجة الخطورة ؛ أما أن يجعل الشارع لفعل الإمداد عقوبة أشد من فعل إنشاء التنظيم فهى وجهة تخالف تناسب العقوبة مع درجة إثم الجانى وخطورة الفعل. ولا يقال فى تبرير خطة الشارع أن الإمداد هو بمثابة "ضخ للدماء فى شرايين التنظيم وتمكيناً له من تحقيق أغراضه"(53) ؛ لأن فعل إنشاء التنظيم هو الفعل الأهم ، فلولاه ما كان هناك مجال لإمداده بالمعونات. وهذه الوجهة لا تلتقى مع طبيعة جرائم الإرهاب ذاتها ، فلقد كان الاعتقاد السائد أن التمويل له الدور الأهم فى هذه الجرائم ؛ غير أن التحليل العلمى لجرائم الإرهاب أظهر أنها لا تتطلب تمويلاً مالياً ضخماً ؛ وإنما يمكن تنفيذها بأقل الإمكانيات. والنتيجة التى تترتب على ذلك أن العنصر الشخصى فى هذه الجرائم أخطر من عنصر التمويل ، وهو ما يجعل خطة الشارع محل نظر.

والأمر الثانى أن الشارع ساوى فى العقاب بين من تولى زعامة أو قيادة التنظيم وبين من أمده بمعونات مالية أو مادية. وهذه الوجهة تتنافى مع التناسب بين المصلحة المحمية والعقوبة المقدرة جزاء الإخلال بها ، فضلاً عن تنافرها وعدم انسجامها مع تدرج العقوبات المقررة لجرائم الإرهاب (54).

§ 2- المساس بسلطة القاضى التقديرية فى العقاب

- تقييد سلطة القاضى فى تطبيق الظروف المخففة فى جرائم الإرهاب: نص الشارع فى المادة 88 مكررا (ج) على أنه "لا يجوز تطبيق أحكام المادة (17) من هذا القانون عند الحكم بالإدانة فى جريمة من الجرائم المنصوص عليها فى هذا القسم عدا الأحوال التى يقرر فيها القانون عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد. فيجوز النزول بعقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد ، والنزول بعقوبة السجن المؤبد إلى السجن المشدد الذى لا يقل عن عشر سنوات". ووفقاً لهذا النص فإنه لا يجوز للقاضى أن ينزل بالعقوبة حتى ولو درجة واحدة ، وذلك إذا قضى بالإدانة فى جريمة من جرائم الإرهاب. غير أن الشارع استثنى حالة عقوبتى الإعدام والسجن المؤبد ، فأجاز النزول بالعقوبة درجة واحدة. وقد أيد بعض الفقه وجهة الشارع تأسيساً على أنه لا يتصور أن يكون الجانى معذوراً إذا ارتكب واقعة تشكل جريمة من جرائم الإرهاب (55). وفى تقديرنا فإن خطة الشارع فى تقييد سلطة المحكمة فى استعمال الرأفة هى خطة محل نظر ، ذلك أن تقييد سلطة القاضى فى استعمال قواعد الرأفة هو تدخل فى صميم عمل القاضى وفى حريته فى اختيار العقوبة ووزنها بقدر جسامة الواقعة وظروف المحكوم عليه. ونظرة الشارع قد فاتها أن القاعدة القانونية ليست هى موضوع سلطة القاضى فى التقدير ؛ وإنما ينصب التقدير على ما تتطلبه هذه القاعدة من شروط وأوضاع للتطبيق. فالقاضى حين يطبق نص القانون إنما يطبق القاعدة الجنائية فى مضمونها ، وما ترمى إليه من أهداف. ومهما تحسب الشارع فى تقديره للعقوبة ، فإنه لن يفلح إلا فى أغلب الحالات من أن تكون هذه العقوبة ملاءمة للظروف الواقعية التى أحاطت الجانى والجريمة ، ويعنى ذلك أن هذه العقوبة ستظل فى صورة مجردة ، إلى أن يقوم القاضى بتفريدها على الجانى. وخطة الشارع فى المبالغة بتقييد سلطة القاضى من شأنها أن تفضى إلى نقيض المقصود منها: ذلك أن القاضى إذا تبين له جسامة العقوبة وعدم عدالتها ، فإنه سوف يحجم عن تطبيقها ، ويتلمس للمتهم مخرجاً للقضاء ببراءته.

- تقييد سلطة القاضى فى جرائم الإرهاب وإطلاقها فى الجرائم التى ترتكب لغرض إرهابى: انتقد جانب من الفقه بحق خطة الشارع تأسيساً على أن هناك جرائم أشد خطورة من جرائم الإرهاب نص عليها قانون العقوبات والقوانين المكملة له ، ولم يقيد فيها الشارع سلطة القاضى فى تطبيق الظروف المخففة. وأن الجرائم التى شدد فيها الشارع العقاب إذا ارتكبت لغرض إرهابى مثل الجرائم الماسة بالحق فى الحياة أو سلامة الجسم أو تزوير تذاكر السفر أو التشويش على إقامة الشعائر الدينية ، لم ينص الشارع على تقييد سلطة القاضى التقديرية فى استعمال الرأفة. ويعنى ذلك أن القاضى بمقدوره تطبيق القواعد العامة التى نصت عليها المادة 17 من قانون العقوبات على أفعال القتل والضرب المفضى إلى الموت إذا ارتكبت لغرض إرهابى ؛ بينما لا يستطيع ذلك فى جريمة الانضمام إلى جمعية غير مشروعة أو مشاركته فيها بأى وجه (المادة 86 مكرر فى فقرتها الثانية). ويترتب على خطة الشارع أن من يرتكب جريمة أقل خطورة لا يكون جديراً بتطبيق الظروف المخففة التى نصت عليها القواعد العامة ؛ أما من يرتكب جريمة أشد خطورة فإنه يكون جديراً بتطبيق هذه القواعد(56). ولا يخفى ما فى هذه السياسة من تناقض مبناه وجوب تدرج المعاملة العقابية بحسب جسامة الجريمة وإثم الجانى.

§ 3- موانع العقاب فى جرائم الإرهاب

- بيان خطة الشارع وتقديرها: تنص المادة 88 مكررا (هـ) من قانون العقوبات المضافة بالقانون 97 لسنة 1992 سالف الذكر على أنه يعفى من العقوبات المقررة للجرائم المشار إليها فى هذا القسم كل من بادر من الجناة بإبلاغ السلطات الإدارية أو القضائية قبل البدء فى تنفيذ الجريمة وقبل البدء فى التحقيق , ويجوز للمحكمة الإعفاء من العقوبة إذا حصل البلاغ بعد تمام الجريمة وقبل البدء فى التحقيق. ويجوز لها ذلك إذا أمكن الجانى فى التحقيق السلطات من القبض على مرتكبى الجريمة الآخرين أو على مرتكبى جريمة أخرى مماثلة لها فى النوع والخطورة".

ويؤخذ على هذا النص أنه جعل شرط الإعفاء من العقاب بوقوعه قبل البدء فى تنفيذ الجريمة ، وهو نص محل نظر ، ذلك أنه قبل البدء فى التنفيذ لا يكون هناك سوى الأعمال التحضيرية عليها ، وهى غير معاقب عليها أصلاً ، فلا يتصور أن يكون محل للإعفاء ما ليس مجرماً(57). ويلاحظ أن الاشتراك بالاتفاق والتحريض قد جعلها الشارع جرائم مستقلة ، ومن ثم فإن وقع فلا مجال لتطبيق الإعفاء فى هذه الحالة.

ومن ناحية ثانية فإن الشارع قد تطلب أن يقع الإبلاغ أيضاً قبل البدء فى التحقيق ، وهو ما يثير التساؤل عن جدوى هذا النص ، فإذا كان الشارع يتطلب أن يقع الإبلاغ قبل البدء فى التنفيذ ، فإن ذلك معناه أنه لا يوجد فعل مجرم قد ارتكب ، ولا يتصور أن يجرى التحقيق فى فعل غير مجرم ولم يقع بعد. وإجراء التحقيق منوط بنشأة حق الدولة فى العقاب ، وهو لا يتأتى إلا بعد وقوع الجريمة ، وليس قبلها. ويلاحظ أن استخدام الشارع للفظ "التحقيق" يعنى أنه يقصد التحقيق الذى تجريه سلطة التحقيق الابتدائى فى الدعوى ، وليس التحقيق الذى يطلق عليه جمع الاستدلالات والذى تقوم به سلطات الضبط القضائى (58).

الفصل الثالث

القواعد الإجرائية لجرائم الإرهاب

- تمهيد: كانت النظرة التقليدية هى إخضاع كافة الجرائم لقواعد إجرائية متماثلة ، على نحو لا يكون فيه لسلطات الضبط والتحقيق سلطات استثنائية فى نوع معين من الجرائم. ولكن هذه النظرة التقليدية لم يعد مسلماً بها: فقد اتجهت التشريعات المقارنة خلال الربع الأخير للقرن العشرين إلى التوسع فى حالات المساس بالحرية الشخصية ، كما اتجهت إلى تقرير صلاحيات واسعة لسلطات الضبط والتحقيق والاتهام. ولم يحدث هذا التوسع بسبب تغير النظرة إلى الحرية الشخصية ؛ وإنما بسبب الظروف الأمنية التى واجهت هذه المجتمعات ، وانتشار الجريمة المنظمة وجرائم العنف السياسى والدينى ، مما شكل ظاهرة استتبعت مواجهتها التوسع فى السلطات المخولة للجهات القائمة على ضبط هذه الجرائم وتعقبها. وهو ما أدى فى النهاية إلى استقلال الجرائم المنظمة ومن بينها جرائم الإرهاب بقواعد إجرائية تغاير القواعد المقررة للجرائم العادية.

أولاً: سلطة التحقيق الابتدائى فى جرائم الإرهاب

ومدى ما تتمتع به من ضمانات

- نقص الضمانات فى سلطة التحقيق الابتدائى فى القانون المصرى وصلته بتحقيق جرائم الإرهاب: هناك صلة وثيقة بين النص الموضوعى وبين النص الإجرائى: فقد تكون نصوص التجريم والعقاب مشوبة بالعيوب ؛ إلا أن وجود نظام إجرائى فعال يصون الحريات يمكنه أن يعالج القصور فى النصوص الموضوعية. ولذلك فإنه لا يصح فى تقديرنا إجراء مقارنة بين خطة التشريعات المقارنة فى تجريم أفعال الإرهاب ، دون النظر إلى طبيعة النظام الإجرائى فى هذه التشريعات ومقدار ما تتمتع به سلطة التحقيق والاتهام والمحاكمة من ضمانات ، وما يتوافر للمتهم من حقوق ؛ أما مجرد نقل بعض نصوص التجريم دون النظر فى قدر الضمانات التى يكفلها النظام الإجرائى ، فهو ينطوى فى تقديرنا على تعسف فى استعمال سلطة التشريع. وإذا كان السيد وزير العدل أثناء المناقشات البرلمانية للقانون رقم 97 لسنة 1992 قد استشهد بالقانونين الفرنسى والألمانى ؛ فإنه لا وجه للمقارنة بينهما وبين القانون المصرى من حيث ضمانات سلطة التحقيق والقواعد التى تتبعها ولا بين الضمانات والحقوق المخولة للمتهم فى هذين القانونين مقارنة بالقانون المصرى.

وفى تقديرنا أن إحدى مشكلات النظام الإجرائى المصرى ترجع فى المقام الأول إلى أن السلطة التى تتولى التحقيق الابتدائى لا يتوافر لأعضائها الاستقلال الواقعى ولا القانونى: فمبدأ التبعية التدريجية فى القانون المصرى لا يوفر لأعضاء النيابة العامة الاستقلال ، إذ يجوز للسلطة الرئاسية أن تقرر سحب التحقيق ، وأن تبدل المحقق بغيره ، ويجوز لها أن تصدر أمراً بالعدول عما اتخذه وكيل النيابة من قرارات تتصل بالتحقيق. وتمتد نتائج التبعية التدريجية إلى نقل وكيل النيابة ذاته مكانياً. ومن الناحية الواقعية فإنه يندر أن يخالف أعضاء النيابة سلطة رؤسائهم سواء تعلق الأمر بعمل اتهام أو تحقيق ؛ بل إن التفرقة بين العملين من الزاوية العملية يكاد لا يفطن إليها أعضاء النيابة. وإذا كان الرأى الغالب فى الفقه يرتب نتيجة مؤداها بطلان عمل وكيل النيابة إذا خالف أمر رئيسه فى الاتهام دون التحقيق ، فإن هذه النتيجة على الرغم من أهميتها ليست لها من الناحية الواقعية أهمية كبيرة ، ذلك أن النائب العام بمقدوره سحب القضية وإبدال وكيل النيابة ونقله وإلغاء أوامره سواء المتعلقة منها بالتحقيق أو الاتهام وأن يوجهه إلى إجراء التحقيق على نحو معين ، بل إن من حق النائب العام أن يقوم باتخاذ أمر بألا وجه لإقامة الدعوى لعدم الأهمية لأسباب يقدرها وبالمخالفة لاعتقاد وكيل النيابة المحقق. ويترتب على مخالفة تعليمات النائب العام وأوامر الرؤساء قيام المسئولية التأديبية لعضو النيابة وتعرضه للتحقيق معه وتوجيه بعض الجزاءات التأديبية له.

وعلى الرغم من أن الدراسة ليست مقارنة ، فإنه من المفيد الإشارة بإيجاز فى هذا الموضع إلى أن خطة الشارع المصرى تختلف عن خطة أغلب التشريعات المقارنة: ففى القانون الفرنسى يتولى التحقيق قاض ، هو أحد قضاة الحكم الذين يختارون من بين قضاة المحكمة الابتدائية. وهو غير قابل للعزل أو النقل من دائرة اختصاصه ويعين لمدة عشر سنوات. وهذه المدة الطويلة تجعله من الناحية الواقعية غير قابل للعزل أو النقل وهو ما يحقق له الاطمئنان فى عمله ، فضلاً عن استقلاله القانونى. وقد جعل الشارع الفرنسى الاختصاص لقاض معين بالتحقيق فى جرائم معينة مثل: اختصاص قاض للتحقيق فى جرائم الإرهاب، إذ يختص قاض بالعاصمة بالتحقيق فى هذه الجرائم. وعلى الرغم من الضمانات المقررة لقاضى التحقيق ؛ فإن الشارع الفرنسى بموجب قانون قرينة البراءة الصادر فى 15 يونيه سنة 2000 ، قد استحدث منصب "قاضى الحريات والحبس" (المادة 137-1 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسى). وهذا القاضى من درجة أعلى من قاضى التحقيق ويختص بإصدار الأوامر الماسة بالحرية ومدها. فهو يختص على سبيل المثال بالموافقة على مد أجل الوضع تحت التحفظ بالمخالفة للمدد العادية فى جرائم الإرهاب ، وتمتد سلطة قاضى الحريات والحبس للرقابة على ضرورة التحفظ ومدى ملاءمته.

وإلى جوار قاضى التحقيق وقاضى الحريات والحبس فإن الشارع الفرنسى جعل من غرفة التحقيق ، وهى تتشكل من ثلاثة من القضاة قضاء رقابياً على عمل القاضيين السابقين. ويلاحظ أن الشارع الفرنسى لم يغاير فى القواعد أو الإجراءات التى تخضع لها هذه التحقيقات ، فهى تلك التى تسرى على كافة التحقيقات ؛ غير أنه خص جرائم الإرهاب ببعض القواعد الخاصة فى الإجراءات الماسة بالحرية ؛ ولكنه أخضع الرقابة عليها لقاضى الحريات والحبس ولغرفة التحقيق.

وأما الشارع الألمانى ، فإن سلطة التحقيق الأصلية فى نظره هى النيابة العامة ، وهى سلطة غير مستقلة ويسودها مبدأ التبعية التدريجية ؛ غير أن الشارع الألمانى جعل الأمر باتخاذ الإجراءات الماسة بالحرية فى جميع الدعاوى ومن بينها جرائم الإرهاب بيد قاض ، وأجاز الطعن كذلك فى قراراته أمام القضاء.

ثانياً: إلغاء الرقابة القضائية على الإجراءات الماسة بالحرية فى تحقيق جرائم الإرهاب:

- سلطات النيابة العامة فى تحقيق جرائم الإرهاب: نص الشارع فى المادة 206 مكرراً من قانون الإجراءات الجنائية والمضافة بالقانون 95 لسنة 2003 بشأن إلغاء محاكم أمن الدولة على أنه "يكون لأعضاء النيابة العامة من درجة رئيس نيابة على الأقل-بالإضافة إلى الاختصاصات المقررة للنيابة العامة – سلطات قاضى التحقيق فى الجنايات المنصوص عليها فى الأبواب الأول والثانى والثانى مكرر والرابع من الكتاب الثانى من قانون العقوبات. ويكون لهم فضلاً عن ذلك سلطة محكمة الجنح المستأنفة منعقدة فى غرفة المشورة المبينة فى المادة 143 من هذا القانون فى تحقيق الجرائم المنصوص عليها فى القسم الأول من الباب الثانى المشار إليه. ويكون لهؤلاء الأعضاء من تلك الدرجة سلطات قاضى التحقيق فيما عدا الحبس الاحتياطى المنصوص عليه فى المادة 142 من هذا القانون ، وذلك فى تحقيق الجنايات المنصوص عليها فى الباب الثالث من الكتاب الثانى من قانون العقوبات". وبموجب هذا النص فإنه يكون للنيابة العامة فى جرائم الإرهاب (وهى الجرائم الماسة بأمن الدولة من جهة الداخل والمنصوص عليها فى القسم الأول من الباب الأول من الكتاب الثانى من قانون العقوبات) سلطة حبس المتهم لمدد متصلة تصل إلى نحو ستة أشهر دون أى تدخل قضائى أو رقابة لاحقة. ذلك أن الشارع قد خولها فى هذه الجرائم سلطة قاضى التحقيق وسلطة محكمة الجنح المستأنفة منعقدة فى غرفة المشورة. كما يكون من حق النيابة العامة -بصفتها مخولة بسلطات قاضى التحقيق- اتخاذ الإجراءات الآتية: تفتيش شخص غير المتهم ومنزله إذا اتضح من إمارات قوية أنه حائز لأشياء تتعلق بالجريمة (المادتان 92 ، 94 إجراءات) ؛ تفتيش أى مكان لضبط الأوراق والأسلحة وكل ما يحتمل أنه استعمل فى ارتكاب الجريمة أو نتج عنها أو ما يفيد فى كشف الحقيقة(المادة 91/2) ؛ الأمر بضبط جميع الخطابات والرسائل والجرائد والمطبوعات والطرود لدى مكاتب البريد وجميع البرقيات لدى مكاتب البرق ؛ الأمر بمراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية أو إجراء تسجيلات لأحاديث جرت فى مكان خاص ، متى كان لذلك فائدة فى ظهور الحقيقة (م 95 أ.ج) ؛ الإطلاع على الخطابات والرسائل والأوراق المضبوطة(م 97). ويلاحظ أن النيابة العامة لا تملك من سلطات محكمة الجنح المستأنفة منعقدة فى غرفة المشورة سوى حقها فى مد الحبس الاحتياطى لمدد لا تجاوز ستة أشهر ، وذلك فى جرائم الإرهاب ، فالشارع لم يخولها من سلطات هذه الغرفة إلا ما ورد فى المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية ، وهو سلطة مد الحبس الاحتياطى فقط(59).

أما فى باقى الجرائم الماسة بأمن الدولة من جهة الداخل والخارج وجرائم المفرقعات والمساس بالمال العام ، فقد اكتفى الشارع بمنحها سلطات قاضى التحقيق ، ويعنى ذلك جواز أن تمتد مدة الحبس الاحتياطى لمدد لا تجاوز خمسة وأربعين يوماً.

- الحبس الاحتياطى فى تعديلات القانون رقم 145 لسنة 2006: عدل الشارع نص المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية وذلك بموجب القانون رقم 145 لسنة 2006. وبمقتضى هذا التعديل جعل الشارع الحد الأقصى لمدة الحبس الاحتياطى الذى تملكه غرفة المشورة فى الجنح هو ثلاثة أشهر ، بدلاً من ستة أشهر كما كان النص قبل تعديله ، وذلك ما لم يكن المتهم قد تم إعلانه بإحالته للمحكمة المختصة قبل انتهاء هذه المدة. وقد أنقص الشارع كذلك الحد الأقصى للحبس الاحتياطى للمتهم فى جناية ليكون خمسة أشهر بدلاً من ستة أشهر ، إلا بعد الحصول قبل انقضائها على أمر من المحكمة المختصة بمد الحبس مدة لا تزيد على خمسة وأربعين يوماً قابلة للتجديد لمدة أو مدد أخرى مماثلة ، وإلا وجب الإفراج عن المتهم. وقد استحدث الشارع حكماً يقضى بأن لا تتجاوز مدة الحبس الاحتياطى فى جميع الأحوال ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية ، فلا تتجاوز ستة أشهر فى الجنح وثمانية عشر شهراً فى الجنايات ، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هى السجن المؤبد أو الإعدام (المادة 143فقرة أخيرة).

وقد نص الشارع بالقانون رقم 145 لسنة 2006 سالف الذكر على تخويل المتهم حق استئناف الأمر الصادر بحبسه احتياطياً أو مد هذا الأمر ، كما أجاز فى الوقت ذاته للنيابة أن تستأنف الأمر الصادر بالإفراج عنه(المادة 84 أ.ج).

- تقدير خطة الشارع:

1- بالنسبة لقانون إلغاء محاكم أمن الدولة رقم 95 لسنة 2003:

لم ينطو قانون إلغاء محاكم أمن الدولة على حماية المتهم من أهم الإجراءات الماسة بحرية الشخصية ؛ إذ إنه لا يعدو أن يكون فى تقديرنا تعديلاً شكلياً لم يحقق ضمانة للمتهم: فهو قد أبقى سلطة النيابة العامة فى جرائم الإرهاب والتى هى مقررة لمحكمة الجنح المستأنفة منعقدة فى غرفة المشورة ، فى كافة الأوامر الماسة بالحرية ومن بينها الحبس الاحتياطى. فأصبح للنيابة سلطة حبس المتهم لمدد تصل إلى ستة أشهر دون أية ضمانات. وكان تخويل النيابة العامة هذه السلطة فى القانون رقم 97 لسنة 1992 موضع انتقاد من الفقه وكشفت المناقشات البرلمانية التى جرت قبل إقراره عن معارضة بعض النواب لمنح النيابة هذه السلطة. ومن جهة أخرى فإن التعديل أبقى أيضاً على سلطتها المخولة لقاضى التحقيق فى الجرائم الماسة بأمن الدولة من الخارج والداخل وجرائم المفرقعات وجرائم الأموال العامة ؛ فتملك النيابة فى هذه الجرائم اتخاذ طائفة واسعة من الإجراءات ومن بينها حبس المتهم خمسة وأربعين يوماً. وكل ما جاء به القانون أنه قيد سلطة النيابة فى الحبس الاحتياطى فى جنايات الرشوة فردها إلى القواعد العامة التى تجعل الحد الأقصى لسلطتها فى الأمر به أربعة أيام ؛ غير أنها تملك اتخاذ سائر الإجراءات الأخرى المخولة لقاضى التحقيق فى هذه الجرائم. وقد كشفت المناقشات البرلمانية لمشروع قانون إلغاء محاكم أمن الدولة عن رأى معارض للقانون وصل إلى حد المطالبة بإلغاء المادة 206 مكرر المضافة به ، وكان مبنى هذا الرأى أنه إذا كانت وجهة القانون هو إلغاء السلطات الاستثنائية المخولة للنيابة والتى كانت محل دائماً اعتراض من النواب ، فإن إعادة تقرير هذه الاستثناءات ثانية هو أمر يفتقر إلى الاتساق التشريعى. وأن العهد بهذه السلطات الاستثنائية إلى النيابة فيه افتئات على سلطة القضاء ويخل بضمانات المتهم ويحرمه من قاضيه الطبيعى ؛ وأنه إذا كانت النيابة لا تملك فى جنايات جسيمة كقتل عدد من المجنى عليهم سوى حبس المتهم احتياطياً أربعة أيام ؛ فإن تخويلها سلطة حبس المتهم فى جرائم أمن الدولة من الداخل لمدد تصل إلى ستة أشهر يتسم بالمبالغة ، ولا سيما وأن الكثير من هذه الجرائم فى حقيقتها جرائم رأى. وقد أثار بعض النواب بأن الاعتراض على محاكم أمن الدولة لم يكن اعتراضاً منصباً على الإجراءات التى تتبع أمامها والتى لا تختلف عن تلك المتبعة أمام المحاكم العادية ؛ وإنما كان الاعتراض على السلطات الاستثنائية الممنوحة للنيابة العامة ، التى تخرج على القواعد العامة ، وأن إعادة النص على هذه السلطات مرة ثانية ، بعد إلغاء محاكم أمن الدولة لا ينطوى إلا على تغيير شكلى لا يحقق الهدف منه ، وأن أعضاء النيابة يخضعون فى حقيقة الأمر لرؤسائهم ، وأن أوامر الحبس الاحتياطى تتخذ بناء على توجيهاتهم.

وأخيراً فإن النص فى قانون الإجراءات الجنائية على تخويل النيابة العامة ذات السلطات الاستثنائية المنصوص عليها فى قانون الطوارئ –كما سنرى-هو انحراف بالسلطة التقديرية فى التشريع ، لأنه لا يجوز أن ينطوى قانون عام على مثل هذه السلطات الاستثنائية والتى كان الشارع نفسه يرى أنها مؤقتة ومخالفة للقواعد العامة. وخطة الشارع تعنى أن إلغاء قانون الطوارئ -بفرض حدوثه- لا يكفل العودة إلى قانون يحمى حقوق الأفراد وحرياتهم ، لأن هذا القانون قد صار بدوره استثنائياً على الرغم من أنه قانون عام يفترض فيه أن يواجه الأوضاع العادية ، وأن يحقق التوازن بين السلطة والحرية.

2- تقدير خطة الشارع فى تعديلات القانون رقم 145 لسنة 2006: على الرغم من أن الشارع قد حاول بالقانون رقم 145 لسنة 2006 سالف الذكر أن يحقق قدراً من التوازن المفتقد بين سلطة التحقيق وحقوق المتهم فى النظام الإجرائى المصرى ، فإن خطته مع ذلك ليست كافية ولا تتسم بفاعلية كبيرة فى التطبيق.

فمن ناحية فإن الشارع لم يتدخل للحد من سلطة النيابة العامة فى الحبس الاحتياطى فى جرائم الإرهاب ، فهى مازالت تملك سلطة محكمة الجنح المستأنفة منعقدة فى غرفة المشورة. ومن ناحية أخرى فإن إنقاص سلطة محكمة الجنح المستأنفة منعقدة فى غرفة المشورة فى مدة الحد الأقصى للحبس الاحتياطى ليكون خمسة أشهر بدلاً من ستة أشهر لا يحقق ضمانة كبيرة للمتهم ، إذ ما زالت النيابة تملك حبس المتهم خمسة أشهر كاملة ، وهى مدة تعد طويلة بكافة المعايير.

ومن ناحية ثالثة فإن الشارع قد اقتصر على تعديل المواد المتعلقة بالحبس الاحتياطى ؛ بينما هناك الكثير من إجراءات التحقيق الأخرى التى تملك النيابة العامة اتخاذها بصفتها قاض للتحقيق فى عدد لا يستهان به من الجرائم ومن بينها جرائم الإرهاب ، ولم يتدخل الشارع للحد من سلطة النيابة الواسعة فيها.

وأخيراً فإن تخويل المتهم حق استئناف الأمر الصادر بحبسه احتياطياً لن يحقق ضمانة كبيرة فى جرائم الإرهاب ، ذلك أنه من الناحية العملية فإن أوامر الاعتقال استناداً إلى قانون الطوارئ لا تجعل بمقدور المتهم حق الطعن فيها استناداً للتعديلات التى أتى بها القانون 145 لسنة 2006 سالف الذكر.

- مقارنة بين سلطة النيابة العامة فى قانون الإجراءات الجنائية وقانون الطوارئ: تنص المادة العاشرة فى فقرتها الثانية من قانون الطوارئ على أنه "يكون للنيابة العامة عند التحقيق -فى الجرائم التى تختص بها محاكم أمن الدولة- كافة السلطات المخولة لها ولقاضى التحقيق ولغرفة الاتهام (والتى حلت محلها غرفة المشورة) بمقتضى هذه القوانين". والمقصود بجرائم أمن الدولة هى الجرائم التى تقع بالمخالفة لأحكام الأوامر التى يصدرها رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه وكذلك الجرائم التى يعاقب عليها القانون العام والتى يرى رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه إحالتها إلى محاكم أمن الدولة. ومن بين هذه الجرائم الأخيرة جرائم القسم الأول والتى اصطلح على تسميتها بجرائم الإرهاب.

وللنيابة العامة بموجب نص المادة العاشرة من قانون الطوارئ السلطات المخولة لها ، إضافة إلى سلطات قاضى التحقيق وغرفة المشورة. وعلى الرغم من أنه يجوز للنيابة استعمالاً لسلطتها السابقة أن تصدر أمراً بالحبس الاحتياطى فى هذه الجرائم دون التزام بقيود التجديد ، وبدون عرض الأمر على الجهات التى خولت النيابة سلطاتها ؛ فإن الحبس الذى تصدره النيابة ليس حبساً مطلقاً ؛ وإلا كان مخالفاً للمادة 41 من الدستور التى تستلزم أن يكون الحبس محدد المدة. ذلك أنه مازالت هناك حدود زمنية على سلطة النيابة فى الحبس الاحتياطى ، صحيح أنها تجاوزت سلطتها فى الحبس بأن أصبح لها سلطة قاضى التحقيق وغرفة المشورة ؛ غير أنها تتقيد بالنطاق الزمنى للحبس الذى يحد سلطتيهما.

وإذا كانت هذه السلطات هى ذاتها سلطات النيابة العامة فى قانون الإجراءات الجنائية ، فإن ذلك يعنى أن الشارع قد أدخل فى قانون عام سلطات استثنائية للنيابة العامة تمس بالحرية مقررة فى قانون استثنائى هو قانون الطوارئ. والنتيجة التى تترتب على ذلك أن إلغاء حالة الطوارئ لن يكون له أثر فى تقليص سلطة النيابة فى الإجراءات الماسة بالحرية فى الجرائم الماسة بأمن الدولة بصفة عامة وجرائم الإرهاب بصفة خاصة.

- غياب الضمانات التشريعية فى حال إساءة النيابة سلطتها فى تحقيق جرائم الإرهاب: نصت المادة 71 من الدستور على حق من يقبض عليه أو يعتقل فى التظلم -هو أو غيره- أمام القضاء من الإجراء الذى يقيد حريته الشخصية ، ونصت كذلك على أن ينظم القانون حق التظلم بما يكفل الفصل فيه خلال مدة محدودة وإلا وجب الإفراج حتماً. وعلى الرغم من وجود هذا النص بالدستور الصادر سنة 1971 ، فإن الشارع لم يتدخل بوضع الإطار التشريعى للطعن فى أمر الحبس الاحتياطى إلا بالقانون رقم 145 لسنة 2006. وباستثناء الحبس الاحتياطى الذى أجاز الشارع مؤخراً الطعن فى الأمر الصادر به أو بمده ، فإنه لا توجد رقابة قضائية على باقى الإجراءات الماسة بالحرية والتى تملك النيابة اتخاذها بموجب سلطتها كقاض للتحقيق ، فعلى سبيل المثال لا توجد رقابة على أوامر الضبط والإحضار ولا على أوامر التفتيش وتسجيل المحادثات الهاتفية وضبط الأشياء وغيرها. بل إنه لا قيد على النيابة فى إنجاز التحقيق والتصرف فيه فى وقت معقول. ويعنى ذلك أنه يمكن أن يستمر هذا التحقيق المدة التى ترى النيابة أنها لازمة لإنجازه ، وهو أمر يعود إلى مطلق سلطتها التقديرية ، ودون رقابة قضائية. وهو ما يجعل نصوص هذا القانون بوضعها الراهن فى حاجة ماسة إلى التعديل.

- سلطة النيابة فى كشف سرية الحسابات والمعاملات المصرفية:

أجاز الشارع بنص المادة 98 من القانون رقم 88 لسنة 2003 ، بإصدار قانون البنك المركزى والجهاز المصرفى والنقد للنائب العام أو لمن يفوضه من المحامين العامين الأول من تلقاء نفسه أو بناء على طلب جهة رسمية أو أحد من ذوى الشأن ، أن يطلب من محكمة استئناف القاهرة الأمر بالاطلاع أو الحصول على أية بيانات أو معلومات تتعلق بالحسابات أو الودائع أو الأمانات أو الخزائن المنصوص عليها فى المادة السابقة أو المعاملات المتعلقة بها إذا اقتضى ذلك كشف الحقيقة فى جناية أو جنحة قامت الدلائل الجدية على وقوعها. وأجازت الفقرة الأخيرة من هذه المادة للنائب العام أو من يفوضه من المحامين العامين الأول على الأقل أن يأمر مباشرة بالاطلاع أو الحصول على أية بيانات أو معلومات تتعلق بالحسابات أو الودائع أو الأمانات أو الخزائن أو المعاملات المتعلقة بها إذا اقتضى ذلك كشف الحقيقة فى جريمة من الجرائم المنصوص عليها فى القسم الأول من الباب الثانى من الكتاب الثانى من قانون العقوبات.

ثالثاً: إجراءات تسهم فى مكافحة الإرهاب لم ينص الشارع عليها وتباشر النيابة بعضها دون سند

هناك بعض الإجراءات الماسة بالحرية الشخصية والتى تمارسها سلطات التحقيق دون أن يخولها الشارع سلطة اتخاذها ، ومن هذه الإجراءات -فى تقديرنا-المنع من السفر ؛ التصوير والمراقبة الإلكترونية ؛ فحص البصمة الوراثية ؛ التحفظ على الأموال.

1- المنع من السفر: تجيز المادة 407 من التعليمات العامة للنيابة أن يكون طلب الإدراج فى قائمة الممنوعين من السفر ورفع الحظر عن طريق المكتب الفنى بمكتب النائب العام. وقد درجت النيابة العامة فى القضايا المتعلقة بأمن الدولة والتى تقوم بتحقيقها على إدراج جميع المتهمين على قوائم الممنوعين من السفر ، ويظل التحقيق فى هذه القضايا ممتداً لمدة طويلة دون تصرف فيه ، مما يقيد حق الأفراد فى السفر و التنقل.

وفى تقديرنا فإن أوامر المنع من السفر الصادرة من النيابة العامة تفتقر إلى الشرعية: فالشارع لم يخول النيابة العامة سلطة إصدار هذا الأمر ، ولا يجوز قياس المنع من السفر على التحفظ على الأموال أو غيره من الإجراءات ؛ لأنه لا قياس فى التدابير المنطوية الإجراءات الماسة بالحرية الشخصية. ولا يجوز المنع من السفر حسبما خلصت المحكمة الدستورية العليا إلا بقانون(60) ، ولا يوجد نص فى أى تشريع يعطى النيابة العامة سلطة إصدار هذا الأمر. يضاف إلى ذلك أن الشارع لو أراد تخويل النائب العام سلطة إصدار هذا الأمر كما فعل بالنسبة إلى المدعى الاشتراكى لكان قد نص على ذلك. ولم يرد تخويل المحاكم والنائب العام سلطة المنع من السفر إلا فى قرار وزير الداخلية رقم 2214 لسنة 1994 والذى نص على الجهات التى تملك الإدراج على قوائم الممنوعين من السفر ومن بينها النائب العام. ويلاحظ على هذا القرار أن المنع من السفر باعتباره إجراء ماساً بالحرية يجب أن يكون بقانون كما سبق الذكر ، ومن ثم فلا يجوز أن يتخذ استناداً إلى مجرد قرار إدارى. ومن ناحية ثانية فإنه من الناحية الشكلية لا يجوز أن تكون سلطة المحاكم والنائب العام مصدرها قرار صادر من وزير الداخلية.

-2- التصوير والمراقبة الإلكترونية: إذا كانت القاعدة الأصولية تقضى بأن المساس بالحرية الفردية يجب أن يكون استناداً لنصوص واضحة وصريحة ، فإن سلطات الضبط والتحقيق تلجأ إلى إصدار أوامر بالتصوير والتسجيل البصرى دون سند. فالشارع فى قانون الإجراءات الجنائية لم يجز لسلطات التحقيق سوى حق مراقبة وتسجيل المحادثات ؛ غير أنه لم يخول لها حق مراقبة الأشخاص باستخدام أجهزة المراقبة البصرية أو تسجيل ما تتمخض عنه هذه المراقبة. كما أن الشارع لم يخول لهذه السلطات حق القيام بالمساس بحرمة الحياة الخاصة باستخدام وسائل المراقبة الإلكترونية الحديثة ، مثل أجهزة التتبع والتقاط الإشارات وغيرها. فمراقبة الأحاديث هى استثناء على الأصل الذى يقضى باحترام حق الشخص فى حياته الخاصة ، والاستثناء لا يقاس عليه ، فلا يجوز قياس التصوير خفية على تسجيل المحادثات وأن هذا التصوير يتم دون سند من القانون مما يهدر الدليل المتحصل منها. وخطة الشارع المصرى تخالف بذلك خطة التشريعات المقارنة كالقانون الألمانى والفرنسى التى تنظم استعمال الوسائل الإلكترونية فى المراقبة أو التسجيل. وفى تقديرنا أن وضع كاميرات مراقبة فى الطرق والأماكن العامة يسهم مساهمة فعالة فى مكافحة الإرهاب ، سواء من زاوية الضبط الإدارى الذى يكافح الجريمة قبل وقوعها ، أو من زاوية الضبط القضائى الذى يعمل على تحديد شخص مرتكبى الجريمة وإقامة الدليل على مساهمتهم فيها. وقد ساهمت هذه الكاميرات فى تحديد شخصية مرتكبى جرائم الإرهاب فى العديد من الوقائع ، ومنها تفجيرات مترو الأنفاق فى لندن ، إذ تمكنت الشرطة الإنجليزية من تحديد هوية الجناة والقبض على الهارب منهم فى زمن وجيز. وهو ما دفع الشارع الفرنسى لإصدار تشريع لمكافحة الإرهاب فى ديسمبر سنة 2005 يقضى بتنظيم وضع هذه الكاميرات. وفى تقديرنا كذلك أنه على الشارع المصرى أن يتدخل بوضع هذا التنظيم مثلما فعلت التشريعات المقارنة والاستفادة من خطتها.

3- أخذ عينة من البصمة الوراثية للمتهم وتحليلها والاحتفاظ بها:

على الرغم من أن قانون الإجراءات الجنائية لم يرد به نص يجيز إجراء أخذ البصمة الوراثية من المتهم كرهاً عنه ؛ فإن الواقع قد جرى على قيام سلطات التحقيق بإصدار الأمر بإجراء هذا الفحص ، وذلك إذا اقتضت ضرورات التحقيق ذلك. وقد ذهب جانب من الفقه إلى جواز إجبار المتهم على أخذ عينة جينية منه ، وذلك على سند من القول أن المساس بالجسم فى هذه الحالة لا يعدو أن يكون تفتيشاً فى جسم المتهم يخضع للقواعد العامة (61). وقد استقر قضاء محكمة النقض المصرية -رغم غياب النص- على أحقية سلطتى الضبط والتحقيق الابتدائى فى إخضاع الشخص للفحص الطبى والحصول على عينات من دمه وغسيل معدته وذلك متى كان لذلك فائدة فى إثبات الجريمة أو إظهار الحقيقة ، استناداً إلى حق التفتيش المخول لرجال الضبط والتحقيق ، وإلى ما يخوله القانون لجهات التحقيق من حق الاستعانة بالخبرة الفنية من أجل كشف الحقيقة(62).

وفى تقديرنا أن الرأى السابق وما ذهبت إليه محكمة النقض محل نظر، ذلك أن الإجراءات التى تمس بحرية الفرد وتنطوى على تهديد بالغ بحقه فى الخصوصية يجب أن ينص القانون على ضوابطها ، وأن يحدد السلطة التى لها الحق فى اتخاذها وضمانات الأمر بها. ولا يجوز قياس الحصول على البصمة الوراثية على التفتيش الذى تملكه سلطات الضبط والتحقيق ، ذلك أن هذا التفتيش يقتصر على البحث فيه على شيء محدد يستنفذ غرضه بالقيام به أياً كانت النتيجة التى أسفر عنها هذا التفتيش. أما فى التحليل الجينى فإن النتيجة التى قد يسفر عنها تتجاوز بكثير الغرض التى تم التحليل من أجله ، إذ أن هذا التحليل يفصح عن الكثير من المعلومات والبيانات السابقة والحاضرة والمستقبلة لشخص المتهم وأقربائه ، كما أن قيمة هذا التحليل التنبؤية تزداد مع الوقت واحتمال كشف ما تمخض عنه من معلومات يظل كبيراً ، ولاسيما مع حفظ نتائجه فى قواعد البيانات. ولذلك فإنه لا يصلح فى تقديرنا قياس أخذ عينة جينية على التفتيش بمعناه التقليدى. ولعل هذه الاعتبارات هى التى دعت غالبية التشريعات المقارنة لأن تفرد نصوصاً إجرائية خاصة تضع فيها تنظيماً للحصول على العينات الجينية ، وتقرر الضوابط التى تحفظ سرية المعلومات الناتجة عن هذا التحليل ؛ بل وتضع النصوص الموضوعية التى تجرم إجراء هذه التحليلات أو كشف نتائجها بغير رضاء صاحبها أو فى غير الحالات التى نص الشارع عليها.

4- التحفظ على الأموال فى جرائم الإرهاب: نظر الشارع إلى الإجراءات التحفظية على الأموال -والتى نص عليها فى المادة 208 مكرراً أ من قانون الإجراءات الجنائية- على أنها ضمان لعسى ما قد يحكم به من تعويضات وغرامات فى جرائم المساس بالمال العام. فتنص الفقرة الأولى من هذه المادة على أنه "فى الأحوال التي تقوم فيها من التحقيق أدلة كافية على جدية الاتهام فى أى من الجرائم المنصوص عليها فى الباب الرابع من الكتاب الثانى من قانون العقوبات ، وغيرها من الجرائم التي تقع على الأموال المملوكة للدولة أو الهيئات والمؤسسات العامة والوحدات التابعة لها أو غيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة ، وكذا فى الجرائم التي يوجب القانون فيها على المحكمة أن تقضى - من تلقاء نفسها - برد المبالغ أو قيمة الأشياء محل الجريمة أو تعويض الجهة المجنى عليها . إذا قدرت النيابة العامة أن الأمر يقتضى اتخاذ تدابير تحفظية على أموال المتهم بما فى ذلك منعه من التصرف فيها أو إدارتها ، وجب عليها أن تعرض الأمر على المحكمة الجنائية المختصة طالبة الحكم بذلك ضمانا لتنفيذ ما عسى أن يقضى به غرامة أو رد أو تعويض .... ".

وهذه النظرة من الشارع للتحفظ على الأموال هى نظرة قاصرة ، ذلك أن المال له دور مهم فى جرائم الإرهاب ، وفى مرحلة التحقيق الابتدائى فى هذه الجرائم قد تستدعى ضرورات التحقيق وضع أموال المتهم تحت التحفظ ، وفى هذه الحالة لا يكون لدى سلطة التحقيق نص قانونى يسمح لها بذلك. ويلاحظ أن هذه الأموال قد لا تكون قد استعملت فى ارتكاب الجريمة أو تمخضت عنها ، ولذلك فإن وضعها تحت التحفظ ينال من حق المتهم فى ملكية ماله ، ومن ثم يقتضى الأمر تنظيم ذلك بقانون يوضح حالات وضوابط هذا التحفظ والجهة القضائية التى يمكن التظلم أمامها منه.

5- التنقيب فى المعلومات الإلكترونية المخزنة: تزداد أهمية المعلومات الخاصة بالشخص والمخزنة فى السجلات الإليكترونية وبنوك المعلومات. وتتسع هذه السجلات لتشمل طائفة واسعة من المعلومات: فقد تكون خاصة بالشخص ذاته كاسمه وسنه وأوصافه وملامحه وصورته الشخصية ومحل إقامته وعمله ورخصة قيادته وحساباته المصرفية وتعاملاته الإلكترونية بالبيع أو الشراء ، وحالته الصحية وما يعانيه من أمراض وتحركاته من خلال تردده على المطارات ومنافذ الخروج وما إذا كان قد سبق ضبطه أو اتهامه أو حتى الاشتباه به فى قضايا أخرى ، وقد تكون خاصة كذلك بأفراد أسرته كزوجته وأولاده ووالديه وأشقائه وغير ذلك من معلومات. ويعنى التنقيب فى المعلومات المخزنة: قيام السلطة بالبحث فى المعلومات المخزنة آلياً لديها ومقارنتها بالمعلومات الأخرى سواء للمشتبه به أو لغيره من الأشخاص حتى ولو كانوا غير مشتبه بهم ، بهدف استخلاص قرائن تفيد التحقيق. وإذا كانت التشريعات المقارنة قد حرصت على النص على تنظيم هذا التنقيب عن المعلومات ؛ فإن الشارع المصرى أغفل تماماً النص على ذلك ، وهو ما يجعل التنقيب الذى تقوم به جهات الضبط والتحقيق يفتقر إلى الشرعية ويحتاج إلى تنظيم تشريعى.

خاتمة الدراسة

أظهرت الدراسة أن السياسة التشريعية لمواجهة الإرهاب لا يجب أن تخالف أصول الشرعية الجنائية، وأن الآثار المترتبة على مثل هذه المخالفة قد تفوق تلك الناجمة عن جرائم الإرهاب ذاتها. وأن فكرة الشرعية الجنائية لا تقتصر على مطابقة النص للدستور ؛ وإنما تمتد إلى النطاق الذى تمارس فيه السلطة التشريعية جانب التقدير ، وقد أظهرت الدراسة أن خطة الشارع المصرى فى مكافحة الإرهاب هى خطة تتعارض بوضوح مع الشرعية الجنائية وأصول السياسة الجنائية ، سواء من حيث تعريفه للإرهاب أو نصوص التجريم والعقاب للأفعال التى اعتبرها جرائم إرهاب أو فى خطته الإجرائية.

وتخلص الدراسة إلى أن أغلب نصوص مكافحة الإرهاب فى قانون العقوبات المصرى تخالف أصول الشرعية الجنائية ، وأن الحاجة تبدو ملحة إلى إعادة صياغة هذه النصوص على نحو يحقق مكافحة الإرهاب بأسلوب علمى يلتقى مع أصول السياسة الجنائية ، بما يحقق الغرض منها فى كفالة أمن المجتمع من ناحية ، ويحفظ للأفراد حقوقهم من ناحية أخرى.

ونشير فى خاتمة الدراسة أيضاً إلى التعديلات الدستورية لسنة 2007 والتى تجيز صدور قانون يخول سلطة الضبط القبض على المتهم واحتجازه وحبسه احتياطياً ومنعه من التنقل وتفتيش شخصه ومسكنه ومراقبة مراسلاته ومحادثاته وتسجيلها ، كما تجيز إحالة المتهمين بهذه الجرائم إلى المحاكم العسكرية.

وهذه التعديلات رغم النص عليها فى صلب الدستور ، إلا أنها لا تنتزع سلطة المجلس التشريعى فى الرقابة على شرعية نصوص القانون الذى يتضمن أحكام مكافحة الإرهاب. فكما خلصت هذه الدراسة ، فإن فكرة الرقابة على الشرعية هى أوسع نطاقاً من فكرة الرقابة على الدستورية ، وهى التى تضمن عدم الانحراف بالتشريع عن غاياته. وفى تقديرنا أن نص المادة 179 من الدستور لا يضع التزاماً على السلطة التشريعية بأن تأخذ بكل ما نصت عليه من أحكام تخرج عن نصوص الدستور ذاته. ويعنى ذلك أن المجلس التشريعى قد يرى الأخذ ببعض هذه الأحكام دون بعضها الآخر ، كما أنه قد يرى وضع ضمانات وقيود على سلطة الضبط والتحقيق أثناء قيامها بهذه الإجراءات الاستثنائية. فهذه الأحكام تمثل الحد الأعلى الذى يجوز الأخذ به ؛ غير أنها لا تمنع الأخذ بحدود أدنى منها. وفى تقديرنا كذلك أنه يجب على السلطة التشريعية تخويل القضاء –بمعناه الدقيق الذى يقتصر على قضاة الحكم- الرقابة على سلطتى الضبط والتحقيق فيما يجرونه من أعمال تتضمن مساساً جسيماً بحرية الشخص وحرمة حياته الخاصة ومراسلاته. وهذه الرقابة القضائية عناها الشارع الدستورى فى المادة 179 المعدلة ، إذ نص صراحة على أن "ينظم القانون أحكاما خاصة بإجراءات الاستدلال والتحقيق ....وذلك تحت رقابة من القضاء‏".

المراجع

(1) الدكتور محمد محمود سعيد: جرائم الإرهاب ، أحكامها الموضوعية وإجراءات ملاحقتها ، دار الفكر العربى ، الطبعة الأولى ، 1995 ، رقم 4 ، ص 14-15.

(2) كلمة الأستاذ الدكتور محمود نجيب حسنى أثناء مناقشة المشروع بمجلس الشورى: مضبطة الجلسة السادسة والستين المعقودة صباح يوم الأحد الموافق 12 يوليه 1992.

(3) كلمة المستشار فاروق سيف النصر وزير العدل السابق أمام مجلس الشورى ، وأيضاً كلمة المستشار أحمد فتحى مرسى مقرر اللجنة التشريعية بمجلس الشورى ، وكلمة الأستاذ الدكتور محمود نجيب حسنى والأستاذة الدكتورة سميحة القليوبى ، مضبطة الجلسة السادسة والستين المعقودة صباح يوم الأحد الموافق 12 يوليه 1992.وانظر أيضاً فى هذا الاعتبار: تقرير لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس الشورى بشأن مشروع القانون سالف الذكر. منشور فى قانون العقوبات ومذكراته الإيضاحية-إصدار إدارة التشريع بوزارة العدل ، 1993 ، ص 568.

(4) وقد برز هذا الاعتبار الأخير فى مناقشات النواب بمجلس الشورى ، وذلك أثناء مناقشة المادة 88 من المشروع والتى تستبعد تطبيق القواعد العامة فى الرأفة والتى تقررها المادة 17 من قانون العقوبات ، وكان مبنى اعتراض بعض النواب هو أنه إذا كانت علة إدراج نصوص جرائم الإرهاب فى قانون العقوبات ؛ فإنه يجب خضوع أحكام هذه الجرائم للقواعد العامة. غير أنه لم يكتب لهذه الاعتراضات النجاح. مضبطة الجلسة 67 مساء يوم الأحد 12 يوليه 1992.

(5) الدكتور نور الدين هنداوى: السياسة الجنائية للمشرع المصرى فى مواجهة جرائم الإرهاب ، دار النهضة العربية (1993) ، رقم 7 ، ص 15-16.

(6) انظر رأى الحكومة بجلسة مجلس الشعب المنعقدة بتاريخ 30 إبريل سنة 2006 لمناقشة مد العمل بقانون الطوارئ حيث طالب رئيس مجلس الوزراء بمد العمل بقانون الطوارئ لمدة سنتين حتى تنتهى الحكومة من إعداد قانون مكافحة الإرهاب وما يتضمنه من تعديلات دستورية. وقد تبنى هذا الرأى عدد من نواب البرلمان. أنظر صحيفة الأهرام الصادرة بتاريخ 1 مايو 2006 العدد رقم 43610 ، السنة 130. انظر هذا العدد بموقع الصحيفة على الإنترنت. http://www.ahram.org.eg/Archive/2006/5/1/INVE2.HTM

(7) الأستاذ السيد أبو مسلم:اتجاهات فى الإرهاب الدولى ، مجلة الأمن العام -ع 91 س 23 أكتوبر 1980 ص 90.

(8) انظر فى تأييد هذه الوجهة : الدكتور محمد عبد اللطيف: جريمة الإرهاب (دراسة مقارنة) ، 1994 ، ص 157.

(9) انظر فى تأييد هذه الوجهة: الدكتورة هدى حامد قشقوش: الجريمة المنظمة ، 2000 ، رقم 61 ، ص 64-65 ؛ الدكتور صبرى محمد السنوسى محمد: وسائل سلطة الضبط الإدارى فى مكافحة الجريمة المنظمة والرقابة القضائية عليها ، دراسة مقدمة إلى المؤتمر العلمى الثانى الذى عقدته كلية الحقوق بجامعة بنها فى موضوع المكافحة القانونية للجريمة المنظمة ، وذلك فى الفترة من 19-20 إبريل سنة 2005 ، ص 5 ؛ وانظر أمثلة لتشريعات جعلت عبء الإثبات فى جرائم المخدرات وغسل الأموال على عاتق المتهم: الدكتور شريف سيد كامل: الجريمة المنظمة فى القانون المقارن ، الطبعة الأولى ، دار النهضة العربية 2001 ، رقم133 ، ص 221-223.

(10) الدكتور محمد إبراهيم زيد: الجوانب العلمية والقانونية للجريمة المنظمة ، دراسة مقدمة إلى المؤتمر الدولى الثانى عشر لعلم الإجرام المنعقد فى سيول فى الفترة من 24-29 أغسطس 1998 بسيول ، مطبوعات شرطة الشارقة والاتحاد الدولى للدراسات الأمنية 1998 ، ص 27.

(11) الدكتورة هدى حامد قشقوش: رقم 60 ، ص 62-63.

(12) وقد قضت المحكمة الدستورية العليا بأن "للمشرع سلطة تقديرية فى تنظيم الحقوق بلا معقب عليه فى تقديره ما دام أن الحكم التشريعى الذى قرره لتلك الحالات قد صدرت به قاعدة عامة مجردة لا تنطوى على التمييز بين من تساوت مراكزهم القانونية و لا تهدر نصاً فى الدستور". المحكمة الدستورية العليا جلسة الأول من يناير 1983 مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا س 2 ص 67. وقد قضت أيضاً " الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها وتعتبر تخوما لها لا يجوز اقتحامها او تخطيها وكان الدستور اذ يعهد إلى أى من السلطتين التشريعية والتنفيذية بتنظيم موضوع معين فان القواعد القانونية التى تصدر عن أيهما فى هذا النطاق لا يجوز ان تنال من الحقوق التى كفل الدستور أصلها سواء بنقضها او انتقاصها من أطرافها وإلا كان ذلك عدوانا على مجالاتها الحيوية من خلال إهدارها أو تهشيمها. المحكمة الدستورية العليا جلسة 6 يناير سنة 2001 ، مجموعة الأحكام س 9 ، ص 843.

(13) الدكتور أحمد فتحى سرور: القانون الجنائى الدستورى ، الطبعة الأولى ، دار الشروق 2000 رقم 8 ، ص 22 ، ورقم 64 ص 144.

(14) الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهورى: مخالفة التشريع للدستور والانحراف فى استعمال السلطة التشريعية ، مجلة القضاة الفصلية ، السنة 19 ، العدد الأول ، يناير-يونيه 1986 ص 361-362.

(15) الدكتور عبد الرزاق السنهورى: ص 364.

(16) الدكتور أحمد فتحى سرور: ص 12.

(17) تنص هذه المادة على أنه تعد جرائم إرهابية ، عندما تتعلق بمشروع فردى أو جماعى بقصد الإضرار الجسيم بالنظام العام عن طريق بث الفزع أو الرعب ، الجرائم التالية ……".

(18) لم يستخدم الشارع الألمانى فى قانون العقوبات تعبير الإرهاب إلا فى مادتين هما 129 أ ، 129 ب . وقد جرم فى أولاها تكوين تنظيمات إرهابية Bildung terroristischer Vereinigungen ،وفى ثانيهما تكوين تنظيمات إجرامية أو إرهابية فى الخارج.Kriminelle und terroristische Vereinigungen im Ausland.

(19) الدكتور عبد المهيمن بكر : إجراءات الأدلة الجنائية ، ج1 ، فى التفتيش ، الطبعة الأولى 1996-1997 ص 152.

(20) الدكتور محمد عبد اللطيف: ص96- 97.

(21) مضبطة جلسة 102 ، ص 9-10.

(22) الدكتور محمد عبد اللطيف: ص 101 ؛ الدكتور إمام حسانين خليل عطا الله: الإرهاب والبنيان القانونى للجريمة ، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة ، 2000 ، ص 461.

(23) الأستاذ مصطفى مصباح دباره: الإرهاب-مفهومه وأهم جرائمه فى القانون الدولى الجنائى 1990 ، ص 131-132.

(24) الدكتور عصام عبد الفتاح عبد السميع مطر الجريمة الإرهابية ، دار الجامعة الجديدة بالإسكندرية ، 2005 ص 72.

(25) الدكتور محمد محمود سعيد: رقم 5 ، ص 17-18. وقد تأثرت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب لسنة 1998 بهذا النقد فلم تنص على ارتكاب أفعال الإرهاب "بالقوة أو الترويع" ؛ وإنما اكتفت بتعبيرى "العنف أو التهديد. غير أن الاتفاقية اعتبرت أن "إلقاء الرعب أو الترويع" هما من أغراض ما يهدف الجانى لتحقيقه. انظر فى نص تعريف الإرهاب فى الاتفاقية: الدكتور سامى جاد عبد الرحمن واصل: إرهاب الدولة فى إطار القانون الدولى العام ، منشأة المعارف بالإسكندرية ، 2003 ، ص 63 ، وانظر أيضاً فى هذه الوجهة: الدكتور إمام حسانين خليل عطا الله: ص 458.

(26) الدكتور محمد بهجت مصطفى: الجرائم الإرهابية بين القانون الوضعى والشريعة الإسلامية فى ضوء أحكام القضاء ، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق بجامعة الزقازيق ، 2002 ص 83.

(27) الدكتور أحمد فتحى سرور ، مضبطة جلسة 15 يوليه سنة 1992 ، الجلسة الثانية بعد المائة والتى خصصت لمناقشة قانون الإرهاب رقم 97 لسنة 1992 ، الفصل التشريعى السادس ، ص 13.

(28) الدكتور محمد عبد اللطيف: ص 50-51.

(29) انظر فى هذا النقد: الدكتور محمد عبد اللطيف: ص 54-55.

(30) الدكتور مدحت رمضان: جرائم الإرهاب فى ضوء الأحكام الموضوعية والإجرائية للقانون الجنائى الدولى والداخلى ، دراسة مقارنة ، دار النهضة العربية ، 1995 ص 101 ؛ الدكتور عبد الله الشامسى: الجريمة المنظمة ، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة ، 2003 ص 214 ؛ الدكتور محمد عبد اللطيف: ص 60-61 ؛ الدكتور سامى جاد عبد الرحمن واصل: ص 52.

(31) الدكتور محمد بهجت مصطفى: ص 204-206.

(32) الدكتور محمد عبد اللطيف: ص 55-56 ؛ الدكتور مدحت رمضان: ص 104-105 ؛ الدكتور أحمد عبد العظيم مصطفى المصرى: المواجهة التشريعية لجرائم الإرهاب فى التشريع المصرى والقانون المقارن ، رسالة دكتوراه مقدمة إلى حقوق القاهرة ، 2003 ، ص 64.

(33) الدكتور محمد عبد اللطيف: ص 47.

(34) الدكتور محمد محمود سعيد: رقم 5 ، ص 18.

(35) الدكتور إمام حسانين خليل عطا الله: ص 84-85.

(36) الدكتور أحمد عبد العظيم مصطفى المصرى: ص 42.

(37) الدكتور محمد الغنام: جرائم التنظيمات غير المشروعة والإرهابية فى التشريع المصرى والقانون المقارن ، مجلة مصر المعاصرة ، العدد 446 ، السنة 85 ، إبريل 1997 ، ص 85.

(38) انظر رد المستشار فاروق سيف النصر وزير العدل السابق على العضوين الأستاذ رفعت بشير والدكتور حمدى السيد ، قانون العقوبات ومذكراته سالف الذكر ، ص 814-815 ، ص 820-821.

(39) الدكتور نور الدين هنداوى: رقم 12 ، ص 29.

(40) الدكتور محمد الغنام: ص 99.

(41) الدكتور شريف سيد كامل : رقم 100 ، ص 174.

(42) الدكتور محمد الغنام: ص 95-96.

(43) الدكتور طارق سرور: الجماعة الإجرامية المنظمة -دراسة مقارنة- 2000 رقم 15 ، ص 30-31.

(44) الدكتور عصام عبد الفتاح عبد السميع مطر: ص 200.

(45) الدكتور شريف سيد كامل : رقم 107 ، ص 184

(46) الدكتور محمد محمود سعيد: رقم 25 ، ص 85.

(47) الدكتور إمام حسانين خليل عطا الله: ص 536-537.

(48) الدكتور حسام محمد سامى جابر: رسالته سالفة الذكر ، رقم 77 ، ص 132 والهامش.

(49) المحكمة الدستورية العليا جلسة 2 يونيه سنة 2001 مجموعة الأحكام ، المكتب الفنى س 9 ، رقم 119 ، ص 986.

(50) الدكتور محمد بهجت مصطفى الجزار: رسالته سالفة الذكر ، ص 376 ، ص 380-381.

(51) المحكمة الدستورية العليا 2 يونيه سنة 2001 حكم سالف الإشارة إليه.

(52) انظر فى هذا النقد: الدكتور محمد محمود سعيد: رقم 31 ، ص 112-112.

(53) انظر فى هذا التبرير الدكتور محمد الغنام: ص 92 وهو تبرير فى تقديرنا محل نظر للأسباب الواردة بالمتن.

(54) انظر فى هذا النقد: الدكتور محمد الغنام: ص 93.

(55) انظر الدكتور محمد عبد اللطيف ص 157 ، حيث يقول فى هذا الموضع"....فللمشرع -وهذا حقه- أن يقرر استبعاد تطبيق أحكام المادة 17 من قانون العقوبات بالنسبة لهذه الوقائع عند الحكم بالإدانة ، فأى عذر هذا يمكن أن نتلمسه فى واقعة إرهاب وأى رأفة هذه يمكن أن تشمل إرهابى؟".

(56) الدكتور مدحت رمضان: ص 139-140.

(57) الدكتور محمد محمود سعيد: رقم 44 ، ص 134.

(58) الدكتور محمد محمود سعيد: رقم 44 ، ص 135.

(59) الدكتور محمد محمود سعيد: ص 184.

(60) المحكمة الدستورية العليا جلسة 4 نوفمبر سنة 2000 القضية رقم 243 لسنة 21 قضائية دستورية ، مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا س 9 ، ص 777.

(61) الدكتور غنام محمد غنام: دور البصمة الوراثية فى الإثبات ، دراسة مقدمة إلى مؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون الذى عقدته كلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات 5-7 مايو سنة 2002 ، مج2 ، ص 496.

(62) نقض 19 نوفمبر 1956 مجموعة أحكام النقض س 7 رقم 114ص 387 ؛ جلسة 12 مارس سنة 1972 س 23 رقم 81 ص 357 ؛ جلسة 7 إبريل سنة 1974 ، س 25 رقم 82 ص 378.