المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين احتفال كوريا واحتفال مصر بالمحكمة الدستورية



د/سالي جمعة
06-09-2009, 06:24 PM
بين احتفال كوريا واحتفال مصر بالمحكمة الدستورية

المستشار / ماهـــر ســــامــى

نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا

خلال الفتـــرة من 1ـــ 4 سبتمبر المـــاضى أتيح لى أن أشــــارك ضمن وفــد المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار / ماهــر عبدالواحد رئيس المحكمة فى المؤتمر الدولى الذى دعت إليه المحكمة الدستورية بكوريا الجنوبية والذى عقد بعاصمتها سول احتفالاً بمرور عشرين عاماً على إنشاء محكمتها الدستورية .

انعقد المؤتمر الدولى تحت عنوان " تأثير القضاء الدستورى على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاثة ـــ التشريعية والتنفيذية والقضــائية ـــ فى القرن الواحــد والعشرين " ، وشاركت فيه إحدى وثلاثون دولة ، وستة منظمات دولية ــ بلغ عدد أعضاء وفودها ستين رئيساً وقـاضياً من مختلف المحاكم العليا والدستورية لهذه الدول والمنظمات .

تجربة حضور هذا المؤتمر ، ومتابعة فعالياته تستحق مزيداً من التـــأمل والتفكر وجدارة الاعتبار .

وليس قصدى من رصد التجربة أن أفيض فى الحديث عن روعة التنظيم ، ودقة الأداء ، وانضباط المواعيد ، وكـرم الضيافة ، والادب الجم فى التعــامل ــ تلك سمات وصفات لم تعد تبعث على الدهشة لأنها صــارت قاسماً مشتركاً بين الشعــوب المتقدمة باعتبارهــا حدَّا أدنى للسلوك الحضارى بين البشر .

لم يخف على ضيوف المؤتمر أن كوريا حرصت على تحقيق هدفين كانا محور برنامجها ، أولهما : أن يكون احتفــــالها بالعيد العشرين لمحكمتها الدستــورية احتفــاء بالمعنى وليس زينة للمبنى فقد كان جوهر الاحتفال أن ينتظم عقـــد هذا المؤتمر الدولى ليسجل رئيس وقضاة المحكمة الدستورية الكورية أمـــام حضــوره حصــاد تجربتهم منذ إنشـاء المحكمة وماذا حققوا فيها لبلدهم بلوغــاً للتقدم والعـــدل والحق والخير ، ثم يتعاقب فى الحديث ممثلو الدول المشاركة يعرض فيها وفد كل دولة النظام القضـــائى لمحكمته واختصـــاصها الذى عهـــد الدستور به إليهـا لحمـــاية الشرعية الدستورية . والهـدف الثانى الذى برز فى برنامج الزيارة هو أن يتاح للضيوف أن يقفـوا على أوجـــه النهضة والتقـــدم والتنمية التى حققتها كـــوريا ، وهى جــد هــائلة ومبهرة ، وكأن كـــوريا ــ وهى تزاوج فى برنـامجها بين إطلاع الضيوف على إنجــاز المحكمة الدستورية فى حراسة العـدل والديمقراطية ، وبين دعوتهم لمشاهدة مراكز البحث العلمى والصناعـــات المتقدمة ومواقـــع التنمية والعمران ومعـــالم الثقافة والحضـــارة والفن ـــ تريد التأكيد على أن حمـاية الشرعية الدستورية هى التى فتحت الطريق لتحقيق هذه النهضة لتبلغ بها آفـــاق العدل والتقدم والديمقراطية .

يلفت النظر فى الشعب الكورى إجادة التعامل مع الضيوف بقدرة فائقة ، ومهارة عالية ، ومودة ظاهرة ، يلازمه فى ذلك ابتسامة صافية لا تغيب عن وجهه ، وانحناءة وقورة ينثنى بها ظهــره أمـــارة الترحيب بك ، وهـــو لا يتخلــى عن أيهمـــا مهما بدا منشغلاً أو منفعلاً أو مهموماً يستوى فى ذلك المسئولون والافراد العاديون خـــلال أيام المؤتمر حظي الضيوف بأعظم قـــدر من الرعاية والاهتمام والكرم من لحظة الوصول إلى مطار سول ثم الانتقال إلى الفندق مـروراً بحضور الجلسات وترتيب زيـارات خـــاصة للمرافقين حتى مغادرة الأراضــــى الكــــورية ، وشـــارك فى هـذا الترحيب رئيس المحكمة الدستورية وجميع أعضـــائها وموظفيها والــذى بلغ أوجه بمـــأدبة عشاء أقــــامها رئيس الجمهورية والسيدة حرمه بهــــذه المناسبة استقبلا فيهــا الضيـــوف عند باب القصـــر وحرصا على التقـــاط الصــور التذكارية مع كل ضيف على حدة ثم قـــاما بمصـــافحته عند مغادرة القصـــر الجمهورى .

تضمن جدول أعمال المؤتمر جلسة افتتاحية ثم عقدت خمسة جلسـات فى الموضوع المطروح للحوار والمناقشة تحدث فيها ثلاثون رئيساً وقاضياً يمثلون المحـــاكم الدستورية المدعــوّة ، وأبرز كل متحـــدث فى كلمته ملامــح التجـــربة الدستورية فى بـلاده ، الجهة التى تتولـــى الرقـــابة الدستورية ، اختصـــاصها وتشكيلهـــا ، الحـــدود الفـــاصلة والتخــــوم المتداخلة بينها وبين السلطات الثـــلاثة التشريعية والتنفيذية والقضـــائية ، ثم مـــاذا حققته الرقابة الدستورية للوطن والشعب .

وعندما جاء دور قاضى القضاة الانجليزى نيكولاس فيلبس فى الحــديث عرض لتجـربة بلاده الدستورية فأوضح أنه بالرغـم أن المملكة المتحدة لا تعــرف دستوراً مكتــوباً يطبق فى البلاد فإن السوابق القضــــائية والمبادئ الدستورية الراسخة التى استقــرت فى ضمير النظـــام القضـــائى الانجليزى قد اكتسبت قـــدسية وثبـــاتاً بحيث بـــات الخــروج عليها أو مخالفتها أمراً يصعب تصوره ، وفى ظل هذا النظــــام القضـائى ورغم غيبة دستور مكتــوب فقد توافرت لبلاده كل مقومات العدل والديمقراطية .

وفى كلمته التى ألقـــاها المستشار ماهر عبدالواحد رئيس المحكمة الدستورية العليا فى الجلسة الأولـــى للمؤتمر واختـــار لهــا موضـــوع تأثير القضـــاء الدستورى على السلطة التشريعية فى ظل مبدأ الفصل بين السلطات عرض لاختصـاص المحكمة الدستورية العليا طبقاً لأحكام الدستور وما تضمنته نصــوص قـــانون إنشــاء المحكمة واستعرض عـــددا من المبادئ الدستورية التى أرستها المحكمة فى أحكامها وتناولت بعض الحقوق والحـريات التى كفلها الدستور مثل حق الملكية وحق العمـــل وحـــرية العقيدة وحــرية التعبير ومبدأ المساواة ، كما أوضح حدود السلطة التقديرية التى يمتلكها البرلمان ومتى يتم تجــــاوزها بما يخضعها لرقابة المحكمة الدستورية العليا

وهى أحكام تجلب كلها مشاعر الزهـو والاعتزاز بهذا القضاء الشامخ العريق لمحكمتنا الدستورية .

حين انطفأت أنوار القاعة الرحبة التى عقد فيها المؤتمر بعد أن غادر الحضور مقاعدهم ، خلوت إلى نفسى فى لحظـــات الأمان المطلق ، أحاول أن أرصد إجابة لبعض التساؤلات التى ثارت فى داخلى ، ما هى حصيلة ما أضـــافه حضـــور هــذا المؤتمر إلى إدراكى لما يجـــرى حولنا ؟ ما الذى تغير فى رؤيتى للأمـــور وما الذى تبـــدل فى نظرتى لما تصورته حقـــائق ومسلمـــات ؟ وما الــذى يمكــن أن استلهمه من تجـــارب الآخــرين وأفكــــارهــم وأنظمتهم ؟

من جمــاع ما استوحيته من هــذا المشهد بكــامل جـــوانبه ـــ يمكن أن أقرر أنه ليس بالدساتير المكتوبة وحدها يسود العـــدل ، وتستقيم أحــوال البلاد ، وتنصلح أمور العباد ، وتصان الحقوق ، وتتوافر الحريات ، وتنفذ أحكــام القضــاء ، وتعلو راية القـــانون ، وتسمــو مشيئة الشعوب فوق الأهواء والرغبات .

إن مجرد وجود دستور لا يضمن ــ بذاته ـــ حتمية احترامه ، ونفاذه ، وتطبيق أحكامه . ولكن الأهم من وجـــود الدستور ، والضمــان الوحيد لاحترام نصــوصه هو أن يستقر فى وجـــدان الجميع ــ حكـــاماً ومحكومين ــ أن الدستـــور الذى اتفقت إرادة الشعب على الخضـــوع له هو الحصن والملجأ والمـــلاذ لأمة تهفـــو إلى تحقيق العــــدل والديمقراطية والتقدم .

تلك كانت خطرات جاشت بها نفسى فى رحاب احتفال كوريا بمحكمتها الدستورية

لكن ... ماذا عن احتفال مصر بالمحكمة الدستورية العليا ؟؟

فى الفترة من 7 ــ 9 مارس سنة 2009 ، تحتفل المحكمة الدستورية العليا بمرور 40 عـاماً على إنشاء القضاء الدستورى فى مصر .

ونحن ــ أيضـا ــ لا نريد لهذا الاحتفـــال أن يكـــون مناسبة مظهـــرية تسطع فيها الأضــواء وتعلق الزينات وتفتح فيها القاعات لحفلات الاستقبال والولائم وكلمات الثناء والمجاملة .

بل أردنا له ــ مثلما فعلت كــوريا ــ أن يكــون ملتقــى قـــانونياً مرمــوقاً ، نتحــاور فيه مع أقراننا من قضاة المحــاكم الدستورية والعليا فى أربعين دولة ـــ ومعظمها يجمعنا به قضــايا ومبادئ دستورية مشتركة ــ من أجــل هدف مقـــدس نبيل هو حماية الشرعية الدستورية دفاعاً عن حقوق المواطنين وحرياتهم .

وقد وقع اختيـــار المحكمة الدستورية العليا على أن يدور حوارها مع ضيوفهـــا فيما يقدمونه من أبحــاث ودراسات حـــول موضـــوعين اثنين أولهما : " الضمـــانات الدستورية للحقوق والحريات السياسية " والموضوع الثانى : " الحماية الدستورية لمبدأ العدالة الاجتماعية" الذى يتم مناقشته بمكتبة الاسكندرية فى اليوم الثانى للاحتفال الموافق 8/3/2009 .

إن الإعداد لهذه المناسبة والانشغال بها قد بدأ منذ عــام تقريبــاً تشكلت خــلاله لجـــان من أعضــاء المحكمة للتحضير لهــذا الاحتفـــال بما يوفر ضمـــانات نجـاحه . عزز ذلك أن تسارعت كـافة أجهـــزة الدولة المعنية والمسئولون المختصـــون إلى تقـــديم كـــافة أوجــه المســاعدة دعماً لهــذه المناسبة تقديراً منهم لــدور المحكمة الدستورية العليا وأثـرهـا فى إعلاء مبدأ الشرعية الدستورية وكفالة عن حقوق المواطنين .

خلال أيام الاحتفال تصدر المحكمة الدستورية مجموعة كاملة تمثل حصاد إنجـازها فى أربعين عاماً تشمل حصراً لجميع الأحكام " الدستورية التى أصدرتها المحكمة خلال هذه الفترة وما تضمنته من مبـــادئ بما فيهــا أحكـــام المحكمة العليا التى بــدأت ولايتها ــ وحدهــا ــ لأول مرة فى الرقـــابة القضائية على دستورية القوانين . كما تقدم المحكمة سجلاً بأسماء رؤساء المحكمة ونوابهم ورؤســـاء وأعضـــاء هيئة المفوضين الذين تعـــاقبوا على العمل فى رحلة عطاء متصل حتى الآن . وتصدر الهيئة القومية للبريد طـــوابع بريـد تذكارية تسجل هذه المناسبة ، كما تصدر دار سك النقود عملات تذكارية إحتفاء بها . وتصــدر مجلة " الدستورية " عدداً خـــاصاً تنشر فيه الأبحـــاث والدراسات الدستورية التى قدمها المشاركون فى ندوات الاحتفال .

إننا نتطلع إلى إقامة احتفال وطنى دولى يليق بجلال المناسبة يكــون عمـــاده وسنده وركيزته حوار دستورى عميق وثــــرى بين أصحـــاب الثقافة الدستورية الرفيعة يقـــود فى النهـــاية إلى ترسيـــخ المبادئ الدستورية التى تحتـــرم ارادة الشعـــوب وتحمــى حقـــوق الإنسان.