المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التحكيم في العقود الإدارية وفق قانون التحكيم السوري الجديد رقم (4)



البريتور
05-07-2009, 10:20 AM
التحكيم في العقود الإدارية
وفق قانون التحكيم السوري الجديد رقم (4) تاريخ 25/3/2008
وقانون العقود الموحد رقم (51) تاريخ 9/12/2004

القاضي الدكتور
محمد وليد منصور
بداية لا بد من الإشارة إلى أن بعض الدول تأخذ في نظامها القانوني بأسس النظام اللاتيني وقواعده ، مثل فرنسا وسوريا ولبنان ... ومن المعروف أن هذا النظام يتبنى ازدواجية القانون والقضاء العام .
وفيما يتعلق بالقضاء فهناك جهة القضاء العادي وتختص بمنازعات القانون الخاص بفروعه المختلفة ، أما جهة القضاء الإداري فتختص بمنازعات القانون العام ، وعلى وجه الخصوص المنازعات التي تكون الدولة أو الإدارة كسلطة طرفاً فيها .

ومن المسلم به أن الإدارة العامة يمكنها أن تختار لممارسة نشاطها ولتحقيق المصلحة العامة ، بين طريقتين للتعاقد ، فهي إما أن تلجأ إلى طريقة التعاقد العادي كما تلجأ إلى طريقة التعاقد الإداري . لذلك كان من الضروري تكييف أي عقد تبرمه الإدارة وتحديد الوصف القانوني له لما لهذه التفرقة بين العقود الإدارية والعقود العادية من أهمية بالغة حيث إن العقود الإدارية تخضع لقواعد خاصة هي قواعد القانون الإداري ، بينما العقود العادية تخضع لقواعد القانون المدني ، وتكون الأولى من اختصاص القضاء الإداري والثانية من اختصاص القضاء العادي بالرغم من كون الإدارة طرفاً فيها .
وتتميز العقود الإدارية عن العقود المدنية بطابع خاص مناطه احتياجات المرفق ويبرز فيها تغليب وجه المصلحة العامة على وجه المصلحة الفردية .
ولتحقيق ذلك تتمتع الإدارة في العقود الإدارية بحقوق وسلطات واسعة ، تستمدها من العقد الإداري ومنها :
1 - الرقابة على تنفيذ العقد وإصدار أوامر وتعليمات إلى المتعاقد معها .
2 - سلطة الإدارة في توقيع جزاءات على المتعاقد معها (غرامات مالية - فسخ العقد - تنفيذ العقد على حساب المتعاقد في حال النكول) .
3 - سلطة الإدارة في تعديل العقد بإرادتها المتفردة دون الحاجة لاستصدار حكم قضائي .
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى يتمتع المتعاقد مع الإدارة بمزايا لا توجد عادة في العقود المدنية فله الحق في الوصول إلى التوازن المالي للعقد أي إلى توازن عام بين حقوق الطرفين والتزاماتهما في حالة استخدام الإدارة سلطة التعديل الممنوحة لها .
كذلك فإن للمتعاقد مع الإدارة الحق في المطالبة بتعويض حين تقع ظروف طارئة تحمّله أعباء غير متوقعة وتجعل تنفيذ العقد مرهقاً .
تحديد المقصود بالعقد الإداري :
هو العقد الذي يبرمه شخص معنوي عام ، بقصد تسيير مرفق عام من مرافق الدولة أو تنظيمه ، وتظهر فيه نية الإدارة في الأخذ بأحكام القانون العام ومناط ذلك أن يتضمن العقد شروطاً غير مألوفة في القانون الخاص ، أو يخول المتعاقد في الإدارة العامة الاشتراك مباشرة في تسيير المرفق العام .
كما أن العقد يعتبر إدارياً إذا نص القانون صراحة على أنه عقد إداري (مثال عقود الأشغال العامة في فرنسا اعتبرت عقوداً إدارية بنص القانون) .
والقانون السوري الذي يأخذ بنظرية العقد الإداري وبالتفرقة بين العقد الإداري والعقد العادي (المدني أو التجاري) بحيث يعود الاختصاص للنظر في النزاعات المتعلقة بالعقد الإداري إلى مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري في حين أننا نجد أن القضاء العادي هو الذي يختص في النظر في النزاعات التي تقوم بشأن العقد المدني أو التجاري .
إن نظرية العقد الإداري هي من تصميم وصنع القضاء الإداري (مجلس الدولة) في فرنسا ، فهو الذي وضع خطوطها الرئيسية وتفاصيلها ، وفرنسا هي التي تبنت التفرقة بين القضاء العادي والقضاء الإداري .
مدى أهمية التحكيم في العقود الإدارية :
لقد أصبح التحكيم من مظاهر العصر ، لأهميته العظيمة في المعاملات التجارية . فالاعتبارات العملية تدعو دائماً إلى الاتفاق على التحكيم ، لطرح المنازعات على أشخاص محل ثقة الخصوم بدلاً من طرحها على المحاكم المختصة وذلك بهدف الإفادة من خبرتهم الفنية ، ولتجنب علانية جلسات القضاء مع الاقتصاد في الوقت والجهد والنفقات في كل الأحوال. وفي ظل الانفتاح الاقتصادي انتشر نظام التحكيم واعترفت به غالبية النظم القانونية الداخلية ، وامتد نطاق تطبيقه إلى مجالات كانت بالأمس القريب بعيدة عنه كما هو الحال في المنازعات التي تكون الدولة أو أحد الأشخاص العامة طرفاً فيه وهو ما يعبر عنه بالتحكيم الإداري .
وقد اقترن ازدهار التحكيم واتساع آفاقه في مجال القانون الإداري بنمو العلاقات الاقتصادية الداخلية والدولية بين الأفراد والدولة ، حيث درجت الدول التي يقصر الادخار الوطني فيها وعائدات ثرواتها الطبيعية عن الوفاء بالحاجات المتعاظمة لرؤوس الأموال التي تستلزمها خططها في مجال التنمية على انتهاج سياسات من شأنها العمل على حفز وتشجيع الاستثمارات الأجنبية ، وذلك بتوفير المناخ المناسب الذي يتحقق فيه أوجه الضمان المختلفة ضد المخاطر السياسية والاقتصادية .
وقد تضطر الدولة وأشخاص القانون العام إلى إبرام عقود التجارة الدولية أو الإشراف على عقود التنمية الاقتصادية ، مما يجعل التحكيم هو الوسيلة الدائمة لتسوية المنازعات التي تتأزم بمناسبة تنفيذ هذه العقود التي تمثل الشركات الأجنبية طرفاً ثانياً فيها ، وبالتالي يصعب خضوع الدولة أو أشخاص القانون العام لقضاء دولة أجنبية ، وهذا خلاف ما يحدث في التحكيم حيث إنها تشارك فيه باختيار المحكمين واختيار القانون الواجب التطبيق .
لقد دخل التحكيم كقضاء خاص في مختلف فروع القانون وأثبت نجاحه وجاءت العقود الإدارية للتعارض مع هذا القضاء في البدايات مما دفع بعض الفقه الفرنسي إلى القول بأن (التحكيم في الأمور الإدارية بالنسبة للمسافر في عالم القانون كالمسافر في أرض ميؤوس منها) .
النظريات التي تحظر التحكيم على الدولة والأشخاص المعنوية من القانون العام :
لقد استند الفقه الفرنسي القديم إلى ثلاث نظريات منبثقة جميعها من المبادئ العامة للقانون وهي:
1 - مبدأ فصل السلطات الإدارية عن السلطات القضائية .
2 - مفهوم النظام العام .
3 - نظرية عدم أهلية الإدارة للجوء إلى التحكيم.
فمبدأ فصل السلطات يقضي بوجود جهة قضائية متخصصة تتولى الفصل في المنازعات الإدارية ، ومن بينها منازعات العقود الإدارية ، وهذه الجهة هي مجلس الدولة .
ويترتب على ذلك أن إباحة التحكيم في منازعات العقود الإدارية يعتبر كاعتداء على اختصاص مجلس الدولة ، وبالتالي اعتداء على مبدأ الفصل بين الهيئة القضائية والهيئات الإدارية .
ومن ناحية أخرى ، فإن مبدأ حظر لجوء أشخاص القانون العام إلى التحكيم يجد أساسه في فكرة النظام العام . بمعنى مجموع المصالح العليا للمجتمع التي تسمو على المصالح الفردية .
ومن ناحية ثالثة ، فإن مبدأ حظر لجوء أشخاص القانون العام للتحكيم يقوم على نظرية عدم أهلية هذه الأشخاص لإبرام اتفاق التحكيم لأن المشرع لم يمنحها الأهلية اللازمة من الناحية القانونية لإبرام هذا الاتفاق ، بل حظر عليها ، بمقتضى نصوص تشريعية صريحة ، اللجوء على التحكيم .
التطورالحديث للتحكيم في العقود الإدارية:
لقد كان لتطور التجارة الدولية والاستثمارات المالية واحتياجات الدولة لهذه الاستثمارات دور أساسي في التخفيف وبشكل تدريجي بأن سمحت بعض التشريعات للدولة بأن تلجأ إلى التحكيم الدولي إذا تعلق الأمر بمصالح التجارة الدولية .
وكنتيجة لتطور القضاء الذي استقر على بعض المبادئ المتعلقة بالتحكيم ، باعتباره وسيلة فعالة لتسوية المنازعات ، اهتمت الدول المختلفة بإصدار تشريعات خاصة بالتحكيم على النظامين الدولي والداخلي ، لتسوية المنازعات التي تكون الدولة أو أحد أشخاصها المعنوية العامة طرفاً فيها .
ومن ناحية أخرى ، فإن القضاء العادي في فرنسا ، وعلى رأسه محكمة النقض ، قد استقر على أن النصوص التشريعية الواردة في قانون المرافعات وفي القانون المدني ، التي حظرت على الأشخاص القانونية العامة اللجوء إلى التحكيم ، تنطبق على العلاقات القانونية الوطنية وحدها ولا تنطبق على العقود ذات الطابع الدولي .
وشمل التطور موقف مجلس الدولة من التحكيم في مجال المنازعات الإدارية . حيث أدت الضرورات العملية والرغبة في إيجاد حل سريع للمنازعات الإدارية إلى تأييد مجلس الدولة للتحكيم في مجال هذه المنازعات .
ولقد تطور تعامل التشريع الفرنسي مع التحكيم على ما وصل إليه الفقه والقضاء لجهة جواز لجوء الدولة إلى التحكيم وتطبيقاً للاتفاقية الأوربية للتحكيم الدولي المبرمة في جنيف عام 1961 التي نصت على (إن الأشخاص المعنوية للقانون العام تملك القدرة على إبرام اتفاق التحكيم) .
أما ما يتعلق بأهلية الدولة أو أحد أشخاصها الاعتبارية لإبرام الاتفاق على التحكيم في القانون الوضعي المصري ، فلقد عرف النظام القانوني المصري التحكيم منذ زمن بعيد . على أن أهمية التحكيم كوسيلة لفض المنازعات بديلاً عن القضاء لم تأخذ مكاناً مرموقاً في مصر إلا في أوائل الثمانينات من القرن الماضي مع اتجاه الدولة إلى نظام الاقتصاد الحر وتخصيص شركات القطاع العام .
فبدأ التحكيم يأخذ أبعاداً جديدة متزايدة ، وكان من أهم المشكلات تلك التي تتصل بالتحكيم في العقود الإدارية ، فمع غياب النص التشريعي حول هذا الموضوع اختلف الفقه وتضاربت أحكام القضاء حول مدى جواز التحكيم في العقود الإدارية .
وعندما صدر قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية رقم (27) لسنة 1994 نص في المادة الأولى منه على أنه مع عدم الإخلال بأحكام الاتفاقيات الدولية المعمول بها في جمهورية مصر العربية تسري أحكام هذا القانون على كل تحكيم بين أطراف من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص أياً كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع إذا كان هذا التحكيم يجري في مصر أو كان تحكيماً تجارياً دولياً يجري في الخارج واتفق أطرافه على إخضاعه لأحكام هذا القانون .
والواقع فإن الجدل القائم حول هذه الناحية لم يتوقف فعلى الرغم من أن جمهور الفقه قد ذهب إلى شمول هذا النص للتحكيم في العقود الإدارية ذهب الرأي الآخر إلى عدم جواز ذلك وبجلسة 18/12/ 1996 أصدرت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة فتواها والتي خلصت فيها إلى عدم صحة شرط التحكيم في منازعات العقود الإدارية .
إن هذه التطورات بمجملها كانت الدافع الرئيسي للمشرع للتدخل مرة ثانية لتعديل المادة الأولى من القانون (27) لسنة 1994 حيث تم حسم هذا الموضوع وذلك بالقانون رقم (9) لسنة 1997بإضافة فقرة ثانية إليها تنص : « وبالنسبة إلى منازعات العقود الإدارية يكون الاتفاق على التحكيم بموافقة الوزير المختص أو من يتولى اختصاصه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية العامة ولا يجوز التفويض في ذلك » .
والواقع أننا نرى أن تعليق أهلية الشخص المعنوي في إدراج شرط التحكيم في العقود الإدارية على إذن خاص من الوزير المختص أو ممن يقوم مقامه لن يؤدي إلى تحقيق غاية المشرع الأساسية ، ويكون لذلك آثار سلبية كما حدث في عدد من القضايا ومنها قضية الأهرام ، فالوزير يمثل السلطة التنفيذية في الدولة وتوقيعه بالموافقة على إبرام شرط التحكيم يجعل هذا الشرط سارياً في مواجهة الدولة مما قد يسبب ضرراً بالمصلحة العامة في حالة صدور حكم يدين الشخص المعنوي العام فيعتبر هذا الحكم صادراً في مواجهة الدولة وذمتها المالية .
أما فيما يتعلق بلبنان فإن نظام التحكيم وارد في قانون أصول المحاكمات المدنية وإذا نهج المشرع اللبناني نهج المشرع الفرنسي ، فإنه انفرد عن سائر القوانين العربية بأنه فرق بشكل واضح وصريح ، وبالنص القانوني وليس بالاجتهاد ، بين التحكيم الداخلي و التحكيم الدولي .
ولم ينص القانون القديم الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (72) تاريخ 1/1/1973 صراحة على عدم أهلية الدولة للجوء إلى التحكيم ، ولكن يستفاد ذلك من نص المادة 828 من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي نصت على « إن إنشاء العقد التحكيمي لا توجب من أجله المادة 408 أو غيرها من النصوص القانونية أن تقدم النيابة العامة مطالعتها » .
وأخيراً وعلى أثر المراجعتين المقدمتين من الدولة اللبنانية لإبطال الاتفاقيات التحكيمية الموقعة من قبلها مع شركتي الهاتف الخليوي العاملتين في لبنان وصدور حكمين عن مجلس شورى الدولة بتاريخ 17/7/ 2001 والذي أبطل فيهما مجلس الشورى الشرط التحكيمي الوارد في عقدي الهاتف الخليوي مع شركتي سيليس ولبنانسيل ، وانطلاقاً من أهمية وضرورة وجود قانون عصري للتحكيم يحقق ضمانات صريحة وواضحة للمستثمرين لا مجال فيها لأي لبس ، فقد أصدر المشرع اللبناني تعديلاً على قانون التحكيم اللبناني وهو القانون رقم /440 تاريخ 1/8/2002 والذي يمثل منعطفاً هاماً في موضوع لجوء الدولة إلى التحكيم ، وخاصة التحكيم على الصعيد الدولي حيث قام بتعديل بعض أحكام قانون أصول المحاكمات المدنية واستبدالها بالمواد الجديدة الآتية :
المادة /77/ الجديدة : « الدعوى المتعلقة بصحة أو بمخالفة امتياز ممنوح أو معترف به من قبل الدولة اللبنانية تقام لدى المحاكم اللبنانية ، وذلك مع مراعاة أحكام المادتين /762/ الجديدة فقرتها الثالثة و(809) فقرتها الثانية » .
وتنص المادة /762/ على أنه « يجوز للمتعاقدين أن يدرجوا في العقد التجاري أو المدني المبرم بينهم بنداً ينص على أن تحل بطريق التحكيم جميع المنازعات القابلة للصلح التي تنشأ عن صحة هذا العقد أو تفسيره أو تنفيذه .
يجوز للدولة ولأشخاص القانون العام أياً كانت طبيعة العقد موضوع النزاع اللجوء إلى التحكيم .
اعتباراً من تاريخ العمل بهذا القانون التعديلي ، لا يكون البند التحكيمي أو اتفاق التحكيم نافذاً في العقود الإدارية إلا بعد إجازته بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء لاقتراح الوزير المختص بالنسبة للدولة أو سلطة الوصاية بالنسبة للأشخاص المعنويين من القانون العام .
والمعروف أن المادة /809/ تتضمن فقرتين تنص الأولى منهما على أنه :
« يعتبر دولياً التحكيم الذي يتعلق بمصالح التجارة الدولية » .
أما الفقرة الثانية فإنها تنص على أنه :
« يحق للدولة ولسائر الأشخاص المعنويين اللجوء إلى التحكيم الدولي .
وبذلك يكون المشرع اللبناني قد وضع حدوداً لاختصاص المحكم في العقود الإدارية تصل إلى تنفيذ العقد الإداري وتفسيره ولكنها لا تصل إلى طلبات الإبطال بسبب تجاوز حدود السلطة التي تبقى حصراً من صلاحية القضاء الإداري .
إن المسألة التي يمكن أن تثار من هذا الإطار أنه ووفقاً للفقرة الثالثة من المادة 795 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني فإن القرارات الإدارية غير المشروعة والمتصلة بالعقد قد أصبحت من صلاحية القضاء الإداري حصراً . ولا شك أن ذلك سيؤدي إلى وضع غير مستقر بين القضاء الإداري والقضاء التحكيمي لحل هذه الإشكالية .
إن ما تقدم يعني أن المشرع اللبناني استبعد من نطاق التحكيم في العقد الإداري النزاع المتعلق بصحة العقد الإداري وقصره على تفسير هذا العقد أو تنفيذه ، كما استبعد أيضاً من نطاق التحكيم دعاوى الإلغاء التي تتعلق بمشروعية القرارات الإدارية المرتبطة بالعقد الإداري .
ونرى أن ما ورد في التشريع اللبناني هو اتجاه منفرد ليس له ما يماثله في التشريعات المقارنة ، وأن هذا الموقف يضيق من نظام التحكيم في العقد الإداري ويعرقل اللجوء إلى التحكيم . لأن من أهم مزايا التحكيم سرعة البت في مسائل الخلاف المثارة وعدم إطالة النزاع في العقود الإدارية والسرية في التحكيم. كما أنه فيما يتعلق بالقضايا الفنية يرجح حل هذه القضايا عن طريق التحكيم لأنها تساير المتطلبات المتعارف عليها بشأن المواصفات والأمور الفنية . والواقع فإن ما ذهب إليه المشرع اللبناني من شأنه تجزئة النزاع وعرضه على أكثر من جهة أي جهة التحكيم في بعض المسائل وجهة القضاء الإداري في بعض المسائل الأخرى ، مما يعرقل مسيرة التحكيم والغاية الرئيسية له . ونقترح أن يعيد المشرع اللبناني النظر في موقفه هذا وأن يطلق قضايا التحكيم في العقد الإداري من أي قيد ويعتبر أن التحكيم في العقد الإداري هو تحكيم يندرج تحت لواء القضاء الكامل وذلك أسوة بموقف المشرع السوري والمصري .
أما فيما يتعلق بأهلية الدولة أو أحد أشخاصها الاعتبارية العامة لإبرام الاتفاق على التحكيم في القانون الوضعي السوري :
فقد كان لسورية السبق في هذا المجال . ومع ذلك وبهدف مواكبة دول العالم المتقدمة التي تسعى إلى تعديل قوانينها بصورة تشجع التحكيم الدولي وتواكب مسيرته وتجعل شروطه أفضل وأخف من الشروط المفروضة على التقاضي أمام القضاء الوطني في التحكيم الداخلي وأخف من شروط تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الوطنية أو التحكيم الداخلي ، فلقد شهدت سورية في الآونة الأخيرة قفزة نوعية حقيقة في تحديث قوانينها فصدرت عشرات القوانين ، وضمن هذا الإطار فإنه صدر بتاريخ 25/3/2008 قانون خاص بالتحكيم بعد أن تمت مناقشة مواد مشروعه في مجلس الشعب حيث نصت المادة 66 من القانون رقم /4/ المنوه عنه على أنه يعمل به اعتباراً من الأول من نيسان 2008 .
لقد كان ذلك في وقت نحن بحاجة ماسة إلى الانطلاق على الساحة الدولية بعد أن ازدادت اليوم مؤسسات التحكيم الدولي وأنظمة التحكيم الدولي في العالم إلى حد كبير ، وأبرم العديد من المعاهدات الدولية التي تتعلق بتنفيذ الأحكام الأجنبية أو الصادرة في موضوع تحكيم دولي ، والغاية من هذه المعاهدات تقليص وتبسيط شروط تنفيذ الحكم التحكيمي بالمقارنة مع أحكام القضاء والأحكام التحكيمية الداخلية . ومن أبرز الأمثلة على ذلك اتفاقية نيويورك الدولية حول الاعتراف بالأحكام التحكيمية الأجنبية وتنفيذها وهي الاتفاقية المبرمة في 10 حزيران 1958 والتي انضمت إليها سورية في عهد الوحدة . واتفاقية واشنطن التي انضمت إليها سورية مؤخراً ودخلت حيز التنفيذ في 24/3/2006(1) .
مؤيدات التحكيم في النزاعات الإدارية
أولاً - القانون :
لم يكن في القانون في وقت من الأوقات ما يمنع الإدارات العامة من اللجوء إلى التحكيم لحل نزاعاتها مع الأفراد ، وما قيل في أن وجوب تمثيل النيابة العامة في القضايا المتعلقة بإدارة عامة هو مانع من هذا اللجوء قول غير مقبول وذلك للأسباب التالية :
1 - إن المادة 123 من قانون أصول المحاكمات الناصة على هذا التدخل ، وردت تحت عنوان الباب الرابع الخاص بتدخل النيابة ، ولا ريب أن التدخل معناه القانوني الانضمام إلى أحد الطرفين في الدعوى وهو يقدر بقدره ، ويرتسم ضمن حدود معينة تخططها الدعوى ذاتها . فإذا لم ينص العقد أو الاتفاق أو القانون على منع الطرفين من اللجوء إلى التحكيم ، جاز ذلك وبخاصة أن الإدارة العامة شخصية اعتبارية مفروض أنها تملك أمرها .
2 - إن صيغة هذه المادة وردت على سبيل الجواز ، فتدخل النيابة العامة ليس متوجباً في مثل هذه الدعاوى .
3 - إن المواد 506 وما بعدها من قانون أصول المحاكمات الناظمة للتحكيم وجدت في وقت كان القضاء العدلي هو الناظر في نزاعات هي نزاعات الإدارات العامة مع الأفراد بملء صلاحيته الشاملة (القضاء الكامل) ، لهذا كانت تشمل التحكيم الذي تلجأ إليه الإدارة العامة .
ثم صدر فيما بعد بتاريخ 21/2/1959 قانون إدارة قضايا الحكومة رقم (58) فنص في مادته الثالثة على ما يلي : « لا يجوز إجراء صلح في دعوى تباشرها إدارة قضايا الحكومة ، إلا بعد أخذ رأيها في إجراء الصلح ، كما يجوز لهذه الإدارة أن تقترح على الجهة المختصة الصلح في دعوى تباشرها .
وطبيعي أن الصلح جزء من التحكيم ، فمعظم صكوك التحكيم تفوض المحكمين بالصلح . وأن إدارة القضايا لا تباشر أي دعوى لا تكون موضوع نزاع بين إدارة عامة وأفراد(2) .
وفي الواقع فإن ذلك مثل خطوة نحو إقرار هذا التحكيم تلتها خطوة أكثر جرأة في المادة 44 من قانون مجلس الدولة رقم (55) لعام 1959 ، التي تنص في فقرتها الثانية على التالي : « لا يجوز لأية وزارة أو مصلحة من مصالح الدولة أن تبرم أو تقبل أو تجيز أي عقد أو صلح أو تحكيم أو تنفيذ قرار محكمين في مادة تزيد قيمتها على خمسة آلاف جنيه (خمس وأربعين ألف ليرة سورية) بغير استفتاء الإدارة المختصة أي الإدارة المختصة بالفتوى في مجلس الدولة »(3) .
وكانت الخطوة البارزة ضمن هذا الإطار عندما صدر المرسوم التشريعي رقم (228) تاريخ 23/9/ 1969 متضمناً نظام العقود للهيئات العامة ذات الطابع الإداري ، فأزال لبساً كان يساور أذهان العاملين في حقل القانون ، وهو لبس يقفون عنده قائلين : لعل نظام التحكيم قاصر على الإدارات العامة الصناعية والتجارية ، إذ بهذا النص دخلت المؤسسات العامة الإدارية ، في شمول قواعد التحكيم . وقد نصت المادة /7/ في فقرتها /آ/ منه على أنه : « يحق للإدارة الموافقة على اللجوء إلى التحكيم وفقاً للأصول المتبعة في القضاء الإداري ، وتشكل لجنة التحكيم برئاسة مستشار من مجلس الدولة يسميه رئيس المجلس أو قاضٍ يسميه وزير العدل وعضوية مندوب عن كل من الإدارة والمتعهد بقرار من الوزير يحدد فيه موضوع الخلاف وتعويضات اللجنة ضمن حدود الأحكام القانونية النافذة . أما الفقرة (ب) فقد جاء فيها أنه : « يحق للجنة الاستعانة بمن تراه ضرورياً من مختصين وأهل الخبرة ». والفقرة(ج) جاء فيها: « يمكن أن ينص في العقود الخارجية على تحديد جهة تحكيمية خاصة خلافاً للأحكام السابقة ويتحمل الفريق الخاسر نفقات التحكيم بنسبة خسارته » . وبذلك يكون هذا النص قد أوجد نوعين من التحكيم :
النوع الأول : داخلي يستهدف فض النزاعات الإدارية مع الأفراد من المواطنين حول عقودهم الإدارية وهو يجري حسبما اقتضته الأحكام الماثلة في قانون أصول المحاكمات (المادة 506 وما بعدها) وفي أحكام القضاء الإداري مما سيتم بحثه لاحقاً .
أما النوع الثاني : فيهدف إلى التحكيم المتفق عليه بين الإدارات العامة السورية والبيوت التجارية الأجنبية . ويخضع هذا التحكيم لنصوص التحكيم الماثلة في نظم الغرفة التجارية الدولية وقد نصت المادة الثانية من المرسوم المنوه عنه أنه يطبق على الوزارات والإدارات العامة (باستثناء وزارة الدفاع والمؤسسات والشركات التابعة لها) والمؤسسات ذات الطابع الإداري ، والوحدات الإدارية المحلية والدوائر الوقفية(4) .
وقد أضاف المرسوم التشريعي رقم (21) تاريخ 2/10/1994(5) مادة /75/ مكرر إلى مواد المرسوم التشريعي رقم (228) لعام 1969 المعدل بالقرار الصادر عن رئيس مجلس الوزراء رقم (9) تاريخ 2/2/2002 وقد جاء فيها : « آ - لا تنفذ العقود الجارية وفقاً لأحكام هذا النظام والتي تتجاوز قيمتها عشرة ملايين ليرة سورية إلا بعد استفتاء الإدارة المختصة في مجلس الدولة .
ب - يجوز بقرار من مجلس الوزراء تعديل القيمة المحددة في الفقرة (آ) عند الاقتضاء » .
ونص المرسوم المذكور في مادته الثانية : « تعتبر المادة /44/ من قانون مجلس الدولة رقم (55) لعام 1959 معدلة حكماً بما يتفق وأحكام المادة الأولى من هذا المرسوم التشريعي » .
وجاء أيضاً المرسوم التشريعي رقم (195) لعام 1974 المتعلق بنظام عقود المؤسسات العامة والشركات العامة والمنشآت ذات الطابع الاقتصادي(6) ليجيز التحكيم في منازعات العقود في عدد من المواضيع . فقد نصت المادة 46 منه :
« آ) 1 - لا يكون المتعهد مسؤولاً عن التأخير الواقع بسبب الجهات العامة الأخرى .
2 - يعفى المتعهد من غرامات التأخير إذا كان ضحية خالصة لقوة قاهرة لا يد له فيها وذلك عن المدة التي تأخر فيها بسبب تلك القوة القاهرة .
3 - يعفى المتعهد من تنفيذ التعهد إذا أضحى أمام استحالة مطلقة تحول دون قيامه بتنفيذ أحكام التعهد وكان ذلك غير ناجم عن تقصير وراجعاً إلى ظروف خارجة تماماً عن إرادته .
4 - إذا طرأت ظروف أو حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ التعهد وإن لم يصبح مستحيلاً صار مرهقاً بحيث يهدده بخسارة فادحة كان للمتعهد الحق بطلب تعويض عادل .
ب) - 1 - يكون البت في الحالة الواردة في البند /1/ من الفقرة (آ) من هذه المادة من حق الجهة المتعاقدة بموافقة الوزير حصراً .
2 - أما في الحالات التي تنطبق على البنود /2، 3، 4/ من الفقرة /آ/ من هذه المادة فيجري البت فيها بطريق التحكيم إن لم تجرِ تسويتها وفق نظام التسويات المنصوص عليه في المرسوم التشريعي رقم (18) تاريخ 15/2/1974 ويجوز في التحكيم الداخلي أن يكون المحكمون مفوضين بالصلح » .
إذن فإنه من الواضح من هذا النص أن المشرع قد أجاز التحكيم في المنازعات المتعلقة بالقوة القاهرة والحوادث الاستثنائية التي تواجه المتعاقد مع الإدارة وذلك وفق الحالات المحددة والتي تنطبق على البنود /2، 3، 4/ من الفقرة /آ/ من المادة /46/ وأجاز في التحكيم الداخلي أن يكون المحكمون مفوضين بالصلح .
كما نصت المادة /50/ من المرسوم التشريعي رقم (195) المذكور أنه : « إذا بعد تقديم العرض وطيلة المدة المحددة في العقد لتنفيذه ، حدث ارتفاع في الأسعار جعل تنفيذ الالتزام كلياً أو جزئياً مرهقاً ، وتقدم المتعهد بطلب إلى الجهة المتعاقدة ، تراعي لجنة التحكيم أحكام القوانين والأعراف التجارية ، وذلك مع مراعاة أحكام المادة /43/ من هذا النظام وعلى أن يتحمل المتعهد الزيادة الناجمة عن ارتفاع الأسعار إذا كانت لا تتجاوز 15 % من قيمة العقد » .
كما نصت المادة /58/ من هذا المرسوم المذكور على أنه « يجوز النص في العقد على اللجوء إلى التحكيم وفقاً للقواعد والشروط المحددة فيه » .
ومما تقدم تتوضح بعض الأسس حول التحكيم في العقود الإدارية في سورية :
1 - إن المشرع السوري قد منح في أنظمة العقود الإدارية بالمرسوم رقم 228 لعام 1969 والاقتصادية بالمرسوم رقم /195/ لعام 1974 ، أشخاص القانون العام الإداري والاقتصادي ضمن الشروط القانونية وموافقة الجهات المعنية على التعاقد ، سلطة مباشرة للتفاوض وإبرام العقود الإدارية أو الاقتصادية الداخلية أو الخارجية ، وتصديقها من الجهات المختصة ، لإضفاء صفة النهائية عليها(7) .
2 - هناك ناحية إجرائية هامة بالنسبة للتحكيم في العقود الإدارية في سوريا حيث يلاحظ أن التحكيم يكون دائماً بتشكيل جماعي ويتسم التشكيل الجماعي بالطابع القضائي الإداري ، حيث إن المحكم المرجح تختاره جهة قضائية إدارية .
3 - فرق المشرع السوري بين عقود الجهات الإدارية وعقود الجهات الاقتصادية التي يرد فيها بند التحكيم ، وأخضع الأولى إلى استفتاء مجلس الدولة كما بيناه في المادة /44/ من قانون مجلس الدولة والمادة /75/ مكرر من نظام عقود الهيئات العامة ذات الطابع الإداري .
4 - أجاز في نظام عقود المؤسسات العامة والشركات العامة والمنشآت ذات الطابع الاقتصادي قبول التحكيم الداخلي والخارجي دون أن ينص على ضرورة استفتاء مجلس الدولة (المادة 46 من نظام عقود هيئات القطاع الاقتصادي) .
وقد صدر مؤخراً نظام العقود الموحد في الجمهورية العربية السورية(8) والذي أقر في المادة /66/ منه الوضع الذي كان سارياً في ظل نظام عقود هيئات القطاع الإداري ، حيث نصت المادة /66/ في الفقرة (ب) منه على ما يلي :
« يجوز أن ينص في دفاتر الشروط الخاصة والعقد على اللجوء إلى التحكيم وفقاً للأصول المتبعة أمام القضاء الإداري ، وتشكل لجنة التحكيم برئاسة مستشار من مجلس الدولة يسميه رئيس مجلس الدولة وعضوين تختار أحدهما الجهة العامة ويختار المتعهد العضو الآخر » .
وبهذا التعديل نجد أن رئاسة لجنة التحكيم أصبحت حصراً لمستشار من مجلس الدولة ، ونرى أن ذلك يتوافق مع اختصاص قضاة مجلس الدولة وينسجم بشكل واضح وطبيعة التحكيم في العقود الإدارية .
كما نصت الفقرة (ج) من المادة نفسها على أنه :
« يمكن أن ينص في العقود الخارجية بموافقة الوزير المختص بالذات على جهة تحكيمية خاصة خلافاً لأحكام البند (ب) ... » .
وبما أن النظام الجديد أصبح مطبقاً على كل الجهات العامة في الجمهورية العربية السورية فإنه يمكن القول إن نظام التحكيم في العقود الإدارية أصبح واحداً بالنسبة لكل عقود الجهات العامة دون تفريق بين جهات ذات طابع إداري أو ذات طابع اقتصادي .
وأخيراً صدر القانون رقم /4/ تاريخ 25/3/ 2008 والذي نص في المادة /64/ منه على إلغاء المواد من /506/ إلى /534/ من قانون أصول المحاكمات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /84/ لعام 1953 وتعديلاته .
وقد نصت الفقرة الثانية من المادة الثانية منه على التالي : « يبقى التحكيم في منازعات العقود الإدارية خاضعاً لأحكام المادة /66/ من نظام العقود الصادر بالقانون رقم /51/ تاريخ 9/12/2004 .
ثانياً - القضاء :
لقد تردد القضاء الإداري في سورية بين فكرتين:
الأولى : تتمثل في أن الإدارة لا تجبر على اللجوء إلى التحكيم إلا برضاها(9) ، ولو كانت قد ارتبطت مع المتعهد في العقد على حل النزاع الذي ينشأ بينها وبينه عن طريق التحكيم بشرط تحكيمي ، ولكن هذا الاتجاه لم يستمر طويلاً .
الثانية : ووفق هذا الاتجاه الذي ما يزال مستمراً ... والذي بدأ في عام 1963 ، فإن الطريق التحكيمي طريق استثنائي لفض ما ينشأ من خصومات قوامه الخروج عن الطريق العادية في كل ما انصرفت إليه إرادة المحتكمين ، فاشتراط التحكيم أمام هيئة تحكيم معينة يعتبر شرطاً واجب الرعاية ، ويمنع القضاء من السير بالدعوى(10) .
وللقضاء العديد من الاجتهادات التي تؤكد حرية المتعاقدين باشتراط عرض ما قد ينشأ بينهم من منازعات في تنفيذ عقد معين على التحكيم بصورة تمكنهم من اختيار قضاة يفهمون قضاياهم ويساعدونهم على حل نزاعاتهم بطريقة سهلة على الوجه المنصوص عليه في الباب الرابع مع قانون أصول المحاكمات . وأن اشتراط التحكيم أمام هيئة تحكيم معينة يعتبر شرطاً واجب الرعاية كسائر الشروط الأخرى التي ارتضاها المتعاقد على اعتبار أنها لا تخالف النظام العام في شيء(11) .
وأنه بصرف النظر عن الجدل الدائر بين طرفي العقد حول مدى إلزامية الشروط العقدية المتعلقة بالتحكيم ، فإن قيام كل منهما بتسمية محكم في لجنة التحكيم يعني أن اتفاقهما قد انعقد على اللجوء إلى التحكيم للبت في الخلاف الشاجر بينهما(12) .
وقد استقر الاجتهاد القضائي على ذلك في كثير من أحكامه ومنها الخلاف بين لجنة المنشآت الرياضية والمتعهد حول سوء التنفيذ الذي تم فيه تنفيذ المنشآت الرياضية موضوع المدينة الرياضية(13) حيث جاء في موجبات التحكيم « إن التحكيم قضاء حقيقي يسعى إليه أطراف النزاع بمحض اختيارهم ، ولا يسوغ لأي طرف من أطراف العقد أن يتحلل من شرط عقدي ملزم بالتحكيم » . وقد ورد في الحيثيات .... « ومن حيث إنه يقتضي لفت نظر المدعى عليه إلى أن الحكم الطعين لم يبادر من لدنه إلى اعتبار لجنة التحكيم المتفق على توليها حسم المنازعات الناشئة عن العقد موضوع القضية هي المختصة بالفصل في النزاع مدار البحث في هذه القضية ، وإنما اعتمد الأساس المتفق عليه بين الطرفين في هذه الخصوصية . وإن اعتراض المدعي على الطريقة التي انتهجها الحكم المذكور ، فيه إغضاء عن حقيقة تنطق بها الوقائع الماثلة في عيون الأوراق ، إذ إن طلب الإدارة المدعية وصف الحالة الراهنة للمنشآت الرياضية والعيوب التي ظهرت فيها ، ومدى الخطورة التي يتعرض لها المواطنون ، إنما يهدف إلى تحديد نفقات إصلاح تلك العيوب والمدة اللازمة لإجرائها ، وفوات المنفعة الناجمة عن تعطيل المنشآت الرياضية في غضون المدة السابقة ، وإجازة الاتحاد الرياضي العام بإجراء الإصلاحات على نفقة المدعى عليه ، وتضمينه العطل والضرر وفوات المنفعة . إن كل ذلك لا يمكن تحقيقه بمجرد وصف الحالة الراهنة، ولكن لا معدى من أن تتولى الهيئة التحكيمية المختصة الفصل في موضوع المنازعات السالفة الذكر بكاملها ، بحسبانها الجهة التي أولاها الطرفان ثقتهما ووضعا بين يديها أمر البت فيها . وبهذه المناسبة يكون طعن المدعى عليه من هذه الناحية خليقاً بالرفض على وجه الإطلاق .
وبالتالي فإن الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري برقم 353 تاريخ 31/7/1986 في القضية رقم أساس 753 لعام 1986 ، والقاضي بقبول الدعوى شكلاً لجهة وصف الحالة الراهنة ، وتثبيت هذا الوصف ، وبقبولها موضوعاً وتثبيت وصف الحالة الراهنة للمنشآت الرياضية محل الدعوى وفقاً لضبط الكشف المنظم في 21/10/1984 ، وتقرير الخبرة الفنية المؤرخ في 22/1/1985 ، وتضمين الجهة المدعية الرسوم والنفقات وخمسين ليرة سورية مقابل أتعاب المحاماة ، وإحالة الملف إلى السيد رئيس مجلس الدولة لاستكمال إجراءات تشكيل اللجنة التحكيمية للبت في المنازعة ، ومن حيث إن التحكيم في ضوء ما سلف بيانه يعتبر قائماً على ركن متين من القانون وهو حقيق بالتأييد » .
لا يميز القانون السوري بين أنواع العقود مدنية كانت أو تجارية أو إدارية بشأن الشرط التحكيمي . وأكثر ما يوجد هذا الشرط في العقود الإدارية وعقود الجمعيات التعاونية والعقود التي تبرمها بعض الشركات العامة ذات الصفة التجارية .
وترى المحكمة الإدارية أن شرط التحكيم في العقد الإداري هو شرط واجب الرعاية كسائر الشروط الأخرى ما دام قد ورد صحيحاً وغير مخالف للنظام العام(14) .
وترى أيضاً أن شرط التحكيم في العقود الإدارية هو كغيره من الشروط العقدية الأخرى التي تعتبر ملزمة للطرفين المتعاقدين تأسيساً على أن العقد الإداري لا يخرج عن كونه عقداً بالمعنى القانوني الدقيق ، أي أنه توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني ، وليس في خصائص العقد الإداري ما يمكن أن يؤدي إلى إهدار القوة الملزمة لأي شرط من شروطه التعاقدية(15) .
وكذلك استقر اجتهاد المحكمة الإدارية العليا على أن النص في العقد على حل الخلافات المحتملة بين الطرفين عن طريق التحكيم إنما يعتبر شرطاً ملزماً للطرفين لا مجال للتنكب عنه .
أما إذا كان شرط التحكيم قد ورد في ملحق عقد ولم يتم تنفيذ هذا الملحق ، فإن هذا الشرط لا يبرر اللجوء إلى التحكيم في النزاعات الأساسية للعقد(16) .
نصت المادة /46/ من المرسوم التنظيمي ذي الرقم 195 تاريخ 25/4/ 1974 الصادر تنفيذاً لأحكام المرسوم التشريعي ذي الرقم 18 تاريخ 15/12/1974 والمتعلق بعقود شركات وهيئات القطاع العام ، على أن البت في النزاعات الواردة في البنود 2 ، 3 ، 4 من الفقرة (ب) من هذه المادة وهي المتعلقة بغرامات التأخير واستحالة تنفيذ العقد والظروف الطارئة ، يكون بطريق التحكيم .
ويرى القضاء ، أن التحكيم الوارد في المادة /46/ الفقرة (ب) هو نوع من التحكيم الإجباري لا يمكن للطرفين التحلل من أحكامه وهو واجب الاتباع ولو وجدت نصوص تخالف ذلك(17) .
ثم توالت الأحكام منذ ذلك التاريخ باطراد حتى الآن . وهناك آراء صادرة بهذا الاتجاه من اللجنة المختصة في مجلس الدولة الناظرة في فتاوى مجلس الوزراء(18) .
وضمن هذا الإطار لا بد من التنويه إلى أنه يجب التنبيه إلى أن كلا الاتجاهين لا يرفض فكرة لجوء الإدارة العامة إلى التحكيم إذا كانت الإدارة راغبة في التحكيم .
شروط التحكيم في نزاعات القانون الإداري
أولاً - الشروط المطلوبة في موضوع التحكيم :
من المعروف أن التحكيم في المنازعات المدنية وهي كل دعاوى المال المتعلقة بحقوق الناس فقط لا ينبغي أن يلجأ إليه إلا في الأحوال والدعاوى التي يجوز فيها التحكيم شرعاً وقانوناً ، كالنزاع على مال أو كفالة أو دين أو بيع عقار أو نكاح أو طلاق أو نفقه أو ما شاكل ذلك . ويخرج من نطاق شمول التحكيم حقوق الإله والحقوق التي تكون النيابة العامة طرفاً فيها كالعقوبات والإلزامات ، إذ ليس لدى المحكمين نيابة عامة أو ممثل للحق العام وليس هذا من مواضيع التحكيم .
كما تخرج منه الخلافات المتعلقة بالأراضي الأميرية أي أملاك الدولة فإذا حكم المحكمون بكل هذا كان حكمهم باطلاً . هذا إلى جانب موضوعات هي جانبية أو احتياطية لا يمكن حصرها .
في مجال القانون الإداري ، هذه المبادئ العامة داخلة في الاعتبار ، ويرى الدكتور عبد الإله الخاني (أن مثل هذه المواضيع لا تطرق باب التحكيم الإداري ، فإذا ما عولجت فعلاً فيه أصبح هذا من باب التحايل على القانون) .
وبرغم أن العقود الإدارية قسمان : عقود إدارية بطبيعتها وعقود إدارية بتسمية من القانون ، فإن التحكيم يرد عليها جميعاً ومنها عقود الأشغال العامة والتوريد لأن طبيعتهما أقرب إلى أن تكون تجارية ، وهي مع باقي العقود الإدارية تقابل (عقود المال) في المجال المدني ، في القانون الخاص(19) .
على كل حال هذه المبادئ العامة تقبل بعض التعديل الخفيف بما يتفق مع طبيعة القانون الإداري والقضاء الإداري ، فيصح التحكيم بموضوع عقد على دراسة مجردة وتقديم مخططات لمشروع مياه مثلاً .
ويبدو أن الاتجاه القائل بعدم صحة التحكيم على أملاك الدولة العامة اتجاه غير مستبعد أمام مجلس الدولة السوري ، وإن لم يكن على تأكيده سابقات قضائية أو رأي لجنة غير مختصة .

ثانياً - ما يشترط في التحكيم ذاته :
ضمن هذا الموضوع نستقي في هذه الزاوية الأحكام القانونية من المادة /2/ من قرار إصدار قانون مجلس الدولة ، الذي أحال في كل ما لم ينص عليه هذا القانون على قانون أصول المحاكمات ، ومن مواده طبعاً المادة /506/ الملغاة التي نصت على أنه :
« 1 - يجوز للمتعاقدين أن يشترطوا بصفة عامة عرض ما قد ينشأ بينهم من النزاع في تنفيذ عقد معين على محكم واحد أو أكثر .
2 - كما يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين وبشروط خاصة » .
ويستخلص من هذا النص أن المشرع ميز بين شرط التحكيم أو اشتراط التحكيم Clause Compromis-soire وبين صك التحكيم أو عقد التحكيم Compromis والفارق بينهما ، حسب هذا النص ، أن شرط التحكيم هو تعهد باللجوء إلى التحكيم حصراً في المستقبل إذا تحقق نزاع في تنفيذ عقد معين . أما صك التحكيم فهو عقد ، لا وعداً بعقد ، بموضوع نزاع نشأ فعلاً ، لهذا يشترط لصحته ما يشترط لصحة العقود الأخرى : تحديد لموضوع النزاع وأسماء المحكمين ، وما سوى ذلك من البيانات المنصوص عليها في القانون ، وإلا كان باطلاً بطلاناً نسبياً ، فيزول البطلان بقيام صك جديد يحتوي كل هذه البيانات ، ولهذا أيضاً يخضع التحكيم في موضوعه لسلطان القانون المدني . ومن حيث آثاره وتنفيذه لسلطان قانون أصول المحاكمات . وهو بخلاف باقي العقود لا يرتكز إلا على أساس واحد هو إرادة المتعاقدين بل على أساس آخر أيضاً هو إقرار المشرع لهذه الإرادة . وذلك لأنه نقل سلطة هي في عداد عناصر السيادة في الدولة (القضاء) إلى أيدي الأفراد ، مما يقتضي إحاطته بالضمانات الكافية .
كل هذه الشروط مشتركة بين القانون العام وبين القانون الخاص ، مطلوبة في التحكيم كما هي مطلوبة في النزاعات الإدارية(20) .

1 - شرط التحكيم :
إن هذا الشرط ، يخضع للفقرة الأولى من المادة السابعة من قانون التحكيم الجديد . إلا أنه إذا كان متروكاً لإرادة الطرفين في القانون الخاص ، فليس الأمر كذلك في ظل القانون العام . ذلك الأمر لأن المادة /44/ من قانون مجلس الدولة نصت على أنه : « لا يجوز لأية وزارة أو مصلحة من مصالح الدولة أن تبرم أو تقبل أو تجيز أي عقد أو صلح أو تحكيم أو تنفيذ قرار محكمين في مادة تزيد قيمتها على خمسة آلاف جنيه بغير استفتاء الإدارة المختصة(21) .
إلا أن مجلس الدولة ، اختصاراً للوقت وابتغاء التبسيط ، يراقب شرط التحكيم بمناسبة مراقبته أصل التعاقد .
وحكمة المشرع من ذلك ظاهرة وهي أن المجلس قوّام على نشاط المرافق العامة ، وله تقدير شرط التحكيم وجوداً وعدماً ، إذ قد يكون التقادم منقضياً مثلاً على الحق المدعى به من قبل الأفراد ضد الإدارات العامة ، فلو كانت هذه الأخيرة من الأشخاص الطبيعية ، كالأفراد لافترض فيها العلم بذلك ، أما وأن الأمر على العكس من ذلك فلا بد من جهاز يراقب هذه النواحي ، ويدفع بعدم جواز اشتراط هذا التحكيم في هذا النزاع(22) .
ومما يميز الشرط عن الصك أن الصك قد يبطل بسبب من الأسباب الواقعية أو القانونية ، بينما يبقى الشرط ملزماً للطرفين(23) ، على اللجوء إلى التحكيم في كل حين أو إزالة البطلان النسبي في الصك أو إذا قامت إلى جانب المنازعات المعينة في الصك نزاعات جديدة ، إذ إن اشتراط التحكيم يشملها ، ولا حاجة لاشتراط جديد(24) .
ويرد الشرط التحكيمي في العقد باتفاق الأطراف على الشروط التي يضعونها فيه ويحيلون النزاعات التي تنشأ عن تنفيذ العقد الأصلي إلى التحكيم ، وإما أن يكون الشرط التحكيمي مطبوعاً ضمن شروط العقد التجاري الدولي دون أن يقوم الأطراف بصياغته . وقد أوصت قواعد الأمم المتحدة للتحكيم (اليونسترال) باستخدامه ، وتتفق أغلب التشريعات على عدم صحة الشرط التحكيمي النموذجي الذي يرد في الشروط العامة كوثيقة التأمين (المادة 717/4 مدني) ووثيقة الشحن المعطوفة على سند إيجار السفينة (المادة 213 من قانون التجارة البحرية الجديد رقم 46 لعام 2006) ما لم يرد على صورة اتفاق خاص موقع من الأطراف(25) .
وللمحكمة الإدارية العليا في سورية أحكام كثيرة تؤكد فيها أن شرط التحكيم في العقد الإداري هو شرط واجب الرعاية كسائر الشروط الأخرى ما دام قد ورد صحيحاً وغير مخالف للنظام العام(26) . وذلك أن صلاحية القضاء الإداري من النظام العام في حال التنازع على الاختصاص مع القضاء العادي ، إلا أن التحكيم يمكن اللجوء إليه في العقود الإدارية في سورية بحكم القانون استثناء على الأصل .
ولما كان الشرط التحكيمي هو شرط عقدي إضافي فإنه لا بد له أن يستجمع - ليكون صحيحاً - بعض الشروط الأساسية والشكلية التي يتطلبها كل عقد من حيث إبرامه من قبل أطراف مؤهلين ، وأن يكون له سبب مشروع ومحل مؤكد وأن يكون العقد المرتبط به هذا الشرط عقداً صحيحاً .
وضمن هذا الإطار أكدت المحكمة الإدارية العليا في سورية أن شرط التحكيم في العقود الإدارية هو كغيره من الشروط العقدية الأخرى التي تعتبر ملزمة للطرفين المتعاقدين تأسيساً على أن العقد الإداري لا يخرج عن كونه عقداً بالمعنى القانوني الدقيق ، أي أنه توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني ، وليس في خصائص العقد الإداري ما يمكن أن يؤدي إلى إهدار القوة الملزمة لأي شرط من شروطه التعاقدية(27) .
ولكن هل يشترط لصحة هذا الشرط أن يرد في متن العقد فقط ؟
في الواقع استقر اجتهاد القضاء الإداري على أن وجود شرط التحكيم في أحد وثائق العقد التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ منه تكفي لاعتبار الشرط ملزماً ، وفي هذا قررت المحكمة الإدارية العليا : أن وجود نص عقدي في دفتر الشروط العامة بأحقية كل من الطرفين إحالة الخلاف للتحكيم ... هو نص نافذ ... إلخ(28) .
وكذلك أكدت المحكمة الإدارية العليا في العديد من أحكامها أنه يمتنع على أي من المتعاقدين اللجوء في نزاعه مع المتعاقد الآخر إلى القضاء طالما أن العقد ينص على شرط التحكيم ، ما لم يتفقا صراحة أو ضمناً على التنازل عن هذا الشرط ، ذلك بالنسبة للعقود الإدارية فقط . كما أن عدم حضور الطرف الآخر إلى المحكمة لا يعطي الحق للطرف المدعي بالتغاضي عن شرط التحكيم ما دام هذا الشرط قائماً في العقد وللمحكمة الحق في إثارة ذلك من تلقاء نفسها(29) .
أما إذا كان شرط التحكيم قد ورد في ملحق عقد ولم يتم تنفيذ هذا الملحق فإن هذا الشرط لا يبرر اللجوء إلى التحكيم في النزاعات الأساسية حول العقد(30) .
- مبدأ استقلالية الشرط التحكيمي :
إن الفقه والاجتهاد في سورية يعتبران أنه يدخل في اختصاص المحكّم النظر في صحة العقد ، وإن كان يستمد ولايته من الشرط التحكيمي الذي هو جزء من العقد الذي يدلي أحد الخصمين ببطلانه وبالتالي ببطلان الشرط التحكيمي .
فالفقه يعتبر أن التحكيم قضاء شامل ولا تخرج عن ولايته سوى « المسائل الأولية » أو الطعن بالتزوير أو الأحداث الجنائية وهي التي حددتها المادة /40/ من قانون التحكيم الجديد حيث نصت على أنه « إذا عرضت خلال إجراءات التحكيم مسألة تخرج عن ولاية هيئة التحكيم أو طعن بالتزوير في وثيقة قدمت لها جاز لهيئة التحكيم وقف الإجراءات إذا كان الفصل في النزاع يتوقف على البت بهذه المسألة أو بصحة الوثيقة .
وينجم عن طبيعة شرط التحكيم الخاصة :
آ - أنه لا يشترط فيه ذكر المحكمين أو تحديد موضوع النزاع ، وتبقى له صفة الشرط ، دون أن يكتسب صفة الصك ولو تضمن هذه البيانات ما دام من خصائصه الأساسية أنه ينصرف إلى المستقبل . لهذا لا يبطل الشرط إذا توفي المحكم المسمى أو عزل نفسه، ويلزم الطرف المسمي بتسمية غيره بصك ملحق . كما ينجم عن ذلك أيضاً أن اشتراط التحكيم يسمح بقيام قرار تحكيمي ولو اتفق الطرفان تحريرياً أو شفاهاً على أسماء المحكمين بدون تنظيم صك موقع بينهما يحدد موضوع النزاع ، وكل قرار صادر بالاستناد إلى شرط التحكيم غير مجاز مجدداً من الطرفين بعد نشوء النزاع وتحديده باطل وغير قابل للتنفيذ لأنه لا ينعقد تحكيم على نزاع محتمل .
ب - وينبني على ذلك التفريق بين طبيعة الشرط والصك ، أن هذا الأخير لا يثبت إلا بالكتابة ، بينما الشرط يثبت نظرياً بكل الطرق التي يمكن الإثبات بها . إلا أن المشرع السوري خالف هذه القاعدة ، إذ جاء نص المادة /8/ من قانون التحكيم الجديد بهذه الصيغة : (يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً وإلا كان باطلاً) . وبما أن التحكيم يتضمن الأمرين على السواء : الشرط والصك ، فإن المشرع ساوى بين الاثنين في وسيلة الإثبات .
ج - كما ينبني على التفريق : أنه لا تقبل الدعوى التي يقيمها من تضرر من إهمال أو رفض تنفيذ هذا الشرط ، ذلك أن مراجعة القضاء أمامه مفتوحة للحصول من المحكمة على قرار بتعيين محكم عن خصمه بقوة المادة /16/ من قانون التحكيم الجديد . هذا بخلاف الاجتهاد الفرنسي الذي سار على نهج قبول دعوى التعويض . إنما يلتزم القضاء السوري بالحكم لطالب تعيين المحكم بنفقات ورسوم الدعوى إذا حكم لمصلحة الطالب .
2 - صك التحكيم :
سبق أن قلنا إن صك التحكيم عقد خاص يقتضي أن ينظم بالكتابة ، وإنما يفقد صفته كعقد له استقلاله ، فلا يشعر به ذوو الشأن لأنه غالباً ما يتوزع في رسائل متبادلة بين الطرفين ومتعددة في النزاعات الإدارية (بخلاف ما يجري في النزاعات المدنية ، حيث يحتفظ بكيانه كعقد مستقل متكون ذي صيغة معينة) . فالواقع أن صك التحكيم في القانون الإداري يبدأ بكتاب موجه من الإدارة أو من الأفراد إلى رئيس مجلس الدولة يسمي فيه المحكم ويبلغ الرئيس هذا الكتاب إلى الطرف الآخر ، فيرد هذا بكتاب مماثل ويعين بدوره محكمه . عندئذ يصدر الرئيس قراراً بتعيين رئيس لجنة التحكيم ويرسل إلى الطرفين يبلغهما ضرورة أن يحددا موضوع النزاع ، فإذا فعلا أرسل كل هذه المعلومات إلى اللجنة المختصة لإجازة التحكيم . فإن كل هذه الوثائق الموزعة تؤلف بمجموعها صك تحكيم في النزاعات الإدارية . هذا ما يعبر عنه في القانون الإداري « بالتحكيم الإداري » وهو نوع واحد من التحكيم في القانون المذكور . أما النوع الثاني فإن أحد الطرفين يقيم الدعوى بطلب تسمية محكم الطرف الثاني الممتنع - وذلك إذا لم يتوصل رئيس مجلس الدولة إلى إنشاء صك تحكيم إداري كالذي مر بيانه بسبب امتناع الطرفين - ويكون الحكم الصادر عن المحكمة بالإيجاب هو صك التحكيم المطلوب من جملة عناصره إجازة اللجنة المختصة له السابقة على الحكم ، ويسمى صك التحكيم القضائي .
إن الأخطار التي تتمثل في صك التحكيم غير الدقيق وغير المحكم ، بالنسبة لأولئك الذين يخضعون له ، حدت بالمشرع إلى إخضاعه لشروط استثنائية تقع مخالفتها تحت طائلة البطلان ، ولكنها ليست من النظام العام ، بمعنى أن للطرفين حق التنازل عنها ، والعودة إلى دائرة اختصاص القضاء الإداري . وليس للمحكمة أن تلفظ البطلان من نفسها ما لم يطلب ذلك الطرف المعني بالأمر . ذلك أن التحكيم طريق استثنائي من طرق القضاء لا طريق أصلي ، وهو عقد رضائي ، بمعنى أن الرضاء يكفي لانعقاد هذا العقد ، وإن كان القانون يتطلب الكتابة . فالكتابة شرط لإثبات العقد لا لوجوده . وهو ملزم لهما كليهما بلا ريب ويرتب على كل منهما التزامات متقابلة .
3 - العلاقة بين الشرط والصك :
ينبني على التمييز بين الطبيعة الحقوقية لكل من شرط التحكيم وصك التحكيم نتائج هامة ، بالنسبة للتحكيم في النزاعات المدنية كما في النزاعات الإدارية :
آ - بالنسبة للنزاعات المدنية : جرى القضاء عندنا على الفصل بين الشرط والصك ، فليس ضرورياً إذا بطل الصك أن يبطل الشرط ، وهذا يستخلص بسهولة من أحكام محكمة النقض .
ب - أما في القضاء الإداري عندنا ، فالفكرة الدائمة هي الفصل بين الشرط والصك . فيبطل الصك دون أن يبطل الشرط . وقد يبطل الشرط .... لذا يبطل الصك ، لأن الصك في هذه الحالة لا يمكن أن يحل محل الشرط . وهذا منطقي جداً لأنه إذا بطل الصك لسبب من الأسباب وتابع الطرفان رغبتهما في التحكيم ، أمكن عقد صك جديد ، أو حكمت المحكمة بصك جديد إذا وضعت يدها استناداً إلى الشرط الباقي على الدوام ما دام العقد الذي تضمنه ، أما إذا افتقد الشرط فقد عبر ذلك عن رغبة كلٍّ من الطرفين في الخلاص من التحكيم نهائياً، فأي شيء يبقى منه ؟
أما الآثار التي تترتب على الطبيعة الخاصة لصك التحكيم فهي على نوعين : الأول سلبي وهو أن المحتكم يمنع من اللجوء إلى القضاء بصدد ما هو ناشئ بين المحتكم الآخر وبينه من نزاع ، ما لم يكن ضامناً أو متدخلاً .
أما النوع الثاني فإيجابي ، وبموجبه يلتزم الطرفان المحتكمان بالإذعان إلى قرارات المحكمين وتنفيذها متى أعطيت صيغة التنفيذ .
لكن عدول الطرفين باتفاقهما عن طريق التحكيم ورغبتهما المشتركة في الرجوع إلى القضاء المتخصص ، هو مما يملكه الطرفان وهو مرعي ونافذ.
وتشترط قوانين التحكيم والاتفاقيات الدولية للأخذ بصحة الاتفاق التحكيمي ضرورة استيفاء بيانات إلزامية هي الكتابة وتعيين موضوع النزاع وتعيين المحكمين :
آ - ويمكن أن تظهر الكتابة بوثيقة خطية مستقلة أو في شرط يرد في العقد أو في محضر محرر لدى هيئة التحكيم التي تم اختيارها أو في أية رسائل متبادلة عادية كانت أو مرسلة بوسائل الاتصال المكتوب (البريد الإلكتروني ، الفاكس ، التلكس) إذا كانت تثبت تلاقي إرادة مرسليها على اختيار التحكيم وسيلة لفض النزاع .
ب - ويعتبر تعيين موضوع النزاع في اتفاقية التحكيم من الأمور الهامة .
الرؤيا القانونية الخاصة لآلية التحكيم في مجلس الدولة السوري :
لقد جاءت الفقرة الثانية من المادة الثانية من قانون التحكيم السوري التي نصت على التالي : « يبقى التحكيم في منازعات العقود الإدارية ، خاضعاً لأحكام المادة 66 من نظام العقود الصادر بالقانون رقم 51 تاريخ 9/12/2004 » أي أن هذا النص جاء ليؤكد ما استقر عليه مجلس الدولة بحصر التحكيم في منازعات العقود الإدارية بمجلس الدولة وهذا النهج يخالف النهج الذي يسير عليه التحكيم الإداري في معظم دول العالم بما فيها فرنسا ومصر ولبنان لأن مجلس الدولة إذا كان في الماضي مؤهلاً للقيام بهذه المهمة فإنه في واقعه الحالي غير قادر على القيام بأعباء التحكيم الإداري فالآلية التي يتم من خلالها التحكيم متخلفة تماماً من كافة النواحي ولا يمكن أن تحقق أهداف الدولة في استقدام الاستثمارات الأجنبية الكبرى وأرى أنه كان من الأنسب إخضاع منازعات العقود لمركز تحكيم متخصص على أعلى المستويات يتم إقامته في دمشق وفقاً لأحكام الفصل الخامس من قانون التحكيم الجديد المتعلق بإحداث مراكز للتحكيم في الجمهورية العربية السورية ، ويطلق عليه مركز دمشق للتحكيم الإقليمي الدولي وتشرف عليه إدارة التشريع بوزارة العدل .
إن ما يحدث حالياً في مجلس الدولة ضمن مجال التحكيم في منازعات العقود الإدارية وفي ظل قانون مجلس الدولة الذي مضى عليه خمسون عاماً بدون تغيير يشكلً خللاً جسيماً للعدالة ولروح القانون الجديد للتحكيم وتوجهات الدولة وهو ما سوف نتحدث عنه بالتفصيل في وقت لاحق حينما نتعرض للأصول المتبعة في التحكيم الإداري والآلية التي يتم من خلالها تسمية المحكمين وسير الدعوى التحكيمية وتحديد أتعاب المحكمين ، والدور الذي يقوم به رئيس مجلس الدولة وأعضاء المجلس الخاص ضمن هذا الإطار .
القاضي الدكتور
محمد وليد منصور