المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المقاومة في مفهوم القانون الدولي



chady abou issa
05-06-2009, 07:59 PM
المقاومة في مفهوم القانون الدولي

------------------------

عاشت البشرية ولا تزال العديد من الحروب، وعانت ويّلاتها وآثارها المدمرة في مناطق متعددة من الكرة الأرضية، ومنها لبنان، تستخدم فيها أحدث ما تنتجه المصانع الحربية من آلات الفتك والتدمير...
فعصرنا يشهد تناقضاً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً بين الدول، مما يشجع اللجوء إلى وسائل العنف المتنوعة وإلى تزايد النزاعات المسلحة، وتعدد أشكالها وأهدافها.
لذا، فقد اهتم القانون الدولي بها فقهاًً وقضاء ونصوصاً قانونية، وعمل على تطويق آثار النزاعات المسلحة والتخفيف من ويّلاتها وسعيّه لانهائها أو على الأقل التقليل منها من خلال الحرص على فض المنازعات بين الدول بالوسائل السلميّة ووفق المبادئ القانونية العامة.
وقد شهد القانون الدولي تطوراً واضحاً في معالجة ظاهرة النزاعات المسلحة خاصة بعد أن تصاعد نضال الشعوب من أجل التحرر ونيّل الاستقلال، وبعد أن تبلورت صيغ حرب العصابات كأسلوب قتالي فعّال يستخدمه الطرف " الضعيف " في مواجهة الطرف المنظم عسكريا ً والمدجج بالسلاح. إلاّ انه لم يستطع أن يواكب التطور الحاصل في النزاعات المسلحة والآثار المترتبة عليها، وهو في حاجة إلى مزيد من التطور والتجذير. وحاولت البشرية أن تجد البديل عن الحرب، وهي التي تشكل ظاهرة انسانية مستمرة لم يستطع القضاء عليها التفكير والعقل أو الحكمة ، وذلك لأن أسبابها والدوافع التي تدعو إليها تتنوع وتتجدد مع تطور الحياة ذاتها.
فعرفت البشرية العديد من أنواع الحروب، كالحروب بين الدول والحروب في إطار الدولة الواحدة، وخبرت الحروب الطويلة الأمد، والحروب الخاطفة. كما جربت الحرب الباردة ، وحرب المواجهة ، وقاست ويلات الحرب المدمرة الجماعية. وأيضاً، عاشت الحروب " العادلة " ، والحروب العدوانية، ومارست الحروب التقليدية بين الجيوش النظامية، وحرب العصابات والشوارع. وخاضت شعوب عديدة حروبا ً من أجل اسقاط أنظمتها، أو من أجل الانفصال وحق تقرير المصير.
وليس هناك في الأفق ما يوحي بأن العالم سيشهد يوما ً ما نهاية الظاهرة الدائمة " الحرب " .
ان للحروب غايات ووسائل ومنطلقات متعددة، لذلك اختلفت تسميتها. ومع ذلك، يطرح سؤال عن احتمال وجود قاسم مشترك بين هذه التسميات والمفاهيم المتنوعة: كالحرب الشاملة، والحرب الأهلية، والحرب النفسية، وحرب التحرر الوطني، والحرب الباردة... فضلاً عن ظهور أنواع أخرى من الحروب، تتمثل بالملفات الديبلوماسية والسياسية والضغوطات الاقتصادية والتسلل الثقافي والاجتماعي والفكري...
فالدول " الكبرى " تعرف جيداً، ان مواجهة مباشرة فيما بينها تعني وضع نقطة النهاية للتاريخ البشري بفضل ما تبتكره المصانع من أنواع جديدة للأسلحة المدمرة . فضلاً عن تطوير الأسلحة الموجودة. وهي تختار المواجهة بشكل غير مباشر، عبر وسائل وحيّل مختلفة.
ومن خلال تطرقنا إلى الحروب المستمرة، تبرز إشكالية أساسية أمامنا ألا وهي المفهوم العلمي للنزاع المسلح وللمقاومة.
والحقيقة ان بحث موضوع المقاومة العسكرية في لبنان في فترة لا تزال فيها أبواب الحرب والمعارك مفتوحة ، يولّد صعوبات عديدة أمام هذا البحث...
كما ان استمرار النزاع اللبناني الإسرائيلي يخضع أيضاً إلى تطورات مستقبلية ضمن احتمالات متعددة، مما يولّد صعوبة تحديد طبيعتها بشكل حاسم ونهائي...
ومع ذلك، فقد حاولت هذه الدراسة قدر المستطاع إبراز استراتيجية حزب الله العسكرية استناداً إلى العديد من المعطيات والوقائع والتطورات الداخلية والاقليمية والدولية مع مراعاة جانب له أهميته القصوى ، وهو أن لا تكون تلك الدراسة متداخلة، نسبياً، بالخفايا السياسية الداخلية والخارجية.
فالآراء القانونية في هذا الصدد ينبغي أن تستهدف الانسجام مع النظرة الموضوعية للنزاع المسلح (والغير مسلح) على الجبهة اللبنانية.
فالمقاومة العسكرية في لبنان تخضع لعدة اعتبارات سياسية وقانونية وفقهية ودولية ينبغي التنبه لها قبل الغوص في مضامينها.
وتتناول دراستنا عمليات حزب الله العسكرية في لبنان بالنسبة لللقانون الدولي، ومحاولة تكييفها وتحديد أطرها سواء أكانت مقاومة للإحتلال، أو حرب تحرر وطني، أو حرب عصابات. أم انها تشمل أطر وتصنيفات عدة ضمن أسس القانون الدولي.
وبعد هذه المقدمة الضرورية، ننتقل إلى دراسة فكرة مقاومة الاحتلال شرعياً وقانونيا ً وتصنيف أعمالها العسكرية.
نوّهت بحق مقاومة الطغيان المادة الثانية من إعلان حقوق الانسان الصادر في فرنسا عام 1789، وأدرجته في عداد الحقوق الطبيعية التي لا ينال منها تقادم الزمن، وخصص له دستور عام 1793 الفرنسي خمس مواد.
وورد في مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في 10/12/1948 الفقرة التالية : " ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الانسان، كي لا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم " . وفي هذه الفقرة اعترافاً بحق المرء بمقاومة الطغيان وبالثورة عليه كوسيلة أخيرة هي آخر الدواء.
ولا يكفي أن يكون لبنان قد أسهم في وضع وثيقة اعلان حقوق الانسان (تمّت الموافقة على الاعلان بأكثرية 40 صوتاً وامتناع 8 أصوات)، ولا يكفي أن يتغنى أو يفاخر بها على لسان المسؤولين فيه وغير المسؤولين، وانما يجب أن يرعى تلك الحقوق، ويطبقها وتطبقها كافة الدول دون استثناء. لذا، فهو ملزم بواجب احترام تلك المبادئ في نظامه ودستوره وقوانينه .
وان أهم ما أعلنته وثيقة حقوق الانسان العالمية هو:
- المساواة .
- الحق بالحريات.
- حرية الرأي والمعتقد الديني وحرية التعبير والنشر.
- حرية تأسيس العائلة.
- الحرية السياسية وحرية الاشتراك في الاجتماعات ودخول الجمعيات.
- الحق بالعدالة وباللجوء إلى المحاكم.
- الحق بالأمن والطمأنينة.
- الحق بالكرامة للشخص وللمنزل.
- حرية الانتساب المواطني.
- الحق عند الضرورة بالثورة على الاستبداد والطغيان...
وقد جاء في المادة الأولى من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية و السياسية التي وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16/12/1966 ما يلي: " لكافة الشعوب الحق في تقرير المصير ...".
أما بالنسبة للبنان، فيلاحظ أن ليس في الدستور اشارة إلى الحق بالثورة على الطغيان والاستبداد بعكس ما جاء في مقدمة الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948.
ولكن هل سكوت الدستور عنه يعتبر بمثابة التحريم والمنع؟
بالطبع لا، لأن حق الشعب بمقاومة الاستبداد مقدس وهو من الحقوق الطبيعية التي لا حاجة لأن تكتب.
أما في التشريع اللبناني العادي، فإلى جانب المادتين 429 و430 من قانون العقوبات اللتين تمنعان استيفاء الحق تحكماً، نجد مواد تمت بصلة إلى حق استعمال القوة لأجل درء الجور والعدوان. نذكر منها المادتين 184 و563 من قانون العقوبات.
فنصت المادة 184 على التالي :
" يعد ممارسة حق كل فعل قضت به ضرورة حالية لدفع تعرض غير محق ولا مثار على النفس أو الملك أو نفس الغير أو ملكه، ويستوي في الحماية الشخص الطبيعي والشخص المعنوي ".
وفي المادة 563:
" تعد الأفعال الآتية من قبيل الدفاع عن النفس :
1- فعل من يدافع عن نفسه أو عن أمواله أو عن نفس الغير أو عن أمواله تجاه من يقدم باستعمال العنف على السرقة أو النهب..." .
وان أفضل مبنى لحق المرء باستعمال القوة في مثل هذه الحالات لا سيما لأجل الدفاع عن غيره وعن مال غيره ضد المعتدي ، انما هو الحق الطبيعي الذي للانسان بدرء الطغيان والعدوان.
ولا ريب ان الحق بمقاومة الطغيان يثير الاهتمام الأكبر عندما يمارس ضد سلطة حاكمة.
هذا، وقد جاء في نص المادة 27 من الدستور الفرنسي الصادر عام 1793 ما يلي: " كل من يغتصب السلطة اغتصاباً فعلى الرجال الأحرار أن يعدموه على الفور " . وجاء في المادة 35 الآتي : " عندما تخرق الحكومة حقوق الشعوب فالثورة تصبح للشعب ولكل فئة من فئاته أقدس الحقوق وألزم الواجبات " .
وثمة مفاهيم جديدة بدأت تظهر وتتبلور في ثنايا الرأي العام العالمي عامة، وبين المثقفين والباحثين والاعلاميين خاصة، مفاهيم تركز على المحاور الرئيسية المتعلقة بحركة حقوق الانسان على النحو التالي :
1- ثمة فهم جديد لعالمية حقوق الانسان وشموليتها وعدم تجزئتها والاعتماد المتبادل بين مبادئها وقواعدها رفضاً لكل المعايير المزدوجة والمقاييس الجزئية.
2- التركيز على حق الشعوب بتقرير المصير دون تفرقة أو تجزئة ودون النظر إلى هذا الموضوع بمعايير وموازين مزدوجة.
3- الحاجة إلى تشجيع التنمية الشاملة المتوازية المستمرة ، ومن ثم الربط بين حقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية وبين حقوقه السياسية والمدنية والثقافية.
4- التأكيد على أن الديمقراطية هي منهاج حياة وليست مجرد شائعات لاضاعة الوقت أو الاستهلاك المحلي، وهي عملية منظمة مستمرة تبدأ بالبيت وتنتهي بقمة السلطة.
5- التعبير عن قلق المجتمع الدولي المتزايد، من الطابع العسكري الذي يسود بعض نظم الحكم في دول العالم من ناحية، ومن تزايد ظواهر الارهاب والتعصب والعنف وممارسة القتل والتعذيب وانتهاك حقوق الأقليات من ناحية أخرى، باعتبار كل ذلك يمثل صوراً صارخة لانتهاك حقوق الانسان.
6- الحاجة إلى تشجيع التنمية الشاملة المتوازية المستمرة ، ومن ثم الربط بين حقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية وبين حقوقه السياسية والمدنية والثقافية.
7- التأكيد على رفض كل محاولة دولية كانت أو محلية لتكريس ممارسة المعايير الممزوجة، في قضية محورية وتاريخية كقضية حقوق الانسان عامة، وحرية الرأي والتعبير والاعتقاد بشكل خاص. تلك الحقوق الأكثر تعرضاً للضغط والاكراه في عالم اليوم.
وقد مضى العهد، الذي يُعتبر فيه الثوار في نزاع مسلح غير دولي مجرد عصابات مجرمين، تخضع للقوانين الداخلية للدولة المعنية بالنزاع . في حين تبقى الأطراف الثالثة، غير معنيّة إلاّ بالدرجة التي يسيء فيها النزاع إلى مصالحها الحيوية. ومضى العهد الذي كان النزاع المسلح غير الدولي لا يعتبر فيه حالة الحرب، باعتبار أن حالة الحرب تتطلب وفق النظرية التقليدية، اعلان الحرب، والاعلان من اختصاص الدولة ذات السيادة وحدها.
وعندما تطورت مفاهيم سيادة الدولة، أصبحت الحرب خاضعة لشروط قانونية، تتمثل في اعلان حالة الحرب، وبما يؤهلها إلى أن تكون حربا ً قانونية حتى لو لم يقع قتال. في حين غياب اعلان الحرب والانذار، حتى في ظل حصول قتال حقيقي لا ينشىء حربا ً قانونية .
وقد كانت الحرب " العادلة " في العصور الماضية خاضعة لمواقف السلطات الدينية، ومنسجمة مع تعاليمها وأوامرها. وعندما تطورت مفاهيم سيادة الدولة بما ينسجم مع ما هو قائم من سيطرة الدولة وتشبثها بسيادتها في مواجهة سيادة الدول الأخرى، أصبحت الحرب خاضعة لشروط قانونية، تتمثل في اعلان حالة الحرب، وبما يؤهلها إلى أن تكون حرباً قانونية حتى لو لم يقع قتال. في حين غياب اعلان حالة الحرب والانذار بالحرب، حتى في ظل حصول قتال حقيقي لا ينشئ حرباً قانونية.
وهذا يعني ان المرحلة أصبحت مرحلة ازدهار للدولة، واقعاً، وفقهاً، وقانوناً، وبالتالي لم يعد السبب المشروع أو العادل يكفي لتكون الحرب عادلة ( والسبب المشروع يخضع لتقدير الملك أو الأمير أو الحاكم الذي يقرر شنّ حرب على دولة مجاورة)، مما أدى إلى أن الحرب العادلة المستندة إلى السبب العادل، تشهد نهايتها من خلال الدعوة إلى قيام اجراء شكلي يتمثل في اعلان حالة الحرب.
وفي القرن التاسع عشر دعت الدول " الصغيرة " في مؤتمر بروكسيل سنة 1874، ومؤتمر لاهاي سنة 1899، إلى إنهاء مفهوم الحرب القانونية المبررة للاحتلال وساندت الحرب التحررية.
وتجدر الاشارة في هذا المجال إلى أن اتفاقيات جنيف لم تأخذ بمفهوم الحرب القانونية ، سواء في الاتفاقيات الأربعة لسنة 1949 ، أو في بروتوكوليّها الإضافيين، وإنما اهتمت بمعالجة تطبيق القانون الدولي الانساني، عند قيام حالة اشتباك مسلح فعلي ( حالة مادية) دولي أو غير دولي.
كما أكدت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في العديد من قراراتها بشرعية نضال الشعوب الرازحة تحت الاحتلال من أجل تقرير مصيرها، وأدانت الحكومات التي لا تعترف بحق تقرير المصير ووجوب تطبيق الاتفاقات الدولية، لا سيما منها اتفاقية جنيف الرابعة.
ولعل أبرز هذه القرارات القرار الرقـم 2852 الصادر عـن الجمعية العمومية بتاريخ 20/12/1971 الذي دعا الى " ضرورة وضع مبادئ تهدف إلى تعزيز حماية الأفراد الذين يناضلون ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية وضد الاحتلال الاجنبي والأنظمة العنصرية " ، وضرورة " تطوير القواعد المتعلقة بوضع المناضلين ورجال العصابات وحمايتهم ومعاملتهم معاملة انسانية في ابان المنازعات المسلحة، الدولية وغير الدولية ".‏‏
إلاّ أن القرن العشرين وما يليه، والتطورات الحاصلة على مستوى ما هو قائم من رفض متزايد للحروب العدوانية ، حقق انهاء الحروب المستندة لسبب عادل (نسبياً) يحدده الحاكم أو اعلان حرب تقوم به الدولة الغازية.
ففي عصر انتهاكات التاريخ البشري وتشويهه بالجرائم والعدوان، كان لا بد للشعوب أن تحمل السلاح دفاعاً عن نفسها. لذلك جاءت حروب التحرر الوطني، رد الفعل الثوري تجاه الاستبداد والظلم.
ان حرب التحرر الوطني ظاهرة قديمة تاريخياً، وهي تأتي في مواجهة العدوان والحرب الاستعمارية. ويمكن القول بأن الكرة الأرضية عرفت حروب التحرر الوطني منذ مدة طويلة، متى ما سلمنا بالمعنى الموسع لتلك الحرب وهي التي ليست فقط ضد المحتل الأجنبي، وانما أيضاً الحرب التي تخوضها الشعوب ضد التدخل العسكري المسلح الهادف إلى تحقيق أهداف عدوانية محددة.
وبالرغم من أن حرب التحرر الوطني ظاهرة قديمة، إلاّ انها كمصطلح أخذ بعده الواضح بعد القرن الثامن عشر، وتحديداً عندما بدأت الدول الاستعمارية تحاول الامتداد خارج أقاليمها.
واليوم، يشهد العالم حروب تحرر وطني في مواجهة حروب عدوانية. ويبقى السؤال قائماً، هل هذه الحروب شرعية ؟ وهل أعمال حزب الله العسكرية تدخل في خانة حرب التحرر الوطني؟
هنالك من الكتّاب القانونيين من حلل حرب التحرر الوطني، من خلال رؤياً سياسية واضحة، وأعطى لها معنى موسعاً ، بما يجعلها تشمل الحروب الطبقية وذلك انطلاقاً من رؤياً ماركسية لينينية. وبالتالي ، فان حرب التحرر الوطني تتطابق مع الحرب العادلة أو الحرب التقدمية.
والبعض الآخر اعتبر تلك الحرب تشمل الحرب ضد الهيمنة الأجنبية، أو الحرب ضد العدوان الخارجي.
إلاّ انه في كل الأحوال، تختلف وجهات النظر القانونية والفقهية تبعاً لاعتبارات سياسية وايديولوجية متنوعة . فما يعتبر حرباً تحررياً لفريق معين، يعتبر عصياناً أو جريمة للطرف الآخر .
وهكذا، تبقى حرب التحرر الوطني حقاً تأتي منسجمة ومواكبة لمبدأ حق تقرير المصير والدفاع عن النفس.
ويثور التساؤل عما إذا كانت حرب التحرر هي حرب دفاع عن النفس؟ أم حرب تقرير المصير؟ أم نزاع مسلح غير دولي ؟ أم نزاع مسلح دولي؟ ...
ان تكييف حرب التحرر الوطني موضوع شائك ، خاصة وان الفقهاء تشعبوا في بحثه. وان النظرة التقليدية لهذه الحرب، قد تداخلت مع النظرة الحديثة.
فيرى بعض الفقهاء ان حرب التحرر الوطني تغطي نوعين من الحروب : فمن جهة حروب التحرير، ومن جهة أخرى النضالات التي تلغي فرضية التدخل الخارجي. وقانونيا ً هي نزاعات ذات صيغة غير دولية، وسياسيا ً هي حروب ثورية.
فكان الفقه التقليدي يُكيّف حرب التحرر على أساس انها نزاعا ً مسلحا ً غير دولي.
حتى أن بعض كتّاب القانون الفرنسيين، اعتبروا الحرب الجزائرية ، مُجرد تمرد داخلي يهم القانون الجنائي الفرنسي، استناداً إلى عدم خضوع جبهة التحرير الجزائرية إلى قائد مسؤول، أو عدم سيطرتها على أقليم معين، أو لانها لا تحترم قوانين الحرب، أو أيضا ً إلى عدم معاملة الحكومة الفرنسية للثوار على أساس انهم أسرى حرب، عندما يقعون أسرى في أيدي القوات الفرنسية. كما ان المحاربين الجزائريين، هم مجرد متمردين على الأنظمة والقوانين الفرنسية، ويخضعون من أجل ذلك إلى العقوبات والاجراءات التي تقرها التشريعات الفرنسية.
واعتبرت المحاكم الفرنسية بداية حرب الجزائر حربا ً داخلية وطبقت ازاءها التشريع الفرنسي.
وأيضا ً، برز رأي آخر يعتبر حرب التحرر الوطني تحتل مرتبة وسيطة بين النزاع المسلح الدولي وغير الدولي . والحقيقة ان ذلك يخلق تعقيدا ً جديدا ً للأمر، خاصة عندما يتعلق باختيار النص القانوني الدولي، الذي ينسجم مع تصنيفات جديدة للنزاعات المسلحة.
وحاول أصحاب هذا الرأي التهرب من المشكلة أساسا ً مذكرين بأن لا فائدة من طرح مشكلة تكييف حرب التحرر الوطني، ذلك أن هذا النزاع يتحول بسهولة من شكل من أشكال الحرب إلى شكل آخر.
أما الفريق الثالث، فيعطي لهذه الحرب صفة النزاع المسلح الدولي. إذ انه عندما تعمل القوى المحتلة ضد تطلعات شعب محتل، فانها ترتكب خرقا ً للقانون الدولي. وبالتالي فان أمة تناضل من أجل الاستقلال، وانشاء دولتها ، ينبغي أن تعتبر من قبل القانون الدولي المعاصر ، كشخص من أشخاص القانون الدولي بالرغم من انها لم تكوّن دولتها بعد.
وتجرد الاشارة أيضا ً، إلى أن طرفيّ حرب التحرر الوطني، ليس فقط شخصين من أشخاص القانون الدولي، وانما أيضا ً شخصين أجنبيين عن بعضهما، باعتبارهما لا ينتميان لنفس الدولة. في حين نجد أن طرفيّ نزاع مسلح غير دولي، منتميان لنفس الدولة عادة.
وهناك فريق آخر يكيّف حرب التحرر الوطني على انها حرب دفاع عن النفس، ولا يمكن أن يعتبر نزاعا ً داخليا ً، لكنه دفاع شرعي ضد العدوان. وهذا ما دفع بعض الفقهاء إلى تبرير مقاومة السكان لسلطات الاحتلال وتقرير مشروعيتها في الدفاع عن أنفسهم ووطنهم ضد الغزاة والعدوان بكل الوسائل الممكنة.
فهذه الحرب تستمد شرعيتها، ليس فقط من انها ممارسة لمبدأ الدفاع عن النفس، وانما أيضا ً لانها تنسجم مع مبدأ حق تقرير المصير. وهي الرد على حرب عدوانية، تشكل وفق القانون الدولي جريمة دولية.
صحيح انه في حرب التحرر الوطني يدور النزاع في أقليم واحد، هو أقليم الدولة التي تم غزّوها أو الاعتداء عليها، إلاّ اننا لو أمعنا النظر أكثر، سنجد أن أقليمين معنيين في حرب التحرر الوطني . فمن جهة هناك الأقليم السابق الذكر، ومن جهة أخرى هناك أقليم الدولة المعتدية خاصة وانه في الغالب تهدف الحرب العدوانية إلى الاستيلاء على أقليم جديد ( أوالاستفادة من موارده)، هو أقليم الدولة التي تعرضت للعدوان.( في النموذج اللبناني، نجد الإقليم اللبناني بمواجهة الكيان الاسرائيلي).
وان المقاومين يعتبرون حربهم ضد أعدائهم المحتلين ، حرب تحرر وطني. وهذا هو الحال بالنسبة إلى حزب الله ومجموعته العسكرية.
والخلاصة، ان حرب التحرر هي نزاع مسلح دولي، استنادا ً إلى أن طرفيها من أشخاص القانون الدولي (وهما طرفان أجنبيان عن بعضهما ولا ينتميان لنفس " الدولة"). فضلا ً على انه في هذا النزاع ممارسة لمبادىء القانون الدولي ( الدفاع عن النفس- حق تقرير المصير- النضال ضد القمع..). اضافة إلى انه في هذه الحرب، يتعلق الأمر باقليمين مميزين.
وان نصوص البروتوكول الملحق الذي يكمل اتفاقات جينيف لحماية ضحايا الحرب وميثاق الأمم المتحدة يؤكد تلك النظرية ويكييف حرب التحرر الوطني على انها نزاع مسلح دولي.
وبالنسبة للوضع اللبناني، لا بد أن نشير إلى أن غزو " اسرائيل " للبنان يستوجب تحديد العلاقة بين لبنان والمجموعات الفلسطينية باسرائيل وأثر الهدنة في هذه العلاقة والوثائق الصهيونية القديمة.
فليس من المعقول أن يفترض امكان قيام نزاع مسلح بين دولتين بحجم النزاع القائم بين لبنان واسرائيل، والمدة التي استغرقها حتى الآن، بصورة عفوية.
وان تقييم وقائع النزاع من الناحية القانونية يستلزم وضعها في اطارها التاريخي الصحيح من أجل فهم الأسباب المباشرة وغير المباشرة للمشكلة الحالية.
وتجدر الاشارة إلى أن المذكرة الصهيونية المقدمة إلى مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس عام 1919 حددت دولة اسرائيل المنوي انشاءها بالتالي:
" ان حدود فلسطين يجب أن تسير وفقا ً للخطوط العامة المذكورة ادناه:
تبدأ في الشمال من نقطة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بجوار مدينة صيدا وتتبع مفارق المياه عند تلال سلسلة جبال لبنان حتى تصل إلى جسر القرعون فتتجه منه إلى البيره متبعة الخط الفاصل بين الحوضين: وادي القرن ووادي التيم ثم تسير في خط جنوبي متبعة الخط الفارق بين المنحدرات الشرقية والغربية لجبل الشيخ(حرمون) حتى جوار بيت جن تتجه منها شرقا ً متبعة مفارق المياه الشمالية لنهر مغنية حتى تقترب من الخط الحديدي الحجازي إلى الغرب منه.
وفي الشرق يحدها خط يسير بمحاذاة الخط الحديدي وإلى الغرب منه حتى تنتهي في خليج العقبة.
وفي الجنوب حدود يجري الاتفاق عليها مع الحكومة المصرية.
وفي الغرب البحر الأبيض المتوسط.
أما تفاصيل تخطيط الحدود أو أي تعديلات تفصيلية لها قد تستدعي الضرورة، فسوف تسوّى بواسطة لجنة خاصة يتمثل اليهود فيها ".
فهذه المذكرة تظهر العمق التخطيطي لدولة اسرائيل المنوي تأسيسها على حساب الأراضي اللبنانية.
وعبر فترات زمنية متلاحقة، نجد لبنان وبعض الدول العربية، خاضة حروبا ً مع اسرائيل وشاركت جيوشها في هذه الحروب. ومنذ حرب 1947 وإلى يومنا هذا، تبدلت المعادلات والتوجهات للعديد من هذه الدول.
ومشكلة فلسطين هي المشكلة الأساسية والمركزية التي أدت إلى ظهور المعارك المتعددة والمستمرة مع اسرائيل وانطلاقا ً من لبنان.
فاسرائيل عندما هاجمت جنوب لبنان بهدف القضاء على المنظمات الفلسطينية، إنما تكون في حالة اعتداء على لبنان.
وان اتفاقية القاهرة لعام 1969 (وملحقاتها) التي تقر بشرعية التحرك من الجنوب هل هي واجبة التطبيق؟ وما دامت الدولة اللبنانية في حالة هدنة مع اسرائيل ألا يعني ذلك انها مطالبة بعدم السماح بالتحرك الفدائي من الجنوب ومهاجمة اسرائيل؟
واسرائيل عندما تعلن انها تستهدف ضرب المقاومة من خلال عدوانها على لبنان، انما تستهدف المجتمع اللبناني والدولة اللبنانية باعتبار ان لبنان في حالة حرب (غير معلنة) رغم الهدنة مع اسرائيل.
وقد نصت المادة الثالثة بفقرتها الثانية من اتفاقية الهدنة لعام 1949 على انه " لا يجوز لأية فئة من القوات البرية أو البحرية أو الجوية ، العسكرية أو شبه العسكرية ، التابعة لأي من الفريقين ، بما في ذلك القوات غير النظامية، أن ترتكب أي عمل حربي أو عدائي ضد قوات الفريق الآخر العسكرية أو شبه العسكرية، أو ضد المدنيين في الأراضي التي يسيطر عليها الفريق الآخر، ولا يجوز لها لأي غرض كان أن تتخطى أو تعبر خط الهدنة المبين في المادة الخامسة من هذا الاتفاق ، أو أن تدخل أو تعبر المجال الجوي التابع للفريق الآخر أو المياه الواقعة ضمن ثلاثة أميال من الخط الساحلي التابع للفريق الآخر ".
أما الفقرة الثالثة فتنص على التالي : " لا يجوز توجيه أي عمل حربي أو عمل عدائي من أراض ٍ يسيطر عليها أحد فريقي هذا الاتفاق ضد الفريق الآخر ".
أما المادة الرابعة من اتفاق الهدنة فتطرقت إلى الخط المعروف بخط الهدنة، والذي لا يجوز أن تتخطاه القوات المسلحة التابعة لكل من الفريقين.
ويتبع خط الهدنة بحسب المادة الخامسة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين.
وتجدر الاشارة إلى أن اتفاق الهدنة العائد لعام 1949 لا يخضع للابرام، بل يصبح نافذا ً فور التوقيع عليه.
فهل فريق المقاومة هو طرف ثالث لا يخضع لبنود اتفاق الهدنة ؟... وبالتالي لا يخضع للسلطة اللبنانية؟... وهل تجبر الدولة اللبنانية بالحفاظ على أمن دولة أو كيان مجاور لها ؟!...
وان ضرب اسرائيل للمقاومة ولحزب الله على أرض لبنان، يعتبر مواجهة بينها وبين السلطة اللبنانية ( ولوّ بصورة غير مباشرة). فضلاً على أن اسرائيل احتلت جزء من أرض لبنان احتلالاً عسكرياً مباشراً.
وبقطع النظر عن رد أو عدم رد السلطة اللبنانية عسكرياً عند اعتداء اسرائيل على لبنان، فان العدوان يقع على الدولة على المنشآت المدنية والحيويّة بصورة عامة، ولو شمل الضرب مناطق نفوذ حزب الله.
فسياسات اسرائيل المتعاقبة بحق لبنان، شكلت خرقاً خطيراً لأحد أبرز مبادئ القانون الدولي، وهو مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. فالقانون الدولي يحرّم على الدولة التدخل لأي سبب كان، وبأية صيغة مهما كانت، في الشؤون الداخلية أو الخارجية للدول الأخرى.
وقد أصدرت الجمعية العمومية قرارا ً في 14/12/1960 يعلن منح الاستقلال للبلاد والشعوب المستعمرة. ويعتبر مبدأ تقرير المصير جزء من الالتزامات التي يفرضها ميثاق الأمم المتحدة. وفي 30/11/1966 تبنت الجمعية العمومية قرارا ً يؤكد حق الشعوب في تقريرها...
كما أكدت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في العديد من قراراتها بشرعية نضال الشعوب الرازحة تحت الاحتلال من أجل تقرير مصيرها، وأدانت الحكومات التي لا تعترف بحق تقرير المصير .
وبالتالي، هل مواجهة المقاومة لاسرائيل تستمد شرعيتها من حق تقرير المصير؟ وهل يُلزم السكان بالطاعة للسلطة المحتلة؟
ففي ظل اتفاقيتي لاهاي 1899 و1907 وبعدها اتفاقية جنيف 1949 لم يرد أي نص على التزام السكان بطاعة السلطة المحتلة !
فللشعوب حق في حمل السلاح وخوض المعارك ضد المحتل في سبيل تحرير الأرض.
أما ميثاق الامم المتحدة فقد حرّم الحرب وحرّم استخدام القوة، بل حرّم مجرد التهديد باستخدامها ولم يسمح بالحرب إلاّ في حالة الدفاع المشروع عن النفس. وقد اعتبرت المادة 51 منه أن للدول، فردياً وجماعياً، حقاً طبيعياً في الدفاع عن نفسها إذا ما تعرضت لعدوان مسلح. وقد اعتبر معظم الفقهاء ان تفوق الكبار في السلاح يضطر الشعوب والدول الصغيرة إلى ممارسة حقها بالدفاع المشروع عن طريق المقاومة بمختلف أشكالها، وفي طليعة ذلك المقاومة الشعبية وحرب العصابات.
وقد جاء في المادة السابعة من التعريف الصادر عن الجمعية العامة الأمم المتحدة نصا ً يخص نضال حركات التحرير الوطنية في سبيل حقها في تقرير المصير على الوجه الآتي: " ليس في هذا التعريف عامة ، ولا في المادة الثالثة خاصة، ما يمكن أن يمس على أي نحو بما هو مستقى من الميثاق من حق في تقرير المصير والحرية والاستقلال للشعوب المحرومة من هذا الحق بالقوة والمشار اليها في اعلان مبادئ القانون الدولي المتصلة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا ً لميثاق الأمم المتحدةن ولاسيما الشعوب الخاضعة لنظم استعمارية أو عنصرية أو لاشكال أخرى من السيطرة الأجنبية ، أو بحق هذه الشعوب في الكفاح من أجل ذلك الهدف وفي التماس الدعم وتلقيه، وفقا ً لمبادئ الميثاق وطبقا ً للاعلان السابق الذكر ".
ولكن،هل ان احتلال اسرائيل لجزء من لبنان هو من قبيل العدوان؟
وهل الحصار المفروض على لبنان يدخل ضمن الأعمال العدوانية؟
فما هو العدوان في القانون الدولي؟ وما هو الدفاع الشرعي؟
ومن بدأ بالعدوان في النزاع المسلح القائم بين لبنان واسرائيل؟
ومن هو الطرف المسؤول عن استمرار العدوان؟
وماذا يترتب على مرتكب العدوان ؟ أسئلة تستوجب الدراسة بدقة وانتباه.
كان مؤتمر لاهاي الأول للعام 1899 قد قام بمحاولات جديّة لإقناع الدول باللجوء إلى الطرق السلمية، كالمفاوضة والوساطة والمساعي الحميدة والتحكيم. بل إنه تمكّن من وضع مشروع لإنشاء محكمة دائمة للتحكيم الدولي تتولّى فضّ المنازعات والخلافات بين الدول. وأكد مؤتمر لاهاي الثاني للعام 1907 المبادئ ذاتها، وترك للمؤتمر الثاني أمر تقنينها وتدوينها في اتفاقيات دولية. ولكن الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في العام 1914 قضت على هذه الآمال.
وحاولت عصبة الأمم إنعاش هذه الآمال من جديد والسعي لحظر استعمال القوة واللجوء إلى الحرب ، فلم توفّق. وكان اندلاع الحرب العالمية الثانية دليلاً على فشل محاولات عصبة الأمم.
واستخلصت الأمم المتحدة العبَر من تجارب الماضي فكرّست في ميثاقها فصلاً خاصاً، هو الفصل السادس، لدعوة الدول إلى اتباع الأساليب السلميّة لفضّ منازعاتها التي قد تُعرّض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر.
كما فرض ميثاق الأمم المتحدة في فصله السابع عقوبات سياسية وعسكرية واقتصادية على كل دولة ترتكب عملاً ينجم عنه تهديد للسلم العالمي، أو إخلال به، أو وقوع عدوان على الغير.
فالعدوان هو المبادرة بالتهديد باستعمال القوة المسلحة أو استخدامها في العلاقات الدولية بطريق مباشر أو غير مباشر أي كان الهدف من ذلك باستثناء حالة الدفاع الشرعي وتنفيذ الالتزامات المترتبة على تطبيق نظام الضمان الاجتماعي وفقا ً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وهو غزو أقليم دولة أخرى بواسطة القوات المسلحة أيا ً كان نوع هذه القوات . وهذه الحالة تنطبق على أقليم لبنان من خلال القوات الحربية الاسرائيلية.
ولكن هل القانون الدولي يبرر العمليات الانتقامية؟ خاصة في ظل المتغيرات الدولية!... وهل تدخل حرب تموز ضمن العمليات الانتقامية ؟
ان ميثاق الأمم المتحدة يمنع الالتجاء إلى القوة كعمل انتقامي، وهذا ما أكده مجلس الأمن في قراره الصادر بتاريخ 28 آذار 1964. وقد أصدر مجلس الأمن قراراً في 19 آب 1948 أكد بموجبه انه " لا يسمح لأي طرف أن يخرق الهدنة على أساس انه يقوم بعمل انتقامي أو رادع ضد الطرف الآخر ".
وعلى الدول واجب الامتناع عن الأعمال الانتقامية التي تنطوي على استعمال القوة وفق ما جاء في اعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول الصادر بتاريخ 24 تشرين الأول 1970 عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
وورد في ديباجية الاعلان ما يلي:
" ان الجمعية العامة،
إذ تؤكد من جديد ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة من أن صيانة السلم والأمن الدوليين وانماء العلاقات الودية والتعاون بين الدول من مقاصد الأمم المتحدة الأساسية.
وإذ تنوه بأن شعوب الأمم المتحدة قد عقدت العزم على أخذ نفسها بالتسامح والعيش معاً في سلام وحسن جوار.
وإذ تذكر أهمية صيانة وتعزيز السلم الدولي القائم على الحرية والمساواة والعدالة واحترام حقوق الانسان الأساسية، وأهمية انماء العلاقات الودية بين الدول بغض النظر عن أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومستويات انمائها.
وإذ تذكر كذلك الأهمية الكبرى لميثاق الأمم المتحدة في تعزيز حكم القانون بين الأمم...
وإذ تشير إلى واجب الدول في الامتناع في علاقاتها الدولية عن ممارسة الاكراه العسكري أو السياسي أو الاقتصادي أو غير ذلك من أشكال الاكراه الموجه ضد الاستقلال السياسي أو السلامة الاقليمية لأية دولة.
وإذ ترى من الضروري أن تمتنع جميع الدول في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الاقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر يتنافى مع مقاصد الأمم المتحدة.
وإذ ترى من الضروري أيضاً أن تفض جميع الدول منازعاتها الدولية بالوسائل السلمية وفقاً للميثاق...".
وتشكل الحرب العدوانية جريمة ضد السلم تترتب عليها مسؤولية بمقتضى القانون الدولي.
وطبقاً لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، على الدول واجب الامتناع عن الدعوى للحروب العدوانية.
ونص المادة 51 من الميثاق الأممي يعطي الدولة حق الدفاع المشروع عن النفس لرد أي اعتداء يقع عليها. ولكن هذا الحق لا يثبت للدول إلاّ إذا كان هناك اعتداء واقع غير مشروع لا يمكن دفعه إلاّ باستعمال القوة. فالدولا لا يحق لها، مثلاً، أن تهاجم دولة أخرة بحجة الدفاع عن نفسها لأن هذه الدولة بلغت في تسلّحها حداً يُخشى منه مهاجمتها لها. إن الدولة الأولى تستطيع، في هذه الحالة، أن تحتاط وتتخذ الإجراءات اللازمة لردّ العدوان حين وقوعه. والأمثلة على استخدام حق الدفاع المشروع بصورة غير مشروع ولتغطية أعمال عدوانية عديدة، كموقف ألمانيا من الاتحاد الاسوفياتي في الحرب العالمية الثانية، فقد هاجمت ألمانيا في حزيران 1941، الاتحاد السوفياتي وزعمت، لتبرير هجومها، أن الدولة الأخيرة كانت تستعد للاعتداء عليها وأن هجومها لم يكن إلاّ بحكم الدفاع عن النفس.
ونشير إلى أن مجلس الأمن، بمقتضى المادة 51 من الميثاق الأممي، يتمتّع، في حالات الاعتداء على الدول، بصلاحيات واسعة لحفظ السلم والأمن الدوليين.
وهنا، لا بد من التذكير بالمطامع الاسرائيلية المستمرة منذ زمن بعيد، ومحاولاتها المتكررة السيطرة على مقدرات وموارد لبنان المتنوعة وضرب الاقتصاد اللبناني وأسسه بغية عدم منافستها سياحيا ً ومصرفيا ً وثقافيا ً وزراعيا ً وفكريا ً... وبالتالي، فان مختلف الحروب والمعارك التي أقامتها اسرائيل تدخل في عداد الأعمال العدوانية والعمليات الانتقامية الغير مبررة سواء بحجة ضرب المجموعات الفلسطينية أم ضرب حزب الله .
ونجد العديد من الكتّاب القانونيين يعتبرون الحرب العدوانية جريمة دولية. وفي هذا الصدد تتوافر أركانها بمجرد المبادرة باستخدام القوة المسلحة بطريق مباشر أو غير مباشر خارج النطاق المسموح فيه بذلك.
وقد كيفت الحرب العدوانية الجمعية العمومية لعصبة الأمم على أساس انها جريمة دولية وقد كان ذلك في سنة 1927 . كما ان اتفاقية باريس لعام 1928 تحرم الحرب العدوانية وذلك من خلال نصها على ادانة اللجوء إلى القوة المسلحة في حلّ المشاكل الدولية. (وقّعت عليها في البداية 15 دولة، ثم وقّعت عليها 63 دولة عام 1938).
فميثاق عصبة الأمم قرّر ( في المواد 12 إلى 15) أن كل خلاف ينشأ بين الدول الأعضاء يجب أن يُحلّ بطريقة سلمية. وفرضت المادة 12 على هؤلاء الأعضاء اختيار طريقتين: إما عرض منازعاتهم على التحكيم أو القضاء ، وإما عرضها على مجلس العصبة الذي يعمل عند ذلك كوسيط يحاول إعادة عرى التفاهم إلى الأطراف المتنازعة ونشر تقرير بعدها.فإذا اتّخذ القرار بالإجماع (باستثناء أصوات أطراف النزاع) كان ذلك حلاّ ملزماً لهذه الأطراف.أما إذا اتّخذ بالأكثرية فلا يكون له أية صفة إلزامية، وتبقى الحرب ممكنة قانوناً.
وحظي النظام الذي أتت به العصبة بنجاح عندما طُبّق على منازعات بسيطة، مثل قضية جزر آولاند في العام 1921. ولكنه مُني بالفشل عندما حاول التصدّي للمنازعات المهمة، مثل النزاع بين الصين واليابان خلال الأعوام 1931-1936.
وجرت محاولات لتحسين الوضع وتغيير المنهج فلم تكلل بالنجاح. زمع اندلاع الحرب العالمية الثانية انهارت عصبة الأمم وانهار معها نظام تسوية المنازعات.
وفي 24 تشرين الأول 1970 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها المعروف باعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الوديّة والتعاون بين الدول بما يطابق ميثاق الأمم المتحدة. وورد فيه أن " على جميع الدول تسوية منازعاتها الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يُعرّض للخطر السلم والأمن الدوليين أو العدل".
إلاّ أن القائمة التي وضعتها المادة 33 من الميثاق ليست حصريّة، فالدولة ليست ملزمة باستعمال وسيلة سلمية دون أخرى.إنها تتمتع بحريّة الاختيار. وقد تكرّست هذه الحريّة في إعلان " مانيلا " حول التسوية السلمية للمنازعات، الذي صدّقت عليه الجمعية العامة بقرار صدر في 5/12/1982.غير أن بإمكان الأطراف في نزاع معيّن التخلّي عن هذه الحريّة. ويحدث ذلك عندما تتعدّد سلفاً، في اتفاق معيّن، باللجوء إلى وسيلة محدّدة للتسوية .
كما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريفا ً للعدوان في جلستها المنعقدة بتاريخ 14 كانون الأول 1974، وذلك بطريقة " توافق الآراء " بعد أن أقرته اللجنة الخاصة المشكلة لهذا الغرض وبنفس الطريقة في دورتها المنعقدة في نيويورك عام 1974.
وقد استغرقت المساعي الدولية لتعريف العدوان أكثر من خمسين عاما ً. فقد بدأت مناقشة الموضوع لأول مرة في عام 1923 في عهد عصبة الأمم. وفي عهد الأمم المتحدة ، أثار الاتحاد السوفياتي الموضوع عام 1950. ولم تتمكن لجنة القانون الدولي التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي اللجنة المعنية بتقنين القانون الدولي وانماءه المطرد ، من الاتفاق حول تعريف للعدوان. كما ان اللجان الثلاث الخاصة التي شكلتها الجمعية العامة لم تتمكن هي الأخرى من بلوغ ذلك الهدف. وأخيرا ً وفقت اللجنة الخاصة الرابعة، والتي شكلتها الجمعية العامة عام 1967، بعد سبع دورات في التوصل إلى تعريف العدوان.
ان تعريف العدوان هذا يمثل جزء ً من الجهود المتواصلة للأمم المتحدة في تطوير قواعد القانون الدولي بصورة تدعم أحكام ميثاق الأمم المتحدة.
وان أحد مقاصد الأمم المتحدة " الأساسية " هو أن يصان السلم والأمن الدوليين وأن تتخذ التدابير الجماعية الفعالة لمنع أسباب تهديد السلم وازالتها، وقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الاخلال بالسلم. وقد أوجب ميثاق الأمم المتحدة على الدول عدم اللجؤ إلى استخدام القوة في علاقاتها الدولية، وفض منازعاتها الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يعرض للخطر السلم والأمن والعدل الدولي.ومما لا شك فيه هو ان ميثاق الأمم المتحدة يجعل من اختصاص مجلس الأمن البت في أمر وجود أي تهديد للسلم أو اخلال بالسلم أو عمل من أعمال العدوان، وأن يضع التوصيات لصون السلم والأمن الدوليين أو اعادتها إلى نصابهما أو يقرر التدابير القمعية التي يجب اتخاذها لهذا الغرض.
فالعدوان هو استعمال القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الاقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأية صورة أخرى تتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة.
وأوضحت المادة الثانية من التعريف عناصر العمل العدواني بقولها:
" المبادأة باستعمال القوة من قبل دولة ما خرقا للميثاق تشكل بينة كافية مبدئيا ً على ارتكابها عملا ً عدوانيا ً وان كان لمجلس الأمن ، طبقا ً للميثاق، ان يخلص إلى انه ليس هناك ما يبرر الحكم بأن عملا ً عدوانيا ً قد ارتكب وذلك في ضوء ملابسات أخرة وثيقة الصلة بالحالة ، بما في ذلك أن تكون التصرفات محل البحث أو نتائجها ليست ذات خطورة كافية ".
وتدخل ضمن الأعمال العدوانية الأمور التالية:
- قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو اقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أوأي احتلال عسكري، ولو كان مؤقتا ً، ينجم عن مثل هذا الغزو أو أي ضم لاقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة.
- قيام القوات المسلحة لدولة ما بقذف اقليم دولة أخرى بالقنابل، أو باستعمال دولة ما أية أسلحة ضد اقليم دولة أخرى.
- ضرب حصار على موانئ دولة ما أو على سواحلها من قبل القوات المسلحة لدولة أخرى( وهنا، يدخل الحصار الاسرائيلي المفروض على لبنان بكافة أشكاله ضمن الأعمال العدوانية المستمرة).
- قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية
أو الجوية أو الاسطولين التجاريين البحري والجوي لدولة أخرى.
- قيام دولة ما باستعمال قواتها المسلحة الموجودة داخل اقليم دولة أخرة بموافقة الدولة المضيفة، على وجه يتعارض مع الشروط التي ينص عليها الاتفاق، أو أي تمديد لوجودها في الاقليم المذكور إلى ما بعد نهاية الاتفاق( وهذا هو شأن التدخل السوري رغم التحفظ والالتباس حول وجود أي اتفاق تعاوني عسكري بين الدولتين والذي يعتبر باطلاً نظراً لوجود الاحتلال السوري).
- سماح دولة ما وضعت اقليمها تحت تصرف دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة الأخرى لارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة.
- ارسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من قبل دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرة بأعمال من أعمال القوة المسلحة تكون من الخطورة بحيث تعادل الأعمال المعددة اعلاه، أو اشتراك الدولة بدور ملموس في ذلك.
ومن الجدير بالذكر ان الأعمال المذكوره أعلاه ليست جامعة مانعة، ولمجلس الأمن أن يحكم بأن أعمالا ً أخرى تشكل عدوانا ً بمقتضى الميثاق.
فالعدوان هو أفدح صور الاستعمال غير المشروع للقوة وأخطرها، من حيث انه، بحكم الظروف الناشئة عن وجود أسلحة التدمير الشامل بكل أنواعها، يحمل في ثناياه امكان التهديد بصراع عالمي مع كل ما يترتب عليه من كوارث.
وما من اعتبار أيا ً كانت طبيعته، سواء كان سياسيا ً أو اقتصاديا ً أو عسكريا ً أو غير ذلك، يصح أن يتخذ مبررا ً لارتكاب العدوان.
ومن الثابت بحكم أحكام ميثاق الأمم المتحدة ان الاستعمال المشروع للقوة في ظل نظام الأمن الجماعي ينحصر في حالتين: الأولى هي حالة الدفاع الشرعي أو الدفاع عن النفس نوالثانية هي حالة الاشتراك في التدابير القمعية التي يقرر مجلس الأمن اتخاذها طبقا ً لنصوص الميثاق.
ان الحالة الأولى هي التي تعنينا وهي التي سنتولى عرضها بايجاز.
يمثل حق الدفاع الشرعي أهم مظاهر حق البقاء الذي تتمتع به الدولة، وهو يعني رد الدولة بالقوة المسلحة على استعمال غير مشروع للقوة المسلحة وجه ضدها من قبل دولة أخرى. وبعبارة ثانية ،لا بد لكي يعتبر استعمال الدولة للقوة المسلحة ضمن حالة الدفاع الشرعي ان يكون ذلك الاستعمال قد سبقه فعل غير مشروع دوليا ً انطوى على استعمال غير مشروع للقوة من قبل الدولة التي تستخدم القوة ضدها دفاعا ً عن النفس. ان العمل الذي تؤتيه الدولة باسم الدفاع الشرعي هو اجراء تريد به الدفاع عن سلامتها الاقليمية أو عن استقلالها لرد تصرف بالعنف العسكري (وهذه كانت حجة اسرائيل لتنفيذ هجومها العسكري على لبنان وفرض الحصار البحري والجوي عليه في تموز 2006).
فالدولة التي تتعرض لهجوم مسلح وتصبح بالتالي في حالة الدفاع الشرعي يرخص لها القانون الدولي بصورة استثنائية اللجوء إلى استعمال القوة المسلحة لوقف العدوان الجاري واحباط أهدافه.
ولكن، بالمقابل ان مفهوم الدفاع الشرعي في القانون الدولي العرفي له شرطان: قيام ضرورة للدفاع عن النفس بشكل آني وغامر ليس فيها سبيل للاختيار أو التدبر، وثانيا ً أن تكون الاجراءات المتخذة ضمن الدفاع عن النفس لا تنطوي على أي فعل غير مقبول أو يتجاوز حدود الضرورة التي أملت اتخاذ تلك الاجراءات.
والخطر يجب أن يكون بينا ً، أي حقيقيا ً وملموسا ً من خلال سلوك الدولة التي تسببت بخلقه، وليس مجرد خطر وهمي . وهذا يعني أن تقييم الظروف والملابسات التي تحيط باستخدام القوة المسلحة دفاعا ً عن النفس والخلفية المباشرة لذلك الاستخدام تكتسب أهمية كبرى من الناحية القانونية. ففي ضوء ذلك يتحدد ما إذا كان الادعاء بالدفاع الشرعي مشروعا ً، أم أن الدلائل تشير إلى العكس وان الادعاء لم يكن في واقعه سوى غطاء لعدوان مسلح.
لذا، فان اسرائيل لا تملك أي مبرر في توسيع أعمالها العسكرية العدوانية بحجة تحرير أسراها العسكريين( وهي بطبيعة الحال لا تملك أي مبرر في تنفيذ هجماتها التدميرية على لبنان).
وان الخطر البين والداهم والشديد والذي تتعرض له دولة ما ويبرر لها استثناء استخدام القوة المسلحة لرده في حالة الدفاع الشرعي يجب أن يتأتى من السلوك غير المشروع الناجم عن دولة أخرى وليس مجرد أفراد أو جماعات خاصة أو غير مرتبطة بالتنظيم الرسمي للدولة. ويفهم من ذلك أن السلوك المذكور يجب أن يكون رسميا ً وصادرا ً عن الدولة سواء بتصريحات مسؤوليها والقابضين على السلطة فيها أو بفعل مؤسساتها وتنظيمات الأفراد والجماعات التي ترتبط بكيانها الرسمي.
فيعتبر الفعل صادرا ً عن الدولة إذا صدر التصرف من أي جهاز من أجهزتها له الصفة بمقتضى القانون الداخلي لتلك الدولة، شريطة أن يكون ذلك الجهاز قد تصرف بهذه الصفة في الحالة المعنية. وليس من بعد أي تأثير لمكان الجهاز المذكور في تنظيم الدولة، سواء كان ينتمي إلى السلطة التأسيسية أو التشريعية أو التنفيذية أو القضائية أو غيرها من السلطات، وسواء كانت وظائفه ذات طبيعة دولية أو داخلية، أو كان له في تنظيم الدولة مكان الرئيس أو المرؤوس.
ويعتبر الفعل صادرا ًعن الدولة بمقتضى القانون الدولي أيضا ً إذا صدر التصرف عن أي جهاز تابع لكيان حكومي اقليمي داخلها،أو إذا كان ذلك الجهاز، رغم كونه لا يشكل جزء من البينة الرسمية للدولة أو لكيان حكومي اقليمي فيها، مخولا ً بموجب القانون الداخلي للدولة بصلاحية ممارسة بعض اختصاصات السلطة الحكومية ، شريطة أن يكون قد تصرف بهذه الصفة في الحالة المعنية. كما يعتبر كذلك أيضا ً تصرف أي شخص أو فريق من الأشخاص إذا ثبت انهم كانوا يعملون لحساب الدولة، أو كانوا يمارسون في الواقع بعض اختصاصات السلطة الحكومية في غياب السلطات اللرسمية وفي ظروف كانت تبرر ممارسة تلك الاختصاصات. ويعتبر الفعل صادرا ً عن الدولة أيضا ً في جميع الحالات حتى إذا تجاوز الجهاز في تصرفه في حالة معينة حدود صلاحياته وفقا ً للقانون الداخلي للدولة المعنية أو خالف التعليمات المتعلقة بنشاطه.
ولكن هل للمقاومة شخصية مستقلة عن السلطة اللبنانية؟ وهل تتمتع تلك المقاومة بالشخصية القانونية الدولية عند مقاومتها الاحتلال انطلاقا ً من لبنان ؟ أو انطلاقا ً من وراء الخط الأزرق؟ أو خط الهدنة؟ وهل تعتبر المقاومة جزء من الدولة اوأجهزتها؟ وغيرها من الطروحات والتساؤلات...
وتجدر الاشارة إلى ان القرار رقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن يذكّر بفقرته التمهيدية بكل قراراته السابقة حول لبنان ولا سيّما منها القرارات 425 (1978) و426 (1978) و520 (1982) و1559 (2004) و1655 (2006) و1680 (2006) و1697 (2006)، وكذلك ببياناته الرئاسية حول الوضع في لبنان لا سيّما منها تلك الصادرة في تاريخ 18 حزيران 2000 (S/PRST/2000/21) و19 تشرين الأول 2004 (S/PRST/2004/36) و4 أيار 2005 (S/PRST/2005/17) و23 كانون الثاني 2006 (S/PRST/2006/3) و30 تموز 2006 (S/PRST/2006/35).
كما تشير تلك الفقرة إلى قلق مجلس الأمن الشديد حيال التصعيد المستمرّ للأعمال الحربيّة في لبنان وإسرائيل منذ هجوم حزب الله على إسرائيل في 12 تموز 2006 ، والذي أدّى حتّى الآن إلى سقوط مئات القتلى والجرحى لدى الطرفَين، وسبّب أضراراً فادحة في البنى التحتية المدنية وأدّى إلى نزوح مئات الآلاف من الأشخاص في الداخل... فهذه الفقرة تضع حزب الله تحت مجهر المساءلة الدولية نظرا ً لتجاوزه الخط الأزرق من أجل تنفيذ عمليته العسكرية وأسر الجنديّين الاسرائيليين .
انها فقرة جاءت لتثبت الخط الأزرق وضرورة احترامه من قبل كافة الأطراف المعنية.
ولكن هل سيتم العمل على تطبيق القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بصورة جديّة وحاسمة، أم سيتم اعتماد أساليب ملتوية المعالم ؟!...
والحقيقة أن حرب تموز تحولت إلى نزاع مسلح مثير للقلق في منطقة الشرق الأوسط ازاء التدخل الاسرائيلي وحصول العدوان واحتلالها لجزء من اقليم لبنان( رغم الخلافات والاستفسارات حول لبنانية المزارع من ناحية القانون الدولي أوالاعتبار السيادي).
أما بالنسبة إلى التعويض نورد التالي:
في حالة الاخلال بالتزام دولي بفعل غير مشروع دوليا ً تنشأ رابطة قانونية جديدة بين الشخص القانوني الدولي الذي أخل بالتزامه أو امتنع عن الوفاء به، والشخص القانوني الذي حدث الانتهاك في مواجهته ويترتب على نشوء هذه الرابطة الجديدة أن تلتزم الدولة التي أخلت بالتزاماتها أو امتنعت عن الوفاء بها بازالة ما ترتب على اخلالها من النتائج. كما يحق للدولة التي حدث الاخلال أو عدم الوفاء بالالتزام في مواجهتها أن تطالب الدولة المخلة بالتعويض.
والجدير بالذكر أن تقدير قيمة التعويض يرتبط ارتباطا ً وثيقا ً بمسألة تحديد لحظة ومدة وقوع الانتهاك الدولي. فاذا كان الفعل غير المشروع غير ممتد زمنيا ً، يتحقق الانتهاك لحظة القيام بالفعل. وإذا كان الفعل ممتد زمنيا ً وذا طابع استمراري، يقع الانتهاك لحظة بدأ الفعل وتمتد مدة الانتهاك طيلة فترة استمرار الفعل وبقاءه. وإذا كان الفعل غير المشروع مركبا ً أو متشعبا ً يقع الانتهاك لحظة اتمام الفعل وتنسحب مدة الانتهاك إلى بداية وقوع أول تصرف من الفعل المركب أو المتشعب ولغاية اتمامه. وإذا كان الفعل غير المشروع يتمثل بوقوع حادث معين التزمت الدولة سابقا ً بمنع حدوثه يقع الانتهاك عند وقوعه وتمتد مدة الانتهاك طوال فترة استمرار الحدث.
أما فعل العدوان، فهو يشكل جريمة دولية تجرم بموجبها الدولة ، وان هذا التجريم يضاف له التجريم الذي ينسب للأفراد بسبب تصرفاتهم المتصلة بجريمة العدوان.
واذا كان الفعل غير المشروع غير ممتد زمنياً، يتحقق الانتهاك لحظة القيام بالفعل. وإذا كان الفعل ممتد زمنياً وذا طابع استمراري، يقع الانتهاك لحظة بدأ الفعل وتمتد مدة الانتهاك طيلة فترة استمرار الفعل وبقاءه. وإذا كان الفعل غير المشروع مركباً أو متشعباً يقع الانتهاك لحظة اتمام الفعل وتنسحب مدة الانتهاك إلى بداية وقوع أول تصرف من الفعل المركب أو المتشعب ولغاية اتمامه. وإذا كان الفعل غير المشروع يتمثل بوقوع حادث معين التزمت الدولة سابقاً بمنع حدوثه يقع الانتهاك عند وقوعه وتمتد مدة الانتهاك طوال فترة استمرار الحدث.
فالنتيجة الأساسية للمسؤولية الدولية هي التزام الدولة المسؤولة دفع تعويض عن الضرر الذي نشأ عن الفعل غير المشروع. ولهذا التعويض صور عدة، منها:
- الترضية: وتكون عندما لا يترتب على العمل المسبّب للمسؤولية أي ضرر مادي. والترضية تعني قيام الدولة المسؤولة بعدم إقرار التصرفات الصادرة عن سلطاتها أو موظفيها. والترضية تتم بتقديم اعتذار دبلوماسي، أو فصل الموظف المسؤول، أو إحالته إلى المحاكمة.
- التعويض العيني: ويكون بإعادة الأمر إلى ما كان عليه قبل وقوع الفعل غير المشروع، كإعادة الأموال المصادرة دون حقّ إلى أصحابها من الأجانب.
- التعويض المالي( وهي الحالة التي يجب أن يتمسك بها لبنان لمطالبة اسرائيل بالتعويض عن الخسائر التي لحقت به ابان حرب تموز وكافة الحروب الماضية): ويكون بدفع مبلغ من المال للتعويض عن الضرر. وقد يطالب المتضرر بتعويض عن فوات النفع أو الربح، أو عن الخسارة الأدبية.
والتعويض هو، في الواقع، أمر تقديري يحدّد القاضي الدولي شكله وحجمه ومداه، وفقاً لسلطته التقديرية.
وقد ثبت ان اسرائيل ارتكبت جملة من الانتهاكات لمبادئ وأحكام القانون الدولي، وان هذه الانتهاكات طبقاً لأحكام المسؤولية الدولية تعتبر أفعالاً غير مشروعة دولياً.
ان هذه الأفعال غير المشروعة دولياً مختلفة في طبيعتها من الناحية القانونية. فمنها ما هو غير ممتد زمنياً كخرق أجواء لبنان، واطلاق النار عبر الحدود في حالات منفردة متكررة، واختطاف الأفراد في الاقليم اللبناني. ومنها ما هو من طبيعة مركبة أو متشعبة كأفعال الاساءة إلى علاقات حسن الجوار والعيش بسلام والتدخل في الشؤون اللبنانية وعدم تطبيق الالتزامات الدولية. ومنها ما هو ذو طابع استمراري ويشكل جريمة دولية من أخطر الجرائم التي يعرفها القانون الدولي المعاصر، وذلك يتمثل بارتكاب العدوان والاستمرار فيه.
وفيما يتعلق بجريمة العدوان بالذات، يستحق لبنان التعويض عن جميع الخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي لحقت به من جراء تلك الجريمة طيلة فترة استمرارها وبقائها. فضلاً عن ضرورة مطالبته بالتعويض عن فوات الربح أو النفع، وعن الخسارة الأدبية المعنوية.
فالحرب العدوانية جريمة ضد السلم تترتب عليها مسؤولية بمقتضى القانون الدولي. وطبقا ً لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، على الدول واجب الامتناع عن الدعوى للحروب العدوانية. وعلى كل دولة كذلك واجب الامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها لخرق الخطوط الدولية الفاصلة، مثال ذلك خطوط الهدنة، التي تكون مقررة في اتفاق دولي أو بناء على اتفاق دولي وهي أحد أطرافه أو يقع عليها لأسباب أخرى واجب احترامه.
وعلى الدول واجب الامتناع أيضا ً عن الأعمال الانتقامية التي تنطوي على استعمال القوة وفق ما جاء في اعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول.
ولكن ما هو وضع حرب العصابات؟ وما يقال عن اعتماد حزب الله لهذا التكتيك في مواجهة اسرائيل سابقا ً وحاضرا ً وربما مستقبلا ً!...
فحرب العصابات هي الحرب الشعبية التي تسمى أحيانا ً بحرب الاغوار أو حرب التحرير، وهي عبارة عن عصيان جماهيري مسلح ضد دولة أجنبية محتلة أو نظام فاسد متعسف.
فالحرب " الشعبية " هي ثورة جماهرية مسلحة، ولكنها تختلف عن الأشكال الأخرى للثورة ، في انها تتبع استراتيجية محددة ، وتشترك فيها مجموعة شعبية بقيادة طليعية مترابطة. والهدف النهائي لمثل هذه الثورة المسلحة، هو عادة التخلص من الاحتلال القائم أو الحكم المستبد.
ولكن ، هل حرب العصابات هي بحسب بعض الأنظمة والفقهاء، حرب ثورية تنشر العنف ضد السلطات السياسية لبلد من قبل منظمات سرّية، تعمل بذلك على تحقيق أهدافها بالاشتراك أحيانا ً مع الوسط المحيط؟ أم هي حرب نبيلة ذات أهداف صادقة وطنية؟
ويستخدم في حرب العصابات بعض التجهيزات المتطورة ، وتعتمد أولا ً على مفاجأة المحتل ومهاجمته بشكل مفاجىء ومن ثم الاختباء والتخفي.
ونكون بصدد حرب غير متكافئة من الناحية العسكرية والتجهيزات ، لكن لها نتائج مربحة لصالح الطرف الذي يعتمد أسلوب حرب العصابات وعادة يكون صاحب الأرض بوجه المحتل.
فتلك الحرب قد تنشب ضد جيش عدو، احتل جزء من وطن شعب آخر. وفي تلك الحالة تقوم هذه الحرب لتدعيم الجيش النظامي الوطني، في محاولة طرد الغزاة ( وهذه الحالة لا تنطبق على الوضع اللبناني).
وقد تنشب حرب عصابات ضد جيش أجنبي يشن حربا ً عدوانية، وقد تمكن من هزيمة الجيش الوطني، وفي تلك الحالة قد يلجأ بقايا الجيش المهزوم بمساعدة المدنيين إلى حرب العصابات لمنع الغزاة من تقوية مراكزهم.
وقد تنشب حرب عصابات لمتابعة كفاح الشعب، الذي هزمه نظام بلاده في حرب أهلية أو ثورية. أو تنشب تلك الحرب بهدف طرد المحتل ومقاومته بصرف النظر عن السلطة القائمة.
وجهود الكتَّاب القانونيين لا تزال متواصلة على طريق الدراسة الجدّية لمسألة حرب العصابات بما يواكب أهميتها وخطورتها.
ان معالجة حرب العصابات ، حتى تكون متكاملة ومفيدة ينبغي أن لا تقتصر فقط على الجانب القانوني لوحده، والذي يكيّفها على انها طريقة حربية عسكرية، لذلك ينبغي دراستها من زوايا متعددة أخرى.
فمن الناحية العسكرية، حرب العصابات هي حرب التخفي، حرب الكوماندس المتسلل ضد آليات المحتل...
وحرب العصابات ليست فقط حرب عسكرية، وانما أيضا ً حرب سياسية واقتصادية وثقافية . والمحارب في تلك الحرب يكون مقتنعا ً ومؤمنا ً بالهدف الذي من أجله يناضل .
ولتلك الحرب عدة خصائص :
- حرب العصابات هي حرب " الضعيف " ضد " القوي ":
بعض الخبراء الديبلوماسيين والقانونيين اعتبر حرب العصابات حرب الفقراء، حرب الذين ليس لهم طائرات، ولا سلاح حديث لمقاومة المحتلين.
وأعضاء هذه الحرب يلجؤون لمختلف الوسائل كنصب الأفخاخ والاغتيال والخطف... وهذه الوسائل تشجع الطرف المقابل على الالتجاء لطرق شرسة وقاسية...
وفي هذه الحرب لا يلتقي طرفان متكافئان: رجل إلى رجل، جيش إلى جيش، بندقية إلى بندقية... وتختلف موازين القوى العسكرية بين طرفي القتال.
هي حرب أعصاب، حرب انهاك، حرب تحطيم معنويات العدو. وهي تشهد التحرك في سرية وبعيدا ً عن أضواء مخابرات العدو وترصداتهم. والمحاربين في حرب الثوار يمتلكون سلاح المفاجأة مع التخفي . وهذا هو أسلوب حزب الله التكتيكي المعتمد في ساحة القتال وخلال العمليات العسكرية والهجمات السريعة والمفاجئة.
- السكان و حرب العصابات :
للسكان أهمية ودور كبير في تلك حرب. إذ لا يمكن أن تكون هناك حرب عصابات بدون مساندة شعبية داخلية (وأحيانا ً خارجية).
وهناك علاقة جدلية وثيقة بين حركات حرب العصابات والشعب. فنجد الانصهار العجيب بين خط الشعب وبين عمل سري مسلح . والمساندة السكانية هنا، قد تتحول في مراحل لاحقة للقتال إلى مساهمة فعلية بالحرب. وبرزت هذه التجربة بصورة واضحة خلال حرب تموز الأخيرة .
- حرب العصابات والاقليم :
ان طبيعة الحرب الحديثة وبالخصوص حرب العصابات تجعل السيطرة على الاقليم عملية تتغير باستمرار.
ففي حرب العصابات للاقاليم أهمية ثانوية : هي حرب تستهدف انهاك العدو، وضربه في خطوطه الامامية، وفي خطوطه الخلفية. والاقليم بالنسبة لتلك الحرب لا يعني أكثر من نقاط انطلاق وعودة . وهذا ما حصل في معارك مارون الراس وعيتا الشعب وبنت جبيل وغيرها من المناطق الجنوبية.
ان الاقليم بالنسبة لحرب العصابات ، هو إلى جانب ذلك مجرد مخابئ للأسلحة والمؤونة، ونقاط تجميع للمقاتلين. ويمكن أن يكون عاملا ً حاسما ً في تحديد نتائج النزاع الدائر.
لذلك اهتم القانون الدولي المعني بالنزاعات المسلحة بالاقليم ، ولذلك أيضا َ اعتبرته اتفاقيات جنيف شرطا ً أساسيا ً للاعتراف بالمحاربين، وحركات التحرر الوطني.
وحرب العصابات حرب لا أرض لها ان صح التعبير تقوم جولاتها حيث يمكن مباغتة العدو، وإلحاق أكبر الخسائر به. فليس بالاقليم يتحقق النصر.
والخلاصة ان حرب العصابات ، طريقة قتالية تستخدم في النزاعات المسلحة الدولية، وغير الدولية. وهي تعد الميزة الأساسية للمقاومة ولحزب الله.
وهكذا، يبرز حزب الله كطرف يعمد إلى تحرير أرضه بمختلف الوسائل وبامكانياته التمواضعة سابقا ً والمتطورة نسبيا ً حاضرا ً باعتماده على المعونات الاقليمية.
انه حزب الله ، ذات المنهج العسكري المتميّز على مختلف الأصعدة والذي يشمل أسلوب حرب العصابات أو حرب الاغوار والتكتيك الهجومي السريع والمفاجئ والفكر الثوري الشعبي المقاوم والعمل التحرري والحسّ الديني والعقائدي.
انه حزب الله ، ذات الأبعاد المتشعبة داخليا ً وخارجيا ً.
ونحن في حاجة إلى عناية من القانون الدولي : فقها ً ونصوصا ً قانونية. وأيضا ً إلى الضمير العالمي والمجتمعات الدولية لتكوين صورة حقيقية وواضحة عن ما يمكن أن تحققه المعارك والحروب من مآسي ودمار وخراب وإلى انتشار الفساد والحقد والانانية.
فعسى أن تتبلور مختلف الصعوبات وتتناقص من أجل غد أفضل مُفعم بالحياة الهادئة والكرامة المصانة من أجل لبنان الحرّ المستقل.
شادي خليل أبو عيسى
محامٍ وكاتب

www.chadyabouissa.com (http://www.chadyabouissa.com)