المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وساءل تطور القانون



الدكتور عادل عـامر
06-05-2009, 08:54 PM
وساءل تطور القانون

الدكتور عادل عامر
2- وسائل تطور القانون
 وسائل عامة للتطور:
ورغم اختلاف الشرائع فيما يتعلق بوسائل تطور القانون، فإنه أمكن استخلاص وسائل تطور عامة لدى مختلف الشعوب وفي سائر الشرائع القانونية، هذه الوسائل العامة يمكن حصرها فيما يأتي: الحيل القانونية، مبادئ العدالة، التشريع. وهي قد ظهرت بالترتيب السابق.
أولاً : الحيل القانونية
تعريف الحيلة:
يمكن تعريف الحيلة بأنها «وسيلة عقلية لازمة لتطور القانون تقوم على أساس افتراض أمر مخالف للواقع يترتب عليه تغيير حكم القانون دون تغيير نصه».
الفارق بينها وبين الوسائل العقلية الأخرى:
يعتمد القانون – في تكوينه وتطوره – على وسائل عقلية متعددة ومن أهمها التحليل القانوني والاقتصاد القانوني فكيف تفرق بين هذه الوسائل وبين الحيلة؟
الفرق بين الحيلة والتحليل القانوني:
عمد المشتغلون بالقانون إلى تحليل القواعد القانونية المختلفة بقصد معرفة الغرض الذي وضعت من أجله، ثم عمدوا إلى فصل القواعد ذات الأغراض المتباينة عن بعضها، وجمع شتات القواعد التي تهدف إلى تحقيق غرض واحد. هذا التحليل أدى إلى تحديد معاني الأفكار والمبادئ القانونية المختلفة ومن ثم بيان مجال تطبيق كل منها.
وبذلك سهل إدراك المعاني المختلفة للقواعد القانونية المتعددة ومن ثم أمكن تطبيقها بسهولة على العلاقات الاجتماعية العديدة.
واعتمد التحليل القانوني على وسيلتين عقليتين رئيسيتين: صياغة القواعد القانونية في صورة مجردة أي بعيدة عن الملابسات التي أحاطت بظهورها، حتى يسهل إدراكها وفهمها مثل فكرتي المال والحق. وصياغة القواعد القانونية في صورة عامة، حتى يسهل تطبيقها على الحالات الفردية ومن ثم تقل المنازعات بشأن تفسيرها مثل المبدأ الذي يقول «لا يعذر المرء بجهله القانون». ولكن الفرق بين الحيلة وبين هاتين الوسيلتين يظهر في أن الحيلة تقوم على أساس تجاهل الواقع الملموس بغية الانحراف بالقاعدة القانونية إلى غرض آخر أو تجاهل وجودها، فهي مخالفة للحقيقة وللقانون معاً مثل افتراض أن الجنين قد ولد حياً وقت وفاة المورث حتى يحصل على نصيبه من التركة. بينما وسائل التحليل القانوني لا تتجاهل قاعدة قانونية موجودة بل تتجاهل الواقع الملموس في بعض الأحيان بغية الوصول إلى خلق قاعدة قانونية.
الحيلة أهم صور الاقتصاد القانوني:
إن تطور العلاقات الاجتماعية بين الناس يؤدي حتماً إلى ظهور علاقات اجتماعية جديدة لا تستجيب لها القواعد القانونية الموجودة، ونتيجة لتناهي النصوص وعدم تناهي الوقائع وجب الاجتهاد لمواجهة التطورات الجديدة.
ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ما يسمى بالاقتصاد القانوني. فكما أن الاقتصاد السياسي يعمل على سد حاجات الإنسان المتعددة بموارد محدودة، فإن الاقتصاد القانوني هو الذي يمدنا بالوسائل التي نستطيع بمقتضاها استنباط أحكام قانونية، لحكم العلاقات الاجتماعية المتجددة والمتعددة.
الوظائف التي تقوم بها الحيلة:
تعتبر الحيلة وسيلة هامة من وسائل تطور القانون. فهي تقوم بوظيفتين رئيسيتين: وظيفة تاريخية تتمثل في تعديل بعض النظم القانونية.
وقد استعين بالحيلة لتبرير بعض النظم والمبادئ القانونية الاجتماعية، وبذلك أمكن فهم القواعد القانونية وسهل تطبيقها.
أسباب استعمال الحيلة :
لجأت الشعوب إلى الاستعانة بالحيلة لتعديل قوانينها لأسباب عدة أهمها:
1- قدسية النصوص وشكليتها:
سبق أن رأينا أن كل القوانين ظهرت في صورة صيغ وأحكام دينية شكلية، أو على الأقل ولد القانون في أحضان الديانة، مما أضفى على القواعد القانونية نوعاً من القدسية. وترتب على ذلك أن صعب على الناس تعديل تلك القواعد رغم التطورات الاجتماعية والاقتصادية لأن ذلك يقتضي صدور هذه التعديلات عن طريق ذات المصدر الذي أوجدها وهو الديانة.
2- التطور البطيء:
أن تطور المجتمع يحدث بصورة بطيئة وغير ملموسة؛ فالعلاقات الاجتماعية حينما تجد في المجتمع تظهر بالتدريج وفي أجيال متعاقبة، وهذا يستتبع التحايل البطيء غير الملموس على القواعد الموجودة .
و سنتناول تنظيم الحيلة في كل من القانون الروماني و الشريعة الاسلامية :
اولاً : الحيلة في القانون الروماني
أسباب استعانة الرومان بالحيلة:
استعان الرومان – أكثر من غيرهم – بالحيلة في تعديل قانونهم وذلك راجع إلى طبيعة الشعب الروماني والقانون الروماني. فهو شعب محافظ يحرص على تقاليده. والمشرع الروماني لا يتدخل إلا نادراً. والقواعد القانونية الرومانية تتسم بالشكلية الرسمية.
أثر الحيلة في القانون الروماني:
أولاً – تخفيف آثار بعض النظم القانونية: ومن أمثلة ذلك:
1- تطبيق القانون الروماني على الأجانب:
القاعدة العامة في القانون الروماني أنه خاص بالرومان وحدهم، ومن ثم لا يطبق على الأجانب. والقانون الأجنبي لا قيمة له في نظر الرومان إلا في حالات استثنائية.
ولكن بعد تطور المجتمع الروماني واتصاله بغيره من الشعوب أصبح من الضروري إيجاد حماية قانونية للأجانب الذين يتعاملون مع الرومان أو يقيمون بينهم. لذلك تحايل الرومان على تلك القواعد بافتراض أن الأجنبي روماني حتى تنطبق عليه قواعد القانون الروماني.
2- الموت المدني:
القاعدة العامة في القانون الروماني أن الإنسان لا يكتسب الشخصية القانونية إلا إذا توافرت له عناصرها الثلاثة: أن يكون حراً وأن يكون رومانياً وأن يكون مستقلاً بحقوقه . فإذا فقد عنصراً من هذه العناصر الثلاثة فقد شخصيته القانونية كلها أو بعضها. وفقدان الشخصية هذا يعبر عنه بالموت المدني.
ويترتب على الموت المدني انتقال الحقوق إلى من كان سبباً فيه، وسقوط الالتزامات التعاقدية بزوال الشخصية القانونية. وفي ذلك ضرر بالغ بالدائنين فتحايلوا على ذلك بافتراض أن المدين قد مات موتاً طبيعياً وقت حدوث الموت المدني ومن ثم تؤول الحقوق والالتزامات إلى ورثته الشرعيين.
3- تعويض الجار بما يصيبه من أضرار الجوار:
كان القانون الروماني يحيط الملكية بكثير من الضمانات. من بينها حماية المالك من الأضرار التي تصيبه من جاره. ولم يكن من بينها تعويض الجار عما يصيبه من أضرار الجوار. ولذلك تدخل البريتور وألزم الجار عن طريق اشتراط بريتوري بتعويض جاره عما يلحقه من ضرر.
ثانياً – استحداث نظم قانونية جديدة: ومن أهم أمثلتها:
1- الملكية البريتورية:
حدد القانون الروماني القديم شروطاً خاصة وإجراءات وطرقاً خاصة لانتقالها هي: الإشهاد والدعوى الصورية والتسليم، ووضع وسائل خاصة لحمايتها. ومخالفة هذه الشروط يجرد الملكية من حماية القانون المدني فلا تنتقل إلى المشتري. ومع الزمن وحينما تحولت روما إلى مجتمع تجاري، ورغب الناس عن استعمال الإجراءات الشكلية المعقدة اللازمة لانتقال ملكية الأموال وأصبحوا يكتفون بتسليمها كانت ملكية تلك الأموال لا تنتقل إلى المتملك ويظل مجرد واضع يد لا يكتسب الملكية إلا بمضي مدة التقادم، ولذلك تدخل البريتور لحمايته. فنشأت الملكية البريتورية، وتقوم على أساس افتراض أن مدة التقادم قد تمت خلافاً للحقيقة .
2- النيابة في التعاقد :
كان المبدأ المقرر في القانون الروماني أن آثار التصرف القانوني لا تنصرف إلا إلى الطرفين المشتركين فيه بأنفسهما لأنه لا يعترف بالنيابة. ولكن حينما تحول المجتمع الروماني إلى مجتمع تجاري وتغيرت ظروفه الاقتصادية أصبح من المتعذر على الشخص، في كثير من الحالات، أن يقوم بإجراء التصرف القانوني بنفسه مما كان يضطره إلى إنابة شخص آخر عنه ليقوم مقامه في إجراء التصرف القانوني. وحينئذ استخدم البريتور بعض القواعد القانونية المطبقة وتحايل عليها وضمها إلى بعضها حتى يتوصل إلى تقرير آثار النيابة.
3- انتقال الالتزام «حول الحق وحوالة الدين»:
كان المبدأ المقرر في القانون الروماني، هو أن الالتزام الناشئ بين شخصين يجب أن يستمر قائماً بينهما بذاتهما حتى انقضائه، وبناء على ذلك لا يصح انتقال الالتزام، لا سلباً ولا إيجاباً. ولكن تحت ضغط الضرورات العملية أباحوا انتقال الالتزام، سلباً وإيجاباً، بسبب الوفاة. ثم أباحوه على سبيل الاستثناء بين الأحياء باستعمال عدة وسائل أهمها:
- تجديد الدين عن طريق تغيير الدائن.
4- التوسع في استعمال الإشهاد :
كان الإشهاد في بادئ الأمر عبارة عن وسيلة لتملك مال نفيس مملوك للغير مقابل دفع الثمن، أي كان بيعاً حقيقياً. وأصبح بعد ذلك يقوم بوظيفة نقل ملكية الأموال النفيسة أياً كان سبب انتقالها: وبذلك تحول الإشهاد إلى عمل مجرد عن سببه فاستعمله الرومان لنقل ملكية المال بدون مقابل، كالهبة.
5- التوسع في الدعوى الصورية :
هي إجراء الغرض منه تصوير أمر من الأمور، باتفاق الطرفين، في صورة نزاع – خلافاً للواقع – وطرحه أمام البريتور ليحكم لصالح أحدهما. وقد استعملت الدعوى الصورية كوسيلة لنقل الملكية، ولتحقيق التبني ولعتق الرقيق.
ثالثاً – وسيلة لتبرير بعض النظم القانونية :
1- الشخصية القانونية:
القاعدة العامة أن الشخصية القانونية تبدأ بولادة الإنسان وتنتهي بوفاته. أثار تطبيق هذه القاعدة عدة صعوبات من الناحية العملية أهمها حرمان الحمل من الإرث إذا مات مورثه قبل ولادته. لذلك اقتضت مصلحة الجنين الخروج على تلك القاعدة عن طريق الحيلة الآتية: يعتبر الجنين أنه قد ولد قبل وفاة مورثه، وبذلك يتمتع بالشخصية القانونية، ومن ثم يمنح نصيباً في تركة المورث.
2- وقوع الروماني أسير في يد الأعداء:
فإن الأسير الروماني تزول شخصيته القانونية ومن ثم عدم انتقال تركته إلى ورثته في حالة وفاته. ولكن الرومان تحايلوا على ذلك بافتراض أن الأسير الروماني قد توفى في نفس اليوم الذي أسر فيه. يعني قد توفى وهو حر، ومن ثم تعتبر وصيته، التي صدرت منه قبل أسره، صحيحة.
3- التبني:
كان الرومان يلجئون إلى نظام التبني في حالة قصور نظام الزواج عن تحقيق الغرض الرئيسي منه وهو التناسل. ونظام التبني يقصد به خلق الآثار التي تترتب على الولادة من زواج شرعي. هذا النظام قائم على الحيلة
الآتية: يفترض في المتبني أنه ولد من المتبني؛ ومن ثم يكون للمتبني قبل المتبنى نفس الحقوق والالتزامات التي له قبل ابنه من صلبه، ويكون للمتبني قبل المتبنى نفس الحقوق والالتزامات التي للابن من الصلب. فالتبني قائم على أساس افتراض الصلة الدموية.

dodo 94
19-12-2012, 04:09 PM
جزاك الله كل خير