المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبعاد التعاون الدولي



الدكتور عادل عـامر
03-04-2009, 04:24 PM
أبعاد التعاون الدولي

الدكتور عادل عامر

أولا ـ العلاقات بين الدول.

مدخل: التعاون يفترض فعلا مشتركا، وشراكة منتظمة بين شركاء مستقلين، كل منهم يتفاعل أو يتصرف من أجل مصالحه ولكن ضمن عمليات محدودة. التعاون يختلف عن الاندماج الذي يسعى لتوحيد الشركاء من خلال خضوعهم لغايات مشتركة. في التعاون، نحن نتعاون من خلال أن كل جانب يحتفظ بأهدافه و مصالحه الشخصية، ولكن التعاون مع أطراف أخرى يؤدي إلى تناغم للمصالح مع الآخرين. في الواقع هذا هو الشكل العادي للعلاقات الدولية، هذه العلاقات التي تتأطر وتخضع لشكل من العلاقات بين الدول. الاندماج يفترض عكس ذلك، مع الوقت يصبح هناك تقارب يغير في الشراكة و الشركاء أنفسهم، و الذي يأملون قيام شكل جديد للتجمع أو الوصل إلى شكل واحد مندمج، من الممكن أن يتم التخلي في هذا الشكل الجديد عن سيادة الدولة. أما في التعاون فهناك ارتباط عام للدول بسيادتها. إن التعاون هو الحد الأدنى للعلاقات بين الدول. ولكن هذا الحد الأدنى يؤكد أيضا دور القوة، قوة الدولة. فهل هي متماسكة فيما يتعلق بوحدتها الداخلية أم لا. لأنه ضمن هذا المعنى للتماسك تظهر حدود الدولة على الصعيد الدولي. أما على الصعيد الداخلي للدولة نفسها، القوة يجب أن توجد بشكل كاف حتى تسيطر الدولة على نفسها. فالعديد من المفاهيم مثل : سيادة الدولة، مبدأ الشرعية،تنظيم واستقلال السلطات، دولة القانون هي تظهر بشكل مختلف من دولة إلى أخرى ولكنها لا بد أن تكون موجودة بشكل متناظر في الدول التي تريد تحقيق التعاون فيما بينها.
التعاون بين الدول ؟
إنه يشكل الرحم الذي يخرج منه كل نماذج التعاون الدولي وأشكاله. مضمونه و أشكاله تعتمد تطور العلاقات الدولية نفسها. ولكن هذا التطور ليس مرتبطا دائما باعتبارات عقلانية أو موضوعية. بمعنى آخر،لا يكفي أن تكون مشكله كبيرة أو هامة حتى تستدعي حلولا دولية. على العكس من ذلك، مشكلة ما لا توجد على الصعيد الدولي إلا ضمن مقاييس محددة حيث بنية التعاون بين الدول في المجتمع الدولي تسمح بطرحها. هذا الأخذ بالحسبان لمشكلة ما على صعيد دولي يؤدي على أن القضايا الكبرى ذات الأهمية تصبح قضايا إجرائية، إذا هنا كيف سيتم التعاون من أجلها ؟الإجراءات ليس حيادية. فاختيارها يعكس إمكانية التصرف وفق إطار ومعطيات معينة. وهذا يتبع أيضا مستوى وطبيعة علاقات القوة القائمة. وحتى نلخص هذا التحولات المتعاقبة في قضية ما، نستطيع القول أن القضايا الكبيرة تصبح قضايا إجرائية، والقضايا الإجرائية تصبح قضايا تتعلق بالقوة. عمليا، أية مشكلة ستأخذ بعين الاعتبار دوليا يجب أن تكون محط اهتمام من قبل الدول أو تمس مصالحها وأهدافها، وبالطبع علاقات القوة القائمة بين هذه الدول. علاقات القوة هذه بين الدول هي التي تحدد أولا التراتبية بين الدول التي بدورها تشكل الإطار العام للتعاون بين الدول، نموذج وطريقة توسيعه.
فما هي إذا هذه التراتبية بين الدول ؟
مبدئيا يمكن القول أن لكل دول الحق في أن تصبح قوية و ذات قدرات كبيرة. هذه هو المنطق الليبرالي.هذا المنطق عمليا ليس متناقضا في داخله إذا اشترط التساوي في السيادة ووضع بحماية القانون.إنه يسمح بترتيب الدول على قاعدة من المعايير التي تحدد قدرتها، وفي نفس الوقت أشكال قوتها التي تظهر فيها والتي تدير أو تحكم علاقاتها.
في عملية الترتيب للدول، نميز أو نفرق بين القوى التالية : القوى العالمية،القوى الكبرى،القوى الإقليمية والقوى الصغيرة.
1ـ معايير التصنيف.
علينا القول هنا أن أي تصنيف هو مصطنع قابل للتغيير كما أنه نسبي. فالترتيب أو التصنيف يقودنا لوضع وفي فئة واحدة مجموعة من الكيانات أو الأوضاع والتي في كل واحدة منها متفردة (السعودية وفنزويلا). إن قيمة تصنيف معين لا يمكن أن تكون أعلى من المعايير نفسها التي تحددها والتي من خلالها تأخذ معناها. للوهلة الأولى، المعايير الديناميكية هي الأكثر جذبا لأنها تتطابق مع المعيار التي عليها شرحه وتبيينه. ضمن هذا المعيار "الديناميكي"، هناك نموذجان للتصنيف : الأول، القوى الصاعدة في مواجهة القوة المنحدرة أو في حالة انحطاط. الثاني، القوى الساكنة في مواجه القوى المتحركة أو غي الساكنة.
في النموذج الأول، ( قوى صاعدة وأخرى هابطة)، ديناميكية القوة هي التي تدفعنا هنا للتصنيف والترتيب، وهذا عمليا، عنصر متماسك في تصنيف الدول. ضمن ديناميكية القوة هذه نتحدث عن دول كبيرة وأخرى صغيرة، و القوة على النمو والتطور، ثم النمو السريع على كافة الأصعدة. إن هذا المعيار هو من أهم المعايير التي تحدد الوضع المستقبلي للدولة.
في النموذج الثاني ( قوى ساكنة وأخرى متحركة)،فإنه يرتكز على توجه أو توجيه القوة. ثم يرتبط بمواقف الدول من النظام القائم. وبينما الأولى ( الساكنة) في حالة رضا، فإن الثانية (المتحركة) تأمل في تغيير نفسها و ظروفها التي تعتبرها أنها لا تلبي مصالحها وأهدافها التي ترغب في تحقيقها.
2ـ القوى العالمية :
وهي معروفة في وسائل الإعلام تحت اسم "القوى العظمى".يقصد بها الدول التي لها قدرة كبيرة ومصالح شاملة في شتى أنحاء العالم، لا يمكن حل أية قضية دولية من غير الرجوع أو من غير موافقتها.بالنسبة لمعيار القدرة : عليها أن تكون في وضع يسمح لها بفرض ثقلها في جميع الظروف والحالات الدولية"الاقتصادية،العسكرية،الدبلوماسية،الثقافية و الإيديولوجية، مدعومة بمساحتها الكبيرة وعدد سكانها الضخم، ثم استقرار وضعها الاجتماعي و السياسي. لا تتحمل مسؤولية وضعها الداخلي فقط وبكل أبعاده بل لديها القدرة على المساعدة في دول أخرى. وبالنسبة للمعيار السياسي: يجب أن تكون لديها نظرة منتظمة للنظام الدولي، ثم سلوكها و تصرفاتها يجب أن تتجاوز المصالح الشخصية.
3ـ القوى الكبرى:
هذا التعبير والحقيقة التي يعطيها أصبح في غاية التعقيد.فالهجمة الجديدة للقوى العالمية يجعل من أهمية القوى الكبرى أهمية نسبية من غير أن يجعلها تختفي. بالنسبة لتركيبها : يجب التوقف قليلا حول المصطلح. فنحن نتحدث دائما عن "القوى المتوسطة" حتى ندرك اختلافها وتأخرها عن القوى العالمية. القوى الكبرى هي أقل قوة و قدرة من القوى العالمية. فتأثيرها ليس على مستوى القارات، وهي لا تستطيع أن تكون حاضرة في حل جميع القضايا الدولية العالقة. ( فرنسا نموذجا).
4ـ القوى الإقليمية :
المصطلح يشير إلى مناخ من التأثير على فضاء محدد ومعين،ومؤسس على منطق من التجاور و القرب الجغرافي. ( الصين والهند، باكستان،إسرائيل،مصر، الأرجنتين). وعمليا القوى الإقليمية تختلف في قوتها وموقعها الإقليمي وفق أشياء متعددة منها : الجغرافية،التاريخ،الثقافة والسياسة. هذه القوة الإقليمية تطمح لتصبح قوى كبرى، ولكنها تفتقر للعديد من المقومات الجوهرية وأهمها الازدهار الاقتصادي والتصنيع، وأحيانا القدر على امتلاك قوى عسكرية يمكن استخدامها خارج الحدود، أو دولة مستقرة وقوية بشكل كاف. هذه القوى الإقليمية تمارس تأثيرا مسبقا على قضايا إقليمية لا يمكن حلها إلا بمشاركتها، مصر و إسرائيل،الهند وباكستان، الأرجنتين والبرازيل. وهي بهذه الحالة يكون أمامها مجموعة من الخيارات:
ـ دور إيجابي يساهم في الاستقرار. ينسجم مع مصالحها لأنها لا تستطيع النمو و التطور إلا من خلال محيط مسالم ومستقر. ـ يمكن أن تحاول الظهور والتغاير بسبب طموحها بممارسة هيمنة لا تقتسمها مع الآخرين، وهذه المحاولات في العادة ينتج عنها عدم الاستقرار الإقليمي والنزعات المتعددة.
ـ نرى في العديد من الأحيان وضمن نفس الإقليم قوى متنافسة بل متصارعة. تدخل القوى الكبرى فيما بينها يمكن أن يؤدي لإضعاف بعض الأطراف لحساب أطراف أخرى، أو تدخل يضعف جميع الأطراف.
5ـ القوى الصغيرة:
هذه الفئة تضم العديد من الدول. لديها مشاكل مشتركة يمكن حلها بطرق مختلفة. ولكن لها مكانة خاصة ويمكن أن نسمي هذه الدول في بعض الحالات " الميكروـ دول"( وهي كيانات مستقلة تمتلك شكل ووضع الدولة مع جغرافية ضيقة جدا، وعدد سكان محدود ووسائل للوجود قليلة الاستقلالية). هذه الدول لها هواجس تتعلق بالأمن، وضعها الإقليمي،الجغرافي والسكاني، ثم ضعفها العسكرية، وهي في الغالب دول تابع لدول أخرى في معظم شؤونها.( سويسرا، فنلندا).
هذا بالنسبة لتصنيف الدول أو ترتيبها. أما بالنسبة لهيئتها أو الشكل الذي تظهر فيه يمكننا أيضا تقسيمها إلى أشكال أخرى. هذه الأشكال يمكن أن نضعها تحت عنوان عريض نسميه "بعلاقات القوة".
1ـ القوة المهيمنة.
إن نماذج الهيمنة يمكن أن تكون مختلفة جدا.فالقوة المهيمنة تمتلك قدرات للتحرك و التصرف في مجال واسع جدا هو أكبر من المجتمع الدولي نفسه. عليها الحفاظ على السلام أو التدخل بشكل قاطع في الصراعات. القوة المهيمنة هي قوة ليس لها شركاء تتعامل معهم على قدم المساواة بل إما أعداء أو زبائن.هيمنتها يجب أن يكون معترف بها أو مقبول، أو على الأقل يأخذ الآخرون لها عدة حسابات.
ولكن هذه المسؤوليات الكبيرة تدين هذه القوة المهيمنة. فالتفرد هو عبء أكثر منه امتياز.وهذه المهمات تقود لزيادة الثقل على هذه الدولة وتنقص الكثير من وسائلها. ولكن بالمقابل عليها التوسع والتمدد من أجل الحفاظ على هيمنتها. بمعنى آخر الهيمنة و السيطرة هنا لا تعني الوحدة.ولكن التبدلات والتقلبات في العالم الخارجي تمتص وتنهك طموحاتها وتضعف من قدراتها. نأخذ هنا مثالين حتى تتوضح الصورة بشكل أفضل : بريطانيا ثم الولايات المتحدة هما مثالان متعارضان لهذا الظهور للقوة المهيمنة، وحتى لو الولايات المتحدة أخذت بالتوسع على حساب الإرث التاريخي لبريطانيا، مجسدة استمرار وديمومة الهيمنة الأنكلو ـ سكسونية، إلا أنها أي الولايات المتحدة أسست سيطرتها على قواعد مختلفة وبطرق أخرى.
بريطانيا وصلت إلى قوى عظمى وقوت إقليمية مهيمنة بأعلى تعبير يمكن أن نستخدمه بهذا الصدد،سيطرت على البحار وعلى كل المنافذ التجارية العالمية. لقد فرضت نفسها (كقوة إمبريالية عالمية و قوة قارية) في أوربا. الثانية سمحت بالأولى، وذلك من خلال تحييد أو إضعاف المنافسين الذين يمكن لهم منافستها ولاسيما فرنسا. صدرت سكانها إلى الأقاليم البعيدة التي تسيطر عليها. لم تدخل في الصراعات إلا بحذر كبير، وكان لها إدارة فعالة للاقتصاد خارج أرضها. الولايات المتحدة، فرضت نفسها بشكل كبير بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. هيمنتها نصفها "بالهيمنة العظمى" وفي أعلى مراحلها. أنها ترتكز على وحدة أو تجانس غير إقليمي، على السيطرة السياسية،العسكرية و دور الدولار الكبير، القدرة على التجدد التكنولوجي، ولكن أيضا قوة الثقافة وديناميكية المجتمع المدني. على الصعيد العالمي تبحث الولايات المتحدة لإحداث توازن بين مختلف الشركاء، مطبقة طرق مختلفة عن بريطانيا العظمة سابقا ،عبر (الهيمنة القارية والتوازن العالمي). في نفس الوقت هي تتدخل بشكل مباشر ، ومن خلال شبكة من التحالفات،و قدرة في إقامتها و إدارتها،ثم قدرة على التدخل العسكري،وإرادة سحق الخصم باستخدام وسائل مختلفة. المجتمع المدني الأمريكي يشارك أيضا في هذه الهيمنة. من خلال ممارسة للحرية،الازدهار والحداثة. بلد جديد لا يصدر سكانه بل يستورد السكان من مختلف جهات العالم.
2ـ نموذج القوتان المهيمنتان.
في السابق عاش العالم طويلا مع هذا النموذج أيام ( الاتحاد السوفييتي/الولايات المتحدة).وقد تخلل هذا النموذج الكثير من النزعات والتسويات،المؤامرات ..الخ.
3ـ نموذج القوى الثلاثة.
في الواقع هذا النموذج عرفه العالم في السنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية. وقد تكون من الديمقراطيات في أوربا الغربية ( فرنسا وبريطانيا وأتباعها) و ديكتاتوريات أوربا الوسطى( إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية وأتباعها). هذه الأطراف كانت في حالة عداء.
4ـ " البونتارشي". أو التحالف الخماسي.
هذا التعبير هو من أصل يوناني، يشير إلى ممارسة السيطرة من قبل خمسة قوى. من بين الأمثلة على هذا النموذج نأخذ :
أولا ـ المحيط الأوربي في القرن التاسع عشر. النمسا ثم النمسا ـ هنغاريا، فرنسا، بروسيا ثم ألمانيا، بريطانيا وروسيا. كانت هذه القوى تسيطر على أوربا وتوافقها كان ضروريا من أجل تنظيم الحياة في هذه القارة، ولكن هذا لا يعني غياب الصراع والتنافس فيما بينها.
الثاني ـ في عالمنا اليوم هناك " بونتارشي" قانونية تتواجد في قلب الأمم المتحدة وهي مجلس الأمن الدولي المكون من خمسة أعضاء دائمين. وهي تشبه المثال السابق من حيث انتظام العالم وفقا للتناغم فيما بينها، رغم أن الكثير من الصراع يتخلل هذا التناغم. يمكننا أيضا تخيل "بونتارشي" آخر من الممكن حصوله وهو ( أمريكا الشمالية،أوربا الغربية،روسيا،اليابان والصين).
5ـ نموذج التعددية القطبية.
علينا في البادية التمييز بين معناها القانوني و معناها السياسي. قانونيا : التعددية القطبية هي حالة القانون المشترك، والذي يتطابق أو يتوافق مع المساواة في السيادة بين الدول ومع قدرتها القانونية،مشاركتها في المنظمات الدولية وفي المفاوضات التي تجري هنا وهناك في العالم. سياسيا :بسبب التعدد الكبير والاختلاف بين الدول، وجود الأقطاب المتعددة والمستقلة يقود إلى عدم الانتظام، وعلى عدم إمكانية تعريف ووضع قواعد مشتركة وإدارتها للعلاقات الدولية.
بالمقابل يمكننا تخيل النموذج الإيجابي للتعددية القطبية.إنها تفترض مجموعة من أشكال التنظيم، والتي يمكنها الانتشار وفق مخطط إقليمي. ( أوربا مثلا). إن عقلنة التعددية القطبية تتطلب تمييزا بين مخطط إقليمي و آخر عالمي والعديد من تنظيم الأمور بينهما. ثم يمكن قيامها من خلال المنظمات الدولية والإقليمية والتي يمكن أن تعطيه نطاق أو محيطا مستقرا.