المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فلسفه القانون لميشال تروبير



الاستاذة
02-04-2009, 03:39 PM
سم الله الرحمن الرحيم
القانون في أي مكان

يبدأ ميشال تروبير كاتب "فلسفة القانون" بعرض لهيمنة القانون ولضرورة إيجاد تحديد له. يقول إننا نعيش تحت هذه الهيمنة منذ الولادة، اذ ينبغي تسجيل الطفل في دوائر النفوس، والإسم الذي يحمله يجب أن يتوافق مع بعض القواعد. قواعد أخرى تأمر بضرورة إدخاله المدرسة. وعندما نشتري أي شيء أو نستقل سيارة النقل، يكون هذا إعمالاً لعقد ما. نتزوج، نعمل، ونعالج في المشافي طبقاً لقانون. مع هذا، ورغم وعينا لهذا الحضور المهيمن للقانون، فإننا غالباً عاجزون عن تحديده.

ولكن، يسأل الكاتب، لماذا يا ترى ينبغي تحديد القانون؟ فالبحث عن تحديد للقانون يرتبط بعملية تفكُّر في موضوع طبيعته أو جوهره. وهذا البحث ضروري جداً لعمل القانونيين. نلاحظ غالباً أن العاملين في مجال الفيزياء ليسوا بحاجة لتحديد الفيزياء، والعاملين في مجال الكيمياء لتحديد الكيمياء، فيما العاملون في القانون les juristes لا يسعهم الإفلات من تحديده. وهذا الأمر يعود قبل أي شيء آخر إلى إستحالة تطبيق قاعدة قبل التأكد من أنها فعلاً قاعدة قانونية.

ما الفرق بين الأمر الذي يوجهه لنا السارق وذلك الذي يوجهه لنا جابي الضرائب؟ الإثنان يأمراننا بإعطائهما الدراهم وفي الحالتين للرفض عواقب وخيمة. والحال أننا نقول إننا مكرهون على الخضوع لأوامر السارق، بينما نتحدث عن واجب الخضوع لطلب الجابي. بمعنى آخر، نحدد واجب الخضوع للجابي بما هو واجب قانوني، وفقاً لتحديد القانون. وهذا التحديد ليس فيه أي شيء فلسفي. فالقانون ذاته هو الذي يحدد معايير ما هو قانوني وما هو خرق للقانون، كما في حالة السارق. يكفي إذاً، في ما يخص غالبية حاجاتنا العملية، أن نعرف ما هي المعايير المتضمَّنة في قواعد.

لكن الكاتب يستدرك ليقول إن معرفة هذه الأمور لا تُعلِمُنا شيئاً عن طبيعة القانون. لا نعرف لماذا تمَّ اعتماد هذه المعايير، ولا إذا كانت هذه القواعد إلزامية فعلاً، وفي حال كونها إلزامية لا نعرف لماذا: هل لأنها صحيحة، لأنها تنبثق عن سلطة سياسية، أم لأنها مرتبطة بعقوبات في حال المخالفة؟

ولكن هذا التساؤل وإن لم يكن قانونياً فإن له أحياناً مفاعيل على القانون نفسه. يقدِّمُ الكاتب المثال الآتي المستوحى من حالة واقعية والذي "يبدو كأنه الصورة العكسية لأسطورة أنتيغون Antigone" في ألمانيا النازية كانت تُعتبر كل التلفظات ضد النظام جرائم يعاقب عليها القانون والذين يسمعونها كانوا ملزمين الإبلاغ عنها للسلطات. بعد انتهاء الحرب تمَّت ملاحقة امرأة وشت بزوجها الذي أوقفته السلطات وحكمت عليه بالإعدام ونفَّذت العقوبة. فهل يجب محاكمة هذه المرأة؟

الجواب مرتبط بتعريف القانون وقد طرحت المحاكم هذه المسألة بهذا الشكل: يمكن أن نعتبر بداية أنه أياً كانت أسباب المرأة الواشية والتي لم تكن بالتأكيد مؤيدة للنظام ولا يهمها احترام القانون، وأياً كان حكمنا الأدبي عليها، هذه المرأة في نهاية الأمر لم تفعل إلا ما كان يطلب منها القانون فعله، ينبغي إذاً تبرئتها.

ولكن يمكن أن نعتبر أن القانون النازي la loi nazie كان من القذارة ومن المخالفة للمبادئ الجوهرية بحيث لا يستأهل صفة قانون على الإطلاق، وبحيث أن الواشية لم تكن ملزمة تالياً احترام هذا القانون، بل كان عليها رفض الخضوع له، في هذه الحالة يجب إذاً معاقبة المرأة.

هكذا فإن القاضي سوف يحكم بهذا الاتجاه أو ذاك تبعاً للمفهوم الذي يُكوِّنُه عن طبيعة القانون la nature du droit. يمكنه أن يعتبر أن القانون هو مجمل القواعد القانونية الصادرة عن السلطة السياسية أو فقط تلك التي لا تخرق مثال العدالة. في الحالة الأولى يبرّئ المرأة، وفي الحالة الثانية يعاقبها. والحال أن الحل لا يقوم في القانون المرعي الإجراء بل في الخيارات الفلسفية.

يؤدي هذا المثال بالكاتب إلى التأكيد على أن قيام قاعدة قانونية يفترض مسبقاً تحديداً عاماً للقانون، لبنيته، للمفاهيم concepts القانونية، ولكن أيضاً يفترض مفهوماً عن العلم يتيح التوصل إلى معرفة هذه القاعدة أو صحة التحاليل المنطقية التي تطبَّقُ عليها. وهذه الافتراضات المسبقة هي دوماً غير واعية أو هي تؤسس فقط لمعرفة القانون ولإعماله في بلد واحد أو أن هذه الافتراضات ليست متناسقة بين بعضها. هكذا، فلسفة القانون هي حاضرة بالضرورة، ولكنها فلسفة قانون ضمنية بقدر ما هي عفوية.

يركز فيلسوف القانون تروبير على أن الكلام على فلسفة القانون بصورة عامة جداً يهدف إلى إطلاق عملية تفكُّر réflexion منهجية حول تحديد القانون، علاقته بالعدل، بعلم القانون، ببنية المنظومة أو نمط التحليل القانوني المتَّبع. فلسفة القانون يمكن أن تقدَّمَ بأشكال عديدة والمؤلفات التي تحمل عنوان "فلسفة القانون" لا يجمع بينها إلا كونها جميعها تقدِّم رأياً عاماً جداً في القانون.



ما هي فلسفة القانون؟

يحاول ميشال تروبير تحديد فلسفة القانون بادئاً بالقول إن العبارة انتشرت منذ بداية القرن التاسع عشر، وبخاصة بعد صدور "مبادئ فلسفة القانون" للفيلسوف الكبير هيغل (1821)، إلا أن البحث وإطلاق النقاش والأفكار حول القانون هو أمر قديم قدم القانون نفسه. واليوم المؤلفات التي تحمل هذا العنوان شديدة التنوع، ليس فقط في ما يخص النقاط النظرية المطروحة بل أيضاً في محتواها. ليس ثمة اتفاق في موضوع تحديد القانون، ولا في تحديد فلسفة القانون ولا في معرفة إذا كانت فلسفة القانون جزءاً من الفلسفة أو جزءاً من العلم القانوني؛ كما ليس ثمة اتفاق على لائحة من المسائل التي تدخل في اهتماماتها، ولا على وظائفها ولا على العبارة نفسها، حيث يفضل بعضهم عبارة "النظرية العامة للقانون" أو في الإنكليزية general jurisprudence وهذه الفوارق بالعبارات تعكس تعارضات أخرى من النوع التاريخي أو الأبستيمولوجي، بين فلسفة قانون القانونيين juristes وفلسفة قانون الفلاسفة أو بين أتباع مدرسة القانون الطبيعي وأتباع مدرسة الوضعانية القانونية. ثم يسهب الكاتب في عرض هذه النقاط التي يستحيل التوقف أمامها في عرضنا الموجز هذا.



القانون الطبيعي والقانون الوضعي

هذا التعارض، في نظر الكاتب، هو كتعارضات كثيرة: إما نعتبر أنه يحمل صفة جوهرية وتالياً يجب أن يُصنَّف كل كاتب في إحدى المجموعات، وإما نحاول على العكس تجاوز هذا التعارض والبحث عن طريق ثالث. في الواقع بما أن تصنيف كاتب في فئة معينة يرتبط بتحديد المعايير واختيارها فإن هذا التصنيف هو دوماً قابل للنقد وعملياً منتقد. حتى كلسن الذي يُعتبر بصورة عامة أحد رموز الوضعانية الأكثر أهمية، فقد تم تصنيفه على يد وضعانيين آخرين كـ "شبه وضعاني"، أي قانوني طبيعي.

مدرسة القانون الطبيعي المعاصر هي التي تعلِّمُ، أساساً تحت تأثير الفلسفة الإسمية nominaliste أن الحقيقة الوحيدة تكمن في الفرد وأن الإنسان وحده يمتلك حقوقاً بفعل طبيعته الخاصة. وهذه الحقوق المسماة "ذاتية" يمكن اكتشافها بواسطة العقل، بمجرد تحليل طبيعة الإنسان. السلطة السياسية لا تخلق هذه الحقوق. واجب السلطة السياسية تكريس هذه الحقوق وبإمكان البشر فرض احترام هذه الحقوق على السلطة السياسية. هكذا فإن القانون الطبيعي المعاصر هو في أساس نظرية حقوق الإنسان.

يرى الكاتب أن العلاقة بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي هي بالضرورة متنوعة. بصرف النظر عن الحالة التي يشكل فيها القانون الطبيعي جوهر القانون الوضعي الذي ما كان يمكن أن يُطرح إلا انطلاقاً من القانون الطبيعي مع ضرورة الامتثال له، نقول بصرف النظر عن هذه الحالة غالبية نظريات القانون الطبيعي المعاصر تجعل من القانون الطبيعي وسيلة قياس للقانون الوضعي، لكنها لا تستنتج النتائج ذاتها من التناقض بين القانونين.

ميزة الكتاب أنه يعرض للنظريات والمواقف كأننا بالكاتب المتواضع لا يريد اتخاذ موقف في مجال يصعب (بل يستحيل؟) اتخاذ موقف واضح فيه:

بعض الكتّاب يعتبرون أن القانون الوضعي المناقض للقانون الطبيعي ليس قانونياً n'est pas juridique ، وأنه بإمكان كل ذات sujet بفعل عقلها ملاحظة هذا التناقض وأنه يجب أن ترفض الخضوع. في بعض الحالات الصراع يدور بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي، منظوراً إليهما بصورة شاملة، وأنه يجب عدم الخضوع فقط عندما يبدو القانون الوضعي بمجمله خارقاً للقانون الطبيعي وليس عندما يكون قاعدة معزولة مناقضة للقانون الطبيعي. في حالات أخرى يُعتبر مشروعاً عدم الخضوع لقاعدة معزولة حتى إذا كان القانون الوضعي بمجمله متطابقاً مع القانون الطبيعي. كتّاب آخرون يعتقدون أن القاعدة المناقضة للقانون الطبيعي تبقى قانونية لأنها "موضوعة posée " ولكن بإمكان القاضي استبعادها. كتّاب آخرون أيضاً يعتمدون موقفاً أكثر تلطيفاً: لا يمكن للقانون الطبيعي أن يأمر لا بالخضوع ولا برفض الخضوع للقانون الوضعي. القانون الوضعي هو القانون الذي هو، بينما القانون الطبيعي هو القانون الذي ينبغي أن يكون ووظيفة الصراع هي فقط ضمان اتخاذ موقف (حُكم) معنوي وسياسي إزاء القانون الوضعي.



حالة فلسفة القانون كفرع أكاديمي

ثم يتناول تروبير وضع فلسفة القانون كمادة تدريس: حتى وقت قريب، يقول الكاتب، كانت فلسفة القانون تمارَس بصورة مختلفة بحسب البلد. ففي ألمانيا تطورت كثيراً هذه المادة بفعل عوامل عديدة، لا سيما بفعل انتشار الفلسفة العامة كمادة غزت جميع العلوم ولكن أيضاً بفعل السجالات حول بناء الدولة ودورها. كان السجال محتدماً بين الوضعانيين وأتباع القانون الطبيعي قبيل وصول النازيين إلى السلطة. ثم احتدم من جديد بعد الحرب العالمية الثانية في ظل رهان سياسي ومؤسسي مهم لأن الوضعانية اتُّهمت بأنها مسؤولة عن الخضوع للسلطة التوتاليتارية ولأنه تمَّ تدوين بعض أفكار القانون الطبيعي في الدستور الجديد. في إيطاليا، دار السجال ذاته بين الكاثوليك (أتباع القانون الطبيعي) والعلمانيين (وضعانيين). يمكن أيضاً كشف نزعات قوية في بلدان أخرى: الوضعانية التحليلية في إيطاليا، الواقعية في البلدان الأسكندينافية.

في فرنسا كان دور فلسفة القانون لفترة طويلة ضعيفاً. لم يكن هذا الفرع كما في البلدان المجاورة مادة تدريس إلزامية لجميع طلاب الحقوق، ونادرة الجامعات التي كانت تنظم تدريساً اختياريا لهذه المادة في كليات الحقوق أو في أقسام الفلسفة. هكذا فقد كانت المؤلفات المكتوبة أو المترجمة قليلة جداً وتالياً فإن فرنسا بقيت بعيدة عن السجالات الكبرى .

إلا أن هذا الوضع يتطور الآن في فرنسا وفي بلدان أخرى. والسبب يعود ليس فقط لتطور الاتصالات وسيطرة اللغة الإنكليزية، بل أيضاً لأن المسائل ذاتها تطرح في جميع الأمكنة وبالأشكال ذاتها. لقد كان للتغيرات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي طرأت في جميع البلدان الغربية مفاعيل متنوعة على فلسفة القانون. فمن ناحية أدت هذه التغيرات إلى خلق قواعد جديدة تزداد يوماً بعد يوم، أي إلى تقننة technicisation قصوية للمهن القانونية وفقدان الإهتمام بالمسائل النظرية. ولكن من ناحية ثانية عوامل عديدة شرَّعت حقولاً جديدة أمام فلسفة القانون نذكر منها: التساؤلات حول ركائز هذه القواعد، التلاؤم بين المفاهيم القانونية التقليدية والظروف الجديدة، وتقدير دور الدولة ونمط القيام بهذا الدور.



علم القانون

رفض الإجابة بالأسود أو الأبيض نرصده أيضاً عندما يعرض الكاتب لعلم القانون. هو يعتبر أن مسألة معرفة إذا كان ثمة علم قانون مرتبطة بالتفسيرات المتعددة لعبارتي "علم" و"قانون". في نظر تروبير القانون شيء والعدل شيء آخر. ثم يخلص إلى أن العلم "إذا كان جملة من المعارف فإن القانون لا يمكن أن يكون علماً لأنه جملة من الممارسات".

ولكن إذا لم يكن القانون بحد ذاته علماً فإنه بالإمكان تصور علم متميز عن القانون ولكنه يتناوله كموضوع، أي يأخذ على عاتقه وصف القانون. والحال أن علماً كهذا يتأقلم في آن واحد مع الإدراكية الأتيقية ومع التيار المعارض للإدراكية الأتيقية.

يميِّز تروبير بين القانون وعلم القانون لأن هذا التمييز يشكل أحد عناصر المفهوم الوضعاني لعلم القانون. تتألف اللغة من بيانات (أو ملفوظات énoncés ) متعددة الوظيفة. في ما يخص مسألة علم القانون يركز الكاتب على الوظيفتين التعيينية [أو الوصفية] والإيعازية [الأمرية]. بالنسبة إلى الوظيفة الأولى نُوَصِّلُ معلومات، نصف العالم؛ في الثانية نحاول إستثارة سلوكات بواسطة أوامر، نصائح أو توصيات. بواسطة اللغة الوصفية نؤكد أن شيئاً ما هو؛ بواسطة اللغة الإيعازية نقول أن شيئاً ما يجب أن يكون. إن الصفة الوصفية أو الإيعازية للبيانات (أو الملفوظات) هي غير مرتبطة بالشكل الصرفي والنحوي. جملة من مثل "الجو بارد" يمكن أن تعني تبعاً للظروف وطريقة قولنا إما إعطاء معلومة عن الحرارة وإما رغبتنا في إقفال الشباك. يمكن إذاً أن تكون وصفية أو أمرية. وعلى العكس فإن النصوص القانونية التي تشتمل على أوامر غالباً ما تصاغ بصيغة التعيين à titre indicatif . هكذا، يقول الكاتب، إن المادة 10 من الدستور الفرنسي للعام 1958 التي تنص على أن: "رئيس الجمهورية ينشر القوانين خلال الخمسة عشر يوماً التي تلي إحالة القانون المُقَر بصورة نهائية إلى الحكومة"، لا تصف ما اعتاد عليه رؤساء الجمهورية الفرنسيون بل تأمر صاحب هذا المركز بنشر القوانين. إذاً لتحديد طبيعة البيانات énoncés يُنظر قبل أي شيء إلى وظيفتها أو معناها. يقال إن بياناً ما يحمل معنى تعيينياً أو أمرياً، يعبِّرُ عن اقتراح تعييني (أو مجرد مقترح) أو اقتراح أمري (أو مجرد أمر). وعلى العكس إن الإيعاز أو الأمر يمكن أن يعبَّر عنه ببيانات جد متنوعة. فالأمر الذي يقول إن السارقين يعاقبون بالسجن يمكن أن يعبَّر عنه بثلاثة أشكال: يجب أن يعاقب السارقون بالسجن؛ السارقون سيعاقبون بالسجن؛ السارقون يواجهون حكم السجن الخ...



ما هي رسالة تروبير؟

غاية تروبير هي تبيان أن القاعدة الصحيحة هي التي تمّ اعتمادها على يد سلطة صالحة، بالتماثل مع قاعدة أخرى وأنها ملزمة استناداً إلى هذه القاعدة الأخرى؛ بمعنى آخر إنها تنتمي إلى منظومة قاعدية معينة، إن لها وجوداً داخل هذه المنظومة. لا يمكن بحسب تروبير استنتاج إيعاز من افتراض. وهذه الاستحالة المسماة غالباً "قانون هيوم" (نسبة للفيلسوف هيوم) يمكن فهمها بسهولة. إذا كان الشيء هو، فهذا لا يعني أنه يجب أن يكون، وهكذا...

في هذا العرض الموجز لا يتسع المجال للتوقف أمام كل النقاط. لنقل وحسب إن الكاتب يعرض بإسهاب لموقف فيلسوف القانون الوضعي الأكثر بروزاً هانس كلسن. كما لمفاهيم عديدة مثل الأمر الإكراهي والتمييز بين علم القانون والدوغماتية القانونية وهيكلية القانون، وخلق القانون ومصادر القانون وطبيعة التفسير ومناهج التفسير وسلطة المفسِّر.
الخلاصة

حتى في الخلاصة يبقينا الكاتب متعطشين لرصد خياره الأخير ولا نحفل بذلك، إذ أنه يبقى يطرح التساؤلات متجنباً الخيار القاطع. فهو كما فعل على مدى الكتاب ينتقل من سؤال إلى سؤال، من نظرية إلى نظرية، وما إن يفرحنا فيفهمنا بجلاء نظرية معينة حتى نقرأ في الفقرة التالية أن ثمة نظريات أخرى تناقض النظرية الأخيرة.

يخال لنا أنه في كتابه هذا والذي لا تكفي قراءته مرة ومرتين، تماماً كما في كتب الاجتهاد الفقهي الديني العربي الإسلامي والمسيحي واليهودي، شاء عرض النظريات الواحدة تلو الأخرى، مبرزاً من حين لآخر مفاضلاته ولكن بنحافة وخفية فائقتين. كأنه يمارس تقية معينة فلا يفصح عن إيمانه. أو هو يقول إيمانه على الشكل التالي: ليس من نظرية صحيحة؛ هاكم ما تطرحه الوضعانية وهاكم ما يطرحه القانون الطبيعي؛ هاكم ما تقوله هذه النظرية عن العلاقة بين علم القانون والقانون وهاكم ما يقوله المناقضون ومناقضو المناقضين. رغم أننا نستشف نزعته إلى اعتماد الوضعانية ولكن بالتأكيد هي وضعانية من نمط جديد، معاصرة وموضوعية، ما يتضح بجلاء في خلاصته التي تنتهي أيضاً وأيضاً بطرح تساؤلات لا تنتهي.

خلف النقاش حول المنطق في القانون، يقول الكاتب، يبرز في حقيقة الأمر السجال الكبير بين النظريات الفقهية للقانون الطبيعي من ناحية ونظريات الوضعانية القانونية من ناحية ثانية. إن النتيجة التي توصلنا إليها، يضيف الكاتب، هي أقرب إلى الأطروحات الوضعانية لأنها تؤكد أن القواعد تكون صحيحة قانونياً valides ليس بفعل توافقها مع العقل بل لأنها وضعت على يد السلطات ذات الصلاحية. لقد أمكن الاستنتاج أن القواعد ليست صحيحة قانونياً لمجرد توافقها مع المنطق، بل لاعتبار أن القواعد تكون صحيحة قانونياً بفعل الطريقة التي وُضعت تبعاً لها.

بمعنى آخر ترتبط النظرية حول دور المنطق في القانون بالأنطولوجيا القانونية، أي بالمفهوم المكوَّن لدينا عن القانون والقواعد [القانونية]. إذا نظرنا إلى القواعد القانونية ككيانات مثالية (المفهوم الهيليتي hylétique) يمكن تصور أنها مرتبطة بعلاقات منطقية. وإذا نظرنا إليها بخلاف ذلك كتعبير عن أعمال إرادية (المفهوم التعبيري)، أي كوقائع، فلا مكان لعلاقات منطقية بينها، لأنه لا يوجد علاقات منطقية إلا بين بيانات énoncés لا بين وقائع.

بمعنى آخر ثمة أطروحتان كبريان تتصارعان: البعض يُصر على تأييد المنطق القانوني ويختار تالياً الأنطولوجيا الهيليتية التي تجعله ممكناً. والبعض الآخر يقول بأن إمكان قيام منطق ليس سوى إحدى المسائل المطروحة على فلسفة القانون.

إن مسألة معرفة ما إذا كان القانون يخضع للمنطق أم لا ليست مسألة تجريبية، يمكن الإجابة عنها بمجرد دراسة سير العمل الفعلي للمنظومة القانونية. فهذه المسألة مرتبطة في نهاية الأمر بالخيار الأنطولوجي، الذي يرتبط بدوره بالخيار الأبستيمولوجي. وهذا يعني، بطريقة أخرى، يختم الكاتب كتابه، أن القانون لا يُعطى n'est pas donné، بل تبنيه النظرية التي تقود معالجته.



(http://www.lawoflibya.com/forum/newreply.php?do=newreply&p=23100)

حشورة الامارات
01-03-2010, 07:52 AM
... ممكن اعرف من اين المصدر