المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طرق إصلاح نظام التحضير



أحمد الجمل
29-03-2009, 05:41 PM
مجلة المحاماة
السنة العاشرة - 1929، 1930


بحث في طرق إصلاح نظام التحضير وتعميمه أمام القضاء الأهلي الجزئي والكلي والاستئنافي
ترمي قوانين المرافعات إلى إيصال الحقوق لأصحابها بأسهل الطرق وأسرع والإجراءات وأقل المصاريف هذه غاية المرافعات ورغبة المتقاضين وواجب المشرع.
وإذا كانت فكرة الإصلاح مقصورة الآن على إعداد نظام للتحضير يهيئ للدعوى سبيلها حتى تحال على المرافعات صالحة لها ممهدة للأحكام صدورها فسنبين السبيل الذي نراه في هذه المرحلة الأولى من مراحل الإجراءات أوفى بالغرض وآكد في النتيجة.
نعم لن تكون لهذه المرحلة وحدها كل القوة التي تكون لها لو أن الإصلاح جاء عامًا شاملاً حيث نرى عيوب قانون المرافعات كثيرة ووجوه النقص فيه متعددة لكنه مع ذلك أسٍ قوي مكين لا يستطيع قانون أن يؤدي وظيفته بدونه ولا يقوى على تحقيق غرضه إذا لم يقم هذا الدور منه على أساس متين.
والبحث يدعونا إلى تقديم كلمة موجزة عن مشروع لجنة الإصلاح.
اطلعت على مشروع هذا القانون بجريدة الأهرام الصادرة في 10 مارس سنة 1927 فوجدته ينقسم إلى ثلاثة أبواب.
الباب الأول من المادة الأولى إلى المادة (15): هو صورة من قانون التحضير الحالي مع تعديل بسيط في مواده فيما يختص بالغرامة وإضافة فقرة على المادة التاسعة توجب تحويل قضايا على كل جلسة بقدر ما تستطيع المحكمة نظره فيها وكذلك إضافة المادة (15) التي تنص على أن ترفع قضايا معينة إلى المحكمة بدون تقديمها إلى قاضي التحضير وهي الدعاوى المستعجلة بنص القانون ودعاوى نزع الملكية ودعاوى استحقاق العقار الفرعية وكنا نأمل بعد أن ثبت بالعمل ضعف نتائج هذا القانون وتبين أن قوته على تلافي كثرة التأجيلات مستحيلة كنا نأمل أن نفكر اللجنة في إصلاحه إصلاحًا جديًا إن لم تضع لنا قانونًا جديدًا.
لقد أضافت إليه اللجنة بابًا ثانيًا يشتمل على المواد (16) و(17) و(18).
ثم بابًا ثالثًا هو باب الأحكام العامة ومن يتأمل يجد أن هذا الباب بقطع النظر عن تتابع المواد وتتالي الأبواب مستقل قائم بذاته جاءت أحكامه في مجموعها شبيهة بالتعليمات الإدارية بعيدة كل البعد عن النصوص التشريعية.
إن طبيعة قانون التحضير بحالته الحاضرة جدبة مستعصية مهما بذر المشرع فيها لن تجد بذوره من ماء الحياة الصحيحة ما يغذيها ونحن شديدو الحاجة إلى قانون صحيح الجسم خصيب التربة يحوط الدعوى بما يضمن الإخلاص في تحضيرها ويبعث في الإجراءات حياة جديدة بأن يكل للقاضي من أمرها بقدر ما ينتزع من الخصوم حرية الخطأ في إدارتها وسياسة التسويف والمماطلة في السير بها هذه خطتنا في الإصلاح ندل الآن على طريقة تحقيقها ولنبدأ بالقضاء الكلي نتكلم فيه.
أولاً: عما يجب اتباعه من الإجراءات بمجرد تقديم الدعوى إلى المحكمة حتى جلسة التحضير.
ثانيًا: جلسة التحضير نفسها:
1 - قاضٍ واحد هو رئيس الدائرة أو أحد أعضائها الذي يقوم فيها بتحضير قضايا الدائرة.
2 - وظيفة هذه الجلسة وبيان اختصاص القاضي الذي يوكل إليه أمرها.
3 - إحالة الدعوى بعد استيفاء تحضيرها على جلسات المرافعات.
ثالثًا: مشروع قانون بهذا النظام:
الإجراءات التي يجب اتباعها من يوم تقديم الدعوى إلى المحكمة حتى جلسة التحضير
من أهم ما يجب لفت النظر إليه أن تكون إدارة الدعوى من يوم تقديمها إلى أن يتم الفصل فيها بيد قاضي الموضوع، بهذا المبدأ نضمن حسن تنفيذ قوانين المرافعات ونصل إلى تحقيق الغرض منها وأول عمل يستوجب تدخل القاضي في أمرها هو تعيين جلساتها وتحديد العدد الذي يقدم منها لكل جلسة من تلك الجلسات لما يقتضيه الأمر من خبرة وحكمة وإذا كانت أولى هذه الجلسات هي جلسة التحضير فلننظر ما إذا أريد بها بحسب مشروع القانون الجديد.
إن هذا المشروع أغفل أمر تحديدها ولم يتعرض له وذلك معناه ترك الأمر كما كان وجرى العمل أن يقوم قاضي التحضير بنفسه بهذه المهمة وذلك عُرف جميل لولا اضطرار القضاة إلى تأديته أداءً آليًا يترتب عليه أن يأتي التحديد غير منتج، إن هذه مهمة من أصعب المهمات تتطلب فطنة وذكاء وحسن تقدير وتقتضي درس القضية درسًا وافيًا ومعرفة المستندات المراد إعدادها معرفة دقيقة وهو ما لا يتيسر للقاضي إلا إذا ألزمنا المدعي أن يبين في عريضة دعواه جميع وجوه الإثبات التي يعتمد عليها في تأييد مدعاة وأن يذكرها دليلاً دليلاً بالدقة والوضوح (تراجع المادة (1) من المشروع الملحق بهذه المذكرة).
بغير ذلك تأتي جداول هذه الجلسات مرتبكة وغير مرتبة ترتيبًا مقصودًا وليس لها ضابط معين وتمتلئ الجلسات بقضايا مختلفة الوصف كثيرة العدد لم يتمكن الخصوم أن يجهزوا لها أوراقهم ومستنداتهم وذلك ما يضطر القاضي مهما وسعت حيلته أن يؤجل جزءًا كبيرًا منها ولن يكون التأجيل إلا إلى جلسات بعيدة لأن جميع الجلسات القريبة تكون مشحونة بالقضايا وليس في تحميل جداولها بأكثر مما فيها إلا زيادة الأمر ارتباكًا... ولكثرة التأجيلات حد تنفذ عنده حيلة قضاة التحضير فيضطرون في النهاية إلى أن يحيلوا القضايا على جلسات المرافعات ولو كانت غير ناضجة التحضير ومثل جلسة التحضير جلسة المرافعات بل هي أشد في ارتباكها وأدهى.. بجداولها قضايا قديمة حددت المحكمة هذه الجلسة لنظرها بقرار تأجيل وقضايا جديدة أحالها عليها قاضي التحضير منها المحضرة ومنها غير ناضجة التحضير وأخرى جاءت مباشرةً عن طريق المحضرين والخصوم كالقضايا المستعجلة وغيرها (المادة (15) من مشروع القانون)... فهل ادعى إلى الارتباك من هذا النظام ؟! إن اشتراك قضاة الموضوع وقضاة التحضير ثم المحضرين والخصوم إن اشتراك هؤلاء جميعًا في إحالة القضايا على الجلسات هو الذي يشل حركة المحكمة ولا يساعد القضاة مهما كان اجتهادهم على الوصول إلى غاياتهم.
أيكفي بعد ذلك أن يُضاف على المادة التاسعة فقرة تقضي بأنه يجب على القاضي ألا يحيل على كل جلسة من القضايا إلا العدد الذي تستطيع المحكمة نظره بدون أن تضطر إلى تأجيل بعضه لضيق الوقت لتكون مرهمًا شافيًا لهذا الجرح الخطير.
إن ذلك لن يغير من الواقع شيئًا.
أن القضاة يعلمون ذلك ولا يجهلونه وهم يبذلون غاية جهدهم في أن تكون قرارات الإحالة حكيمة ما استطاعوا ولكن يتضاءل اجتهادهم أمام فساد النظام وتذهب كل محاولتهم هباءً.
أما عن الجلسة الأولى في المحاكم الجزئية والاستئنافية فلم يأتِ المشرع أيضًا بجديد وذلك معناه ترك أمر هذا التحديد بيد المحضرين والخصوم.
إن تحديد هذه الجلسة وغيرها من الجلسات يجب ألا يكون عملاً ميكانيكيًا فما نشأت الفوضى وما ارتبكت جلسات المحاكم إلا بسبب إهمال هذا التحديد.
وفي اعتقادنا أن الإصلاح لن يكون منتجًا إلا إذا انتزعنا سلطة الخصوم والمحضرين في أمر هذا التحديد وإن نكل ذلك إلى قاضي الموضوع وما كان منها بيد قاضي التحضير نتوصل إلى جعله بيد قضاة الموضوع بأن يكون واحد منهم (هو رئيس الدائرة أو أحد أعضائها) المنوط به تحديد قضايا دائرته في جلسة خاصة للتحضير (وهناك أسباب أخرى ستأتي في باب خاص تستوجب أن يقوم بالتحضير أحد قضاة الموضوع).
بهذا نجعل تعيين الجلسات وتحديد عدد ما يقدم إليها من القضايا بيد واحدة هي يد قاضي الموضوع وبهذا التوحيد في العمل نضمن حسن سيره ونضمن محو التأجيلات التي يسببها ضيق الوقت من نظام الجلسات.
ولنبين الآن طريق العمل بمجرد تقديم عرائض الدعوى إلى المحكمة تحول في الحال على مختلف الدوائر.
ويقوم بعملية التحويل قلم الكتاب أو قلم يخصص لذلك وتنظيم هذا التحويل يكون بتخصيص كل دائرة بنوع معين من القضايا.. أو بنظر قضايا جهات معينة.. أو يكون التخصيص بحسب نمر القضايا فيقدم لكل دائرة عددًا منها بقدر ما يتقدم للأخرى.. أو بحسب الحروف الهجائية لأسماء الخصوم.
وهذا هو رأي حضرات المستشارين بمحكمة الاستئناف العليا بالقاهرة الذي بسطه بالنيابة عنهم للجنة الإصلاح المسيو سودان مكتفين به عن جلسات التوزيع.
وهو رأي عملي وجيه تسير عليه المحاكم النمساوية فلكل محكمة قلم خاص ومهمته استلام جميع ما يقدم للمحكمة وتوزيعه في نفس اليوم أو اليوم التالي على الأكثر على دوائرها وأقلامها المختلفة.
(تراجع محاضرة المسيو بيولا كازولي في المرافعات النمساوية وفيها أبدى إعجابه بهذا القلم وهي منشورة بمجلة مصر العصرية العدد 13 ليناير سنة 1913).
ومتى قدمت هذه العرائض إلى الدوائر يقوم رئيس كل دائرة منها بدارستها وعلى حاصل هذه الدراسة تحدد الجلسة الأولى (تراجع الفقرة الأولى من المادة الثانية من مشروع القانون الملحق بهذه المذكرة).
وفوق أن هذا التحديد لن يكون بعد عملاً ميكانيكيًا لأن أسامة إلمام القاضي بالدعوى وفهمه لموضوعها زيادة على معرفته حقيقة القضايا الأخرى المؤجلة إلى هذه الجلسة وهو ما يساعد على أن يأتي التحديد دقيقًا وتوزيع القضايا على الجلسات عادلاً فوق ذلك فإن الأخذ بهذا النظام يغنينا عن المادة (15), وهي الإضافة الجديدة بحسب مشروع لجنة الإصلاح على قانون قاضي التحضير والتي تقضي بأن ترفع القضايا الآتية إلى المحكمة مباشرةً بدون تقديمها إلى قاضي التحضير.
1 - الدعاوى المستعجلة بنص القانون.
2 - دعاوى نزع الملكية.
3 - دعاوى استحقاق العقار الفرعية.
لأنه إذا كانت طبيعة هذه القضايا تتنافر تنافرًا كليًا مع إحالتها على التحضير بحسب نظامه الحالي الذي يعطل سير الدعاوى من غير شك نوعًا ما والذي شرع اختصاصه لأغراض محدودة معينة ولم يشرع ليؤثر على إجراءات هذا النوع من القضايا التي لا يصح أن تسلك سبيل الدعاوى العادية فلن يكون في الأمر بحسب هذا النظام الجديد الذي نتقدم به داعيًا لهذا التحديد إذ ستعرض جميع عرائض الدعاوى على رئيس الدائرة فيحدد للمستعجل منها جلسة مرافعات وكذلك للقضايا التي تتوقف أهميتها على سرعة الفصل فيها وتقضي طبيعتها سرعة نظرها ولو أنها ليست مستعجلة بنص القانون وسيراعى بالطبع أنها لا تحتاج كغيرها من القضايا إلى تحضير (تراجع المادة (3) من المشروع الملحق بالمذكرة)..
هذا النوع الأخير من القضايا مع أنه سهل بسيط سوى نظام التحضير الحالي في الإجراءات بينه وبين أصعب القضايا وأكثرها تعقيدًا, فنرى قضية مبناها سند رسمي أو سند عرفي غير متنازع فيه أو كمبيالة تتعثر في إجراءاتها زمنًا طويلاً وتمر بنفس الأدوار التي تمر بها قضية ملكية عقارات متشعبة الأطراف ومترامية الذيول...، ونحن لا نستطيع الاعتراض على المشرع في أنه لم يجعلها مما نصت عليه المادة (15) الجديدة فترفع إلى المحكمة مباشرةً بدون تقديمها إلى قاضي التحضير إذ لا قدرة للشارع على تعيينها ولا مجال له في تحديدها.
وفي اعتقادنا أن ترك الأمر كله لفطنة القاضي وحسن تقديره أصوب وأضمن ولا نظن القضاة يدعون قضية تتخطى جلسة التحضير إلى جلسات المرافعات إلا إذا كانت ظروفها تدعو لذلك وطبيعتها تقتضيه ولأن عاقبة تسامحهم أو تهاونهم ما يلقونه أمامهم من قضايا غير ناضجة في جلسات المرافعات.
عيوب الشكل:
وليس ما قدمنا كل ما نستفيده من تدخل القاضي في أمر الدعوى وإدارته لحركتها بمجرد تقديمها فقد يتفق وجود خطأ في شكلها أو نقص أو سهو في بيان ما فيأمر بإصلاحه ونتجنب بذلك أمرًا قد كان يدعو إلى البطلان خصوصًا وقانون مرافعاتنا يعطي مريد التمسك بهذا الدفع سلاحًا حادًا إذ يسمح له بالتغيب ثم بالتمسك بدفعه في المعارضة أو الاستئناف (المادة (138) مرافعات أهلي)، وهكذا بينما تكون القضية قد اقتربت من نهايتها إذا بها يتهدم بنيانها وينهار كل ما اتخذ في سبيلها من أعمال وإجراءات.
اختصاص المحكمة:
كذلك يتحقق القاضي من اختصاص المحكمة بنظر الدعوى قبل أن يحدد لها جلسة وقبل أن يأمر بالإعلان, ذلك مبدأ المرافعات الحديثة يوجب على المحاكم من تلقاء نفسها مراعاة مسائل الاختصاص، ويوجب عليها كذلك متى تبين لها عدم اختصاصها إحالة الدعوى على المحكمة صاحبة الاختصاص فتصل المحاكم بذلك إلى القيام بالعدالة كما ينبغي إذ تصحح للمتقاضين أعمالهم وتساعدهم على نيل حقوقهم من غير أن تؤاخذهم بما نسوا أو أخطأوا... على عكس هذا المبدأ جاءت قوانيننا (المواد (134) و(25) مرافعات أهلي)، فليس لمحاكمنا أن تحكم من تلقاء نفسها بعدم الاختصاص إلا إذا كان ذلك ناشئًا عن عدم وظيفتها في الحكم...، فإن اعترض على اختصاصها وقضت بذلك لا تستطيع إحالة الدعوى على المحكمة المختصة إلا باتفاق الخصوم.. !! (25 أهلي).
فماذا أدخل المشروع على هذه القواعد الفاسدة من التعديلات ؟
في الدعاوى التي تنظر أمام المحاكم الجزئية والاستئناف العليا بقي الأمر فيها كما كان بل أن المواد (16) و(17) و(18) من المشروع الجديد الخاصة بهذه المحاكم فوق إغفالها أمر الاختصاص لا تشير مطلقًا إلى إدخال نظام التحضير أمام هذه المحاكم.
فإذا قضى نحس الطالع على المدعي أمامها بأن يرفع قضية إلى محكمة منها لم تكن مختصة فأبسط ما يفعله المدعى عليه غير المتعنت هو أن يدفع بعدم الاختصاص ولا سلطة للقاضي في إحالة القضية على المحكمة المختصة بدون إعلانات ولا رسوم جديدة إلا إذا اتفق الخصمان !! وهل هذا مقام اتفاق !؟ النتيجة دفع رسوم جديدة لإعلانات وإجراءات جديدة أمام محكمة أخرى قد تكون أيضًا غير مختصة.
أما المتعنت فيتغيب حتى يصدر عليه حكم غيابي ويبدأ في تنفيذه فلا يعارض أو يعارض ولا يحضر ثم يستأنف ويدفع بعدم الاختصاص !! النتيجة لا يستطيع تحملها المشرع، مصاريف دعوى استوت ونضجت في أهم أدوارها ومجهودات وسعى أشهر أو سنين ضاعت كلها على المدعي هباءً ووجب عليه تجديد دعواه.
أما في الدعاوى الكلية فلم يأتِ المشرع بجديد إذ الفقرة الخامسة من المادة التاسعة هي بحرفها أحد نصوص قانون التحضير الحالي (لقاضي التحضير في حالة اتفاق الخصوم الحكم في الدفع بعدم الاختصاص)، ولن يتفق الخصوم.... والنتيجة ضم الدفع على الموضوع لتفصل فيهما المحكمة (المادة 10 تحضير) بل الأدهى من ذلك والأمر أنه يجوز إبداء هذا الدفع لأول مرة أمام المحكمة دون تقديمه لقاضي التحضير (المادة 14 تحضير)، والمحكمة بدورها إن قضت بعدم اختصاصها لن تستطيع إحالة الدعوى على المحكمة صاحبة الأمر (25).
إن ما ينتاب المتقاضين من ضياع ما لهم ووقتهم وجهودهم بسبب عدم الفصل في هذا الدفع وغيره من الدفوع أثناء مرحلة التحضير يوجب علينا أن نحكم نظامنا فلا تصل الدعوى جلسة المرافعات إلا مطهره من كل ما يعرقل سيرها لأن هذه إن لازمتها تعمل على تأخير الفصل فيها وقد لا تزال فيها حتى تفنيها.
لكل ما تقدم نرى أن تعرض عرائض الدعاوى على رؤساء الدوائر ليدرسوها قبل أن يحددوا جلستها الأولى وقبل أن يأمروا بإعلانها ليتبينوا اختصاص المحكمة بنظرها وعدم خلو الخصوم عن الصفة فيها أو كونهم غير أهل للتقاضي وليتأكدوا عدم وجود خطأ في شكلها يدعو إلى البطلان و إلا أمروا بإصلاحه قبل السير بالدعوى.
فإن رأوا العريضة مستوفاة كل شيء حددوا الجلسة الأولى وأمروا بإشارة صغيرة على نفس العريضة قلم الكتاب بإعلانها للخصوم.
أما إن ظهر لهم غير ذلك ورأوا العريضة غير مستوفاة فعليهم أن يعرضوا الأمر على الدائرة بغرفة مشورتها وكذلك من غير حاجة لحضور أحد الخصوم لتقضي إما بتحديد الجلسة وإما برفض ذلك.
(تراجع المادة الثانية من المشروع الملحق بهذه المذكرة).
إننا نتوصل بهذا النظام إلى مساعدة المتقاضين وإرشادهم بتصحيح الأغلاط وبتجنب أسباب البطلان وسقوط الحقوق وبمنع الأضرار التي تنتج عن التمسك الواهي بأهداب النصوص خصوصًا وأن المطلع على أسرار المحاكم عندنا يجد أن مهارة المحامي منحصرة في أغلب الأحيان في البحث وراء مسائل المرافعات الدقيقة يتمسك بها في الوقت المناسب فيهدم دعوى خصمه ويفلت بذلك من سلطان القانون المدني وبدلاً من أن تصرف المحاكم وقتها في البحث في موضوع الحقوق تضطر في نظامنا الحاضر إلى البحث في أوجه البطلان والدفوع الفرعية المختلفة وعلى الخصوص أوجه الدفع بعدم الاختصاص.
ومما تحسن الإشارة إليه هنا أن لائحة ترتيب المحاكم الشرعية (مادة 104) أباحت للمحكمة أن تقضي من تلقاء نفسها بعدم الاختصاص إن كان سببه أن القضية من خصائص محكمة أخرى أدنى منها أو أن الخصم لا يصح مخاصمته وغير ذلك وهو وجيه من بعض الوجوه ويستدل منه على أن فكرة المشرع تتجه الآن نحو إعطاء المحكمة حق الفصل في هذه المسائل من تلقاء نفسها.
إعلان الخصوم:
قوانيننا لا تبيح الإعلان إلا بواسطة المحضرين وتتجاهل كل الوسائل الأخرى كأنه لا يرجى منها فائدة قضائية أو كان استعمالها محال أن يحاط بضمانٍ كافٍ وقلة عدد المحضرين وكثرة أعمالهم قد تكفي وحدها في كثير من الأحوال لفوات الغرض من الدعوى أو لسقوط الحق بفوات الميعاد من قبل الإعلان.
ومندوبو المحضرين الذين شرعت وظيفتهم لتسهيل أعمال المحضرين فرض عليهم القانون اتخاذ إجراءات معينة إذا لم يراعِ كل إجراء منها وقد تستحيل مراعاته قد يفسد الدعوى ويستوجب البطلان.
هذه بعض آفات النظام الحالي ليس من قصدي هنا أن أشرحها فكل الذين اشتغلوا بالقضاء يعلمونها ولا يجهلون أن التقاضي أمام المحاكم أصبح أمنية المدين المماطل وغاية قد يسعى في بعض الظروف إليها لاعتقاده أن ذلك يستغرق وقتًا أوسع كثيرًا من مهلة يجود بها عليه الدائن، إنما واجبي أن أبين سبيل الإصلاح وأدل على طريق العمل الذي يكفل سرعة إيصال أوراق المرافعات للمتقاضين بما لا يخرج عن نظامنا الحالي ولا يتنافر معه.
قضت المادة الأولى من قانون المرافعات أن كل إعلان أو إخبار يقع من بعض الخصوم لبعضهم يكون بواسطة المحضرين بناءً على أمر المحكمة التابعة لها إلخ فوساطة المحضر لازمة حتمًا لإعلان أوراق المرافعات وإلا ما أمكن التمسك بها على الخصم المعلن وما جاز أن يترتب عليها أي أثر ما مثلاً الخطابات الموصى عليها المرسلة عن طريق البريد لا يعتمد عليها حتى لو كانت مستكملة لبيانات أوراق المحضرين ونحن وإن كنا نرى ضروريًا أن يكون إلى جانب المحضرين من يساعدهم في العمل كما سنبينه إلا أننا نؤيد من هذه المادة وجهة نظر المشرع في عدم إباحته للخصوم أن يتبادلوا الإعلانات وغيرها من أوراق المرافعات مباشرةً عن طريق البريد.
نعم نحن نعلم أن بلادًا غير قليلة تقر طريقة الإعلان بالبوستة وتستخدم أحيانًا كذلك التلغراف والتليفون وليس هذا فقط فإن قانوننا الأهلي له حظه وإن كان ضئيلاً في تقرير الإعلان بهذه الطريقة إذ أجازت المادة الخامسة من القانون نمرة (11) لسنة 1921, المتعلقة بتقييد أجور المساكن استعمال الخطابات الموصى عليها في بعض الأحوال وكذلك نص من بعده القانون الناسخ للقانون الأول على أحوال شتى يستعمل فيها الخطاب الموصى عليه استعمالاً قانونيًا صحيحًا، ولكن بالرغم من كل هذا نرى أن إدخال نظام الإعلان بالبريد كقاعدة لنا طفرة تأباها طبيعة العمل ولا يحتملها النظام الحالي.
إن الإصلاح لا يكون عن طريق نقل نظام أجنبي بجملته مهما ثبت نجاحه لأن طريق النقل محفوف بالمخاطر إنما ما لا خطر فيه ولا ضرر منه أن نتعلم عن القوانين الأجنبية ما يساعدنا على تهذيب قوانيننا على هداها فنعدل فيها أو ندخل عليها ما يبعث في مجموعها حياة جديدة من غير أن تتعارض نصوصها أو تتزعزع أركان وجهتها العامة.
إن قيام المحضرين بواجبهم كما ينبغي أصبح الآن مستحيلاً ولقد شعر المشرع بذلك من قبل فعالج الأمر بالمادة (11) التي تنص على أنه إذا اقتضى الحال إعلان أي ورقة إلى من يكون محله بعيدًا عن مسكن المحضر جاز للقاضي أن يعين أي شخص لتوصيل الورقة المراد إعلانها وجرت العادة أن يكون هذا الشخص مندوب المحضر وبصرف النظر عن الشروط التي يستلزمها القانون لصحة الإعلان بهذه الطريقة نرى أن الفكرة في إيجاد شخص إلى جانب المحضرين يساعدهم ويسهل عليهم أعمالهم وجيهة وقيمة ولكن إن صح فيما مضى أن يكون هذا الشخص مندوب المحضر لما كانت الأعمال التي تزيد عن طاقة المحضرين ويعهد بها إلى هؤلاء المندوبين قليلة واستثنائية فنحن نرى الآن وقد كثرت هذه الأعمال وتزايدت ضرورة أن يقوم بهذه المهمة إلى جانب المحضرين سعاة البريد.
نعم نحن لا نرى أن يتبادل الخصوم الإعلانات والأوراق مباشرةً عن طريق البريد ولكنا ننصح باستخدام البوستة استخدامًا جزئيًا دقيقًا بتكليف سعاتها عن طريق المحكمة أن يؤدوا عمل مندوبي المحضرين فيقوموا بتسليم أوراق المرافعات التي تكل المحكمة إليهم أمر إعلانها إلى المتقاضين.
وفوق أن هذا العمل لا يختلف في طبيعته عن عملهم ولا يقتضي إدخال الفكرة في نظامنا أي تعديل أو تغيير فإننا نصل بذلك إلى تحقيق النتائج التي وصلت إليها القوانين الأجنبية بتقريرها الإعلان بالبريد من طريق عملي آمن عاقبة وآكد نتيجة.
أنه يغلب أن يكون بالبلاد التي بها محاكم مكاتب للبريد فما الذي يمنع أن يمر عمالها بالمحكمة فيستلمون الأوراق التي يراد إعلانها لتوصيلها للمتقاضين ولضبط العمل يوقعون مثلاً على دفتر خاص به بيان كافٍ عن هذه الأوراق على أن يأتوا كذلك عند عودتهم بما يفيد أنهم أدوا هذه الأمانات إلى أهلها على أنه من السهل أن نضع نظامًا محكمًا يحوط العمل بما يضمن الإخلاص في إنفاذه والأمانة في الجري عليه.
إننا نصل بذلك إلى إعلان الأوراق بمجرد تقديمها للمحكمة إذ دورة السعاة يومية وخطة سيرهم معينة ومرورهم كل يوم على جميع أنحاء الدولة مؤكد بعكس المحضرين الذين مهما أكثرنا من عددهم مستحيل أن ينتقلوا إلا إذا تجمعت لديهم مئات الإعلانات والأوراق يعلنونها كلها في دورة واحدة وبحسب خطة السير التي يرسمونها.
إننا ندعو إلى الأخذ بهذا الرأي لنحقق غرضًا من أسمى أغراض المرافعات هو سرعتها ونتجنب بذلك حالة تؤدي غالبًا إلى بطلان جميع الإجراءات التي تمت وتذهب بالمال الذي أُنفق وبالوقت الذي مضى في عملها إدراج الرياح.
وإذا علمنا أن للمصاريف القضائية أمام المحاكم تعريفه ما تركت ورقة من أوراق المرافعات ولا عملاً من أعمالها إلا وضعت عليه رسمًا فادحًا وأن جزءًا كبيرًا من تلك المصاريف يذهب هباءً في أجور انتقال المحضرين ومندوبيهم من بلد إلى بلد ومن قرية إلى قرية وفي بدل سفرياتهم مع أن أعمالهم من أولها إلى آخرها مشكوك بل مطعون في صحتها فكم يتوفر على الناس وعلى خزائن المحاكم من أموال ؟
كذلك ليس في فهم القانون على هذا الشكل قهر لألفاظه على غير معانيها ولا خروج بفكرة المشرع إلى غير ما وضعت له بل ذلك هو الحل العملي الذي تهدينا إليه مقارنة الشرائع ونستفيده من نتائج المشاهدات في منشآت القوانين الأجنبية.
بهذا النظام لا تحتاج القضية من يوم تقديمها إلى المحكمة إلى تحديد جلستها الأولى ثم إعلان الخصوم بها لأكثر من بضعة أيام.
موعد تقديم المستندات:
على الإثبات يتوقف الحكم في الدعوى فإذا لم يقدم الطالب جميع وسائل إثباته من مستندات وغيرها فإن المحكمة تضطر أن تمهله المرة بعد المرة والوقت بعد الوقت حتى يقدم ما لم يقدمه من قبل ولا يبعد عن الفكر أن تأجيل قضية كان يجب أن تنظر في جلسة محددة يجلب الفوضى في إدارة القضاء ويدخل البطء عليه ويضر بحقوق المتخاصمين الآخرين أن الخصوم يجب ألا يتركوا أحرارًا في تقديم مستنداتهم على حسب أهوائهم وفي المواعيد التي توافق أمزجتهم والواجب يقضي أن تقدم جميعها قبل أو جلسة.
ولقد عالجت لجنة الإصلاح الأمر في العبارة الأولى من المادة (16) من مشروعها فنص على أنه يجب على المدعي أمام المحاكم الجزئية وعلى رافع الاستئناف أن يودع مستنداته قبل أول جلسة تحدد لنظر الدعوى، أما المبدأ في ذاته فمعقول ومقبول جدًا ولكن هيهات أن يتحقق النص في العمل، أنه لا يكفي في نظرنا مجرد النص فإن ذلك يبقى غير ذي أثر إن لم يشرع القانون له من الضمانات ما يلزم لحسن التنفيذ، من أجل ذلك نرى أن يكون الزمن المعطى للمدعي كافيًا ليقدم فيه أوراقه ويحضر جميع وجوه أدلته كل هذا بدون تقتير في الوقت ولا إسراف فيه وإلا انقلب اليسر عسرًا على صاحب الحق وأصبحت المرافعات مرذولة ببطئها وتأخيرها.
ومن أجل ذلك أيضًا رأينا أن من واجب القاضي وحده دون الخصوم أو المحضرين تعيين الجلسات، بهذا نضمن أن يكون هذا الأجل منتجًا ونستطيع أن نجعل سير القضايا سريعًا ومحكمًا وتحضيرها عاجلاً والوصول إلى الحكم فيها قريبًا, وبفرض إهمال الخصوم بعد هذا الاحتياط نرى حتى لا يكون على المحكمة حرج في رفض مستند ذي أهمية في الدعوى أن نترك الأمر لتقديرها فإن وجدت عذر المدعي قويًا ورأت من مصلحة سير العدالة قبول المستند قضت بذلك و إلا فصلت في الدعوى على حاصل ما هو أمامها.
ولقد عرض المسيو سودان رأيًا يرمي إلى حجز المستندات بعد الفصل في الدعوى ابتدائيًا ويرى منع تسليمها للمتقاضين حتى يرفع الاستئناف ويتم الفصل فيه إن ذلك لهو التحكم بعينه في الخصوم إذ فيه سلب صريح لحريتهم واختيارهم وتعطيل لأوراقهم ومستنداتهم قد تتسبب لهم من وراءه أضرارًا بليغة.
إن المرافعات ضمانات تحمي المتقاضي من خصمه كما تحميه من تحكم القاضي أو خطئه ولا يغيبن عن المشرع أن القضاة أفراد كباقي الأفراد تختلف طريقتهم في الحكم والإدراك ولا بد لضمان حقوق المتقاضين من ضوابط وأصول يلزم القاضي باتباعها ويستطيع المتقاضي أن يحتمي بها، ضوابط معينة وأصول عادية تمحو الفوضى وتقف أمام الاجتهادات الذاتية التي تجول بخاطر القاضي وتمنعه من العمل برأيه وغرضه وتكفل للمتقاضين حريتهم وتحفظ لهم حقوقهم وتصير القضاء سمحًا كريمًا.
تتمة البحث المنشور في أواخر العدد الثاني
جلسة التحضير
قاضِ واحد هو رئيس الدائرة أو أحد أعضائها الذي يحضر قضايا الدائرة في هذه الجلسة.
إننا إذا قبلنا نظام التحضير باعتباره مفيدًا في ذاته ومنتجًا في تحضير القضايا فالواجب يقضي علينا أن نفكر في الأخذ به على شكل يلائمنا من غير أن نقيد أنفسنا بأي نظام أجنبي معين.
إن القانون الحالي يجعل التحضير أمام قاضٍ خاص فلو أريد تعميمه بحالته الحاضرة أمام المحاكم الجزئية ومحكمتي الاستئناف العليا كاد يكون الأمر مستحيلاً إذ لا يمكن أن نعين إلى جانب القاضي الجزئي قاضيًا للتحضير كذلك لا نرى أن تقتصر مهمة واحد من حضرات المستشارين وهم خيرة قضاتنا على التحضير.
نعم قد يتبادر إلى الذهن أن إيجاد قاضٍ خاص للتحضير يدعو إلى اهتمام هذا القاضي بواجبه ويفيده أيضًا من وجهة أنه يصبح أخصائيًا في عمله وللرد على هذه الفكرة اكتفى بذكر ما جاء بتقرير المستشار القضائي (سنة 1911 صـ 5 نسخة فرنسية)، وبمنشور وزارة الحقانية (المنشور بمجلة المحاماة 1 صـ 47).
(إن هذا النظام وإن يكن خفف من أعمال المحاكم الكلية نوعًا ما إلا أن التحضير طبقًا له بالرغم من وجوب إتمامه أمام القاضي المعين للتحضير لا يتم أمامه بالفعل وأن القضية تؤجل كثيرًا في هذا الدور كما تؤجل كثيرًا من بعد أمام المحكمة لاستيفاء التحضير).
ويظهر كذلك من منشور وزارة الحقانية المشار إليه أن قضاة التحضير مسؤولون عن عدم الاهتمام بأمور جمة هي التي تؤدي إلى هذه النتيجة اكتفي بالإشارة إلى بعضها.
أولاً: التساهل في مطالعة القضايا قبل الجلسة على وجه يكفي لتكوين فكرة من القضية يتسنى معها مناقشة الخصوم مناقشة تؤدي إلى تحديد النزاع أو تقريب مسافة الخلف بينهم.
ثانيًا: الإقلال من الوقت اللازم للتحضير إذ تبين من الإحصاء أن متوسط الوقت الذي تنظر كل قضية فيه في التحضير هو أربع دقائق فقط.
ثالثًا: تأجيل القضايا إلى أيام المواسم المعروفة من قبل وهو ما يجر إلى التأجيل الإداري ثم التأجيل العادي بعد ذلك.
رابعًا: التراخي في استطلاع رأي الطرفين من الخصوم في مدة التأجيل.
خامسًا: الامتناع عن توخي ما يلهم الخصوم أن مصلحتهم تنهض على تنقيص أمد النزاع.
سادسًا: إحالة القضايا على جلسة المرافعة قبل تقديم المستندات في جلسة التحضير وقبل فحصها بمعرفة القاضي والخصوم.
سابعًا: إغفال تطبيق بعض مواد القانون تطبيقًا دقيقًا.
حجج بالغة فهل تغني النذر ؟؟!
إذا كان النظام الحالي لا يحقق الغاية منه وإذا كان هو بذاته عقبة تحول دون تعميم نظام التحضير على الوجه الذي تقره أبسط مبادئ المرافعات الحديثة فلم لا نخرج عنه إلى نظام آخر يتمشى مع حاجتنا إلى قضاء سهل منتج سريع ؟
إن قانون التحضير الحالي لم يتكون بعد تكونًا تاريخيًا حتى يقال بأنه عزيز علينا نتألم لتغييره بل وضع في أيام محدودة وظروف معينة وأجبر المتقاضون على تعرفه واحترامه فكم يكون ارتياحهم إذا تعدل طبقًا لمصلحة العدالة وبنيت أسسه من جديد على قواعد تضمن وصول الحق إلى صاحبه بغير عناء كبير.
إننا نرى أن يقوم بتحير قضايا كل دائرة رئيسها أو أحد أعضائها في جلسة تخصص لذلك فما يتم تحضيره يحال على إحدى جلسات الدائرة المخصصة للمرافعات.
ويجب كذلك أن يكون للمحاكم الجزئية جلسة خاصة للتحضير تنظر فيها القضايا أمام القاضي الجزئي نفسه على أن يحيل ما يصبح صالحًا للمرافعة على جلساتها الخاصة - بهذا نستطيع تعميم نظام التحضير من طريق عملي منتج ونتجنب بذلك نتائج الإهمال التي تنشأ عن إيجاد قاضٍ خاص.
وقد يقال أيضًا إن تكليف رئيس الدائرة أو أحد أعضائها بمهمة التحضير عبء ثقيل على القضاة يضيق عنه وقتهم ولكنا نرى ذلك الاعتراض غير صائب خصوصًا إذا أمعنا النظر قليلاً.
إننا إذا جعلنا لكل دائرة في كل أسبوع جلسة خاصة للتحضير وتناوب القيام بأمرها الأعضاء الثلاثة على التوالي لكان نصيب كل قاضٍ من هذا العمل جلسة واحدة في كل ثلاثة أسابيع ونظننا لا نكون فرضنا بذلك عليهم فرضًا ينبو عنه واجبهم أو تذهب معهم راحتهم.
على أننا لو أمعنا النظر أكثر نجد أننا لم نضف في الواقع إلى عملهم الحالي عملاً جديدًا فالقاضي الجزئي يقوم الآن بكل شيء وما تكليفه بتحضير قضاياه في جلسة خاصة إلا تنظيمًا لعمله تعود من ورائه أحسن النتائج.
كذلك شأن محكمتي الاستئناف إذا طلبنا إلى رئيس إحدى دوائرها أو إلى عضو من أعضاء تلك الدائرة أن يقوم وحده في جلسة خاصة بتحضير قضايا الدائرة لا نكون كلفناه عملاً جديدًا لأن نفس هذا العمل كان يمر عليه في الجلسات ليفصل فيه مع زملائه، وإنما نرفع بذلك عن زميليه عبء الاشتراك معه في الفصل في هذه المسائل التي ستكون من وظيفة جلسة التحضير.
أما المحاكم الكلية فسيكون قضاة التحضير الحاليين أمامها دوائر جديدة تخفف من أعمال الدوائر الحالية بقدر ما سنكلف به أعضاءها من أعمال التحضير.
إننا نذكر على سبيل المثال بعض النتائج التي نصل إليها لو منحنا القاضي فيها حق إصدار الأحكام في القضايا الغيابية وفي القضايا التي يقر فيها المدعى عليه بصحة المدعى به وفي القضايا التي يصطلح فيها الخصوم والتي يقتنع المدعي فيها بما أبداه المدعى عليه من الوجوه أو الدفوع فيتنازل عنها.
إن ما يصفى من القضايا بهذا الشكل في التحضير سيبلغ على الأقل ثلثي مجموع القضايا المقدمة للمحكمة فيكون الباقي وهو ما قاوم فيه المدعى عليه وتمسك بأوجه أوليه أو بدفوع موضوعية مقدار الثلث فقط وهذا هو الذي ستهتم به الدائرة كاملة ويكون وحده موضوع النظر في جلسات المرافعات.
وهذه بعض الإحصائيات المأخوذة عن المحاكم النمساوية تؤيد ما نقول.

أنواع الأحكام الصادرة في القضايا أمام المحاكم الجزئية الآتية سنة 1900
اسم المحكمة
مجموع الأحكام الصادرة سنة 1900
أحكام غيابية وفي قضايا اعترف فيها الخصم
صلح
أحكام في مواجهة الخصوم
أنواع أخرى من الأحكام
فينا
66562
47.9
15.6
4.0
32.5
سالسبرج
2043
30.0
29.9
14.2
25.90
شتيرمارك
16780
31.6
23.3
11.9
23.2
كارنتن
5126
22.4
40.3
12.7
24.6
كراين
10516
21.1
47.0
10.0
21.9
تيرول
9857
27.3
33.5
9.5
29.7
دالماشين
9254
20.8
35.5
12.2
31.5



أنواع الأحكام الصادرة في القضايا أمام المحاكم الجزئية الآتية سنة 1910
اسم المحكمة
مجموع الأحكام الصادرة سنة 1910
أحكام غيابية وفي قضايا اعترف فيها الخصم
صلح
أحكام في مواجهة الخصوم
أنواع أخرى من الأحكام
فينا
90460
49.6
11.9
5.1
33.4
سالسبرج
2595
46.1
17.3
13.3
23.3
شتيرمارك
20493
38.4
23.3
13.3
25.0
كارنتن
5746
32.5
25.2
14.0
38.3
كراين
6876
33.2
23.0
17.5
26.3
تيرول
13653
33.8
24.4
12.2
29.6
دالماشين
14188
22.4
31.5
12.8
33.3



أنواع الأحكام الصادرة في القضايا أمام المحاكم الابتدائية الآتية سنة 1900
اسم المحكمة
مجموع الأحكام الصادرة سنة 1900
أحكام غيابية وفي قضايا اعترف فيها الخصم
صلح
أحكام في مواجهة الخصوم
أنواع أخرى من الأحكام
فينا
7858
22.4
23.9
17.2
37.2
سالسبرج
340
33.8
18.0
19.4
28.8
شتيرمارك
2226
32.1
21.5
41.7
31.8
كارنتن
679
27.1
15.0
9.3
48.6
كراين
552
29.9
22.1
14.9
33.1
تيرول
1134
28
12.1
16.2
34.7
دالماشين
609
20.9
23.0
23.8
32.3



أنواع الأحكام الصادرة في القضايا أمام المحاكم الابتدائية الآتية سنة 1910
اسم المحكمة
مجموع الأحكام الصادرة سنة 1900
أحكام غيابية وفي قضايا اعترف فيها الخصم
صلح
أحكام في مواجهة الخصوم
أنواع أخرى من الأحكام
فينا
13266
24.1
19.9
16.9
39.1
سالسبرج
466
37.1
15.2
15.5
33.2
شتيرمارك
3382
34.2
19.5
14.3
32.0
كارنتن
1083
30.8
11.4
15.9
41.9
كراين
907
33.4
9.5
20.7
30.4
تيرول
2007
30.2
19.2
12.3
38.3
دالماشين
968
20.9
14.3
23.7
41.1

يراجع في هذه الإحصاءات وغيرها الجزء الثالث من كتاب قوانين المرافعات للأمم المتمدينة.
(عمل تمهيدي لإصلاح قوانين المرافعات الألمانية سنة 1927, برلين صفحات 391 و92 و93).
تلك بعض الأسباب التي تدعونا إلى التمسك بأن يكون التحضير بيد أحد قضاة الموضوع خصوصًا إذا علمنا أن هذا النظام يترتب عليه أيضًا سهولة اتصال القاضي القائم بعملية التحضير بزميليه الآخرين واستطاعته الاستئناس برأيهم فيما يشكل عليه أمره أو استصداره أحكامهم بصفة غرفة مشورة في بعض المسائل التي قد ينص القانون فيها على ذلك إذا وجد المشرع من الأصوب ألا يفصل فيها قاضي التحضير وحده.
وسبق أن بينا ضرورة وجوب أن يكون تعيين الجلسات وتحديد عدد ما يقدم إليها من القضايا بيد قاضي الموضوع حتى يجيء التحديد منتجًا وتوزيع القضايا على الجلسات عادلاً وتبين أن ذلك لن يتحقق إلا إذا انتزعنا من يد المحضرين والخصوم هذه السلطة ووكلنا أمرها إلى قاضي الموضوع وما كان بيد قاضي التحضير الحالي نتوصل إلى نقله إلى قضاة الموضوع بأن يناط بواحد منهم أمر التحضير وبهذا التوحيد في العمل نضمن حسن سيره ومحو التأجيلات التي يسببها ضيق الوقت من نظام الجلسات ونظن أن الوصول إلي هذه النتيجة وحدها ليس بالشيء الهين ولا بالأمر اليسير.
وظيفة جلسة التحضير
(تراجع المادة الخامسة من مشروع القانون الملحق بهذه المذكرة)
ليست هذه الجلسة بمستقلة عن باقي الجلسات الأخرى التي تمر بها القضية من يوم أن تقدم إلى المحكمة حتى يتم الفصل فيها شأن جلسات التحضير بحسب النظام الحالي بل هي إحدى هذه الجلسات تمتاز بأنها أولها وأنها خصصت لتحضير القضايا فيها وتقتصر مهمتها على ما يأتي:
أولاً: السعي في الصلح بين الخصوم.
قوانيننا تنص في بعض الأحوال على وجوب توسط القاضي في الصلح وهو في بعض الأحوال الأخرى جائز تقوم به المحاكم تارة من تلقاء نفسها وتارة تسعى فيه بناءً على اقتراح أحد الخصوم، ونحن نرى أن يكون السعي في الصلح واجبًا وأن يقوم به القاضي في جلسة التحضير ونرى في المحاكم الجزئية بنوع خاص وجوب قيام القاضي الجزئي بذلك دون محاكم الأخطاط لأن هذا الاختصاص في مسائل الصلح عبء ثقيل على هذه المحاكم أثبت العمل أنها لم تحسن القيام به فوق أن في ذلك تعقيد في الإجراءات لا مبرر له.
إن القاضي سيكون موفق السعي في هذا الصلح إذ إلمامه بالدعوى باطلاعه على صحيفتها وقدرته وتجربته تمكنه كلها على القيام بهذا الواجب على أحسن وجه.
ثانيًا: لإبداء أوجه الدفاع بعدم الاختصاص والدفع بطلب إحالة الدعوى إلى محكمة أخرى مرفوعةً إليها تلك الدعوى أو دعوى أخرى مرتبطة بها - نرى وجوب إبداء هذين الدفعين في هذه الجلسة وإلا سقط الحق في التمسك بهما لأنه إذا كان من العدل أن تقبل الدفوع الموضوعية في أية حالة كانت عليها القضية بحجة أن المدعي غير محق في دعواه فليس من العدل أن يبقى مهددًا بهذه الدفوع في كل أدوار القضية، فإذا قررت المحكمة قبولهما أحالت القضية من تلقاء نفسها على المحكمة المختصة ولقد بينا حكمة ذلك من قبل.
ثالثًا: إبداء الدفع بعدم صحة الدعوى والدفع بعدم الاختصاص المتعلق بالنظام العام، وكما يجوز إبداء هذه الدفوع بهذه الجلسة يجوز كذلك إبداؤها أثناء سير القضية وللمحكمة أن تحكم فيها من تلقاء نفسها, وفي أية حالة كانت عليها الدعوى فأما الدفع بعدم الاختصاص المتعلق بالنظام العام فالأمر فيه مفهوم وأما الدفع بصحة الدعوى فنرى أن تحكم فيه المحكمة من تلقاء نفسها لأنه إذا كان ذلك واجب عليها عند غياب الخصوم فيجب أن يكون الأمر كذلك عند حضورهم إذ القاضي ملزم بالبحث عن الحقيقة فيحكم بها كما هي لا كما يصورها أمامه أحد الخصوم وجهل خصم أو قصوره عن استعمال وجوه دفاعه يجب ألا يغير من الواقع شيئًا.
رابعًا: الحكم في القضايا التي يحصل فيها إقرار أو تنازل أو غياب.
إن الكثير من القضايا التي تقدم للمحاكم ليس النزاع فيها بمستحكم أو بمستعصٍ وإذا أتيح للقاضي فرصة مواجهة الخصوم قبل جلسات المرافعات فلا شك في إمكانه الفصل فيها ونرى أن يكون ذلك بجلسة التحضير فيقضي في الدعاوى التي يقر فيها المدعى عليه بصحة المدعى به، وكذلك في القضايا التي يقتنع المدعي فيها بما أبداه المدعى عليه من الوجوه أو الدفوع فيتنازل عنها وكذلك في حالات الغياب ولقد بينا نتيجة ذلك وما يعود من الفائدة من ورائه في الإحصاءات السابقة.
خامسًا: الحكم بإيقاف المرافعة في الأحوال المنصوص عنها قانونًا.
سادسًا: الحكم بشطب الدعوى وبإبطال المرافعة وقواعد الإيقاف والشطب والإبطال قانوننا لم تخل عن عبث شديد لكننا نتركها الآن كما هي لأن البحث فيها يخرجنا عن الموضوع.
سابعًا: الحكم بضم دعوى إلى أخرى إذا اقتضى الأمر ذلك.
هذه مهمة جلسة التحضير تظهر لنا الدعوى من كل الدفوع التي تعرقل سيرها فوق أنها ستصفي لنا القضايا السهلة البسيطة فما يبقى بعد ذلك هو الذي تهتم به المحكمة بهيئتها كاملة وتصدر أحكامها فيه.
ولعل أصدق مثل ينطبق على نظام التحضير وجلساته بالشكل الذي نتقدم به هو نظام المستشفيات إذ لا يسمح أولي الأمر فيها لكل من تقدم إليهم بدخولها واحتلال أحد أسرتها فنرى لكل مستشفى طبيبًا كشافًا يرد الذي ليس بهم مرض وأنا يتوهمونه ويصرف أصحاب الأمراض البسيطة بأن يكتب لهم تذكرة علاج أما المرضى الذين يستحقون العناية والعلاج فهم وحدهم الذي يسمح لهم بدخولها.
ذلك هو الذي يجب أن يكون عليه نظام المحاكم فالواجب ألا نسمح لقضية أن تتخطى دور التحضير من غير فصل فيها إلى جلسات المرافعات إلا إذا كان النزاع فيها جديًا يقتضي ذلك.
ويجب ألا نجيز الطعن في هذه الأحكام التي تصدر في هذه الجلسة إلا مع الموضوع لأنه من التعقيد الذي لا مبرر له تفكيك القضية وتقطيع أوصالها بإجازة الطعن في هذه الأحكام.
(المادة (6) من المشروع المرفق بهذه المذكرة).
تأجيل هذه الجلسة
لا يجوز تأجيل نظر الدعوى في هذه الجلسة إلا طبقًا للأحكام التي تسري على سائر الجلسات لأنه إذا كان العدل يقضي أن نعطي الخصوم الزمن الكافي لتحضير دفاعهم وإعداد مستنداتهم وأوراقهم، فالحكمة تقضي ألا نتغالى في الرأفة بهم حتى لا تضيع بين قصور القانون ومطلهم وإهمالهم, وضرورة رعاية هذا المبدأ في جلسة التحضير واجبة وجوبها في الجلسات الأخرى، لأن جلسة التحضير لم تخرج عن كونها واحدة منها تأجيلها فيه تعطيل للدعاوى وتأخير ليوم الفصل فيها وفيه ضرر على سائر القضايا الأخرى, يجب ألا ينسى المشرع ذلك ولا يفوته أن فترة التحضير ليست إلا جزءًا من الزمن الذي تمكثه الدعوى أمام القضاء حتى يتم الفصل فيها، هذا الجزء يجب أن يكون قصيرًا ما أمكن، وسريعًا ومنتجًا ولا يغيبن عن الذهن أن هذه الجلسة لم تشرع مطلقًا للتأجيل وإنما شرعت للتحضير ومن العبث الذي يجب أن يتنزه عنه القانون أن ينص على الترخيص بتأجيل القضايا فيها إلى أجل يسع تحضيرها وجعلها صالحة للمرافعة (الفقرة الثانية من المادة (7) وكذلك المادة (3) من مشروع القانون) إذ ليس من الحكمة التشريعية أن ندفع التأجيل الآجل بالتأجيلات العاجلة، كذلك لا نرى معنى لهذه الفقرة لأن التحضير يحصل بالجلسة وهو من عمل القاضي ولعل الشارع يرمي بذلك إلى إعداد أوجه الدفاع من أوراق ومستندات ونحن نرى أنه من العبث أن تعقد جلسة لمجرد أن يقول القاضي لأحد الخصوم فيها أجلت لك الدعوى لتحضر مستنداتك وأوجه دفاعك !!! وأولى أن يكون ذلك من يوم إعلان الدعوى، وأن يراعي عند تحديد الجليسة أن هذا الأجل يسع ذلك، أما انعقاد الجلسات بغية تأجيلها فليست غاية يفكر فيها مشرع أو يسعى لها فوق أن ذلك يدعو الخصوم إلى الإهمال كما هو حاصل الآن فلا يجدون في إعداد وسائل دفاعهم بمجرد رفع الدعوى علمًا بأنهم سيمنحون لذلك أزمنة طويلة.
ومن العجب العاجب أن واضعي المشروع ينصون في المادة (16) على أنه يجب على المدعي أمام المحاكم الجزئية وعلى رافع الاستئناف أن يودع مستنداته قبل أول جلسة تحدد لنظر الدعوى الخ، فيحرصون بذلك على الانتفاع بالفترة الأولى بين الإعلان وبين الجلسة ونراهم بأنفسهم يذهبون من النقيض إلى النقيض فيما يتعلق بالمحاكم الكلية, فلم لم يحتموا على المدعي أن يودع مستنداته في المحكمة قبل جلسة التحضير وهي الجلسة الأولى !!؟ أن الانتفاع بهذه الفترة واجب وما كنا بحاجة إلى التدليل على ذلك بعد إقرار المشرع نفسه، ولئن انتهج واضع قانون التحضير الحالي مسلكًا معيبًا فيما مضى فليس لنا عذر في البقاء عليه الآن.
فإن اقتضى الحال تأجيل جلسة التحضير فتسري على الجلسة التي تعين لذلك جميع الأحكام التي تتعلق بالجلسة الأولى.
الرد على الدعوى
إذا لم يفصل في الدعوى في الجلسة الأولى يحدد القاضي للمدعى عليه ميعادًا يحضر فيه رده على الدعوى ويقدمه كتابةً إلى المحكمة بحيث يشتمل على الوقائع التي تبنى عليها اعتراضاته على الدعوى وأن تذكر فيه الأدلة التي يعتمد عليها على أن تذكر دليلاً دليلاً بالدقة والوضوح وأن يرفق مستنداته وأوراقه بهذا الرد فإن لم يكن ذلك ممكنًا فصورها وإلا بين الجهة التي هي بها والموانع التي تحول دون الوصول إليها، على ألا يسمح له بطلب مد هذا الموعد إلا إذا قدم طلبًا بذلك إلى المحكمة قبل فوات الميعاد (المادة (13) من مشروع القانون الملحق بهذه المذكرة).
أما الفائدة التي تعود من وجود هذا الرد في القضية والحكمة من تقديمه قبل جلسات المرافعات فنظنها لا تغيب عن أحد... أن القانون المصري تغالي في مبدأ شفهية المرافعات فقضى بأنها جميعها تكون شفهية وأن المذكرات الكتابية التي أعلنت لا تقيد الخصوم بما جاء فيها وأوجب على القاضي أن يأخذ بكل ما يدور في المرافعات الشفهية ولو لم يكن موجودًا في المذكرات وبذلك يكون حكم القاضي مقتصرًا على ما دار في المرافعات الشفهية وفيها وحدها.
أدى هذا النظام الذي بالغ في مبدأ شفهية المرافعات إلى بطء سير الدعوى وكثرة التأجيل لأن أحد الخصمين أو كلاهما غير مستعد للمرافعة أو لأن القاضي سمع المرافعة في بضع قضايا فلا يستطيع سماعها في الباقي فيؤجله كما هو حاصل الآن.
إن خير المرافعات ما جاز الجمع فيها بين المبدأين (مبدأ شفهية المرافعات ومبدأ المرافعات الكتابية) فالقضايا البسيطة الخالية من أوراق عديدة أو تحقيقات يصعب الوصول إليها لا يوافقها إلا المرافعات الشفهية المحضة على أن تصدر المحكمة أحكامها عقب المرافعات مباشرةً.
أما القضايا الطويلة المليئة بالمستندات والمحاضر والتقريرات والتي تحتاج إلى تحقيقات طويلة فهذه يجب أن تقترن فيها المرافعات الشفهية بمذكرات مكتوبة تجمع شتات الأوراق المقدمة فيها.
تلك فكرة المشروع الذي نتقدم به، فمبدأ الشفهية بالغ حده لدرجة لم نعهدها في أكثر القوانين احتفاظًا بهذا المبدأ أمام المحاكم الجزئية إذ لا نرى في القضاء الجزئي وجوب تقديم مذكرات في كل دعوى بل يترك الأمر في ذلك لفطنة القاضي.
أما في المحاكم الابتدائية والاستئنافية فمزج محكم بين المبدأين حيث نرى وجوب الرد على الدعوى.
فإذا ما أتيح لنا نقض مدني فيجب أن تسود فيه المرافعات الكتابية على أن يكون من حق المحكمة أن تستفسر من الخصوم عن كل ما غمض عليها من مسائل، ذلك لأن أغلب النزاع يكون أمامها في النقط القانونية التي تحتاج إلى دقة وأبحاث علمية، خير ما تصونها المذكرات التحريرية.
إحالة الدعوى على جلسة المرافعات
فإذا ما قدم الرد فحصه الرئيس وحدد بعد ذلك جلسة المرافعات وأمر بإعلان ذلك للخصوم، فإن لم يقدم الرد حدد أيضًا الرئيس هذه الجلسة إما من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب الخصم الآخر وتفصل الدائرة في الدعوى على حاصل ما هو أمامها من غير أن تكون مقيدة بقبول الرد بعد فوات الميعاد.
محكمتي الاستئناف الأعلى
وتطبق أمام محكمتي الاستئناف جميع الأحكام والمبادئ السابقة
المحاكم الجزئية
وتتبع أمام المحاكم الجزئية أيضًا هذه الأحكام على أن يقوم القاضي الجزئي بتأدية كل ما هو من اختصاص رئيس الدائرة أو أحد أعضائها.
بقيت كلمة في الموضوع:
هل يسهل أن يحاد في مصر عن تقليد القوانين الفرنسية أو النقل عن القوانين الإنكليزية ؟؟ وإذا كان من السهل ذلك فعلى أي أساس تبنى القوانين الجديدة ؟؟ نعم، يمكن ذلك، ولقد أجاب عن هذا السؤال المسيو بيولا كازولي في محاضرته المنشورة في مجلة مصر العصرية ليناير سنة 1914 بالإيجاب.
كذلك يمكن بسهولة جدًا الأخذ عن قوانين المرافعات النمساوية (تراجع محاضرة المسيو بيولا كازولي الأولى في القانون النمساوي والمناقشات التي حصلت بخصوصها بين جمع محترم من كبار رجال القانون في جمعية الاقتصاد والإحصاء والتشريع والمنشورة في مجلة مصر العصرية ليناير سنة 1913 صفحة 41، وما بعدها)، ولقد أفلح المحاضر في الدفاع عن المرافعات النمساوية دفاعًا متينًا، مفندًا الاعتراضات التي وجهت إليها، ومبينًا أن تطبيق أكثر مبادئها من الميسور جدًا في مصر، لأن هذه المبادئ من طبيعتها سهلة التحقيق ولأنها تتمشى بسلام وبفائدة عظيمة في بلد كمصر لا تسود فيه فكرة الأعمال أو المذاهب الفردية كغيره من البلاد الأوربية.



مشروع قانون بنظام تحضير القضايا
الباب الأول: المحاكم الكلية
المادة الأولى:
1 - يجب أن تشتمل صحيفة الدعوى على الوقائع التي تنبنى عليها طلبات المدعي الأصلية والإضافية مع ذكر كل واقعة منها على حدة بالوضوح التام مع الإيجاز وعلى بيان الأدلة التي يعتمد عليها المدعي لتأييد دعواه مع ذكر كل دليل منها على حدة والدقة.
2 - تسري على صحيفة الدعوى فيما عدا ذلك الأحكام العامة الخاصة بأوراق المرافعات.
المادة الثانية:
1 - توزع عرائض الدعاوى بمجرد تقديمها إلى المحكمة على دوائرها وعلى رئيس كل دائرة أن يحدد الجلسة الأولى لنظرها ويأمر الإعلان.
2 - إذا ظهر لرئيس الدائرة من اطلاعه على عريضة الدعوى وأن المحكمة غير مختصة بنظرها أو تبين له خلو أحد الخصوم عن الصفة فيها أو كونه غير أهل للتقاضي فعليه أن يعرض الأمر على الدائرة بغرفة مشورتها وذلك بغير حضور أحد من الخصوم لتقضي إما بتحديد الجلسة وإما برفض ذلك.
المادة الثالثة:
تلاحظ عند تحديد الجلسة الأولى المدة التي تلزم للإعلان وتسع تحضير المستندات والأوراق.
وفي الدعاوى التي تستدعي طبيعتها سرعة نظرها فيراعي أن يعين لها بحسب ظروفها أقرب جلسة ممكنة.
المادة الرابعة:
يُخطر المدعى عليه بموعد الجلسة بإعلان صحيفة الدعوى إليه ويخطر المدعي بعلم يطلب إليه فيه الحضور أمام المحكمة في هذا الموعد وتقديم أوراقه ومستنداته قبل الجلسة فإذا لم يقدم المدعي مستنداته وأوراقه في هذا الموعد فلا يسمح له بطلب التأجيل بعد ذلك إلا بناءً على أحكام المادة (14) من هذا القانون.
جلسة التحضير
الجلسة الأولى
المادة الخامسة:
1 - تنظر الدعوى في الجلسة الأولى المخصصة للتحضير أمام رئيس الدائرة المقدمة إليها الدعوى أو أمام أحد أعضائها.
2 - تخصص هذه الجلسة لما يأتي:
أولاً: السعي في الصلح بين الخصوم.
ثانيًا: إبداء أوجه الدفع بعدم الاختصاص والدفع بطلب إحالة الدعوى إلى محكمة أخرى مرفوعة إليها تلك الدعوى أو دعوى أخرى مرتبطة بها وإلا سقط الحق في التمسك بها فإن كان الحكم بقبولها أحالت المحكمة القضية من تلقاء نفسها على المحكمة الأخرى.
ثالثًا: إبداء الدفع بعدم قبول الدعوى والدفع بعدم الاختصاص المتعلق بالنظام العام ويجوز إبداء هذين الدفعين أيضًا في غير هذه الجلسة.
رابعًا: الحكم في القضايا التي يحصل فيها إقرار أو تنازل أو غياب.
خامسًا: الحكم بإيقاف المرافعة في الأحوال المنصوص عنها قانونًا.
سادسًا: الحكم بشطب الدعوى وبإبطال المرافعة.
سابعًا: الحكم بضم دعوى إلى أخرى إذا اقتضى الأمر ذلك.
المادة السادسة:
لا يقبل الطعن في هذه الأحكام إلا مع الموضوع.
المادة السابعة:
لا يجوز تأجيل نظر الدعوى في هذه الجلسة إلا طبقًا لأحكام المادة (14) من هذا القانون، وتسري على الجلسة التي تعين لذلك جميع الأحكام المبينة بالمادتين السابقتين (5)، (6).
الرد على الدعوى
المادة الثامنة:
1 - إذا لم يفصل في الدعوى يأمر القاضي المدعى عليه بالرد عليها كتابةً في مدة يحددها لذلك لا تتجاوز أربعة أسابيع بأي حال.
2 - يجب أن يشتمل الرد على الوقائع التي تنبنى عليها اعتراضات المدعى عليه مع ذكر كل واقعة منها على حدة بالوضوح التام مع الإيجاز، وعلى بيان أدلته التي يعتمد عليها في دفع الدعوى مع ذكر كل دليل منها على حدة وبالدقة.
3 - يجب على المدعى عليه أن يودع مستنداته وأوراقه بالمحكمة قبل فوات هذا الميعاد ولا يسمح له بطلب مد الموعد من أجل ذلك إلا طبقًا لما تقضي به المادة (13) فقرة (2) من هذا القانون.
المادة التاسعة:
بمجرد فوات الموعد المعين لتقديم الرد يحدد رئيس الدائرة أو العضو المنوط به التحضير جلسة المرافعات التي تنظر فيها الدعوى ويخطر الخصوم بذلك ويكلفون بالحضور أمام المحكمة بعلم خبر.
الباب الثاني: محكمتي الاستئناف الأعلى
المادة العاشرة:
تطبق أمام محكمتي الاستئناف الأعلى أحكام المواد السابقة.
الباب الثالث: المحاكم الجزئية
المادة الحادية عشرة:
تتبع أمام المحاكم الجزئية أحكام المواد من (1 - 9) من هذا القانون, ويقوم القاضي الجزئي بتأدية كل ما هو من اختصاص رئيس الدائرة أو أحد أعضائها طبقًا للمواد السابقة.
الباب الرابع: مد المواعيد وطلب التأجيلات
المادة الثانية عشرة:
إذا لم يحدد القانون أجلاً لتأدية عمل من أعمال المرافعات وجب على القاضي تحديده مع مراعاة ظروف كل حالة.
المادة الثالثة عشرة:
1 - اتفاق الخصوم على إطالة مواعيد المرافعات غير جائز.
2 - يجوز للمحاكم مد المواعيد القضائية وكذلك مد المواعيد التي حددها القانون بشرط أن يكون قد نص فيها على جواز ذلك صراحةً إذا اجتمعت الشروط الآتية:
أولاً: أن يثبت الخصم الذي أعطى هذا الموعد لصالحه أن عدم قيامه بما كلف به نشأ عن أسباب قوية يجب ذكرها للمحكمة.
ثانيًا: أن تتبين المحكمة أن عدم مد الموعد يضر به.
ثالثًا: أن يقدم طلبًا إلى المحكمة قبل حلول الموعد وعلى المحكمة أن تفصل فيه بغرفة مشورتها ولها أن تستدعي الخصوم لسماع أقوالهم إن رأت ذلك.
المادة الرابعة عشرة:
1 - لا يجوز للمحكمة مطلقًا أن تؤجل القضية إلا في الأحوال الآتية:
أولاً: وجود أسباب قوية ترجع إلى المحكمة نفسها وتقتضي ذلك.
ثانيًا: إذا رأت المحكمة ضرورة إتمام أمر يتعلق بالإثبات لا تستطيع بدونه إجراء المرافعات أو الاستمرار فيها أو الفصل في الدعوى.
ثالثًا: إذا رأت إحضار أوراق ليست في حيازة الخصم على أن يكون قد أثبت أنه عمل ما في وسعه للحصول عليها فلم يستطع ذلك وكان يترتب على عدم التأجير ضرر به.
رابعًا: للمحكمة أن تحكم على من تسبب في التأجيل بناءً على الجزأين ثانيًا وثالثًا السابقين بغرامة طبقًا لأحكام المادة (15) من هذا القانون.
2 - في غير الأحوال المبينة في الأجزاء (أولاً، وثانيًا، وثالثًا) من الفقرة الأولى من هذه المادة يجب على المحكمة أن تفصل في الدعوى على حاصل ما هو أمامها.
المادة الخامسة عشرة:
للمحكمة أن تحكم من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الخصم الآخر بغرامة لا تتجاوز مائتي قرش بالنسبة للمحاكم الجزئية وثلاثمائة قرش بالنسبة للمحاكم الابتدائية، وألف قرش بالنسبة لمحكمة الاستئناف العليا.

طه السيد
المحامي بأقلام قضايا الحكومة