المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القانون الدولى العام وحقوق الدول وواجباتها



ابو السائب المصري
02-02-2009, 07:20 PM
http://www3.0zz0.com/2008/09/08/21/933891275.gif


المبحث الأول -الحقوق الطبيعية الأساسية للدول:
اعتبر "حق البقاء" الشرط الأساسي لجميع الحقوق الأخرى التي تثبت للدولة، لأن عدم القدرة على الاستمرار في وجودها سيؤدي إلى زوال الشخصية القانونية الدولية لأية دولة عضوة في الأسرة الدولية. وتتبع هذا الحق حقوق أخرى هي في الواقع نتيجة له، ومتصل بعضها ببعض، كحق الحرية وحق المساواة وحق الاحترام المتبادل.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن جميع الحقوق التي يقرها القانون الدولي العام للدول هي حقوق نسبية. فالدول مقيدة في ممارسة حقوقها بواجب احترام حقوق الدول الأخرى، ويحد من حقوق كل دولة ما للدول الأخرى من حقوق.
المطلب الأول- حق البقاء:
أولاً- مضمون حق البقاء:
إن ما ينطوي عليه "حق البقاء"، من وجهة نظر عملية، هو الحق في بقاء مستمر، أي المحافظة على سلامة شخصية الدولة من خلال ممارسة حق الدفاع المشروع عن النفس أو أية آلية أخرى. ويشير هذا المفهوم في الحال عدداً من المسائل المهمة، ويمكن القول، بصورة أولية، أنه يقع على عاتق الدول واجب احترام حق الدول الأخرى جميعاً في البقاء. غير أنه إذا قصد من هذه القاعدة أن تكون غير مرنة، وإذا قصد منها أن تعتبر حقاً مطلقاً، فإنه سيكون من واجب جميع الدول حينئذ أن تسمح بأي انتهاك ترتكبه احداها -للمحافظة على بقائها- ضد الأخرى وأن تتحمله. وفي الحقيقة لا يمكن الزام أية دولة بقبول هذا المعنى، وإنما تستطيع بدلاً من ذلك الدفاع عن نفسها، ويمكنها اللجوء إلى هذه الوسيلة بصورة مشروعة في حالة الضرورة الحقة غير أنه لا يمكن ترك أمر تحديد مسألة الضرورة هذه لكل دولة تبت فيها بمفردها، وذلك بالنظر إلى حقيقة معروفة تماماً هي أن بعض الدول ترتكب العدوان ضد دول أخرى بحجة ضرورة الدفاع عن النفس وتحت قناعها.
ولقد أدى ظهور شبكة من المعاهدات (معاهدة حلف شمال الأطلسي، ومعاهدة ريو، وحلف وارسو الخ...)، خلال العقود الأربعة الماضية إلى تغيير طفيف في النواحي العملية لحق البقاء. وكما أشار أحد الفقهاء، فإنه بالرغم من أن هذه المعاهدات كان الدافع إليها اعتبارات سياسية في الأساس، إلا أنها تمثل ضمانات للدول المتعاقدة ضد اعتداءات الدول الأخرى. ومن هنا نشأ للدول، على ما يبدو، حق محدود في البقاء، وغير مطلق، قانوني وسياسي على السواء.
ويقضي حق البقاء بأن تعمل الدولة كل ما من شأنه أن يكفل بقاءها واستمرارها، وأن تتخذ من التدابير ما يلزم لدفع ما يهدد وجودها من أخطار داخلية وخارجية على السواء، وبالنظر إلى أن للدولة وجوداً، فلها أن تتخذ في أراضيها جميع التدابير الضرورية لسلامتها وتقدمها، ومن ذلك:
-القضاء على كل ما يمكن أن يهدد أمنها أو سلامتها، وذلك بالعمل على احترام دستورها وتطبيق قوانينها، وبالعمل على استتباب الأمن، بما في ذلك قمع الثورات والقضاء على الفتن، وعلى كل ما يمكن أن يزعزع الاستقرار الداخلي فيها.
-منع أو تقييد دخول الأجانب غير المرغوب فيهم إلى أقليمها، فرادى وجماعات، وإبعاد من يشكل وجوده منهم خطراً على الأمن.
-تنمية الموارد البشرية بزيادة عدد السكان عن طريق تشجيع النسل ورفع المستوى الصحي.
-تنمية الموارد الاقتصادية بوضع خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية الهادفة إلى زيادة الانتاج الزراعي والصناعي.
-رفع مستوى التربية والتعليم والثقافة.
كذلك يحق للدولة حماية نفسها ضد أي اعتداء محتمل عليها من الخارج، ومن ذلك:
-إنشاء جيش قوي قادر على الذود عن حياض الوطن إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك، وتجهيزه بالمعدات والأسلحة اللازمة لتحقيق هذا الغرض.
-إنشاء الحصون والاستحكامات وتهيئة كل ما يلزم من وسائل الدفاع.
-حظر الإتجار في المرافئ العسكرية أو تحليق الطائرات فوق الأماكن المحصنة والتشدد في معاقبة التجسس.
-عقد معاهدات تحالف أو دفاع مع الدول الأخرى.
-الاشتراك في منظمة إقليمية أو دولية تحميها وتنصرها إذا ما وقع اعتداء عليها أو كان مثل هذا الاعتداء على وشك الوقوع.
ثانياً- الحقوق المتفرعة عن حق البقاء:
1-حق الدفاع المشروع عن النفس:
أ-مضمونه:
مما لا شك فيه أن جميع الأنظمة القانونية في العالم تعترف بحق الدفاع عن النفس وتؤيده، ولكن المشكلة تكمن في الظروف التي يمكن في ظلها اللجوء إلى استعمال هذا الحق، وفي الوسائل التي يجب استخدامها في ممارسة هذا الحق، وقد أكد عدد من الفقهاء بأن لجوء إحدى الدول إلى استعمال القوة له ما يبرره، حتى وإن لم يشن هجوم مسلح عليها في سياق نزاعها مع دولة أخرى.
ب-القيود المفروضة على حق الدفاع عن النفس:
ويبدو من ناحية أخرى أن هناك قيوداً، حديثة العهد نسبياً ومسلماً بها، على استعمال حق الدفاع عن النفس، فالقوة المستخدمة للدفاع عن دولة ما يجب أن تتناسب بصورة معقولة مع الخطر الذي يجب تفاديه، وهناك في الوقت ذاته وجهة نظر واسعة الانتشار ترى أن مسألة تقدير ما إذا كانت التدابير الدفاعية المتخذة من قبل دولة ما ضرورية بالفعل، أو ما إذا كان من الواجب اعتبارها مفرطة وزائدة عن الحد، يجب ترك البت فيها إلى قضاة مستقلين لا علاقة لهم بالنزاع، كمحكمة دولية أو هيئة تحكيم دولية أو حتى هيئة سياسية دولية (كمجلس الأمن مثلاً) تعمل كوكالة قضائية، ومن الواضع طبعاً أن الأحكام الصادرة بالنتيجة تكون ذات أثر رجعي، بالنظر إلى ما تنطوي عليه من عنصر الوقت، فالخطر المباشر الذي يهدد الدولة بالفناء نتيجة للاعتداء المسلح عليها، أو الأنشطة الناجحة للطابور الخامس، لا تسمح باللجوء إلى أجراء التحقيقات القضائية اللازمة لتحديد الوسائل التي يجب استخدامها لدرء الخطر قبل اتخاذ الخطوات المرغوب فيها.

ميثاق الأمم المتحدة وحق الدفاع عن النفس
ح- نصوص ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحق الدفاع عن النفس:
يبحث ميثاق الأمم المتحدة في مشكلة الدفاع عن النفس في نصين رئيسيين:
*فالمادة الثانية من الميثاق تنص في فقرتها الرابعة على مايلي:
"يمتنع أعضاء المنظمة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".
*كما جاء في النصوص الرئيسية من المادة الحادية والخمسين مايلي:
"ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص من الحق الطبيعي للدول، فرادى وجماعات، في الدفاع عن أنفسها في حالة الاعتداء المسلح على دولة عضو في الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين".
ومما يجدر ذكره أنه إذا استعمل حق النقض (الفيتو)، من قبل إحدى الدول التي تتمتع بمثل هذا الحق، وذلك لمنع مجلس الأمن من اتخاذ التدابير الملمح إليها، فإنه يجوز للجمعية العامة ممارسة سلطة الحكم والرقابة بمقتضى قرار "الاتحاد من أجل السلام" لعام/ 1950

ووفقاً للقانون الدولي العام، كانت الدولة دوماً الحكم الوحيد بالنسبة إلى وجود حالة طارئة تبرز استخدام القوة دفاعاً عن النفس. والمادة الحادية والخمسون، من الناحية النظرية على الأقل، تفرض قيداً: فالدولة التي تتصرف على أساس تقديرها وحدها، إنما تفعل ذلك على مسؤوليتها الخاصة، كما أن تدابيرها تخضع، من الناحية النظرية أيضاً، إلى تمحيص من قبل مجلس الأمن.
ولذلك فإنه ليس أمراً مفاجئاً أن يكون مضمون نصوص الميثاق المتعلقة بحق الدفاع عن النفس موضع جدل كبير.
فترى قلّة من المعلّقين أن أي تهديد باستخدام القوة أو استخدامها على نحو لا يتفق والدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح، يكون بصورة آلية من ضمن المحظورات الواردة في الفقرة الرابعة من المادة الثانية المذكورة أعلاه.
بينما يؤكد عدد أكبر من الفقهاء، من ناحية ثانية، أن استعمال كلمة "الطبيعي" في المادة الحادية والخمسين يثبت للدول حقاً طبيعياً وقائماً في استخدام القوة دفاعاً عن النفس، وأن المادة الحادية والخمسين لا تتضمن ما يضعف ذلك الحق إلى أن يتخذ "مجلس الأمن" أو "الجمعية العامة" التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. ومثل وجهة النظر هذه ترى أن حق الدفاع عن النفس لا يستند مطلقاً إلى "الميثاق"، وإنما هو حق طبيعي للدول بموجب أحكام القانون الدولي. وترى وجهة النظر هذه أن ما تفعله المادة الحادية والخمسين هو مجرد فرض قيود على ممارسة هذا الحق.
ويمكن القول أن هناك اتفاقاً عاماً حول موضوع الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح يقوم على اعتبارين:
أولهما: أن اللجوء إلى استخدام القوة دفاعاً عن النفس يكون مشروعاً في حالة الضرورة القصوى الآنية.
وثانيهما: أن التدابير المتخذة دفاعاً عن النفس يجب أن تكون مقصورة على الدفاع نفسه، ويجب ألا تتحول إلى أعمال انتقامية أو إلى عقوبات تأديبية.
نخلص مما تقدم إلى أن حق الدفاع المشروع عن النفس يثبت للدول كنتيجة لحقها في البقاء. وللدولة، بموجب هذا الحق، الدفاع عن نفسها إذا اعتُديَ عليها لرد هذا العدوان.
ودفع الخطر الناتج عنه، إلا أنه يشترط لاستعمال الدولة هذا الحق أن يكون الاعتداء حالاّ والخطر واقعاً أو وشيك الوقوع. بل وتشترط المادة الحادية والخمسون من "ميثاق الأمم المتحدة" وقوع الاعتداء فعلاً، وعندها تعلم الدولة المعتدى عليها "مجلس الأمن" بالتدابير التي اتخذتها لهذه الغاية.
فإن لم يكن الاعتداء حالاً.، والخطر واقعاً أو وشيك الوقوع فلا محل للدفاع: فليس للدولة مثلاً أن تبدأ بمهاجمة جارة لها بحجة الدفاع عن نفسها لأن الدولة الثانية بلغت في تسليحها حداً يخشى منه على الدولة الأولى، وأن التسلح كان القصد منه الاعتداء على هذه الدولة، إنما لها أن تتخذ عدتها لرد هذا الاعتداء إن وقع أو أصبح وشيك الوقوع، كأن تكون الدولة الثانية قد حشدت جيوشها بالفعل على حدود الدولة الأولى بقصد مهاجمتها وشرعت فعلاً في الأعمال المؤدية لهذا الهجوم.
2-حق منع التوسع العدواني:
يحق للدول أن تتدخل بكافة الوسائل، بما في ذلك استخدام القوة، للحيلولة دون توسع دولة ما على حساب جيرانها، وقد سارت السياسة الدولية في أوروبا بالفعل على نحو يتفق مع هذا القول، مستندة في ذلك إلى فكرة التوازن الدولي، فعلى أساس هذه الفكرة اشتركت بريطانيا وفرنسا وحلفائهما في الحرب العالمية الأولى لوقف توسع امبراطوريتي المانيا والنمسا، وعلى أساسهما أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على المانيا ثانية عام /1939/ بعد اعتداء المانيا على النمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا تباعاً، ذلك أن حق الدولة في البقاء مقيد بما لغيرها من الدول المحيطة بها من حق في البقاء أيضاً.( )
المطلب الثاني -حق الحرية (الاستقلال)
يقصد بهذا الحق حرية عمل الدولة داخلياً وخارجياً دون أن يخضع في ذلك لإرادة أو سيطرة دولة أخرى ويُعَبَّر عن المركز السياسي للدولة التي تنفرد في ممارسة سيادتها بكلمة" الاستقلال " ولكن حرية الدولة محدودة بحرية الدول الأخرى. كما أنها تنطوي على الخضوع لقيود القانون الدولي العام، تلك القيود التي تقبلها جميع الدول باعتبارها ملزمة لها. وبالإضافة إلى ذلك فإن الالتزامات الواردة في معاهدة معينة، والتي أخذتها الدولة على عاتقها، تمثل قيوداً على استقلال الدولة الداخلي والخارجي شريطة أن تكون هذه المعاهدة قانونية.
أولاً- الاستقلال الداخلي:
يرى أوبنهايم، وهو على حق في ذلك، أن استقلال دولة ما وسيادتها الاقليمية والشخصية (أي سلطتها العليا داخل اقليمها، وسلطتها على مواطنيها في الداخل والخارج) ليست بالمرّة مجرد حقوق، وإنما هي صفات محمية ومعترف بها أو هي ميزات للدول كأشخاص دولية.
ويقضي الاستقلال الداخلي بأن تكون للدولة حرية العمل السياسي والتشريعي والقضائي ضمن حدود اقليمها، وتفصيل ذلك كما يلي:
1-حرية العمل السياسي:
للدولة أن تختار نظام الحكم الذي تريده، ملكياً كان أم جمهورياً نيابياً أم رئاسياً، الخ... شريطة أن يكون في مقدور هذا النظام تحقيق الاستقرار السياسي في الداخل. وطبقاً للمادة الرابعة من "ميثاق الأمم المتحدة"، فإن للمنظمة رفض قبول الدولة غير المستقرة سياسياً في عضويتها، إذ اشترطت المادة المذكورة قدرة الدولة على تنفيذ الالتزامات الواردة فيه. كما أن المؤتمر المنعقد في مدينة "كان" في السادس من كانون الثاني عام /1922/ أقر تدبيراً آخر إزاء حالة عدم الاستقرار السياسي في الداخل يتمثل في رفض استثمار المال الأجنبي في الدولة التي أصبحت مسرحاً له.
2-الاستقلال التشريعي:
ويقضي هذا الحق بأن تكون الدولة حرّة في أن تضع دستوراً يتفق وحاجاتها، وأن تسن القوانين الناظمة لحقوق الملكية وللحقوق الشخصية لمواطنيها ورعاياها، وأن تحدد الشروط التي يمكن للأجانب بمقتضاها دخول أقليمها الخ... وليس للدول الأجنبية أن تتدخل بداعي حماية بعض الأقليات العنصرية والمذهبية من بعض التشريعات الخاصة، لأن المادة الأولى من "ميثاق الأمم المتحدة" كفتها مؤونة القيام بمثل هذا العمل، إذ نصت في فقرتها الثالثة أن من أهدافً المنظمةً:
"تعزيز وتشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً، من غير تمييز بسبب العرق أو ***** أو اللغة أو الدين"
3-الاستقلال القضائي:
وهو يعني اخضاع "سكان" الدولة للمحاكم الوطنية التي تصدر أحكامها بحق جميع السكان مهما كانت جنسيتهم، وتعمل على تنفيذ الأحكام النهائية الصادرة عنها وفق الأصول. ويتمتع الأجانب بحق حماية أشخاصهم وأموالهم طبقاً لقانون الدولة التي يقيمون ضمن إقليمها، مع مراعاة مستوى الحد الأدنى في معاملة الأجانب المقرر في القانون الدولي، كما يخضعون للسلطة القضائية لتلك الدولة، ولا يتمتعون بحق اللجوء إلى محاكم الدولة التي يتمتعون بجنسيتها إلا ضمن الحدود المنصوصة في القانون الداخلي للدولة التي يقيمون في أقليمها.
ويقف الاستقلال القضائي عند حدود اقليم الدولة، فإذا اجتاز الشخص الموجه إليه اتهام من الجهات المختصة أو المحكوم عليه من إحدى الهيئات القضائية هذه الحدود، تمكن من الإفلات من الملاحقة القضائية أو تنفيذ الحكم بحقه، ما لم تكن بين الدولتين اتفاقية للتعاون القضائي تنص على استرداد المجرمين العاديين والملاحقين قضائياً بجرائم عادية.
ثانياً- الاستقلال الخارجي:
وهو الوجه الآخر للاستقلال، ويتصل بحق دولة ما في إدارة علاقاتها الخارجية على قدر استطاعتها بالطريقة التي ترغب فيها، وبدون سيطرة إشرافية عليها من قبل دول أخرى، وأن انعدام مثل هذه السيطرة ضروري إذا أريد لدولة معينة أن تتصرف كوكيل حر، وأن يكون في مقدورها الوفاء بالالتزامات الدولية التي تضطلع بها في تعاملها مع دول أخرى. ويعتبر هذا الاستقلال الخارجي اختباراً أساسياً لقبول أعضاء جدد في المجتمع الدولي، لأن الدول التي تفتقر إلى هذه الخصيصة لا تتمتع بأهلية القبول.
وعلى هذا فإن الدولة حرة في إدارة علاقاتها الدبلوماسية كما تشاء وفي التعاقد مع الدول بموجب اتفاقيات ومعاهدات دولية كما تريد، وفي إظهار تعلقها ببعض الدول وإهمالها البعض الآخر كما تهوى، مستوحية في ذلك كله مصالحها الخاصة. ومن الطبيعي أن الدولة تقيد نفسها عندما تقدم على التعاقد مع غيرها من الدول، وهي عندما تفعل ذلك إنما تمارس عملاً مستمداً من سيادتها واستقلالها، ولكنها تصبح مقيدة به بعد ذلك، كما يقيد الفرد نفسه بعقد بعد أن يقدم على توقيعه بملء اختياره.
وينطوي أحد الأوجه الأكثر أهمية في هذا "الحق" الثابت لكل دولة، على احترام الدولة ذات السيادة لاستقلال كل دولة أخرى ذات سيادة. ونتيجة لهذا الاحترام، فإن محاكم دولة ما لا تنعقد لتصدر أحكاماً على أعمال حكومة دولة أخرى قامت بها ضمن ولايتها الاقليمية. وما لم تعترف الهيئات القضائية الأجنبية بالأعمال السيادية للدولة (مذهب العمل السيادي)، فإن حق الاستقلال سيبدو وكأنه عديم المعنى. فالدولة، في جميع تصرفاتها، تعمل لصالح المواطنين عامة، ولذلك فإن مقاضاتها أمام محكمة دولة ثانية أمر يرفضه المنطق، وإذا فرضنا جدلاً أن مثل هذه المحكمة أصدرت حكمها، فإن تنفيذ مثل هذا الحكم بحق الدولة الأجنبية أمر مستحيل لأنه يصطدم بمفهوم استقلالها.
ثالثاً- الخط الفاصل بين المجال المخصص للمسائل الداخلية البحتة وبين المجال المخصص للمسائل الخاضعة للقانون الدولي العام:
وهناك مشكلة لم يتم حلّها بعد على نحو مرض وهي: أين يكمن الخط الفاصل بين المجال المخصص للمسائل الداخلية البحتة وبين مجال العمل الذي يخضع لقواعد القانون الدولي العام؟ ذلك أن كل حكومة تصر عادة على أن تكون أنشطة معينة خاضعة لولايتها بالكامل وغير خاضعة لأية سلطة خارجية بالمرة. على أنه يمكن القول، وهذا القول له ما يبرره نوعاً ما، بأن حقيقة وجود مثل هذه المجالات التي تحتفظ بها الدولة لنفسها، يدل على أن ثمة قاعدة في القانون الدولي العام تقضي بأن المجالات الموضوعة في البحث تخضع في الحقيقة تماماً للولاية الوطنية ولا تخضع للقانون الدولي العام، ويزخر تاريخ العلاقات الدولية بالأمثلة على هذه "المسائل الداخلية" وللاستشهاد بقليل من هذه الأمثلة نقول بأن من المسلم به عموماً أن تنظيم الهجرة ودخول وإقامة وخروج الأجانب يمثل مجالاً يخضع للسيطرة الوطنية حصراً، وأن نمط ومحتويات الدستور الوطني لا تخضع لأية سلطة خارجية، كما أن هناك مجالات واسعة وغير محددة، وخصوصاً ما يعتبر منها متعلقاً بـ "مصالح وطنية حيوية" كالدفاع والأمن الداخلي لا تخضع بالكامل لأية قيود، اللهم إلا الالتزامات الدولية المقررة في اتفاقية أو عرف دوليين.
ويتضمن ميثاق الأمم المتحدة اعترافاً واضحاً بمفهوم المجال المخصص للمسائل الداخلية التي لا يجوز التدخل فيها حتى من قبل منظمة سياسية عالمية كالامم المتحدة. إذ تنص الفقرة السابعة من المادة الثانية من "الميثاق" في قسم منها، مايلي:
-ليس في هذا الميثاق ما يجيز للامم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم الولاية الداخلية لأية دولة، وليس فيها ما يحمل الاعضاء على عرض شؤون من هذا النوع للتسوية المنصوصة في هذا الميثاق.
المطلب الثالث- حق المساواة
يعتبر حق المساواة من أقدم الحقوق التي تتمتع الدول بها، وتتمتع الدول بحق المساواة أمام القانون نتيجة لاستقلالها وسيادتها. فللدول جميعاً نفس الحقوق، وعليها جميعاً نفس الواجبات. وقد خلط بعض المؤلفين بين "المركز القانوني" الذي هو واحد لجميع الدول الأعضاء في المجتمع الدولي، وبين "المركز المادي" الذي قد يختلف من دولة إلى أخرى من حيث المساهمة وعدد السكان والموارد والقوة العسكرية وغيرها من العوامل التي ينطوي عليها مفهوم القوة الوطنية وسياسة القوة، وقد فرقت "محكمة العدل الدولية الدائمة" في عام /1935/ بين "المساواة في القانون" و"المساواة في الواقع" وذلك في رأيها الاستشارى بقضية مدارس الاقلية في البانيا حين قالت:
"قد يكون من غير السهل تحديد الفرق بين مفهوم المساواة في الواقع ومفهوم المساواة في القانون، ومع ذلك فإنه يمكن القول بأن المفهوم الأول يستبعد فكرة مجرد المساواة الشكلية... فالمساواة في القانون تمنع أي تمييز مهما كان نوعه، في حين أن المساواة في الواقع قد تنطوي على ضرورة المعاملة المختلفة بغية الوصول إلى نتيجة تقيم توازناً بين وضعين مختلفين"
ومن الغريب حقاً، أن المادة الثانية من "ميثاق الأمم المتحدة" تتضمن، بين مبادئ أخرى، "مفهوم المساواة في السيادة بين أعضائها"، في حين أن المادة الثالثة والعشرين من الميثاق ذاته تخرق هذا المفهوم بمنحها الدول الخمس الكبرى مقاعد دائمة في مجلس الأمن، بينما ينتخب الأعضاء العشرة الآخرون في المجلس لمدة سنتين فقط، كما يعاني الأعضاء العشرة غير الدائمين في مجلس الأمن من انتقاص آخر من مفهوم "المساواة في السيادة" من خلال نصوص المادة السابعة والعشرين من "الميثاق" المتعلقة بإجراءات التصويت في مجلس الأمن، بما في ذلك حق النقض "الفيتو" الذي يتمتع به الأعضاء الخمسة الدائمون. ولكن يمكن، من ناحية أخرى، أن تؤخذ المادة الثالثة والعشرون على أنها تمثل تقديراً للدور التقليدي الذي تلعبه الدول الكبرى في العلاقات الدولية
ويترتب على حق المساواة القانونية بين الدول عدد من النتائج أهمها:
أولاً- ليس لدولة أن تملي إرادتها على دولة أخرى تامة السيادة، فيما يتعلق بأي شأن من شؤونها الخاصة. ولكل دولة أن ترفض أي طلب مقدم من دولة أجنبية لا تفرضه عليها التزاماتها الخاصة وواجباتها الدولية العامة.
ثانياً- لكل دولة حق التصويت في المؤتمرات والهيئات الدولية التي تشترك فيها، وليس لها غير صوت واحد أياً كانت قوتها ونفوذها. ولا تكون القرارات التي تتخذ ملزمة إلا إذا اتخذت باجماع الدول الممثلة في المؤتمر. وقد يكتفى أحياناً بالأغلبية لاصدار قرارات معينة في الهيئات الدولية، وذلك بنتيجة اتفاق اجماعي سابق بين الدول التي أقرت ميثاق الهيئة.
ثالثاً- لا تخضع أية دولة في تصرفاتها لقضاء دولة أجنبية، إلا في الحالات الاستثنائية التالية:
1-إذا قبلت الدولة اختصاص القضاء الاجنبي صراحة كأن رفعت هي الدعوى أمامه أو كانت مرتبطة بعقد نُصَّ فيه صراحة على قبولها باختصاص قضاء دولة أجنبية فيما يتعلق بتنفيذ هذا العقد، أو قبلت هذا الاختصاص ضمناً كأن ترفع عليها الدعوى أمامه مثلاً فيحضر مندوبها ولا يدفع بعدم الاختصاص ويبحث في موضوع الدعوى.
2-إذا كانت للدولة أموال عقارية في أقليم أجنبي فإن هذه الأموال تخضع في كل ما يقوم بشأنها من منازعات لقضاء الدولة التي توجد في اقليمها، وأن تملّك دولة لعقارات في غير اقليمها يفترض قبولها الولاية الاقليمية للقضاء بالنسبة لهذه العقارات.
3-تجوز مقاضاة الدولة أمام محاكم دولة أخرى عن الأعمال ذات الصفة التجارية التي تقوم بها في اقليم أجنبي، لأن مثل هذه الأعمال ليست من أعمال السيادة أو السلطة العامة، والبحث فيها من قبل القضاء الأجنبي لا يمس سيادة الدولة أو استقلالها، ولأن مقاضاة الدولة في هذه الحالة يكون بصفتها شخصاً معنوياً خاصاً لا شخصاً من أشخاص القانون الدولي.
المطلب الرابع -حق الاحترام المتبادل
لكل دولة أن تطلب من الدول الأخرى، كنتيجة لحقها في المساواة أمام القانون، احترام كيانها المادي ومركزها السياسي ومراعاة مركزها الأدبي.
ويكون احترام كيان الدولة المادي باحترام حدودها الاقليمية، والامتناع فيما بين الدول المتجاورة عن التعدي على حدود بعضها بعضاً، وعدم الوقوف في سبيل تقدمها ونموها الاقتصادي.
ويكون احترام مركز الدولة السياسي باحترام نظمها السياسية والادارية والاقتصادية والاجتماعية وعقائدها الدينية وكل ما يتعلق بسير الشؤون العامة فيها.
وتكون مراعاة مركز الدولة الأدبي بأن تقدم كل دولة لرؤوساء الدول الأجنبية ومبعوثيهم الاحترام المتصل بصفتهم والمراسيم التي جرى بها العرف الدولي والعادات المرعية، وأن تتخذ التدابير اللازمة لمعاقبة كل من يقدم علي فعل فيه تعدّ على كرامة أو اعتبار أحد هؤلاء. ولكل دولة الحق في أن تراعي الدول الأخرى الشكل والاسم الذي تتخذه لنفسها والألقاب التي يتخذها رئيسها طالما أنه ليس في هذا الشكل وهذه الأسماء والألقاب مساس بالحقوق الشرعية لدول أخرى. ولكل دولة الحق أيضاً في احترام شاراتها الرسمية وعلمها وما يتبع ذلك من واجب الدول الأخرى في الامتناع عن تقليد تلك الشعارات وذلك العلم.


http://www6.0zz0.com/2008/09/10/23/142930177.gif



المبحث الثاني -واجبات الدول
إن حقوق الدول إما أنها تعكس خصائص هذه الكيانات المسماة بالدول، أو أنها تمثل في حالات معينة واجباتها أو التزاماتها، وسواء اعترف المرء أم لم يعترف بوجود قانون يحكم العلاقات الدولية، فإن ثمة حقيقة قائمة هي أن رجال السياسة- سواء أكانوا من النوع الميكافيلي أم من النوع الآخر- متفقون على وجود نوع من القانون يحكم العلاقات الدولية. فالدولة حين تعقد معاهدة مع غيرها من الدول تتوقع من الطرف الآخر في المعاهدة مراعاة أحكامها. وكل دولة تنتهك حرمة المعاهدة إما أن تعمد إلى نفي هذا الانتهاك، أو إلى الدفاع عنه بحجج منمقة، يقصد منها الظهور بأنها محقة في عملها من الناحية الأدبية أو من الناحية القانونية. ولذلك فإنه بات من الضروري معرفة ما يدخل في عداد واجبات الدول في علاقاتها المتبادلة. وبتعبير آخر، فإن كل حق يقابله واجب، ولكن الدول -شأنها في ذلك شأن الأفراد- تفكر دوماً بحقوقها وترغب في ممارستها كاملة غير منقوصة، وقلما تفكر جدياً بما يترتب عليها من واجبات.
ويمكن القول بأن الواجبات القانونية للدول تتلخص في التزامها بما يلي:
1-احترام الحقوق الأساسية المقررة لكل منها.
2-مراعاة قواعد القانون الدولي العام والسير على مقتضاها.
3-احترام العهود التي ارتبطت بها وتنفيذ تعهداتها الدولية بحسن نية.
وقد أشرنا في المبحث الأول المتعلق بحقوق الدول إلى ما يتفرع عن الالتزام الأول من واجبات. أما مؤدى الالتزامين الثاني والثالث فواضح لا يحتاج إلى تعليق خاص. ومع ذلك فإننا سنعطي فكرة موجزة عن بعض واجبات الدول ذات الأهمية الخاصة.
المطلب الأول -واجب عدم التدخل
أولاً- التدخل المحظور:
إن الالتزام الأساسي للدول بالامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية والخارجية لاية دولة أخرى، أو في العلاقات بين الدول الأخرى، يعتبر واحداً من أقدم واجبات الدول التي تضمّنها كلا القانون الدولي العرفي والعديد من الاتفاقيات الدولية المتعددة الأطراف. ومما لا شك فيه أن مثل هذا التدخل محظور قاعدة في القانون الدولي، لأن هذا القانون إنما وجد، جزئياً على الأقل، لحماية الشخصية الدولية لكل دولة من دول العالم، وفي التدخل افتئات على حق الدول في الحرية والاستقلال والسيادة. والمقصود بعدم التدخل عدم اتيان الدولة أي عمل قسري في الشؤون الداخلية أو الخارجية للدول الأخرى، فهو يتراوح بين شن الحرب الإذاعية والحرب النفسية والحرب الاقتصادية وإثارة الحروب الأهلية وبين الحرب الفعلية.
ثانياً- التدخل المشروع:
وحقيقة أن بعض الحقوقيين البارزين يبرر أنواعاً معينة من التدخل تعكس القلق المتزايد لدى فقهاء القانون الدولي الذين يرغبون في ديمومة نظرية منع التدخل على الاطلاق، مع ميلهم إلى الموافقة على شكل ما من التدخل لأنهم يرون أنه مرغوب فيه لاعتبارات إنسانية أو من وجهة نظر سياسية، أو لأن المنطق يبدو في بعض الأحيان وكأنه يُملي صواب اللجوء إلى التدخل، على الرغم من بقاء المنع القانوني الشامل. وقد ينشأ حق التدخل -والذي تحدد شرعيته الظروف المحيطة بالتدخل- بواحد من عدة طرق:
1-قد تُمنح دولة حامية حق التدخل في دولة محمية بموجب معاهدة.
2-حينما تكون العلاقات الخارجية لدولة ما تمثل في الوقت ذاته شؤوناً خارجية لدولة أخرى، فإنه يجوز لهذه الأخيرة أن تتدخل بصورة مشروعة إذا انفردت الدولة الأولى في تصرفاتها، ويصح هذا القول في حالة الدولتين التابعة والمتبوعة مثلاً.
3-حينما تفرض معاهدة ما قيوداً على دولة معينة فيما يتعلق بسيادتها الاقليمية أو استقلالها الخارجي، وتخرق هذه الدولة القيود المفروضة، فإن للطرف أو الأطراف الأخرى في المعاهدة الحق في التدخل بصورة مشروعة.
4-حينما تعمد دولة ما إلى خرق القواعد المسلم بها في القانون الدولي العرفي أو الاتفاقي، فإن للدول الأخرى الحق في التدخل، وعلى سبيل المثال، إذا عمدت دولة محاربة إلى انتهاك حقوق دولة أو دول محايدة خلال نزاع ما، فإن من حق الدول المحايدة أن تتدخل ضد الدولة المحاربة التي أقدمت على الانتهاك.
5-يحدث التدخل المشروع في حالة الإجراء الجماعي الذي يتخذه جهاز دولي بالنيابة عن المجتمع الدولي، أو بغية تنفيذ مبادئ وقواعد القانون الدولي، ويصدق هذا القول بدون شك فيما يتعلق بالتدابير الوقائية أو العلاجية التي تتخذها وكالات تابعة لهيئات كالأمم المتحدة، أو نيابة عنها.
6-يعتبر التدخل مشروعاً حين يحدث بناء على طلب صريح من الحكومة الشرعية لدولة من الدول. وهذا التدخل، شأنه شأن كل تدخل آخر، إنما تحدد شرعيته الظروف المحيطة بالتدخل. فالولايات المتحدة رأت في التدخل السوفياتي في المجر عام/ 1956 تدخلاً غير مشروع لأن حكومة "كادار" التي طلبت المساعدة السوفياتية بموجب شروط "حلف وارسو" لم تكن تمثل حكومة شرعية في المجر، وإنما كانت حكومة صورية أقامتها الدولة ذاتها التي طلب منها تقديم المساعدة العسكرية والتدخل.
وخلاصة القول أنه مهما بدت مبررات التدخل العسكري في حالات معينة على أنها مبررات أدبية أو مرغوب فيها أو معقولة، فإن هناك حقيقة ثابتة مفادها أن التدخل في حد ذاته يشكل انتهاكاً لحقوق يجب ألا تنتهك كما أنه يمثل عملاً عدائياً، ويمكن اعتباره "عملاً لم يكن ليحدث لولا التفوق العسكري للدولة المتدخلة"
ويعني واجب الامتناع عن التدخل المسلح بوضوح -في جملة ما يعني- أنه لا يجوز لأية دولة أن تسمح باستعمال أراضيها لشن حملة معادية على دولة أخرى.
ثانياً- التدخل غير المسلح أو التدخل الهدام:
لقد تركز البحث في التدخل حتى الآن على التدخل التقليدي في الشؤون الداخلية لدولة أخرى بواسطة القوة المسلحة. ومن الواضح أن هذا لا يمثل الشكل الوحيد الممكن للتدخل. فهنالك التدخل الهدام الذي يتم من قبل الدول أو من قبل جماعات خاصة.
1-التدخل الهدام من قبل الدول:
يعتبر التدخل الهدام من قبل الدول من أكثر المشكلات صعوبة في هذا المجال. ففي عالم يمزقه عدد من الأيديولوجيات المتنافسة، وتسيطر فيه أنظمة حكم ديكتاتورية أو فاشستية في عدة دول وبشروط لا تتفق مع أبسط متطلبات الكرامة الإنسانية، أجل في مثل هذا العالم، يواجه الباحث في مسائل القانون الدولي بمعضلة ذات أبعاد ليست بالصغيرة.
آ-الالتزام القانوني بالامتناع عن التدخل:
يوجد التزام قانوني على كل دولة لا شك فيه، تكرر في "ميثاق الأمم المتحدة"، بالامتناع عن التدخل واحترام السلامة الاقليمية والاستقلال السياسي لجميع الدول الأخرى. ويوجد في الوقت ذاته واجب أو التزام قانوني مماثل على كل دولة بالامتناع عن كل تدخل هدام، أي الامتناع عن القيام بدعاية أو بإصدار بيانات رسمية أو تشريعات من أي نوع كان بقصد إثارة تمرد، أو فتنة، أو خيانة، ضد حكومة دولة أخرى.
وبتاريخ الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1947م اتخذت "الجمعية العامة للأمم المتحدة" قراراً بالاجماع بشأن إدانة جميع أشكال الدعاية التي تثير الفتن، ولكنها اقتصرت في ذلك على الدعاية التي قد تثير تهديدات للسلام أو عملاً عدوانياً. وبتاريخ الأول من كانون الأول (ديسمبر) 1949، حثت "الجمعية العامة" جميع الدول على الامتناع، ضمن أمور أخرى، عن أية تهديدات أو أعمال تهدف إلى إثارة حرب أهلية أو تقويض إرادة الشعب في أية دولة أخرى، وهو طلب تكرر بلهجة تعبّر عن قلق أعمق بتاريخ السابع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1950م.
كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في طليعة الدول التي دانت التدخل الهدام. ومما لا شك فيه أن العالم سيكون مكاناً أكثر سلماً وأمناً للجميع إذا تلاشت المهاترات المتبادلة ومحاولات إفساد سكان دول أخرى. وقد قال الرئيس الأمريكي السابق "إيزنهاور" بتاريخ السادس عشر من نيسان (ابريل) 1953في هذا الصدد ما يلي:
"إن حق أية دولة في اختيار شكل حكومتها ونظامها الاقتصادي هو حق ثابت. وأن محاولة أية دولة لفرض شكل حكومتها على دولة أخرى أمر لا يمكن تبريره أو الدفاع عنه"
ب-مشكلات التدخل الهدام:
وبالطبع فإن المشكلة هي أنه بالرغم من أن ولاية أية دولة هي ولاية اقليمية تنحصر داخل أراضيها، فإن لدول كثيرة مصالح في الخارج، أو أنها تنتهج سياسة خارجية تؤثر على دول أخرى، وغالباً ما يكون هذا التأثير في الصميم إلى أبعد حد. وحينما يبدو بأن مثل هذه السياسة الخارجية أو مثل هذه المصالح في الخارج تستدعي الحاجة إلى حكومة أكثر وداً، أو أسهل انقياداً، أو أكثر تطرفاً، أو أكثر محافظة في دولة أخرى لخدمة مصالح الدولة الأولى على نحو أفضل، فإن الإغراء سيكون كبيراً، في الواقع، للقيام بمحاولة تخريب الدولة الأخرى بطريقة يمكن معها تحقيق النتائج المرغوبة. وأن مشكلة مواجهة مثل هذا التدخل الهدام تزداد تعقيداً إلى حد لا يصدق بسبب اعتبارات تتعلق بحرية التعبير عن الرأي التي يمكن أن تكون سائدة في دولة معينة، وبالمشكلات الفنية التي ينطوي عليها وقف الدعاية عبر الحدود الوطنية.
ج-التسلل من جانب حكومات أجنبية:
عُرفت أنواع معينة من التدخل الهدام منذ وقت طويل وحُظرت بموجب أحكام القانون الدولي العام العرفي أو الاتفاقي، ولكن التقدير يصبح أصعب بكثير في حالة قيام منظمة حكومية أجنبية بالتسلل، وذلك لأن العادة جرت على أن تستغل الدولة القائمة بالتدخل مواطني الدولة التي تجري الأعمال الهدامة فيها، وغالباً ما يكون من الصعب تحديد مدى اعتماد هؤلاء المواطنين على تلك المنظمة. غير أنه إذا أصبح في الإمكان إقامة الدليل على أن المتسللين هم عملاء دولة أجنبية، فإن البينة على التدخل غير المشروع تصبح متوفرة، شريطة ألا تسمح قوانين الدولة التي تكتشف التدخل بمثل هذا المدى الذي وصل إليه التدخل. ومن الواضح أن أي عمل مكشوف أو دعاية مكشوفة من جانب دولة ما بقصد تحريض شعبها على ارتكاب عدوان ضد دولة أخرى، أو تحريض دولة ثالثة على ارتكاب مثل هذا العدوان، يعتبر عملاً غير مشروع. والمقياس المعياري الواجب تطبيقه على أية ممارسة لتحديد صلتها بالتدخل، يجب أن يكون وجود أو عدم وجود "خطر حالّ وواضح".
2-التدخل الهدام من قبل جماعات خاصة:
آ-مضمونه:
لقد عالج البحث حتى الآن أعمال الحكومات التي تروّج لشكل ما من أشكال التدخل الهدام. وحينما تصدر مثل هذه الأعمال عن أفراد أو جماعات خاصة، فإن الحكومات ترفض عادة قبول المسؤولية عنها. ومن الواضح أن الدولة التي تتأثر سلباً بالدعاية المنطلقة من مصادر خاصة في دولة مجاورة، لا تكتفي بالاحتجاج على هذا العمل فقط، وإنما تحاول أيضاً منع وصول الدعاية الهدامة إلى مواطنيها عن طريق الرقابة الصحفية، والتشويش على البث الإذاعي وعلى البث التلفزيوني الخ... ومن الانصاف القول، أن مثل هذه التدابير الدفاعية، مهما تكن طبيعتها، هي من حق أية حكومة، ولا يمكن اعتبارها تدابير غير مشروعة، ومع ذلك، ألاّ تشجع دولة ما الأعمال الهدامة، وبالتالي تروج لنوع من أنواع التدخل، حينما تسمح لمواطنيها بالقيام بالدعاية ضد دولة أخرى عبر الحدود؟ وألا تعتبر الدولة، حين تواصل جهودها لمنع الدعاية التي تتخذ من الاقليم المجاور منطلقاً لها، بأنها تمارس حق الدفاع عن النفس؟
ب-القذف العلني والافتراء على حكومات أجنبية:
هناك وجه آخر لهذه المشكلة يتعلق بالقذف العلني والافتراء على الحكومات الأجنبية. فإذا تلفظ الأفراد العاديون بتعابير تتضمن قذفاً علنياً على حكومة أجنبية، فإن المسؤولية عن ذلك العمل لا تنتقل إلى حكوماتهم. ومع ذلك فإن هناك عدداً من الدول الديموقراطية التي تبدي استعدادها لمحاكمة مواطنيها بتهمة القذف العلني بحق حكومات أجنبية أو رؤساء هذه الحكومات، شريطة المعاملة بالمثل في هذا الشأن، أي أن تنزل الدولة موضوع القذف العلني عقوبات مماثلة بحق مواطنيها إذا هم أقدموا على ارتكاب أعمال مماثلة.
غير أنه إذا اشترك موظف حكومي في مثل هذه الأعمال فإن من واجب حكومته منعه، أو تأنيبه، أو حتى معاقبته، إذا أريد الابقاء على علاقات ودية مع الحكومة التي يدعي بأنها كانت موضع افتراء أو قذف علني، ومن جهة ثانية، فإن الملاحظات التي يُدّعي بأنها تنطوي على افتراء والصادرة عن موظف محلي غير مرتبط بالحكومة الوطنية لا تثير أية مسؤولية وطنية، إلا إذا تطلبت اعتبارات سياسية بالطبع تقديم اعتذار رسمي إلى حكومة الدولة أو رئيس الدولة موضوع الافتراء.
كذلك يجب ألا يعتبر البث الإذاعي الخاص أو البث التلفزيوني الخاص اللذين يهاجمان أو يقذفان بحق الحكومات الأجنبية على أنهما يستتبعان المسؤولية الدولية للدولة، إلا إذا صدرت البيانات الهجومية من محطة أو شبكة تملكها الحكومة أو تخضع لسيطرتها.
ج-مشكلات الرقابة:
تعتبر مشكلة فرض رقابة معقولة على أنشطة الدعاية الدولية من الخطورة بحيث يبدو أنه من المرغوب فيه جداً إجراء المزيد من البحث الذي يسفر عن القيام بعمل ما في هذا الشأن من خلال عقد اتفاقيات متعددة الأطراف. غير أن الصعوبات الواضحة التي تعترض سبيل مثل هذه الرقابة يعتقد أنها من طبيعة تجعل أية هيئة دولية مترددة في أن تبدأ ولو ببداية متواضعة، في القيام بهذه المهمة، وعلى الرغم من كثرة ما كتب حول هذا الموضوع فإنه لم يتحقق إلا القليل على الصعيد العملي. ومع أنه تم عقد اتفاقات كثيرة، إلا أنه لم ينتج عنها حتى ما يقترب من قانون اقليمي. وما دامت الخلافات العقائدية تقسم دول العالم إلى جماعات متناحرة، فإن ثمة أملاً ضعيفاً في التوصل إلى نظام عملي ومعقول للرقابة، ولعل أكثر ما يستطيع المرء أن يأمل فيه في الوقت الحاضر هو التمكن من التوصل إلى التزام متبادل برقابة، أو حتى منع، الدعاية الهدامة التي تستهدف الدول المعنية، ويكون هذا الالتزام مقبولاً منها.


يـــــــتبع
:hi: :hi:

ابو السائب المصري
02-02-2009, 07:23 PM
المطلب الثاني -واجبات أخرى للدول
أولاً- واجب الامتناع عن إثارة الاضطرابات الداخلية:
هنالك واجب مفروض على الدول مسلم به نظرياً بصورة عامة، ولكنه كثيراً ما يتعرض للانتهاك عملياً هو واجب الامتناع عن إثارة الاضطرابات الداخلية في إقليم دولة أخرى، والحيلولة دون تنظيم أنشطة في اقليمها تهدف إلى إثارة مثل هذه الاضطرابات الداخلية. ولقد تمت معالجة هذا الواجب عند البحث في واجب الامتناع عن التدخل، على الرغم من أن مشروع إعلان حقوق وواجبات الدول الذي أعدته "لجنة القانون الدولي التابعة للامم المتحدة" المذكور في بداية البحث يدرجه في بند مستقل.
ثانياً- واجب عدم تهديد السلام والنظام الدوليين والاقليميين:
يقع على عاتق كل دولة واجب التأكد من أن الأحوال السائدة ففي أقليمها لا تؤدي إلى تهديد السلام والنظام الدوليين والاقليميين ويعتبر هذا الواجب نتيجة طبيعية معقولة لمفهوم السيادة الوطنية، حيث يفترض في كل دولة تنفرد وحدها بالسلطة في اقليمها أن تستخدم مثل هذه السلطة بطريقة فعالة للحيلولة دون وقوع خطر يهدد الدول المجاورة.
وحينما تخفق دولة ما في المحافظة على درجة كافية من السيطرة للحيلولة دون وقوع مثل هذا الخطر على جاراتها، فإنها ستكون ملزمة بتحمل المسؤولية عن النتائج المترتبة على إخفاقها كحكومة دولة ذات سيادة.
ثالثاً- واجب تسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية:
يقع على عاتق كل دولة واجب الالتزام بتسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية التي حددها الفصل السادس من "ميثاق الأمم المتحدة" فقد نصت الفقرة الثالثة من المادة الثانية من "الميثاق" ما يلي:
- يقوم أعضاء المنظمة بتسوية منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه من شأنه ألا يعّرض السلام والأمن الدوليين والعدل للخطر".
كما نصت المادة /33/ من "الميثاق" ما يلي:
1-يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلام والأمن الدوليين للخطر أن يلتمسوا حلّه، بادئ ذي بدء، بطريق المفاوضة، أو التحقيق، أو الوساطة، أو التوفيق، أو التحكيم، أو التسوية القضائية، أو اللجوء إلى الوكالات أو التنظيمات الاقليمية، أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع اختيارهم عليها.
2-ويدعو مجلس الأمن أطراف النزاع إلى أن يسووا ما بينهم من النزاع بتلك الوسائل إذا رأى ضرورة لذلك.
وقد ذهب "الميثاق" إلى حد فرض عقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية على الدولة المعتدية، ولكن بالطبع، ضمن الشروط التي تأتلف مع مبدأ سيادة الدول، ومنذ توقيع الميثاق، ظهر للوجود عدد كبير من الاتفاقات الثنائية والجماعية، وكلها تنص على واجب الدول بتسوية منازعاتها بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلى الحرب إلا في حالة الدفاع المشروع. لهذا يمكن القول بأن هذا الالتزام أصبح واحداً من الواجبات الرئيسية للدولة في عصرنا هذا، رغم عدم تقيد عدد من الدول الأعضاء في المنظمة به حين تندفع وراء مطامعها السياسية أو الاقتصادية متناسية بذلك واجبها القانوني هذا.
رابعاً -واجب الامتناع عن اللجوء إلى الحرب:
يقع على عاتق كل دولة واجب الامتناع عن الالتجاء إلى الحرب كأداة لسياستها الوطنية، والامتناع عن كل تهديد باستخدام القوة أو استخدامها سواء ضد السلامة الاقليمية أم الاستقلال السياسي لدولة أخرى، أو على وجه آخر يتعارض مع القانون والنظام الدوليين. فقد تضمن "ميثاق الأمم المتحدة" قيداً هاماً على مبدأ السيادة المطلقة في مظهره الخارجي. فالأصل أن من الحقوق التي تتفرع على السيادة حق كل دولة في إعلان الحرب أو اتخاذ موقف الحياد في حرب قائمة بين غيرها من الدول. غير أن "ميثاق الأمم المتحدة" قضى على ذلك، لأنه قام على فكرة نبذ الحروب والامتناع عنها، ووجوب استتباب السلم والأمن الدوليين، وقد تضمن "الميثاق" أحكاماً صريحة في هذا الخصوص ومن ذلك:
-ديباجة الميثاق، والتي جاء فيها ما يلي:
"نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا:
أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف... وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا:
* أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معاً في سلام وحسن جوار.
*وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدوليين.
*وأن نكفل، بقبولنا المبادئ وبوضعنا الأساليب، عدم استخدام القوة المسلحة، إلا في سبيل المصلحة المشتركة.
المادة الأولى من "الميثاق" والتي جاء فيها:
"إن مقاصد الأمم المتحدة هي:
1-حفظ السلام والأمن الدوليين، وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولازالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم."
-الفقرتان الثالثة والرابعة من المادة الثانية.
-الفصلان السادس والسابع من الميثاق.
ومما لا شك فيه أن الأحكام الواردة في "الميثاق" تعتبر التزامات صريحة في عدم التجاء الدول إلى إعلان الحرب أو الاشتراك فيها، وهي بذلك تنفي حق الدولة في الاستناد إلى السيادة في هذا النطاق. على أن "الميثاق" استثنى من ذلك حالة واحدة، هي حالة الدفاع المشروع عن النفس. وكنا قد أشرنا إلى ذلك في المبحث الأول عند معالجة حق الدفاع المشروع عن النفس. وتجدر الإشارة هنا إلى أن واجب الامتناع عن اللجوء إلى الحرب يعتبر جزءاً لا يتجزأ من واجب عدم التدخل، إلا أن "مشروع إعلان حقوق وواجبات الدول" الملمح إليه آنفاً، والمذكور في بداية هذا البحث، يدرجه في بند مستقل.
خامساً- واجب الامتناع عن مساعدة الدولة المعتدية والتعاون مع الأمم المتحدة في نظام الأمن الجماعي:
إن أساس التنظيم الدولي الذي نعيشه اليوم متمثلاً في "هيئة الأمم المتحدة" والمنظمات الاقليمية هو فكرة الأمن الجماعي التي تعني بايجاز التصدي الجماعي للمعتدي ونجدة المعتدى عليه ضماناً للسلم والأمن الدوليين.
وعلى هذا نجد أن الفقرة الخامسة من المادة الثانية من "الميثاق" تنص على مايلي:
"يقدم جميع الأعضاء كل ما في وسعهم من مساعدة إلى (الأمم المتحدة) في أي عمل تتخذه وفق هذا الميثاق، كما يمتنعون عن مساعدة أية دولة تتخذ (الأمم المتحدة) إزاءها عملاً من أعمال المنع أو القمع".
وهكذا فإن هذا الواجب يتفرع إلى واجبين:
أحدهما: سلبي يتمثل في عدم الانحياز إلى جانب الدولة التي تؤدبها (الأمم المتحدة).
وثانيهما: إيجابي يتمثل في ضرورة وضع الدولة كل إمكانياتها تحت تصرف (الأمم المتحدة) في إعمال الفصل السابع من الميثاق.
سادساً- واجب الامتناع عن الاعتراف بالتوسع الاقليمي:
يقع على عاتق كل دولة واجب الامتناع عن الاعتراف بأي مكسب اقليمي تناله دولة أخرى اخلالاً بنصوص "الميثاق" وخاصة الفقرة الرابعة من المادة الثانية منه والمتعلقة بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها. ومما يؤسف له إن هذا الواجب لم يكن موضع احترام دائم من قبل الدول الأعضاء في المنظمة، ومن ذلك احتلال الأراضي العربية، وما نتج عنه من استعمال الشعب في هذه الأراضي حقه المشروع في المقاومة.
سابعاً- واجب تنفيذ الالتزامات الدولية بحسن نية:
يقع على عاتق كل دولة واجب تنفيذ الالتزامات الناشئة عن المعاهدات الدولية وغيرها من مصادر القانون الدولي بحسن نية، ولا يجوز لأية دولة أن تستند إلى نصوص دستورها أو قوانيها كعذر لاخفاقها في أداء هذا الواجب.
ويعتبر مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" من أقدم مبادئ القانون الدولي، حتى وإن كانت هناك خلافات في الرأي فيما يتعلق بالطبيعة المطلقة لهذا المبدأ، وكذلك فيما يتعلق بالظروف التي يمكن في ظلها اهمال هذا المبدأ بصورة قانونية. ويمثل واجب تنفيذ الالتزامات بحسن نية شرطاً جوهرياً وأساسياً لأي نظام قانوني، على الرغم من أن نطاق هذا الواجب يمكن أن يكون موضوعاً لتفسيرات مختلفة.
ثامناً- واجب التقيد بالقانون الدولي:
يقع على عاتق كل دولة واجب التقيد في علاقاتها مع الدول الأخرى بأحكام القانون الدولي، ويمثل هذا الواجب، كالواجب السابق، شرطاً أساسياً لوجود نظام قانوني، وعلى الرغم من أنه لا يمكن توقع الانصياع لأحكام القانون الدولي -على غرار أي قانون آخر- في كل حالة، فإن الواجب الأساسي لا يمكن انكاره، وهو واجب ملزم لكل دولة.
تاسعاً -واجب الحيلولة دون التلوث:
يقع على عاتق كل دولة واجب حديث العهد تماماً هو اتخاذ التدابير اللازمة للحيلولة دون القيام بأي عمل داخل أراضيها يلوث بأي شكل من الأشكال مياه دولة مجاورة أو أجواءها. ولا يوجد حتى الآن قانون اتفاقي حول هذا الموضوع. ولكن "المبادئ العامة للعدالة" تشير إلى وجود مثل هذا الواجب على ما يبدو، وأخص بالذكر مبدأ التعسف في استعمال الحق. وتجدر الإشارة بهذا الصدد إلى القرار الذي أصدرته محكمة التحكيم في "قضية مصنع صهر المعادن" في شهر آذار من عام/ 1941 بشأن الضرر اللاحق بولاية واشنطن (الولايات المتحدة) جراء الأبخرة المتصاعدة من مصنع لصهر المعادن في كولومبيا البريطانية (كندا) فقد أكدت المحكمة في قرارها أنه:
"بمقتضى مبادئ القانون الدولي، لا يحق لأية دولة أن تستعمل اقليمها أو تسمح باستعماله بطريقة تتسبب، نتيجة للأبخرة، في الحاق الضرر باقليم دولة أخرى، أو بالممتلكات، أو بالأشخاص في هذه الدولة، كما يعتبر دومينيون كندا مسؤولاً أيضاً بمقتضى القانون الدولي عن إدارة مصنع صهر المعادن".
كما ينادي البعض باعتبار الدولة التي تستعمل اقليمها بقصد إجراء تجارب ذرية مسؤولة عن الأضرار التي تنتج عن الإشعاعات الذرية وعن الغبار الذي يصل إلى أقاليم الدول الأخرى.
عاشراً- واجب منع التزييف:
يقع على عاتق كل دولة واجب منع تزييف النقد والعملات وطوابع البريد والسندات المالية العائدة لدولة أخرى، ولقد اعتبرت بعض الدول نفسها ملزمة بمنع التزييف وذلك بسنّها التشريع الداخلي المناسب، حتى ولو لم تكن منضمة إلى اتفاقيات دولية تقضي بمنع مثل هذه الممارسات.
ومهما يكن من أمر، فإن حلول حالة حرب يلغي الواجب الموضوع في البحث تجاه الدول العدوّة، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى جميع الواجبات الأخرى للدول عملياً. ففي الحرب العالمية الثانية زيفت المانيا ورقة النقد البريطانية من فئة الخمسة جنيهات، بينما زيفت بريطانيا طوابع البريد الألمانية بغية الإسراع في إرسال بطاقات دعاية عن طريق البريد معنونة بأسماء عينات عشوائية من المواطنين الألمان في المدن التي تعرضت للقصف من قبل السلاح الجوي الملكي. فقد ألقيت من الطائرات حقائب -هي تقليد متقن للحقائب البريدية الألمانية الرسمية- مليئة بالبطاقات المعنونة والتي ألصقت عليها الطوابع على النحو المذكور، على أمل أن المواطنين الألمان، اعتقاداً منهم بأنهم سقطت من سيارات البريد خلال الفوضى الملازمة للقصف الجوي، سيقومون بنقلها إلى أقرب مركز للبريد لتوزيتعها على المرسل إليهم.
حادي عشر- واجب احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية:
شددت "لجنة القانون الدولي" على أنه يقع على عاتق كل دولة واجب معاملة جميع الأشخاص الخاضعين لسيادة الدولة على أساس المساواة واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية لهم دون تمييز بسبب العرق أو ***** أو اللون أو الدين. وهذا الواجب منصوص في المادة السادسة من "مشروع إعلان حقوق وواجبات الدول". ومع ذلك، فإنه لا يمكن الإقرار بأن هذا الواجب موجود كقاعدة عامة، مهما كان جديراً بالإعجاب من وجهة نظر أخلاقية، وأن مدى التدخل الشديد، الذي لا شك فيه، في الشؤون الداخلية للدول ذات العلاقة بتطبيق هذا الواجب، يثير الشكوك حول وجود هذا الواجب ذاته. وقد يأتي يوم في المستقبل تقبل فيه غالبية الدول الأعضاء في المجتمع الدولي بهذا الواجب بمقتضى تشريع داخلي مناسب تسنه لهذا الغرض، وفي هذه الحالة يجب أن تكون الروح الإيجابية هي رائد الدولة عند تطبيقه قبل الإدعاء جدياً بأن هذا الواجب قائم ومنتج لمفاعيله.


منقول
:hi: :hi: