المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نشأة فكرة العقود الإدارية



yoya
30-11-2008, 12:03 AM
بادئ ذى بدء تجدر الإشارة إلى أن فكرة العقود الإدارية أو بمعنى أدق نظرية العقود الإدارية، لم تنشأ فى فرنسا إلا فى تاريخ متأخر، لا يكاد يتجاوز مطلع القرن الماضي، وذلك رغم قدم نشأة مجلس الدولة الفرنسي، ولقد كان المعيار المتبع لتوزيع الاختصاصات بين جهتي القضاء يقوم على فكرة السيادة أو السلطة، فالمنازعات التى تتعلق بأعمال السيادة أو السلطة هى وحدها من اختصاص القضاء الإداري، وما عداها من تصرفات عادية تبرمها الدولة أو أحد أجهزتها تكون من اختصاص القضاء العادي، وذلك حتى بدايات مطلع القرن الماضي، إذ بدأ مجلس الدولة الفرنسي فى ولوج سبيل توسيع اختصاصاتها بعقود تبرمها الدولة أو أحد أجهزتها، كان ينظر إليها حينذاك أنها من العقود ذات التصرفات العادية.
وأما عن الوضع فى مصر، فإنه فى ظل اختصاص القضاء العادي بنظر منازعات العقود التي تبرمها الدولة, قبل نشأة مجلس الدولة المصري, يمكن القول أن المحاكم الأهلية والمختلطة لم تعرف القواعد القانونية الإدارية التي شادها ونظمها مجلس الدولة الفرنسي, وتلك التي أرساها مجلس الدولة المصري بعد إنشائه, إذ في ظل هذه الحقبة الزمنية كانت المحاكم الأهلية والمختلطة تطبق القانون المدني والتشريعات الخاصة علي العقود الإدارية, ولعل حكم محكمة النقض المصرية الصادر في 14/1/1932 في شان قضية الشعير المشهورة, يبرز لنا ويؤكد هذا النظر إذا ذهبت في حكمها إلي أن: " ومن حيث انه وان كانت نظرية الظروف الطارئة تقوم علي أساس من العدل والعفو والإحسان, إلا انه لا يصح لهذه المحكمة أن تستبق الشارع إلي ابتداعها, فيكون عليها هي وضعها وتبيان الظروف الواجب تطبيقها فيها....."
وتعليقاً على هذا الحكم المتقدم يقول أستاذنا الدكتور/ سليمان الطماوي : " وحكم النقض السابق يبرز الفارق الجوهري بين القضاء العادي التطبيقي والقضاء الإداري ذي الطبعة البريتورية "
وانه ولئن كان ما تقدم هو السائد حينذاك, إلا انه بعد نشأة مجلس الدولة في مصر أخذت فكرة أو نظرية العقد الإداري تتبلور لتظهر في صورتها الحقيقية, كما انه ولئن كان القانون الأول الصادر عام 1946 بإنشاء المجلس قد خلا تماماً من أية إشارة إلي اختصاص هذا المجلس بمنازعات العقود الإدارية, إلا أن الحال لم يستمر طويلاً, إذ صدر القانون رقم 9 لسنة 1949 ليحل محل القانون 112 لسنة 1946, وقد تضمن في مادته الخامسة علي اختصاص المجلس بالفصل في المنازعات الخاصة بعقود محددة عل سبيل الحصر ألا وهي : عقود الالتزام والأشغال العامة وعقود التوريد الإدارية, ولقد بررت لجنة الشئون التشريعية بمجلس النواب – حينذاك, هذا الاختصاص الجديد لمجلس الدولة بأنه: " .... يتيح الفصل فيما ينشأ من المنازعات حول هذه العقود, ودون التقيد بالنصوص المدنية البحتة ويفسح المجال للأخذ في شأنها بنظريات قد لا تتسع لها نصوص القانون المدني, كنظرية الظروف الطارئة التي وضع القضاء الإداري أساسها ولم تأخذ بها المحاكم العادية بعد تأثرها بنظرية القوة القاهرة كما يعرفها القانون المدني".
ورغم أن هذا الاختصاص لمجلس الدولة الذي أتي به القانون 9 لسنة 1949 بشان العقود الإدارية كان محدوداً واقصراً على عقودٍ محددة، إلا أن محكمة القضاء الإداري قد وسعت اختصاصها في مجال العقود الإدارية كما فعل مجلس الدولة الفرنسي من قبل, فمدت اختصاصها لعقود لم ترد في القانون9 لسنة 1949 استناداً علي اتصالها بأي عقد من العقود الثلاثة السابقة.
كما أن القضاء الإداري لم ينتظر كثيراً حتى وأن قام بإرساء فكرة أو نظرية العقود الإدارية محدداً ماهيتها ومقرراً القواعد العادلة لتنفيذ العقود الإدارية, في ضوء التوازن الذي ارسي مبادئه من ذي قبل بين المصلحة العامة للدولة أو للإدارة وبين مصلحة الفرد المتعاقد معها, ولا ريب في إن هذه العملية تعد غاية في الصعوبة عند الترجيح في المنازعة الواحدة, وان الأصعب منها وضع معيار واحد يقيم هذا التوازن بين طرفين متفاوتين في القوة, وبين مصلحتين تعلو أحداهما علي الأخر هما المصلحة العامة والمصلحة الخاصة, ويكفي أن نشير في هذا المقام إلي أحد أحكام محكمة القضاء الإداري في ظل أحكام القانون9 لسنة 1949, لنبين منه كيف أقام القضاء المصري التوازن العادل بين مصلحة الجهة الإدارية " الطرف القوى" وبين مصلحة الفرد " الطرف الضعيف" في أحد المنازعات العقدية, ففي هذه المنازعة قامت جهة الإدارة بإنهاء العقد قبل انتهاء مدته بناء علي نص في العقد يجيز لها ذلك الإنهاء المبتسر, فتضرر من ذلك المتعاقد معها, ولجأ للقضاء الإداري بالطعن رقم 670 لسنة 5ق, فأرست هذه محكمة القضاء الإداري – حيث كانت حينذاك تعتلي قمة قضاء مجلس الدولة المصري– مبدأ من أهم المبادئ القضائية, إذ قضت في حكمها الصادر بجلسة 23/6/1953 بالآتي:
" إنه إذا تقرر في العقد حق للجهة الإدارية في إلغائه أو إنهائه قبل انتهاء مدته وفي أي وقت تشاء, فإن ذلك منوط بوجود مصلحة عامة تقتضيه كما ينبغي أن يكون للأسباب التي يستند إليها أساس في الأوراق."
ومن هذا الحكم المتقدم يتضح أن القضاء الإداري في مصر لم يشأ أن يجعل سلطة الإدارة طليقة من أي قيد وهي بصدد تنفيذها للعقد الإداري, وحتى مع وجود النص العقدي الذي يجيز لها إنهاء العقد في أي وقت تشاء,يجب عليها أن تبرر وجه المصلحة العامة التي دفعها إلي استخدام هذا الخيار, وذلك حتى لا تكون مصلحة الفرد المتعاقد معها في مهب الريح, تخضع لأهواء القائمين علي جهة الإدارة، فاستلزمت على الإدارة أن تبرز السبب الذي دفعها إلى هذا السلوك بإنهاء العقد قبل انتهاء مدته، ولم تقف عند هذا الحد بل أوجبت أن يكون النهو المبكر للعقد يرجع إلى تحقيق مصلحة عامة، وإلا كان مسلكها هذا معيباً يجب تقوميه بما يتفق وقواعد العدالة.
وبسبب هذا المسلك المتقدم للقضاء الإداري، لمس المشرع دور هذا القضاء في إرساء فكرة أو نظرية العقد الإداري، لذا حينما صدر قانون مجلس الدولة 165 لسنة 1955 نصت مادته العاشرة على أن: " يفصل مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري دون غيره فى المنازعات الخاصة بعقود الالتزام والأشغال العامة والتوريد أو أى عقد إداري آخر "
وبناءً على هذا النص ـ الذى انتقل كما هو إلى القانون الحالي رقم 47 لسنة 1972 ـ توحدت جهة الاختصاص فى موضوع العقود الإدارية، وبالتالي توحدت القواعد الموضوعية التى تحكم المنازعات المتعلقة بها، ولقد كان لهذا التغير أثره المباشر ليس فحسب على أحكام القسم القضائي بمجلس الدولة بل وعلى الفتاوى التى يصدرها قسم الفتوى أو إدارات الفتوى وكذا على لجان هذه الإدارات وعلى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع. كما أنه قد صاحب ما تقدم، أن ظهرت الحاجة إلى وجود معيار يفرق بين العقود الإدارية التى يختص بنظرها مجلس الدولة قضاءً وإفتاءً، وبين العقود الخاصة التى يختص بها القضاء العادي، لاسيما وأن هناك بعض العقود تكون الدولة أو أحد أجهزتها طرفاً فيها، وتتعامل من خلالها كما يتعامل الأفراد فيما بينهما، وبالتالى لا تعد من قبل العقود الإدارية. وهذا ما نبينه فى موضعه.

yoya
30-11-2008, 12:04 AM
المبدأ الأول: أن منازعات العقود الإدارية تنتمي إلى القضاء الكامل

ان المقرر قانوناً – وفق ما سلف بيانه – أن مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري يختص وحده دون غيره بالمنازعات المتعلقة بجميع العقود الإدارية. وأبرزنا فيما سلف معيار تمييز العقد الإداري عن غيره من العقود الخاصة التى تخضع للقانون والقضاء المدني.
ولقد حددت أحكام القضاء مدى هذا الاختصاص ونطاقه، لاسيما وأنه قد تجاور المنازعة العقدية منازعات أخرى ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً، منها ما هو يدخل فى اختصاص القضاء الإداري كالطعن على القرارات الإدارية المنبثقة عن تنفيذ العقد الإداري، ومنها يندرج تحت دعوى الاستعجال أو الدعوى المستعجلة.
لقد استقرت أحكام القضاء الإداري وتواترت على أن قضاء العقود الإدارية ينتمي أساساً إلى القضاء الكامل، وبالتالى تستطيع المحكمة أن تراقب إجراءات العقد وشروطه وما صدر بشأنه من إجراءات وقرارات، وذلك باعتبار ذلك مما يندرج ضمن العناصر المتنازع عليها أصلاً، وذلك فى حدود اختصاص القضاء الإداري الكامل بهذه المنازعات، وذلك كله مشروط بأن لا يكون الحق المتنازع عليه لم يسقط بمضي المدة.

yoya
30-11-2008, 12:05 AM
اختصاص القضاء الإداري بالفصل فى منازعات العقود الإدارية، يمتد إلى بحث مستحقات جهة الإدارة المطعون ضدها

من المعلوم أن المنازعة العقدية تقام من المتعاقد مع الجهة الإدارية، يطرح فيها طلباته على القضاء والتى يرى أنه له حق فيها، وقد منعته عنه جهة الإدارة، كما أنه من المفترض أن يكون لجهة الإدارة حقوق قبل هذا المتعاقد، يحق لها أن تطرحها كطلبات مقابلة فى الدعوى، ولكن قد يحدث أن جهة الإدارة قد لا تطرح هذه الطلبات، فهل يجوز للمحكمة وهى بصدد الفصل فى هذه المنازعة العقدية أن تفصل فى مستحقات الجهة الإدارية ؟
قد تكون الإجابة للوهلة الأولى أنه لا يجوز ذلك لأنه لا يجوز للمحكمة أن تفصل فى طلبات لم تطرح عليها من صاحب الشأن أو من صاحب الصفة، بيد أن القضاء الإداري كانت له فى هذا الصدد كلمة أخرى أوضحها فى حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر فى الطعن رقم 3683 لسنة 36ق.ع بجلسة 29/11/1994، إذ قضت بأنه :
" أن المحكمة مٌصدرة الحكم المطعون فيه مقيدة بالطلبات المقدمة إليها وإلا كان قضاؤها مخالفاً للقانون, ولكن التصدي لمستحقات الهيئة المطعون ضدها في النزاع الماثل ليس بهدف القضاء بهذه المستحقات, ما دام الثابت أن الهيئة المذكورة لم تتبع أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية للمطالبة بتلك المستحقات, وإنما بهدف تحديد ما يستحق للطاعن من المبالغ المطالب بها بعد استنزال مستحقات الجهة الإدارية المطعون ضدها......" ثم استطردت قائلة:" فإنه من المسلم به في فقه القانون الإداري أن سلطة قاضي الإلغاء تقف عند الحكم بإلغاء قرار معيب, وأما القضاء الكامل فيخول القاضي تصفية النزاع كلياً, فيلغي القرار المخالف للقانون إن وجدت, ثم يرتب علي ذلك نتائجه كاملة من الناحية الايجابية أو السلبية, ومن المسلم به أيضا أن قضاء العقود الإدارية ينتمي أساسا إلي القضاء الكامل, إذ يكون للمحكمة التصدي للمنازعة الناشئة عن العقد الإداري بجميع ما يتفرع عنها, وبهذه المثابة لا يقتصر اختصاص المحكمة مٌصدرة الحكم المطعون فيه علي التصدي لبحث حقوق الطاعنين المطالب بها, بل يمتد إلي بحث مستحقات الجهة الإدارية المطعون ضدها للوصول إلي استجلاء وجه الحق في دعوي الطاعن"
- وبالتالى فإنه يتضح من هذا القضاء أن سلطة المحكمة فى منازعة العقد الإداري لا تقف عند بحث طلبات المدعى المتعاقد مع الإدارة فحسب، بل يمتد لبحث مستحقات جهة الإدارة المتعاقدة، من أجل الوصول إلي ما هو مستحق صدقاً وعدلاً للمتعاقد معه باعتبار أن هذه المنازعة من منازعات القضاء الكامل.

yoya
30-11-2008, 12:06 AM
ختصاص القضاء الإداري بالفصل فى المنازعة العقدية، يمتد إلى القرارات الإدارية الصادرة من جهة الإدارة بمناسبة تنفيذ العقد
يحدث فى كثير من الأحيان أن تصدر جهة الإدارة قرارات بمناسبة تنفيذ العقد، كأن تصدر قراراً بتوقيع غرامة على المتعاقد معه، أو قراراً بإنهاء التعاقد المبكر أو فسخه، أو بسحب العقد وتنفيذه على حسابه وغير ذلك.
- ومن المقرر قانوناً أن دعوى الإلغاء التى تقام ضد القرار الإداري، قد أحاطها القانون بإجراءات التظلم السابق على رفع الدعوى أو بميعاد قصير لإقامتها ( ستون يوما )
والسؤال الذى يطرح نفسه فى هذا الشأن هل تخضع القرارات المتقدمة لإجراءات ومواعيد دعوى الإلغاء ؟
استقر القضاء على أن المنازعات المتعلقة بما تصدره الجهات الإدارية بصفتها متعاقدة من تصرفات أو إجراءات قبل المتعاقد معها، إنما تندرج تحت ولاية القضاء الكامل لمحاكم القسم القضائي لمجلس الدولة حتى لو انصب النزاع على طلب المتعاقد إلغاء قرار إداري اتخذته الإدارة قبله، ذلك لأن ما تصدره الإدارة من قرارات تنفيذاً للعقد، كالقرارات الخاصة بتوقيع جزاء من الجزاءات التعاقدية أو بفسخ العقد أو إنهائه أو إلغائه إنما يدخل فى منطقة العقد وينشأ عنه وبالتالى فإن المنازعات التى تتولد عن تلك القرارات والإجراءات هى منازعة حقوقية وتكون محلاً للطعن عليها على أساس استصدار ولاية القضاء الكامل دون قضا الإلغاء، ومن ثم فلا يتقيد الطعن عليها بالإجراءات والمواعيد المتعلقة بدعوى الإلغاء، وذلك كله ما لم يسقط أصل الحق بمضي المدة
( فى هذا المعنى حكم المحكمة الإدارية العليا فى الطعن رقم 2348 لسنة 36 ق.ع ـ جلسة 7/3/1995 )

yoya
30-11-2008, 12:07 AM
اختصاص القضاء الإداري بالفصل فى المنازعات المستعجلة المنبثقة من منازعات العقود الإدارية

استناداً على قاعدة أن قاضى الأصل هو قاضى الفرع، وإنه لما كانت الدعوى المستعجلة هى فرع للدعوى الموضوعية، وكان من المقرر أن القضاء الإداري مختصاً أصلاً بنظر المنازعات المتعلقة بالعقود الإدارية، وكانت أيضاً هذه المنازعات مما يندرج أساساً في منظومة القضاء الكامل، لذلك فإن الفصل فى الأمور المستعجلة التى تثيرها المنازعات المتعلقة بالعقود الإدارية، تدخل فى نطاق اختصاص القضاء الإداري وليس فى اختصاص قاضى الأمور المستعجلة.
وفى هذا الشأن ذهبت المحكمة الإدارية العليا فى حكمها الصادر فى الطعن رقم 897 لسنة 9 ق.ع بجلسة 20/7/1963 إلى:
" أن القضاء الإداري يختص دون غيره بالفصل موضوعاً فى منازعات العقود الإدارية، فيلزم أن يختص تبعاً بالفصل فيما ينبثق منها من أمور مستعجلة ما دام القانون لم يسلبه ولاية الفصل فى الأمور المستعجلة التى تثيرها تلك المنازعات ويعهد بها إلى جهة أخرى."

the economist
30-11-2008, 04:05 PM
شكرا جزيلا أختنا الكريمة على الموضوع الجديد المفيد حقا

بارك الله فيكي

تقبلي تحياتي