المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث في المادة (134) جنايات



أحمد الجمل
28-11-2008, 10:30 AM
مجلة المحاماة - العدد الأول
السنة السابعة - عدد أكتوبر سنة 1926


(1)
بحث
في المادة (134) جنايات
دعاني إلى البحث في هذا الموضوع وجود غموض ظاهري في مدلول المادة (134) من قانون تحقيق الجنايات ووجود تناقض في الوقت ذاته بينها وبين نص المادة (137) من هذا القانون.
وسأتناول في بحثي النقط الآتية:
1 - مأخذ هذه المادة.
2 - النظرية عند من أخذنا عنهم النص.
3 - فساد هذه النظرية في القانون المصري.
4 - التوفيق بين مأخذ النص وروح التشريع عندنا.
5 - حقيقة النص وغرض الشارع المصري منه.
1 - نص المادة (134) ومأخذها:
نصت المادة (134 ق ت جـ) في باب محاكم المخالفات على أن الكاتب يتلو أوراق التحقيق.... إلخ ثم يسأل القاضي المتهم عما إذا كان معترفًا بارتكاب الفعل المسند إليه أم لا (فإن أجاب بالإيجاب يحكم بغير مناقشة ولا مرافعة)، وإن أجاب بالسلب شرح عضو النيابة التهمة ويقدم المدعي بالحقوق المدنية طلباته.... إلخ، وأحالت على هذه المادة في حكمها المادتان (166 ق ت جـ)، و(44) من قانون تشكيل محاكم الجنايات، فمن قول المادة (يسأل القاضي المتهم - فإن اعترف حكم بغير مناقشة ولا مرافعة)، ومن إحالة المادتين (166 ق ت جـ)، و(44 ق ت م جـ) يفهم أن الشارع المصري ربما قصد بالاعتراف أن يجعله دليلاً قانونيًا - فعل هذا ما قصده الشارع المصري حقيقة ؟
أخذ الشارع المصري هذا النص عن الشارع الإنكليزي - فوجب والحالة هذه - البحث في قوة الاعتراف من حيث هو دليل قانوني أو إقناعي عند من استقينا منهم تشريعنا، ثم نقارن ذلك بروح التشريع عندنا وما هو جار عليه العمل في محاكمنا، فإن وافق الفرع أصله فالأمر ظاهر وإن خالفه عالجنا سبب هذا الخلاف بشيء من الإيضاح، وإليك البيان:
2 - نظرية القانون الإنكليزي في هذا الموضوع:
يفترض القانون الإنكليزي أن الدعوى الجنائية نزاع خاص بين مدعٍ ومدعى عليه، وبناءً على ذلك يلزم المدعي بالإثبات - أما أن اعترف المدعى عليه لم يبقَ هناك أمام القضاء إلا إصدار الحكم - فلم يفرق القانون الإنكليزي والحالة هذه بين الدعويين الجنائية والمدنية وكان بناءً على ذلك أنه اعتبر الاعتراف في الدعويين واحدًا وبعبارة أوضح (أنه اعتبر الاعتراف دليلاً قانونيًا في الدعاوى المدنية والجنائية على السواء).
سبب اعتباره الاعتراف دليلاً قانونيًا
إن الاعتراف في القانون الإنكليزي حجة متى صدر عن المتهم اختيارًا وعن رغبة دون رهبة وتوفرت فيه شروطه القانونية، فهو لا يجيز تجزئته ولا العدول عنه بل يشترط أن يؤخذ اعتراف المتهم جميعه ويجيز للمحاكم أن تبني عليه حكمها، وقد وضح ذلك (Hanis) في كتابه مبادئ القانون الجنائي فقال:


(A free & voluntary confession by the defendant before the magistrate, if duly made & satisfactorily proved is sufficient to warrant a conirction without further corroboration.
The whole of the confession must be taken into account, the part favourable to the prisoner as well as that against him [(1 (http://www.mohamoon.com/montada/Default.aspx?action=Preview_Research&id=255&Type=5&CatID=23#1#1))])
من هذا نرى أن اعتراف المتهم أمام التحقيق الابتدائي كافٍ لإدانته من غير افتقار لأي دليل آخر، وكذلك الحال في المحاكمة يقضي القانون الإنكليزي بأن الاعتراف يكفي أساسًا للإدانة، ولم يجعل القانون المذكور الاعتراف حجة في المسائل الجنائية اعتباطًا لأن المبادئ التي أخذ بها الشارع الإنكليزي تقضي بذلك - إذ ما دام القانون الإنكليزي يعتبر الدعوى الجنائية نزاعًا خاصًا بين شخصين أو أكثر فالمنطق يقضي بتمشي القواعد الخاصة بالدعوى المدنية على الدعوى الجنائية - ومن المعلوم أن الدعوى المدنية نزاع خاص بين شخصين أو أكثر - واعتراف المدعى عليه يعتبر دليلاً قانونيًا يلزم القاضي الحكم على مقتضاه - ولا تجوز تجزئته ولا العدول عنه - لهذا لم يتردد الشارع الإنكليزي في تطبيق تلك القواعد على الدعوى الجنائية وكان من جراء ذلك أن اعتبر الاعتراف دليلاً قانونيًا في المسائل الجنائية.
3 - فساد هذه النظرية وعدم موافقتها لمبدأ الشارع المصري:
معلوم عندنا أن القاضي الجنائي له مطلق الحرية في تقدير كل دليل يقدم إليه ما دام أن مهمته تنحصر في الوصول إلى الحقيقة - التي هي بيت القصيد في نظير العدالة - ولا يتسنى له حسن التقدير وجودة الاستنتاج أن قيده الشارع بقيود وأوجب عليه الالتزام بها، لأن التقييد أقل ما فيه أنه يقف بالفكر عن الاستنتاج الصحيح ولا يمكن القاضي من حرية البحث إذ يرى هذا نفسه وقد أصبح ملزمًا بالحكم بناءً على دليل معين.
اعتبر الشارع الإنكليزي كما سبق بينا ذلك أن الدعوى الجنائية نزاع خاص بين شخصين - وكان هذا الاعتبار أساس افتراضه أن الاعتراف دليل قانوني، فهل صحيح أن الدعوى الجنائية نزاع خاص بين شخصين ؟
إذا بحثنا في معنى العقاب وبيان أسبابه رأينا أن ذلك يكون عادةً باسم الهيئة الاجتماعية وللصالح العام، تخشى الهيئة الاجتماعية تكرار الجرائم فتوقع بالمجرم عقوبة من شأنها ردعه وتأمين الناس، وما كان المجرم إلا شخصًا استهان بالرباط الاجتماعي الذي يربطه بباقي أفراد الأمة وخالف القواعد المرعية فيها فأثار بذلك ضد نفسه سخط باقي الأفراد وكراهيتهم له، أفبعد هذا نسلم بأن الدعوى الجنائية نزاع خاص بين شخصين أو أكثر ؟ أن التسليم بذلك معناه أن مشروعية العقاب ومرجعه في المسائل الجنائية تعد حدث لشخص من آخر يريد تعويضًا عنه وبعبارة أوضح مشابهة بالمسائل المدنية في استرداد دائن دينه، وأن مرجع العقاب ومشروعيته في المسائل الجنائية لأبلغ من ذلك وأسمى، وأن مرجعه إلى حقوق الهيئة الاجتماعية ودفع الأذى عنها بعزلها المجرم عن باقي الأفراد مؤبدًا أو مؤقتًا حسب ظروف الأحوال لنصمه بعار يكون حائلاً بينه وبين باقي الأفراد، غريب إذن أن نرى بعض الشرائع تعتبر الدعوى الجنائية ملكًا خاصًا للمدعي والمدعى عليه - وأغرب من ذلك أن نرى الشارع الإنكليزي يقرر ذلك أيضًا وقد كان من محبذي فكرة التمثيل من غير محاكمة بالمجرم الذي يرتكب فعلاً يمجه الجمهور ويستقبحه


(lynching lynch v. i. to judge & punish without the usual forms of law).
وذلك تخفيفًا لتأثير الجمهور وإشفاءً لعاطفة حب الانتقام من قلوب الشعب، الحقيقة أن الشارع الإنكليزي أخطأ في هذا الفرض وكان واجبًا أن يعتبر الدعوى الجنائية ملكًا للهيئة الاجتماعية المهيمنة على الأفراد المعبرة عن شعورهم جميعًا لا ملكًا خاصًا لفردين مدعٍ ومدعى عليه - وأن قياسه تلك الدعوى على الدعوى المدنية لقياس مع الفارق، فالجرم في الأولى وقع على الجميع وتأذى منه الجميع، وبعبارة أخرى قد أصاب الهيئة الاجتماعية أثره، فكان من حقها القصاص من مرتكبه وتوقيع العقاب عليه - عكس الدعوى المدنية فالتعدي فيها لم يقع إلا على حق المدعي أي على حق شخص لم يتعدَ تأثيره غيره.
لهذا نرى أن الأساس الذي بني عليه الشارع الإنكليزي نظريته أساس واهٍ وفاسد كانت نتيجته أن اعتبر الاعتراف دليلاً قانونيًا ومتى كان الأساس خطأ فالفرع لا محالة خطأ كذلك، وإذا عرفنا ذلك وجب أن نقف على ما هو جارٍ عليه العمل في القانون المصري، نعم أخذ الشارع المصري نظريته من القانون الإنكليزي ولكنه خالفه في اعتباره الدعوى العمومية ملكًا خاصًا بين متنازعين وأخذ بالرأي القائل بأنها ملك للهيئة الاجتماعية، ولهذا أعطى القاضي من سلطة البحث والتقدير ما يمكنه من الوصول إلى الحقيقة ولم يقيده بالأخذ بدليل معين وكان بناءً على ذلك أن جعل أمر تقدير الاعتراف موكولاً لعهدته، له أن يأخذ به إن شاء ولو إن شاء أن يرفضه - أي أنه (نظر إلى الاعتراف كدليل إقناعي فقط).
عرف الشارع المصري أن الاعتراف قد يكون الغرض منه مجاملة لقريب أو فخرًا بارتكاب جرم أو عطاء من عظيم أو جعلاً من راشٍ أو خوفًا من سطوة ذي بأس - عرف ذلك كله فلم يتردد في اعتبار الاعتراف دليلاً إقناعيًا ولم يحذو الشارع الإنكليزي في قياسه على المسائل المدنية في ذلك، إذ رأى أن هذه الأخيرة ما هي إلا مصالح شخصية مبنية على اتفاقات من عمل الخصوم، فإذا اعترف أحدهما بدعوى الآخر فالاعتراف دليل قانوني يلزم القاضي بالتمسك به وبناء الحكم على مقتضاه، عكس المسائل الجنائية - فهي مسائل نظامية تملكها الهيئة الاجتماعية دون سواها - وليس من العدل في شيء أن توقع العقوبة على متهم دون أن يرتكب جرمًا وإنما اعترف خوفًا من خطر يحدق به أو رهبة من عظيم أو تحت تأثير عامل ما لهذا أصاب القانون المصري في اعتباره الاعتراف كغيره من الأدلة - دليلاً إقناعيًا - يأخذ به القاضي إن اتضح له صدقه ويتركه إن ظهر له فساده ويجزئه إن رأى أن العدالة تقضي بذلك.
4 - التوفيق بين هذا المبدأ ونص المادة وبين الأخيرة ومأخذها:
إذا قرأنا نص المادة (134 ق ت جـ) - وعرفنا هذا المبدأ الذي قرره الشارع المصري وأيده فيه القضاء لا شك أننا نتساءل عن سبب هذا التناقض وهل خرج الشارع عن مبدئه وهو (أن الاعتراف دليل إقناعي) - إلى التقرير ثانيةً بأنه قانوني حسب نص هذه المادة ؟ أجاب الشراح على ذلك بالسلب وقالوا إن الاعتراف الذي يحصل بناءً على استجواب القاضي للمتهم - هذا الاعتراف - لا يخرج عن كونه دليلاً إقناعيًا وإليك رأي جرانمولان في ذلك [(2 (http://www.mohamoon.com/montada/Default.aspx?action=Preview_Research&id=255&Type=5&CatID=23#2#2))].


(l’aveu judiciaire, qu’il ait êté spontané ou provoqué par un interrogatoire, ne fait pas necéssairement foi contre le prevenu ou l’accusé; il reste soumis, comme toute autre preuve, à l’appreciation du juge qui ne doit suivre que son intime conviction.
ومن هذا يتضح لنا أن الاعتراف دليل إقناعي خاضع لتقدير المحكمة حتى الاعتراف المنصوص عنه في المادة (134 ق ت جـ)، فهو لم يخرج عن كونه دليلاً إقناعيًا، ولم تتردد المحاكم مطلقًا في الأخذ بهذا الاعتبار، ونظرت إليه كأحد الأركان الخاصة بتقدير الوقائع - لا يرتبط القاضي به - ويراقب صحته بواسطة الشهادة وغيرها من الأركان التي بين يديه، إذا عرفنا هذا وعرفنا أيضًا أن مأخذ نص المادة (134) هو القانون الإنكليزي فكيف نوفق إذن بين مأخذ النص وغرض الشارع منه ؟
والجواب على ذلك بسيط، فحقيقة أن الشارع الإنكليزي قصد بالاعتراف جعله دليلاً قانونيًا وهو رأي يتفق مع مبادئه التي جرى عليها ولا شك أن تلك المبادئ تخالف مبادئ التشريع المصري، وإذا صح أن كل نص غامض يجب أن يفسر في ظل باقي النصوص - نرى أن نص المادة (134) لا يستقيم إن هو فُهِم على ظاهره مع مبادئ القانون المصري، إذ روح التشريع عندنا تدل دلالة لا شك فيها على عكس ظاهر النص، فكما سبق أن بينا أن القانون المصري يعتبر الاعتراف دليلاً إقناعيًا وقول المادة (134) - (يحكم القاضي إن اعترف المتهم من غير مناقشة ولا مرافعة) - قول المادة هذا يُفهم منه أن الاعتراف دليل قانوني.
من هذا نجزم بأنه لا بد أن يكون المشرع المصري قد قصد بالمادة شيئًا آخر خلاف الظاهر من نصها، هذا الغرض الذي رضى به الشارع هو ساعة وضع هذه المادة - هو ترتيب الإجراءات فقط - ولم يدر بخلده مطلقًا أن يجعل الاعتراف دليلاً قانونيًا يحكم القاضي بناءً عليه دون مناقشة ولا مرافعة.
قد يقال من جهة أخرى ولكن كيف التوفيق بين النص ومأخذه ؟ والرد بسيط، نعم أن الشارع المصري نقل هذه النظرية أو هذه المادة عن الشارع الإنكليزي، لكن ذلك المبدأ الذي نقلنا عنه لا يلتئم ومبادئنا - لهذا خالفناه، وليس في ذلك أي تناقض، فالمبدأ الإنكليزي، وإن أخذ برمته في القانون المصري إلا أنه قد تغير معناه بتفسيره مع باقي النصوص المصرية فاستوى معها وترك صبغته الأولى فلا غرابة بعد ذلك إذا اعتبرنا الاعتراف دليلاً إقناعيًا رغم مخالفة المأخذ وظاهر النص.
5 - حقيقة النص وغرض الشارع منه:
وإذ قد عرفنا أن النص المصري المادة (134) قد خالف أصله وهو القانون الإنكليزي وتغيرت جنسية الإنكليزية باستوائه مع نصوص القانون المصري يصح أن نخرج بنتيجة لهذه المادة بل لهذا البحث وهي:
إن الشارع المصري لم يقصد بالنص ما قد يُفهم من ظاهره أي أنه يريد أن يجعل الاعتراف دليلاً قانونيًا بل بالعكس من ذلك فإنه يعتبر الاعتراف دليلاً إقناعيًا، وأما النص فالقصد منه (بيان الإجراءات التي يجب أن تتبع في الجلسة فقط)، وبهذا الحل نرى أن النصوص تستقيم وأن التناقض الذي يظهر بين المادتين (134) و(137) ق ت جـ بزول.
عبد المجيد السيد نصر



[(1)] هاري صـ 373 - وقارن ذلك بأرشيوليه صـ 325، 328.
[(2)] جرانمولان جـ 1 صـ 300 ن 494 ق.