المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الآثار القانونية لطلب اعتقال الرئيس السودانى عمر البشير



almasry
03-10-2008, 05:33 AM
الآثار القانونية لطلب اعتقال الرئيس السودانى عمر البشير


د. أيمن عبد العزيز سلامة

تعد الأزمة القانونية الأخيرة بين الحكومة السودانية، وتحديدا الرئيس عمر أحمد حسن البشير، وبين المحكمة الجنائية الدولية بلاهاى من أخطر الأزمات التى تواجه ليس السودان وحسب، ولكن كل الدول العربية .



ولقد تطورت واستفحلت هذه الأزمة بين السودان والمحكمة الجنائية الدولية منذ عام 2004 .

ولا يتسع المقام الآن لأن نسرد ما حدث من كارثة إنسانية وقعت - ولا تزال تقع - فى دارفور منذ عام 2003 .

فقد سلطت وسائط الإعلام المختلفة، بما لها من تأثير مباشر على المجتمع الدولى، وأصبحت الأزمة الإنسانية فى دارفور موضع اهتمام الحكومات الغربية بشكل رئيسى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية، وبريطانيا ، وفرنسا.

ووصلت المجابهة بين السودان من جانب والمحكمة الجنائية الدولية من جانب آخر إلى ذروتها يوم 14 يوليو 2008 ، وذلك حين طلب المدعى العام للمحكمة، السيد/ أوكامبو، من قضاة المحكمة أن يصدروا أمرا باعتقال الرئيس السودانى عمر البشير، وذلك لاتهامه بارتكاب جرائم دولية فى إقليم دارفور، وهى :

جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم دولية ضد الإنسانية ، وجرائم حرب.

وفى عرضنا وتأويلنا لهذه الأزمة، فإننا ننأى بأنفسنا لأن نتعرض للأبعاد السياسية وطبيعة العلاقات الدولية وتوازن القوى والمصالح، بالرغم من تأثيرها المهم بل والخطير فى إنفاذ قواعد القانون الدولى .

لذلك يقتصر تناولنا على الآثار القانونية لطب المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية اعتقال الرئيس السودانى عمر البشير، وذلك فى 14 يوليو 2008 .

طلب المدعى العام للمحكمة اعتقال الرئيس البشير :

أثار طلب المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية 'لويس مورينو أوكامبو' لدائرة ما قبل المحاكمة للمحكمة الجنائية الدولية فى لاهاى يوم 14 يوليو 2008، وذلك باعتقال الرئيس السودانى عمر البشير، كثيرا من الخلط والقلق اللذين تجاوزا الاهتمام الإقليمى فى الساحة العربية إلى النطاق العالمى .

وبالرغم من أن طلب اعتقال الرئيس البشير، من جانب المدعى العام للمحكمة الجنائية، لم يكن مستبعدا لدى أى مراقب أو مدقق، وفق مجريات الأحداث وتطورات المواقف فى دارفور منذ عام 2004، حين أولى مجلس الأمن اهتمامه بالحالة فى دارفور . بيد أن المراقب المدقق لذلك الطلب يدرك أن طلب اعتقال الرئيس البشير هو طلب الاعتقال الأول فى تاريخ المحكمة الجنائية الدولية لرئيس دولة وهو فى سدة الحكم، بما يمثله ذلك من تطور دارماتيكى فى القانون الدولى الجنائى ، وما يمثله أيضا من تجاوز لمبدأ مهم، بل وركيزة، من مبادئ القانون الدولى العام، والعلاقات الدولية، وهو 'مبدأ سيادة الدولة'.

أيضا، زاد من قلق واهتمام القانونيين داخل المحكمة الجنائية الدولية ذاتها، وخارجها، أن المدعى العام فى طلبه هذا لدائرة ما قبل المحاكمة، لم يذكر إلا الرئيس البشير وحسب ، مما يثير التساؤل لدى هؤلاء . كان المدعى العام للمحكمة الجنائية قد تسلم ملف دارفور من الأمين العام للأمم المتحدة، وذلك إثر صدور قرار مجلس الأمن رقم 1395 فى 31 مارس 2005، والذى أكد المجلس فيه أن العدالة والمساءلة مهمان وذلك لتحقيق سلام دائم فى دارفور. وبدأ فى دراسة الملف الذى يحوي محفوظات ووثائق لجنة 'كاسيوس'، وهى لجنة التحقيق الدولية لمجلس الأمن التى أرسلها الى دارفور فى 1 أكتوبر 2004 وقام المدعى العام باستجواب أكثر من خمسين خبيرا مستقلا.

وقام بجمع (الحصول علي) إفادات وأدلة أثناء 105 (مهمات) أجراها المدعى العام فى 18 دولة. حيث قام بفحص أدلة الإثبات وأدلة النفى بطريقة محايدة ومستقلة، وذلك وفق زعم المدعى العام. وحتى يخلص المدعى العام الى أن الرئيس البشير ارتكب الجرائم الواردة فى طلب الاعتقال إلى دائرة ما قبل المحاكمة ، فقد أسس استنتاجه هذا بشكل أساسى على :

1 - إفادات شهود العيان وضحايا الهجمات فى دارفور .
2 - مقابلات تم تسجيلها مع مسئولين حكوميين .
3 - إفادات من أفراد لديهم علم أو معرفة بأنشطة المسئولين الحكوميين فى السود ان وممثلين عن الحكومة وميليشيات الجنجويد.
4 - أدلة وثائقية ومعلومات أخرى تم تقديمها للمدعى العام من مسئولين حكوميين بناء على طلب المدعى العام.
5 - تقرير لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، والتى أرسلها مجلس الأمن لدارفور عام 2004 .
6 - تقرير لجنة التحقيق الوطنية السودانية .
7 - وثائق ومواد أخرى تم الحصول عليها من مصادرمتاحة.

وعلى أثر ذلك، قرر أن المتطلبات القانونية الأولية قد استوفيت، فاتخذ فى 6 يونيو 2005 قراره بفتح التحقيق(1)، مطالبا السودان وكل الأطراف المعنية بالتعاون فى هذا المجال.

ويثير اتهام الرئيس البشير - وفقا لادعاء أوكامبو بارتكاب جرائم دولية خطيرة فى دارفور- مسألة قانونية مهمة، هى :

المسئوولية القيادية عن ارتكاب الجرائم الدولية :

يتضمن النظام الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية أركان المسئولية الجنائية الفردية فى المادة 25 . وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه النصوص لم تتضمن تحديد 'الركن المادي' المطلوب.

وبموجب هذه المادة، فإن الشخص يكون مسئولا جنائيا عن 'السلوك' الذى يتضمن الجريمة الداخلة ضمن اختصاص المحكمة، بغض النظر عن ارتكابها بشكل فردى أو جماعى، وفى حالة إذا كان ذلك الشخص :

أ - أمر أو أغرى بارتكاب أو حث على ارتكاب جريمة وقعت بالفعل أو شرع فيها .

ب - قدم العون أو حرض أو ساعد بأى شكل آخر لغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة أو الشروع فى ارتكابها .

وفى جميع الأحوال، فإن المسئولية الجنائية لايمكن تجنبها بادعاء:

أ - الصفة الرسمية لمرتكب الجريمة (م27).

ب - أى مدد زمنية لسقوط الجريمة بالتقادم (م29) .

ج - الخطأ فى القانون، ما لم يكن هذا الخطأ مخالفا للركن المعنوى (م 32 '2').

والدول، بموجب قواعد القانون الدولى الإنسانى، تلتزم بأن تقاضى الأشخاص الذين يرتكبون انتهاكات جسيمة، علاوة على الأشخاص الذين يأمرون بارتكابها أيضا(2). وترد هذه القاعدة الدولية فى النظام الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية(3)، والمحكمة الدولية ليوجسلافيا السابقة(4)، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا(5)، والمحكمة الجنائية الخاصة لسيراليون(6)، وفى لائحة الإدارة الانتقالية للأمم المتحدة فى تيمور الشرقية(7)، وجميعها تنطبق على النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.

وتؤكد العديد من السابقات القضائية الوطنية، منذ الحرب العالمية الأولى وحتى اللحظة الآنية، إسناد المسئولية القيادية للرؤساء وغيرهم حين يرتكب مرءوسوهم جرائم الحرب تبعا لأوامرهم(8).

وقبل أن نتناول الآثار القانونية لطلب اعتقال الرئيس البشير من قبل دائرة ما قبل المحاكمة للمحكمة، عمدنا إلى التعرض لأهم السلطات والصلاحيات التى يتمتع بها المدعى العام للمحكمة، وأيضا الإجراءات والخطوات التى يتبعها عند مباشرة التحرى والاستدلال والتيقن من ارتكاب الجرائم الدولية، التى تندرج ضمن الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك بموجب ميثاق هذه المحكمة.

سلطات المدعى العام :

قبل أن يشرع المدعى العام فى اتخاذ إجراءات التحقيق، يقوم بتقدير وتقييم المعلومات المقدمة إليه، وذلك حتى يتيقن من أن هناك أساسا معقولا لمباشرة إجراء من إجراءات التحقيق بموجب نظام المحكمة (م 35/1).

وفى حالة 'دارفور' ولأن مجلس الأمن كان قد أحال هذه الحالة إلى المدعى العام، فإنه فى حالة تيقن ذلك الأخير من أن إجراء المحاكمة أو المقاضاة لن يخدم مصالح العدالة، فقد وجب عليه أن يبلغ مجلس الأمن بالنتيجة التى انتهى إليها وبالأسباب التى بنيت عليها هذه النتيجة (م 35/2).

ويجوز لدائرة ما قبل المحاكمة، بناء على طلب من مجلس الأمن، أن تراجع قرار المدعى العام بعدم مباشرة إجراء من إجراءات التحقيق أو المحاكمة، حيث تطلب منه إعادة النظر فى قراره هذا، ولا يكون قرار المدعى العام فى ذلك نافذا إلا بعد اعتماده من هذه الدائرة (م 35/3).

وفى هذا الصدد، يجب أن نشير إلى حقيقة قانونية أولية، وهى أن قرار الإحالة، الذى صدر عن مجلس الأمن بإحالة الحالة فى دارفور إلى المدعى العام للمحكمة، وهو القرار رقم 1593، ليس واجب النفاذ مباشرة تجاه المدعى العام، فهو ليس إلا مجرد لفت انتباه المدعى العام للمحكمة إلى وقائع قد تستلزم إجراء التحقيق، وما يقدمه ذلك التحقيق من أدلة كافية هو ما يشكل أساسا معقولا للمحاكمة (م 61). فإذا ثبت للمدعى العام للمحكمة أنه لا توجد ثمة جريمة من أركان الجرائم الواردة فى ميثاق المحكمة، جاز له عدم الاعتداد بقرار مجلس الأمن ورفضه.

فقرار مجلس الأمن بالإحالة، وإن كان صدر بموجب الباب السابع من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، لا يختلف بحال من الأحوال فى إنتاج آثار قانونية مختلفة تجاه المدعى العام، فى حالة ما إذا كانت دولة طرف فى النظام الأساسى قد أحالت قضية إلى المدعى العام للمحكمة.

وفى سبيل إثبات الحقيقة، يجرى المدعى العام التحقيقات اللازمة، بما فى ذلك إجراء تحقيقات فى إقليم أى دولة طرف على النحو الذى تأذن به دائرة ما قبل المحاكمة، وله أن يجمع ويفحص ويقيم الأدلة، وأن يطلب حضور الأشخاص محل التحقيق والمجنى عليهم والشهود وأن يستجوبهم، وأن يحافظ على سرية المعلومات التى يحصل عليها، وأن يتخد التدابير اللازمة لكفالة سرية المعلومات التى يحصل عليها، أو لحماية الشهود أو المتهمين أو المجنى عليهم أو للحفاظ على الأدلة التى حصل عليها(م 54).

وتصدر دائرة ما قبل المحاكمة بعد طلب المدعى العام أمرا بالقبض على الشخص الذى طلب المدعى العام القبض عليه، إذا اقتنعت بوجود أسباب معقولة تدعو للاعتقاد بأن ذلك الشخص قد ارتكب جريمة تدخل فى اختصاص المحكمة، وأن القبض عليه يبدو ضروريا لضمان عدم قيامه بعرقلة إجراءات التحقيق أمام المحكمة (م 85/1).

ومن المتوقع أن تقوم دائرة ما قبل المحاكمة بإصدار قرارها المتوقع باعتقال الرئيس البشير خلال منتصف شهر أكتوبر 8002، وذلك بعد المراجعة والاستفسار من المدعى العام عن تكييفه للجرائم الدولية التى اتهم الرئيس البشير بارتكابها، والأدلة المختلفة التى أسس عليها ذلك الاتهام. وتتحقق هذه الدائرة من الأدلة الثبوتية التى توصل إليها المدعى العام، وأسس عليها طلبه من دائرة ما قبل المحاكمة اعتقال الرئيس البشير.

التزام الدولة غير الطرف فى النظام الأساسى للمحكمة بالتعاون وفقا للقانون الدولي:

باديء ذى بدء، يرتكز نجاح المحكمة الجنائية الدولية، فى أداء وظائفها وإنجازها لأهدافها، على مدى تعاون الدول أطراف النظام الأساسى وأيضا الدول غير الأطراف فى المحكمة.

ويعد تعاون الدول مع المحكمة أمرا مهما للغاية. ويرجع ذلك إلى أن المحكمة - خلافا للمحاكم الوطنية - لا تمتلك قوة بوليس بموجب اختصاصها القضائى، ولا تحوز أيضا قوات مسلحة تابعة لها(9).

فإذا كانت المحكمة تستطيع أن تصدر أوامر باعتقال المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية المعّرفة فى نظامها الأساسى، وملاحقة هؤلاء المتهمين، فإنها تعجز عن أن تتخذ إجراءا قضائيا مثل القبض على المتهمين بارتكاب هذه الجرائم.

أيضا وفى أثناء مباشرة المحكمة للتحقيقات والتحقيق فى القضايا، تعتمد على تعاون الدول فى أمور عدة، مثل المساعدة فى إجراء التحريات، وجمع الأدلة، وإجراءات الاعتقال، ونقل المتهم، وتنفيذ الأحكام القضائية(10).

وفقا لميثاق المحكمة الجنائية الدولية، فإن المحكمة مخولة بأن تقدم للدول الأطراف 'طلبات للتعاون مع المحكمة'، وتلتزم هذه الدول الأطراف بالتعاون بشكل كامل مع المحكمة(11). بيد أن المحكمة يمكن لها أن تدعو الدول غير الأطراف لأن تقدم المساعدة، وفقا لترتيبات خاصة(12).

ومن الصعوبة بمكان تصور أن تقوم دولة غير طرف فى النظام الأساسى للمحكمة - السودان - بالامتثال لطلبات المحكمة باعتقال وتسليم مسئوليها وقادتها المتهمين من قبل المحكمة، وذلك لتقوم هذه الهيئة القضائية الدولية بمقاضاتهم، إلا فى حالات خاصة، وذلك حين يتم خلع أنظمة غير ديمقراطية وحلول نظم أخرى تنفذ حكم القانون(13).

وفى ظل افتقار المحكمة الجنائية الدولية لوسائل عسكرية، فإن تعاون دولة غير طرف فى النظام الأساسى للمحكمة مع هذه الأخيرة غير متصور إلا فى ظل ضغوط خارجية تجاه هذه الدولة، مثل اتباع سياسة التحفيز والترهيب، كما اتبع مع حكومة يوجوسلافيا الاتحادية السابقة(14)، وأرغمت هذه الدولة فى النهاية على التعاون مع المحكمة واتخذت قرارا غير مسبوق بالنسبة للشارع القومى اليوجوسلافى، وذلك بتسليم الرئيس الأسبق سلوبودان ميلوسوفيتش إلى المحكمة الجنائية الدولية ليوجوسلافيا.

وحين نتناول التزام دولة السودان - الدولة غير الطرف فى نظام المحكمة الجنائية - بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، فإنه يلزم أن ندرك أن مجلس الأمن - ووفقا للقرار 1593- هو الذى أحال الحالة فى دارفور إلى المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك لتحقيق السلم والأمن الدوليين فى إقليم دارفور، وذلك عن طريق إقرار العدالة هناك بواسطة المحكمة الجنائية الدولية، وأن الدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة ملتزمة - وفقا للمادة 25 من ميثاق المنظمة - بجميع القرارات التى تصدر عن مجلس الأمن. ونتيجة لذلك، فإن مجلس الأمن يستطيع، حين يحيل حالة إلى المدعى العام للمحكمة، أن يطلب من كل الدول أعضاء الأمم المتحدة أن تتعاون مع المدعى العام للمحكمة(15).

لقد نص القرار 1593 علي: (إن حكومة السودان وكل الأطراف الأخرى فى النزاع فى دارفور عليها الالتزام بالتعاون كليا وتقديم جميع المساعدة الضرورية للمحكمة والمدعى العام وفقا لذلك القرار).

الآثار القانونية لعدم التزام السودان بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية :

منذ أن أحال مجلس الأمن 'الحالة فى دارفور' إلى المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، درج وأصر السودان على رفض التعاون، بل والتعامل مع المحكمة الجنائية الدولية، وأكد، فى عديد من التصريحات الرسمية وعلى لسان الرئيس عمر البشير، عدم الاعتراف بهذه المحكمة، وذلك بزعم أن المحكمة مïسيسة، ولا تنشد إقرار العدالة، بل تحقق أهدافا ومصالح لدول غربية معادية لدولة السودان.

إن النظام الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية يïميز - وإن كان بشكل طفيف - بين عدم التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وكل من الدول الأطراف فى النظام الأساسى للمحكمة، والدول غير الأطراف فى ذلك النظام كحالة السودان.

وفى الحالة السودانية، ولأن مجلس الأمن هو الذى أحال 'الحالة فى دارفور' إلى مجلس الأمن، فعند عدم تعاون السودان - الدولة غير الطرف - مع المحكمة، تستطيع المحكمة أن تخطر مجلس الأمن بعدم تعاون السودان معها.

وهنا، يتعامل مجلس الأمن مع هذا الموقف، وفقا لميثاق منظمة الأمم المتحدة. وعند الضرورة، يمكن لمجلس الأمن أن يفرض العقوبات المناسبة ضد السودان، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وكون أن السودان دولة غير طرف فى نظام المحكمة لا يغير من الأمر شيئا. وفى كل الحالات الأخرى، يمكن للمحكمة الجنائية الدولية، على الأقل، أن تخطر جمعية الدول الأطراف للمحكمة الجنائية الدولية بعدم تعاون السودان مع المحكمة.

بيد أن المادة (112) (2) (و) التى تنظم هذه المسألة، لا تنص على إجراءات محددة يمكن أن تتخذها الجمعية فى ذلك الصدد. أيضا، لا تستطيع جمعية الدول الأطراف للمحكمة أن تقر بمسئولية تلك الدولة غير الطرف التى لا تتعاون مع المحكمة.

جدير بالذكر أنه فى حالة عدم انصياع أى دولة عضو فى منظمة الأمم المتحدة، بالتعاون مع المحاكم الجنائية الدولية الخاصة والتى أنشأها مجلس الأمن - محكمتى يوجوسلافيا ورواندا الدوليتين - باعتبارها أجهزة ثانوية أو فرعية لمجلس الأمن، فإن المجلس له أن يتصرف ومباشرة باتخاذ إجراءات قسرية ضد هذه الدول بموجب الفصل السابع من ميثاق منظمة الأمم المتحدة.

وعلى النقيض من ذلك، ونظرا لأن المحكمة الجنائية الدولية ليست جهازا فرعيا لمجلس الأمن، وليست أيضا أحد أجهزة منظمة الأمم المتحدة، فهنا ينتظر مجلس الأمن أن تبلغه رسميا المحكمة الجنائية الدولية بعدم تعاون دولة غير طرف فى النظام الأساسى للمحكمة معها، وذلك حتى يتسنى للمجلس ما يراه مناسبا لإرغام هذه الدولة على التعاون مع المحكمة.

وإذا أصدر مجلس الأمن قرارا، بموجب الباب السابع من الميثاق، يلزم سائر الدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة، ومن بينها السودان، بالتعاون لتنفيذ أمر الاعتقال - إن صدر - من المحكمة الجنائية الدولية، ورفض السودان الإذعان لذلك القرار، فسيصبح الرئيس السودانى - ولأول مرة لرئيس دولة فى سدة الحكم - غير قادر على مغادرة دولته خارج حدوده. ولن يستطيع أن يمثل دولته فى الساحة الدولية، ولن يستطيع الحضور إلى مقر منظمة الأمم المتحدة، خشية إلقاء القبض عليه، وذلك تنفيذا لأمر الاعتقال الصادر من غرفة ما قبل المحاكمة بالمحكمة الجنائية الدولية. والأخطر من ذلك كله، كيف يكون التعامل والتفاعل مع دولة السودان، ورئيسها ملاحق قضائيا، أمام المحكمة الجنائية الدولية؟.

خاتمة :

إن الحقوق الأساسية للإنسان، والتى يأتى على رأسها الحق فى الحياة، هى حقوق متكاملة غير مجزأة، فالجميع على قدم واحدة من المساواة، سواء بالنسبة لحقوقهم، أو لما يصيبهم حين تنتهك هذه الحقوق.

بيد أن فقدان الدول ثقتها بالتنظيم الدولى المعاصر، وبمبادئ القانون الدولى، ما هو إلا طبيعة وأثر مباشر للإخلال بمبدأ العدالة والمساواة فى السيادة بين الدول. ويجب ألا تثنينا الممارسات الاستثنائية من قبل القوة الوحيدة المتسلطة المتجبرة، والتى تتلاعب بمقدرات الدول والشعوب، عن التشبث بأهداب القانون، والتمسك بمقتضيات العدالة، والتذرع بحصون الحق والحرية.

إن النظام العالمى العادل يجب ألا يهدف إلى إحلال العدل بعد وقوع الحدث وارتكاب الجريمة، إنما يعنى الحئول دون وقوع الظلم ومنع استشرائه إن وقع.

إن النظام العالمى العادل ينبنى على أساس أن الوقاية خير من العلاج، فيجب على المجتمع الدولى كافة أن يتصرف بتجرد وإنصاف قبل حصول الخلل وحدوث الضرر، وهذا النظام العادل لن يتحقق إلا حينما تعم العدالة جميع بنى البشر(16).

-------------------------------------
* مدرس القانون الدولي، جامعة القاهرة

الهوامش :

1- لقد قرر المدعى العام الشروع فى مباشرة التحقيق فى قضايا شمال أوغندا، ودارفور، وإفريقيا الوسطى، والكونجو الديمقراطية، وقرر أيضا عدم مباشرة التحقيق فى قضايا، مثل العراق، ولبنان .. الخ.
2- اتفاقية جنيف الأولى، م49، اتفاقية جنيف الثانية، م5، اتفاقية جنيف الثالثة، م 129، اتفاقية جنيف الرابعة، م 146، اتفاقية لاهاى لحماية الممتلكات الثقافية، م28، البروتوكول الثانى لاتفاقية لاهاى لحماية الممتلكات، م15 .
3- م25 (3).
4- م7 (1).
5- م6 (1).
6- م6.
7- UNTAET Regulation No. 2000/15, Section 14(3).
8- انظر على سبيل المثال: سلوفينيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة.
9- Zhu Wenqi, On Co-operation by States not Party to the International Criminal Court, International Review of the Red Cross, vol. 88, No. 86, March 2006, p. 89.
10- Zhu Wenqi, ibid., p. 89.
11- Article, 86, I.C.C. Statute.
12- Article, 87, I.C.C. Statute.
13- Dominic McGoldrick, The Permanent International Criminal Court, Oxford and Portland Oregon, 2004, p. 82.
14- Ibid., p. 97.
15- Zhu. W., op.cit., p. 92.
16- د. أيمن سلامة، المسئولية الدولية عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006، ص 394 .

المصدر : مجلة السياسة الدولية عدد اكتوبر 2008