المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القانون المدنى و الجنائى



الاستاذ
31-08-2008, 04:03 PM
القانون المدني: الأحوال الشخصي


لقد كانت لمصر عاداتها وقوانينها منذ عهود بعيدة تسبق بقرون عديدة الفتح المقدوني الذي حمل في ركابه الإغريق بعاداتهم وقوانينهم وقد رأى البطالمة في حكمتهم أن يتجنبوا ، بقدر ما تسمح أحوال الحكومة الجديدة ، المساس بما ألفه المصريون من العادات والقوانين . فكانت تطبق على المصريين قوانينهم التقليدية ، التي أطلق الإغريق عليها اسم "قوانين أهل البلاد" (choras nomoi أو enchorios nomos) وقام البطالمة ، فيما يبدو، بتدوينها ونشرها. أو لم يدخلوا عليها إلا تعديلات طفيفة اقتضتها إعادة تنظيم الدولة.

أما الإغريق فيبدو أنهم، كانوا ثلاث فئات: وهي فئة مواطني المدن الإغريقية، وفئة أعضاء الجمعيات القومية، وفئة الإغريق المنتشرين في مختلف أنحاء البلاد ولم يكونوا مواطنين في المدن الإغريقية ولا أعضاء في جمعيات قومية. وقد كان طبيعيًا أن يستن البطالمة لإغريق الإسكندرية وبطوليميس قوانينهم باعتبار هاتين المدينتين منشأتين حديثتين]، أن تستكمل هاتان المدينتان قوانينهما بما كانت تصدره مجالسهما من تشريعات. ولا نعرف عن هذه القوانين إلا النزر اليسير لكنه يتضح من بردية مشهورة (F. Halensis) أن قوانين الإسكندرية اتخذت من قوانين أثينا نموذجًا لها.
وقد كان طبيعياً أيضًا أن يعترف البطالمة بقوانين نقراطيس وكذلك بقوانين الجمعيات القومية الإغريقية (Politeumata) بل بقوانين بعض الجمعيات القومية الأخرى مثل جمعية فرس السلالة واليهود. ولما كان لكل مدينة وجمعية مجموعة قوانينها الخاصة (Politikos Nomos) [فقد كان طبيعيًا أن تختلف هذه القوانين عن بعضها بعضًا، ومع ذلك فإن قوانين المدن والجمعيات الإغريقية كانت جميعًا إغريقية ويظهر فيها بوضوح أثر المدن الأيونية والدورية والأيولية التي وفد منها المهاجرون الإغريق على مصر. بيد أنه من أجل التنسيق بين هذه القوانين Politikoi nomoi قوانين المواطنين] وكذلك من أجل تنظيم معاملات الإغريق الذين لم نتموا إلى تلك المدن والجمعيات.

كان البطالمة يصدرون قرارات وأوامر ومنشورات مختلفة الأنواع (entolai, diorthomata, prostagmata diagrammata) ولا جدال في أنه حيث كانت هذه القرارات والأوامر تختلف مع أي قوانين قائمة كانت الغلبة للإرادة الملكية. وتحدثنا وثيقة من القرن الثالث من الفيوم بأنه كانت يتعين محاكمة المتخاصمين الإغريق وفقًا لتعليمات الملك، أما في الحالات التي لا تشملها هذه التعليمات فتكون المحاكمة وفقًا "لقوانين المواطنين" (Politikoi nomoi).

ولا جدال في أن قوانين المصريين كانت مصرية في جوهرها وقوانين الإغريق إغريقية في جوهرها، ومع ذلك فإنه إزاء تشابك مصالح الفريقين ومعيشتهما جنبًا إلى جنب في بلد واحد يهيمن عليه ملك واحد يقبض على كل مصادر السلطة فيه، لم يكن هناك مفر من أن تتشرب إلى قوانين كل من الفريقين بعض مظاهر قوانين الفريق الآخر. ونستطيع الوقوف على بعض الفوارق بين القانون المصري والقانون الإغريقي وكذلك على بعض ظواهر التفاعل بينهما إذا تناولنا في إيجاز النواحي الرئيسية في كليهما.

الزواج والطلاق، مركز المرأة:

ولعل الفارق بين التشريعين المصري والإغريقي يبد لأول وهلة في تنظيم الأسرة، فإن الشواهد كثيرة على أن المرأة كانت تتمتع في مصر بمكانة اجتماعية وقدر من الاستقلال لم تعترف بهما الشرائع للمرأة الإغريقية والرومانية. فعند الغربيين لم يعترف القانون إلا بالطفل الذي كان قبل كل شيء ابن أو ابنة الأب الشرعي، على حين أن القانون المصري كان يعلق أعظم الأهمية في مسائل البنوة الشرعية والوراثة على الأم التي أنجبت الطفل. وهذا يبدو غريبًا في جماعة لم يحظر فيها القانون تعدد الزوجات إلا على الكهنة. لكنه إذا كان القانون المصري يبيح تعدد الزوجات، فإن الوثائق الديموتيقية التي وصلتنا من عصر البطالمة تدل، بما فيها من الالتزامات نحو الزوجة وأطفالها، على أنه كان يتعذر فعلاً على الزوج أن يتخذ أكثر من زوجة واحدة. ويبدو أن عدم التزوج إلا بواحدة كان قد أًبح العرف السائد في مصر قبل عصر البطالمة، مما حدا بهرودوتوس إلى الزعم بأن القانون المصري كان لا يبيح تعدد الزوجات. والواقع أننا نجد أمثلة لتعدد الزوجات بين المصريين قبل عصر البطالمة وفي أثناء هذا العصر. وعند الإغريق أيضًا لم يحظر تعدد الزوجات القانون، وإنما العرف والرأي العام والنص على ذلك في عقود الزواج.

ويذهب ديودوروس إلى حد القول بأن الزوج كان يعد في عقود الزواج المصرية بإطاعة زوجه. وإذا كان هرودوتوس وسوفوكليس يذكران أن الرجال في مصر كانوا يقومون ببعض الأعمال في البيت مثل النسيج بينما تخرج النساء لتكسب قوت الأسرة، فلا شك في أن ذلك من باب المغالاة، لكنه يدل على الأقل على المكانة السامية التي كانت تتمتع بها المرأة المصرية، وإلى أي حد كانت العادات المصرية تبدو غريبة في نظر الإغريق. وعلى كل حال فإن وثائق كثيرة ترينا أن الزوج كان يضع نفسه كلية في قبضة زوجته وينزل لها عن أملاكه قائلاً: "أنت التي ستعنين بي في حياتي، وإذا مت فأنت التي ستتولين أمر دفني ومقبرتي".

وقد كانت المرأة المصرية لا تتزوج إلا بمحض إرادتها وبشروط كانت عادة ثقيلة على الزوج، إلى حد أنها كما رأينا كانت تجعل تعدد الزوجات أمراً متعذرًا في الواقع وإن كان مباحًا في الشكل. وكانت تستطيع أيضاً الانفصال عن زوجها متى شاءت، وأن تطالب زوجها إذا طلقها بالصداق الذي وعدها به في عقد الزواج، وأن تتصرف تصرفًا كاملاً في أموالها. وجملة القول أن القانون كان يخول للمرأة المصرية أن تتصرف في نفسها وفيما تملك دون أي قيد أو شرط، وذلك على خلاف المرأة الإغريقية، فقد كان القانون يعتبرها قاصرًا ويفرض وجود وصي شرعي عليها في كافة تصرفاتها. لكن المرأة المصرية لم تنعم طويلاً بهذه الحرية في عهد البطالمة، فإنهم على الرغم مما أدعوه من احترام التقاليد المصرية رأوا أن يساووا بين المرأة المصرية والمرأة الإغريقية، وذلك دون شك لكي لا تتبرم الإغريقية وتضيق ذرعًا بحالتها إزاء ما كانت تنعم به المصرية من الحقوق، إذ أنه يعزى إلى بداية عهد بطلميوس الرابع أمر ملكي لم يصل إلينا نصه وإن كنا نستطيع أن نتبين أثره اعتباراً من العام الرابع من عهد هذا الملك عندما حظر على المرأة المصرية الزواج دون إذن وصي، والتعاقد مع طرف ثالث دون إذن زوجها.

وقد أسلفنا أن القانون الإغريقي كان يعتبر المرأة قاصرًا، ووفقًا لأحكام هذا القانون كانت المرأة تخضع قبل الزواج لولاية أبيها، وبعد الزواج لوصاية زوجها، ومن بعده لوصاية ابنها أو أبيها أو جدها أو أخيها. ولما كان الابن الرشيد يصبح وصيًا على أمه، فلا بد إذن من أنه إذا فقدت الفتاة أباها وكان لها أخ رشيد، فإنه هو الذي كان يصبح وصيًا عليها بعد وفاة الأب. وتشير القرائن إلى أنه حين ساوى البطالمة بين المرأة المصرية والإغريقية من حيث اعتبارها قاصرًا، أدخلوا على القانون المصري ما أوردناه من الأحكام الإغريقية الخاصة ببيان الأوصياء على المرأة، ولاسيما أن أولئك الأوصياء أقرب أقاربها وأحق الناس بالولاية عليها. وإذا لم يكن للمرأة وصي ممكن ينص عليهم القانون أو وصية أبيها، فإنها كانت تلجأ إلى السلطات المختصة لتعين لها وصيًا. وكان يجب أن يكون الوصي من جنسية المرأة، لكننا نجد أمثلة للخروج على هذه القاعدة من القرن الثالث، ومن القرن الثاني.

وكما تأثر القانون المصري بالقانون الإغريقي في حالة الوصاية على النساء، تأثر به كذلك في حالة الوصاية على القاصرين من الصبيان. وفي هذه الأحوال أيضًا كان يشترط أن يكون الوصي من جنسية القاصر. وكان يمكن أن يتولى الوصاية على الصبية الرجال وكذلك النساء. وتحدثنا إحدى الوثائق بأن محكمة القضاة الإغريق صرحت لوصي ببيع قطعة أرض يملكها قاصرون تحت وصاية ذلك الشخص بشرط استخدام المال لصالح القاصرين وتحميل الوصي مسئولية سوء التصرف في مباشرة وصايته. ومن ثم يبين أنه في حالة الإغريق كان والوصاة يخضعون في تصرفاتهم لرقابة محاكمة القضاة الإغريق وفي حالة المصريين لرقابة محاكم القضاة المصريين.

وكانت مدة الوصاية على القاصرين تنتهي في حالة الصبية عند بلوغ الرابعة عشرة من عمرهم. أما في حالة الفتيات، فإن الوصاية عليهن كانت لا تنتهي بالزواج وإن كانت تنتقل عندئذ من الوصي الأصلي إلى الزوج.

وقد كان القانون المصري يبيح زواج الأخ من أخته، ولم يعترض البطالمة على ذلك بل شجعوا هذه العادة بما فعلوه أنفسهم، على حين أن قانون أثينا كان يعتبر مثل هذا الزواج رجسًا فاحشًا، وإن كان يبيح زواج الأخوة إذ لم يكونوا من أم واحدة. فهل اقتفى إغريق مصر خطوات البطالمة في زواج الأخوة من أخواتهم؟ نحن نميل إلى استبعاد ذلك على الأقل في القرن الثالث اعتمد على ما أظهره الإغريق من الاستياء الذي ردد صداه الشاعر سوتادس عندما اقتبس بطلميوس الثاني هذه العادة المصرية لأول مرة في عهد البطالمة، ولاسيما أنه ليس في وثائق القرن الثالث ما يثبت انتشار هذه العادة بين الإغريق. هذا ولا نستطيع الجزم بشيء فيما بعد القرن الثالث، عندما تفشت هذه العادة بين البطالمة حتى أصبحت قاعدة. ومرد ترددنا إلى سببين: (أحدهما) أن الأسماء الإغريقية لم تعد منذ القرن الثاني دلالة على الجنسية، و(الآخر) أن كلمة أخت كان يمكن إطلاقها عرفًا على الزوجة حتى وإن لم تكن كذلك، إلا أن هذا الأسلوب لم يكن إغريقيًا بل مصريًا، واستعماله عند الإغريق يشير إلى أنهم اقتبسوا هذا الأسلوب على الأقل، ومما يجدر بالملاحظة أن عقود الزواج بين المصريين كانت تحرر فيما يبدو عادة بالدموتيقية، إلا أنها كانت تحرر في بعض الأحيان بالإغريقية، فقد وصل إلينا عدد كبير من عقود زواجهم محررة بالديموتيقية وبعض عقودهم محررة بالإغريقية.

ويعتقد كثيرون أن القانون المصري كان يعترف بنوعين من الزواج يدعو العلماء أحدهما "الزواج الكامل" (gamos engraphos) والآخر "زواج المتعة" أو التجربة (gamos agraphos).. ومنشأ هذا الاعتقاد هو وجود هذين الاصطلاحين لم يوجدا في وثائق عصر البطالمة، إذ أن أول وثيقة نعرف أنه ذكر فيها الاصطلاح الذي يعبر في رأي العلماء الحديثين عن زواج المتعة (gamos agraphos) ترجع إلى عام 36م.، إلا أن ذلك لم يقض على فكرة وجود نوعين من الزواج عند المصريين. ويفسر الزواج الكامل بأنه زواج يثبت وجوده عقد رسمي، يتضمن الوعد بأن يحيا الطرفان معًا حياة زوجية، وكذلك شروطًا خاصة بالصداق وغير ذلك من العلاقات المادية بين الطرفين ولاسيما حقوق الأولاد. أما زواج المتعة فيفسر بأنه زواج مؤقت يرى البعض أنه لم يكن مصحوبًا بعقد، على حين يرى البعض الآخر أنه كان لهذا الزواج أيضًا عقد، غير أنه لم يتضمن التزامات دائمة بين الطرفين. وينادي البعض بأن العقود الديموتيقية التي تعرف اليوم باسم "عقود الإعاشة" (Alimentary Contracts) كانت عقود زواج المتعة، لكن هذا الرأي لقى معارضة قوية، وذهب البعض في تفنيده إلى حد القول بأنه لم يوجد سوى نوع واحد من الزواج، غير أنه كان يمكن تحديد مدة الزواج بوقت معين.

وقد سميت هذه العقود "عقود الإعاشة" بسبب ما ذكر فيها من المال الذي كانت الزوجة تقدمه لزوجها عند عقد الزواج، مساعدة له فيما يظن على تكاليف المعيشة. ويرى البعض أن مدة هذا الزواج كانت تنتهي باستنفاد هذا المال، لكنه لما كانت هذه العقود لم تحدد الزواج بفترة معينة، وكانت مثلها مثل عقود الزواج، التي يسلم الجميع بأنها عقود الزواج الكامل، قد نصت على التزامات الزوج طوال الحياة الزوجية وفي حالة الطلاق، وأعطت الزوجة والأبناء حقوقًا كاملة على أملاك الأب، فلاشك عندنا في أنها لم تكن عقود زواج متعة أو تجربة. ولعل أهم فارق بين هذه العقود التي تسمى "عقود الإعاشة" والعقود الأخرى التي يسلم الجميع بأنها عقود الزواج الكامل، هو الصداق الذي تنص العقود الأولى على أن الزوجة قدمته لزوجها، على حين أن العقود الأخرى لا تتضمن إلا ذكر الصداق أو هدية العرس من الزوج لزوجته. وإذا عرفنا أن كل ما وصل إلينا من "عقود الإعاشة" كان من منطقة محدودة في مصر الوسطى، تمتد من منف شمالاً إلى كراره (Karara) جنوبًا، على حين أن مصدر عقود "الزواج الكامل" كان مصر العليا، فإننا ندرك أن مرد هذا الفارق كان العادات المحلية فقط ولم يكن الاختلاف في نوع الزواج، إذ يبدو أنه في مصر العليا كان الزوج يتحمل كل عبء إعاشة زوجته، أما في منطقة منف والفيوم فإن الزوج يتحمل كل عبء إعاشة زوجته، أما في منطقة منف والفيوم فإن الزوجة كانت عادة تعطي زوجها صداقًا يساعده على تخفيف هذا العبء عنه.

ويرى البعض أن العقود الإغريقية التي تسمى "عقود الإعاشة" (Syngraphai) كانت عقود زواج المتعة. ونحن نرى أن الفيصل هو عدم تحديد أمد الحياة الزوجية بفترة معينة والنص على التزامات دائمة، فالعقود ـ ديموتيقية كانت أم إغريقية ـ التي لا تحدد الحياة الزوجية بفترة معينة وتتضمن التزامات دائمة لا يمكن اعتبارها عقود زواج المتعة، أما العقود التي يحدد فيها أمد الحياة الزوجية فإنه لا يمكن اعتبارها سوى عقود زواج المتعة، ولاسيما إذا لم تتضمن أية التزامات دائمة. ومثل ذلك الزواج الذي عقد بين شخص يدعى بسنمين (Psenmin) وسيدة تدعى تامين (Tamin)، فقد ورد في عقد زواجهما أن هذا الرجل أودع أمام الإلهتين حتحور وراتاواي (Rattowe) مبلغًا من المال لدى شخص معين لحساب هذه السيدة، على أن تعاشره معاشرة الأزواج مدة معينة (لا ندري بالضبط إذا كانت تسعة أشهر أم خمسة)، وأنها إذا تركته قبل هذه المادة فإنه يسترد هذا المبلغ، أما إذا تركها هو قبل نهاية تلك المدة فإن هذا المبلغ يصبح حقها. ويفهم ضمنًا من العقد أن هذا المبلغ كان يؤول إليها أيضًا إذا قضت في بيت الزوجية المدة التي نص عليها العقد.

إن أحد المؤيدين للفكرة القائلة بأنه لم يوجد سوى نوع واحد من الزواج عند المصريين يفسر هذا العقد تفسيرًا لا يمكن أن يفهم منه إلا أنه كان عقد زواج تجربة، لأنه يرى أن المصري الذي كان يريد الزواج ليجربه لم يكن في حاجة لتحديد فترة هذه التجربة، إذ أنه كان يستطيع طلاق زوجته في أي وقت ولأي سبب، وأنه يبدو كذلك أن الزوجة كانت تتمتع بالحق نفسه. ويرد على ذلك بأن الطلاق كان يستتبع التزامات كان الزوج لا يقع تحت طائلتها عندما ينهى زواجه بانتهاء الفترة المحددة لزواج المتعة أو زواج التجربة، غير أن هذا الباحث يرى أن هذه الالتزامات كانت تثبت في عقد الزواج بمحض إرادة الطرفين وكان في وسعهما تفادي ذلك. غير أنه قد فاته أن الزوجة هي التي كانت تستفيد من وراء هذه الالتزامات، ولاشك في أنها كانت ترفض إتمام الزواج إذا لم يثبت الزوج مالها ولذريتها من حقوق إذا طلقها وتزوج من غيرها. أما لماذا لم يتضمن العقد إشارة إلى احتمال استمرار الزواج إذا ثبت نجاحه، فإنه يمكن الرد على ذلك بأنه في هذه الحالة كان الزواج يتخذ طابعًا آخر يقتضي دون شك عقدًا آخر. وبعد كل ذلك يبدو لنا واضحًا جليًا أن هذا العقد كان عقد زواج متعة أو تجربة.

ولعل من الطريف أن نبين التزامات الزواج كما وردت في أحد عقود مصر العليا، وهو يرجع إلى العام الثالث والثلاثين من عهد فيلادلفوس. إن الزواج، بعد ما أثبت أنه اتخذ السيدة زوجًا له وأعطاها مبلغًا من المال بصفة هدية الزواج، تعهد بأن يعطيها كل يوم قدرًا معينًا من القمح، وكل شهر قدرًا معينًا من الزيت، وكل عام مبلغًا معينًا لسد تكاليف زينتها، وكل شهر مبلغًا آخر لمصروفها الخاص، على أن يكون مفهومًا أن نفقات الزينة غير مصروفها الخاص، وأن من حق الزوجة مطالبته بدفع مصروفها الخاص كل شهر ونفقات زينتها كل عام. ويتعهد الزوج أيضاً بأن يكون ابنها البكر وريثة فيما يملكه أو سيملكه، وبأن يدفع لها مبلغًا معينًا إذا طلقها أو اتخذ زوجة أخرى خلافها، وبأنه يقدم كل ما يملكه أو سيملكه ضمانًا لتنفيذ الوعود آنفة الذكر، وبأن كل أملاكه تصبح أملاكها. ويحمل هذا العقد طابع كاتب العقود المقدس في طيبة وكذلك ما قد يفيد تسجيله أو دفع ضريبة انتقال الملكية في الخزانة الملكية بهذه المدينة في السابع عشر من شهر كيهك من العام الثالث والثلاثين (8 فبراير 252 ق م.)

ويرى البعض أنه لما كانت محتويات العقود الديموتيقية فيما عدا عبارة "اتخذتك زوجة" أو قول الزوجة "اتخذت منى زوجة لك" لا تمس الجانب المعنوي في العلاقات الزوجية وإنما الجانب المادي فقط، فإنه لم يقصد بهذه العقود إتمام عملية الزواج ولا إثبات وجود الزواج، وإنما قبل كل شيء بيان حقوق ملكة الطرفين المتعاقدين وأولادهما. ويستدل على ذلك بحجتين (أولاً) أنه قد ورد في أحد عقود العهد الصاوي ما يأتي "سأنفذ هذه الوثيقة الزوجية من العام الثاني والعشرين من عهد الملك أماسيس بدلاً من وثيقة الزوجية التي تتم الزواج، فلابد من افتراض أن هذين الشخصين تزوجًا مرتين في ظرف سبع سنين دون وجود ما يدل على طلاقهما في خلال هذه المدة، ولذلك يفسر وجود العقود الثاني بإنجاب أولاد للزوجين في خلال هذه الفترة مما استدعى إثبات حقوقهم. وهذا التفسير لوجود العقد الثاني تفسير معقول، لكنه ينطوي على اعتبار الزواج الأول زواج متعة أو تجربة، لأنه لو كان زواجًا كاملاً لنص في عقده على حقوق الأولاد وفقًا لما جرت به العادة في حالات الزواج الكامل (ثانيًا) أنه بين 20 ,25% من هذه العقود حرر بين زوجين لهما أولاد فعلاً، فإذا سلم بأن هذه العقود هي التي كانت تتم الزواج فكان هؤلاء الأولاد لم يكونوا شرعيين، وهذا غير مقبول ولاسيما أنه لا يوجد في العقود ما يشير إلى ذلك. ولذلك يظن أن اتمام الزواج في نظر القانون المصري كان لا يتطلب تحرير عقد ولا مساهمة أي موظف مدني أو ديني في اتفاق الطرفين على الزواج.

ويعترف البعض الآخر بما لهذه العقود من طابع مادي، لكنه يعترض على رأي الفريق الأول ويفترض أنه ربما كان تنظيم المسائل المادية بين الطرفين هو ما يقصده القانون المصري بعقود الزواج.

ونحن نرى أنه ليس من المستبعد أن إتمام الزواج عند قدماء المصريين كان لا يتطلب في أبسط مظاهره أكثر مما تقضي به الشريعة الإسلامية السمحاء من أن يقبل الطرفان الزواج من بعضهما بعضًا، لكنه لإثبات حقوق الزوجة والأولاد أصبح يتعين تحرير عقد. ومعنى ذلك أن العقد في الحقيقة لا يتم عملية الزواج وإنما يثبت وجوده فعلاً. أما الحجتان اللتان سبقت الإشارة إليهما، فأنهما في رأينا تؤيدان الفكرة القائلة وأن زواج المتعة أو زواج التجربة كان يستبدل به زواج كامل في بعض الأحيان. ولعل ذلك كان يحدث إذا ثبت نجاحه من حيث صلاحية الزوجة أو مقدرتها على إنجاب الأطفال، وعندئذ كان يحرر عقد زواج كامل، وبهذا نفسر كل تلك الحالات التي حرر فيها العقد بين زوجين لديهما أولاد. ولم يكن هناك داع بطبيعة الحال للنص في هذه العقود بأن الأولاد ولدوا قبل الزواج الكامل، فإن المهم هو إثبات حقوقهم في العقد وهو ما كان يكتفي به. وليس معنى ذلك أن أولئك الأولاد كانوا أولاد سفاح، إذ أنهم كانوا ثمرة نوع من أنواع الزواج المعترف بها، غير أن حقوقهم في أملاك أبيهم لم تكن مبينة في عقود زواج المتعة أو التجربة لأنه لم تكن لتلك الزيجات صفة الدوام.

ويرى البعض أنه سواء أوجدت في بداية عصر البطالمة أم لم توجد اية تفرقة عند المصريين بين الزواج الكامل وزواج المتعة، اللذين تمثلهما على التعاقب عقود الزواج الصحيحة وعقود الإعاشة، فإنه من المؤكد أنه في أواخر عصر البطالمة، في تلك الفترة التي وصلتنا منها عقود مكتوبة بالإغريقية، لم توجد أية تفرقة من هذا القبيل في الزواج ولم يوجد إلا نوع واحد من العقود، هو تلك العقود المعروفة في الإغريقية باسم عقود الإعاشة (syngraphai trophitides)، وهي تمثل كل عقود الزواج بين المصريين وترينا دون أي مجال للشك زواجًا كاملاً صحيحًا. ونحن لا نستطيع قبول هذا الرأي، فمن ناحية سبق أن أوضحنا متى تعتبر العقود المسامة "عقود الإعاشة" عقود زواج كامل ومتى تعتبر عقود زواج متعة أو تجربة، ومن ناحية أخرى لما كانت الأدلة تشير إلى وجود هذين النوعين من الزواج عند المصريين قبل عصر البطالمة وبعد عصر البطالمة، فإنه يصعب أن نتصور عدم وجودهما في عصر البطالمة وبعد عصر البطالمة، فإنه يصعب أن نتصور عدم وجودهما في عصر البطالمة حتى إذا لم تصلنا أدلة على وجودهما، فما بالك ولدينا مثل هذه الأدلة. وإزاء ذلك يبدو لنا أنه كان يوجد عند المصريين في عصر البطالمة نوعان من الزواج، وهما الزواج الكامل وزواج المتعة، لكن العبرة في التفرقة بين هذين النوعين من الزواج ليست بتقديم الزوجة صداقًا لزوجها أو بتقديم الزوج صداقًا أو هدية لعروسه، وإنما باعتبار النوع الأول من الزواج صداقًا أو هدية لعروسه، وإنما باعتبار النوع الأول من الزواج رابطة مقدسة لها طابع الدوام في كل النواحي، على عكس النوع الثاني الذي كان يحدد أمده بفترة معينة دون أن يترتب على ذلك أية التزامات دائمة.

وليست مشكلة الزواج بين إغريق مصر البطلمية أقل تعقيدًا، ولا أدل على ذلك من أن العلماء ينقسمون إزاءها أيضاً فرقًا وأشياعًا، فمنهم من يرى أنه كان يوجد بين الإغريق أيضاً نوعان من الزواج على نمط ما كان بين المصريين، أي زواج كامل تمثله تلك العقود التي تعرف "بعقود المعاشرة" (Syngraphai Synoikisiou)، وزواج متعة تمثله تلك العقود التي تعرف باسم "عقود الاتفاق" (Syngraphai homologias) ويعزى وجود زواج المتعة بين الإغريق إلى تأثرهم بعادات المصريين أو قوانينهم. ويرى البعض أن عقود "الاتفاق" أو "اتفاقات الزواج" لم تكن عقود زواج كامل ولا زواج متعة، وإنما عقود رابطة تمهيدية يراد تحويلها إلى زواج كامل بعد فترة طويلة أو قصيرة.

ويرى البعض أن عقود الزواج الإغريقية نوعان، لكنهما نوعان من التوثيق لنوع واحد من الزواج، وأن التوثيق المزدوج لم يستخدم إلا في حالة عقد زواج مختلط وخاصة بين إغريقي ومصرية وذلك لصالح الزوجة، لأن صاحب هذا الرأي يعتقد أن الزواج المصري كان يحتم وجود عقد مكتوب على حين أن ذلك لم يكن ضروريًا لدى الإغريق، ولذلك فهو يرى أن "زواج المتعة" (gamos agraphos) لم يكن إلا الزواج الإغريقي الذي ليس له عقد، أما الزواج الكامل فهو الزواج المصري بين المصريين أو بين طرفين أحدهما مصري والآخر إغريقي. لكنه مما يجدر بالملاحظة أن عقود التوثيق المزدوج لا تتحدث إلا عن إغريقي ، وأن بعض علماء الديموتيقية ينكرون، كما رأينا، ضرورة وجود عقد زواج مكتوب لإتمام الزواج عند المصريين.

ويرى البعض أن عقود الزواج الإغريقية نوعان، لكنهما نوعان من التوثيق لنوع واحد من الزواج كان يقصد بهما تنظيم العلاقات بين الطرفين واثبات حقوق أبنائهما وكان كلاهما ضروريين لقيام حياة زوجية صحيحة. ويبدو أن هذا الرأي أدنى إلى الحقيقة، كما يستخلص من الوثائق التي سنذكرها. ويرى البعض أن "عقود الاتفاق" تقابل الخطوبة (engyesis) وتقديم الصاقد في الزواج الإغريقي القديم، وأما "عقود المعاشرة" فإنها وثائق كانت تشهد بقيام الحياة الزوجية وتنظم العلاقات المادية، وعلى حين أن عقود الاتفاق كانت شرطًا أساسيًا لإتمام الزواج قانونًا، لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لعقود المعاشرة حتى أنه كان يمكن تحريرها في بداية الحياة الزوجية أو بعد الزواج.

ونحن نرى أن عقود الزواج الإغريقية كانت نوعين من التوثيق لنوع واحد من الزواج، لكنه يجب التفرقة بين زواج الإغريق الذي كانوا يعيشون في الإسكندرية وبطوليميس، والذين كانوا يعيشون خارج هاتين المدينتين. وسنبدأ بالكلام عن الفريق الثاني، وكانوا في أول الأمر يمهدون للزواج بتحرير "عقد الاتفاق". وتدل "عقود الاتفاق" التي لدينا من القرن الثالث على أن هذه العقود كانت خاصة ببيان الصداق وإقرار الزوج باستلامه والظروف التي يتعين عليه رده فيها. أما لإتمام الزواج فإنه كان يجب تحرير "عقد المعاشرة"، وكان أهم أركانه النص على أن والدي العروس قد زواجاها للعريس، وذلك وفقًا للعادة الإغريقية القديمة (وهي العادة المسماة ekdosis). وكان ينص أيضاً في هذا العقد على حقوق وواجبات الطرفين، وكانت هذه الحقوق والواجبات تتضمن تعهد الزوجة بأن تعيش مع زوجها وتقدم له الطاعة والواجبة على الزوجة نحو زوجها، وحقها في أن تشاركه أملاكه وفي أن يمدها زوجها بكل ضرورات الحياة اللازمة لسيدة متزوجة في نطاق موارد الزوج. وكان ينص على أنه لا يباح للزوج أن يتزوج من أخرى أو يتخذ حظية أو غلامًا أو ينجب أولادًا من أية سيدة أخرى عدا زوجته في أثناء وجودها على قيد الحياة، أو يعيش في أي بيت آخر لا تكون زوجته الشرعية هي سيدته، أو يطرد زوجه أو يهينها أو يسئ معاملتها أو يتصرف في أملاكهما المشتركة بشكل يضر بمصالح زوجه. وإذا أخل الزوج باالتزاماته فإنه كان يتعين عليه أن يرد الصادق لزوجته. وقد كان محرمًا على الزوجة أيضاً أن تقضي أي وقت خارج بيت الزوجية ليلاً أو نهاراً دون إذن زوجها، أو أن تكون لها علاقة بأي رجل آخر أو أن ترتكب أي عمل يشين زوجها. وفي عقود الزواج المبكرة التي وصلتنا من الريف وكذلك في عقود الزواج التي من الإسكندرية نلاحظ أنه إذا قصمت الزوجة عرى الحياة الزوجية دون أن يبرر ذلك خطأ ارتكبه الزوج فإنها كانت تفقد حقها في استرداد الصداق، ويبدو أن ذلك كان يحدث أيضًا للسيدة التي تخون زوجها باعتبار ذلك إخلالاً بشروط العقد. أما في العقود التي من القرنين الثاني والأول قبل الميلاد فإننا نجد أنه إذا أرادت الزوجة الانفصال عن زوجها من تلقاء نفسها فإنه كان يتعين عليه رد الصادق إليها في خلال مدة معينة، حددت في أحد العقود بعشرة أيام، وفي عقد آخر بستين يومًا وإذا عجز الزوج عن ذلك تعين عليه دفع المبلغ مضافاً إليه أيضاً 50% من قيمته. وكان يوقع على العقد الزوجان وستة شهود وكاتب الفقد وحارس العقود. وسترعى النظر هنا أن النقود الإغريقية تحوي التزامات الطرفين إزاء بعضهما، أما العقود المصرية فليست فيها إلا التزامات من طرف واحد وهو الزوج قبل زوجته.

وتدل "عقود الاتفاق" التي ترجع إلى النصف الأول من القرن الثاني على حدوث تطور هام إذ أن محتويات هذه العقود لم تعد مقصورة، مثل ما كانت في الماضي، على الملابسات الخاصة بالصداق بل أنها أصبحت تشمل أيضاً نصوصًا خاصة بتنظيم الحياة الزوجية، وتثبت قيام الزوجيةبمجرد تحرير "عقد الاتفاق"، ومع ذلك فإن هذه العقود كانت لا تزال تشترط عمل "عقد معاشرة". وقد وصل هذا التطور نهايته الطبيعية في القرن الأول قبل الميلاد عندما أصبح "عقد الاتفاق" بكل ما يتضمنه من نصوص خاصة بالصداق وكذلك بالحياة الزوجية عقد زواج حقيقي يكتفي به وحده دون حاجة إلى المطالبة بتحرير "عقد المعاشرة" غير أنه ليس معنى ذلك أنه لم يعد أحد يستخدم "عقود المعاشرة" على الإطلاق، إذ أن الأمثلة التي لدينا منها ترجع إلى القرون الرابع والثالث والثاني وكذلك القرن الأول.

ولم يكن التطور الذي طرأ على عقود الزواج الإغريقية نتيجة لتأثير التقاليد المصرية، أو لتقليد عقود الزواج المصرية المعروفة بعقود المعاشرة (syngraphai trophitides) أو لاقتباس هذه العقود، بل كان تطورًا طبيعيًا لوضع الأسرة الإغريقية في الريف المصري ومتمشيًا مع روح قانون الأحوال الشخصية الإغريقي المطبق عليها، ولذلك يمكن القول أن عقود زواج الإغريق كانت إغريقية خالصة في شكلها وفكرتها، القانونية.
وتتضارب الآراء حول مسألة الخطوبة، تلك العادة الإغريقية القديمة المألوفة في القانون ألأتيكي، لكنه ليس في الوثائق ما يبرر القول بأن هذه العادة كانت متبعة بين إغريق مصر.

ونستخلص من عدة وثائق أنه في الإسكندرية كان الطرفان يعقدان عقدًا مدنيًا (Synchoresis) وفي حالتين نص في العقد على أنوالدي العروس قد زوجاها للعريس . وفي كل الحالات يعترف الزوج بأنه قد استسلم الصداق، ويلي ذلك النص على واجبات الزوج من حيث إعالة زوجته، وعلى واجب الطرفين أن يكونا وفيين مخلصين لبعضهما، وعلى أنه إذا أخل ازوج بشروط العقد فإنه يجب أن يرد الصداق والفوائد. وفي إحدى الحالات اتفق الطرفان على تحرير عقد ثان أمام هيئة كهنة الوحدات (hierothytai)، وفي حالتين أخريين لم يرد ألا ذكر العقد الثاني أمام هيئة كهنة الوحدات.
إن كل وثائق الإسكندرية ترجع إلى عهد أغسطس، لكن لا شك في أنها تصور ما كان متبعًا بين إغريق الإسكندرية وبطوليميس في عهد البطالمة، ولاسيما أنه قد ورد في وثيقة بطلمية من مدينة بطوليميس ذكر الزواج أمام هيئة كهنة الوحدات، وأن من المعروف أن هاتين المدينتين كانتا تعتزم بالنظم الإغريقية القديمة التي كانت تستوجب انتماء كل مواطن إلى قبيلة (phyle) وحي (dame) ووحدة (phratry). أما نقراطيس فإنه لم توجد فيها قبائل وإحياء وتبعًا لذلك لم توجد فيها وحدات أيضاً. ومثل ما كانت عليه الحال في المدن الإغريقية الأخرى، أو على الأقل في أثينا يبدو أن الوحدات في الإسكندرية وبطوليميس كانت تقوم بدور في زواج أعضائها. ويتبين من وثائق الإسكندرية ومن وثيقة بطوليميس أن كهنة الوحدات كانوا يؤلفون في كل من الإسكندرية وبطوليميس هيئة يبدو أنها كانت تختص بعقد زواج أعضاء الوحدات والإشراف على تنظيم شئونهم الدينية.

وهكذا يتبين أن زواج مواطني الإسكندرية وبطوليميس يتفق مع زواج باقي إغريق مصر من حيث التوثيق المزدوج، بل أن عقد الزواج الديني قد سمى في بعض الحالات على الأقل "عقد المعاشرة". لكنه لما كان "عقد الاتفاق" قد نشأ عن ضرورة اعتراف الزوج باستلام الصداق، وأصبح فيما بعد يتضمن نصوصًا عن الحياة الزوجية نفسها، وكانت صيغة العقد المدني في الإسكندرية ترينا أن أهم أركانًا إثبات قيام حالة الزوجية، فلابد إذن من أن الباعث على ازدواج التوثيق في الإسكندرية وبطوليميس كان مختلفًا عنه خارج هاتين المدينتين. وإذا كان العلماء لم يتشككوا إطلاقًا في أن العقد المدني كان صحيحًا قانونًا وكفيلاً بإقامة حياة زوجية صحيحة وصيانة حقوق الطرفين والأولاد فكيف نفسر ضرورة العقد الديني، ولاسيما أنه لم يوجد اختلاف جوهري بين محتويات العقدين؟

أن ضرورة عقد زواج ديني بعد الزواج المدني تدل على أن العقد الديني كان أكثر أهمية من العقد المدني. ويبدو أن مرد أهمية العقد الديني إلى أنه كان يكفل لأبناء الطرفين من المواطنين التمتع بحقوقهم السياسية. ولذلك نعتقد أنه على حين كان كل إغريق الإسكندرية وبطوليميس يحررون العقد المدني كان أفراد طبقة المواطنين فقد هم الذين يهتمون بتحرير العقد الديني، ولاسيما أنهم هم فقط الذين كانوا يسجلون في القبائل والأحياء والوحدات.

وقد رأينا كيف أنه في عقود الزواج الإغريقية المبكرة التي من الريف وفي عقود الزواج التي من الإسكندرية كان العرف الإغريقي يعاقب الزوجة بحرمانها الصداق إذا فصمت عرى الحياة الزوجية دون أن يبرز ذلك خطأ ارتكبه الزوج، لكننا نجد في عقود زواج إغريق الريف منذ القرن الثاني قبل الميلاد أنه كان يحق للزوجة الانفصال من زوجها متى شاءت دون أن تتحمل عقوبة لقاء ذلك. مرد هذا إلى أثر العادات والتقاليد المصرية التي كانت تعترف للمرأة بحقوق تنكرها عليها الشرائع الإغريقية.

ووثائق الطلاق بسيطة في معناها وفي مبناها مما يكفينا مؤنة الإطالة في الشرح أو التعليق، فإنها كانت تحرر على نمط الخطابات ومن صورتين تعطي أحداهما لكل من الطرفين. وكان لا يذكر في هذه الوثائق سبب الانفصال، بل يكتفي بالنص على أنه لم يعد لأحد الطرفين حقوق على الطرف الآخر، مع التعهد بألا يقاضي أحدهما الآخر، والاعتراف بحرية كل منهما في أن نعقد زواجًا جديدًا، وبيان حقوق الأطفال الذين أنجبهم الطرفان.

ويتبين من العقود الإغريقية أن الصداق كان يتألف عادة من مبلغ من المال، أو من ملابس ومجوهرات، أو في بعض الأحيان من مجوهرات وملابس ومبلغ من المال أيضًا. ويبدو أن ملابس الزوجة ومجوهراتها كانت على نوعين: فإن أحدهما كان يعتبر جانبًا من أملاك أسرتها بسبب قيمته الكبيرة ويمثل الصادق أو جزءًا منه، وكانت قيمته تقدر بدقة، وكان الزوج يعتبر مسئولاً عنه إذا مسه سوء أو نقصت قيمته. أما النوع الآخر (Parapherna)، فكان أقل قيمة وتستخدمه الزوجة في حياتها اليومية ويعتبر ملكًا خاصًا لها ولم يعتبر جزءًا من الصداق، وكان الزوج لا يحاسب عليه. وقد كان الصداق يلعب دورًا هامًا جدًا في عقود الزواج الإغريقية، حتى أن "عقود الاتفاق" لم تكن في الأصل أكثر من إيصال باستلام الصداق يعطيه الزوج لأبوي الزوجة أو للزوجة نفسها. ذلك أن الصداق كان يعتبر ملكًا خاصًا للزوجة وأسرتها يرد إليها إذا طلقت، على نحو ما بينا، ويؤول بعد وفاتها لوراثتها. ونذكر بهذه المناسبة أنه وفقًا للقاعدة العامة كان يحق لكل من الزوجين أن يرث الآخر. وكان يضمن استرجاع الصداق طرف ثالث أو أملاك الزوج، وكان القانون يعطي الزوجة وذويها حق الرجوع على أملاك الزوج وشخصه في حالة عجزه عن رد الصداق. وفي بعض الأحيان، كانت الزوجة تملك أيضاً أملاكًا أخرى كالعبيد أو العقار من وقت سابق على الزواج، أو منذ الزواج نتيجة لتقديمها هدية من أحد أقاربها بمناسبة الزواج. وفي الحالة الأولى كانت الممتلكات تذكر في وثيقة الزواج، لبيان حق الزوج في استغلالها، وبيان مآلها في حالة الطلاق أو في حالة وفاة أحد الطرفين. أما في الحالة الثانية فإنه كان يضم إلى وثيقة الزواج عقد الهبة، مع بيان حقوق الزوج ومآل الأملاك في حالة الوفاة أو الطلاق. وفي حالة وفاة أحد الزوجين كانت الأملاك تؤول إلى الآخر والأولاد، أما إذا لم يوجد أولاد فإنه كان يحق لأحد الطرفين أن يرث الآخر.

ومما يجدر بالملاحظة أن الإغريقيات كن يتزوجن في سن مبكرة جدًا، إذ أنه لدينا عدة أمثلة لزوجات كانت تتراوح سنهن بين الثانية عشرة والعشرين. أما الرجال فلدينا مثل واحد لزوج كانت سنه خمسة عشر عامًا، على حين أن الأمثلة الأخرى هي الأشخاص تزيد سنهم على العشرين. ومن ثم كانت سن الزوج عادة أكبر من سن الزوجة. وقد كانت أم الزوجة تنوب عنها على الدوام تقريبًا في تحرير عقد الزواج، وفي بعض الأحيان كان أبوها هو الذي ينوب عنها، وفي أحيان قليلة كان الأبوان معًا يقومان بذلك. وفي عدد من الحالات نجد الزوجة تتعاقد بنفسها مع الزوج، وإنما مع وجود وصي. أما الزوج فإنه قلما كان لا يتولى التعاقد بنفسه.

ويستدل مما وصل إلينا حتى الآن من وثائق الزواج والطلاق على أن سكان مصر في عصر البطالمة كانوا يتألفون من ثلاثة عناصر رئيسية: وهي الإغريق وفرس السلالة والمصريون. ويبدو من دراسة هذه الوثائق أن التزاوج بين هذه العناصر كان بوجه عام نادرًا =، حتى أنه ليس لدينا مثل واحد لا يرقى الشك إليه لزواج مختلط بين طرفين أحدهما مصري والآخر إغريقي. لكنه ليس معنى ذلك فيما نظن أنه لم يحدث أي تزاوج بين هذين العنصرين. ويعتقد البعض أنه في مثل هذه الزيجات كان الناس يلجأون إلى نظام خاص للتوثيق، لكننا لا نستبعد أنهم كانوا يقتفون أما أثر المصريين أو الإغريق في تحرير عقود الزواج، وذلك حسب الاتفاق بين الطرفين، إلا أننا لا نستطيع الجزم بذلك بسبب افتقارنا إلى الأدلة. وإذا كان يبدو من وثائق العصر الروماني أن الزواج بين فرس السلالة والمصريين كان شائعًا جدًا، فإننا لا نعرف عن يقين إذا كانت الحال مماثلة لذلك في عصر البطالمة أيضاً، وإن كنا لا نستبعد ذلك. ولما كان أولئك الفرس يحملون أسماء إغريقية،. فمن المحتمل أن هذا يفسر إلى حد انتشار الأسماء الإغريقية بين المصريين، وهو ما يراه البعض دليلاً على كثرة التزاوج بين المصريين والإغريق في النصف الثاني من عصر البطالمة.

وقد كان يحرر عقود الزواج المصرية، وكذلك سائر العقود الديموتيقية. كتبة مصريون ينتمي أغلبهم إلى فئة الكهنة، وكان يطلق عليهم بالإغريقية مونوجرافوي (Monographoi). أما العقود الإغريقية فقد كان يحررها كتبة عاديون. أما لعقود التي كان فيها أحد الطرفين مصريًا والآخر إغريقيًا، فإنها كانت تحرر وفقًا للقانون المصري أو الإغريقي تبعًا لما يستقر عليه رأي الطرفين، ويتبين نوع الاختيار من اللغة التي حرر بها العقد.

سلطة الأب، حقوق الأبناء:

وكانت كل من الأسرة المصرية والأسرة الإغريقية تقوم على مبدأ سلطة الأب على أفراد أسرته، ولم تكن هذه السلطة في الواقع ألا نرعا من الوصاية. وكانت سلطة الأب على أبنائه تنتهي في حالة البنات عند الوصاية. وكانت سلطة الأب على أبنائه تنتهي في حالة البنات عند زواجهن، وفي حالة الأولاد عند بلوغهم الرابعة عشرة من عمرهم، ففي هذه السن كانت تتاح للإغريق فرصة المساهمة في الحياة العامة بأن يصبحوا أعضاء في أحد الأحياء التي كانت القائل تنقسم إليها. وابتداء من هذه السن كانت تفرض على المصريين الضرائب ومن المحتمل أيضاً أعمال السخرة. وفي بعض الحالات كان المصريون والإغريق يعتبرون أهلاً لأداء خدمات عامة إجبارية حتى وهم قاصرون. وقد كانت سلطة الأب على أبنائه سلطة شاملة غير محدودة تشمل وأد الأطفال وبيع الأولاد ورهنهم.

وفي القانون البطلمي، مثل القانون الأتيكي، كان الابن لا يستطيع أن يقاضي أو يقاضي مادام قاصرًا ولذلك كان يجب أن يمثله أبوه. أما الابن البالغ فكان يستطيع أيضًا التصرف في أملاكه دون موافقة أبيه، أما الابن البالغ فكان يستطيع ذلك. ويبدو أنه في حالة وفاة الأب أو عدم وجوده كانت الأم تتمتع على أبنائها القاصرين بكل سلطات الأب وحقوقه.

وكان أبناء المصريين الراشدون يستطيعون في حياة آبائهم التمتع بحق الامتلاك تحت مسئوليتهم الشخصية، وكذلك حق التصرف في ممتلكاتهم، بل أن الآباء كانوا يحتاجون إلى موافقة أبنائهم من أجل التصرف في ممتلكاتهم، بل أن الآباء كانوا يحتاجون إلى موافقة أبنائهم من أجل التصرف في شيء من ممتلكات الأسرة حتى أنه كان ينص على هذه الموافقة في العقود. ولعل منشأ هذا هو ما اعتاد المصريون عليه من منح أملاكهم في أثناء حياتهم لأولادهم، وتوزيع هذه الأملاك بمقتضى عقد خاص لكل واحد منهم. ويبدو أن الابن الأكبر كان يتمتع في حياة أبيه بشء من الوصاية على أخواته الأصغر، فإنه في أحد عقود البيع من عهد بطلميوس الثامن يورجيتس الثاني نرى أكبر أربعة أخوة يتعاقد باسم أخواته الذكور والإناث، ونرى الأب يعترف بصحة هذا العقد عند تقسيم أملاكه بين هؤلاء الأولاد فيما بعد إمام المشرف على التسجيل (Agoranomos). ويبدو أن البنت الكبرى كانت تتمتع أيضًا بهذا الحق على أخواتها الذكور والإناث الأصغر منها، إلى حرمها البطالمة هذا الحق عندما وضعوا المرأة المصرية تحت الوصاية كما سلف القول. وكان يتعين على الابن الأكبر حماية أخواته الأصغر وتمثيل الأسرة أمام المحاكم. ولما كان غير مستبعد أن يسئ الابن الأكبر استخدام حقه في تقسيم التركة بين أخواته إذا لم يكن الأب قد فعل ذلك، فقد جرت العادة بأن يقسم الأب أملاكه بالتساوي بين أبنائه الذكور والإناث.

التــبني:

وقد كانت فكرة الحياة في العالم الآخر تسيطر إلى حد بعيد على عقول المصريين، الذين كانوا يعتقدون أنها تتصل اتصالاً وثيقًا بالمحافظة على الجسد وتتوقف على القرابين التي يقدمها الأحياء. وكان الإغريق والرومان أيضًا يعنون بالحياة الأخرى وإنما بدرجة أقل من المصريين، ألا أنهم كانوا جميعًا يعتمدون على وفاء سلالتهم في توفير الحاجات اللازمة للمحافظة على كيانهم من أجل الحياة الأخرى. وقد ساهم هذا الاعتقاد في العمل على ضمان وجود النسل الذي يوفر المطالب الضرورية لموتى الأسرة. وبرغم اهتمام المصريين بأن تكون لهم ذرية، فإنه يبدو أنهم لم يلجأوا إلى تبني الأولاد ـ تلك الوسيلة المألوفة عند الإغريق والرومان من أجل إيجاد ذرية للعاقرين بطريقة اصطناعية ـ إذ أنه لم يوجد في مصر مثل للتبني قبل العهد الروماني. ولا غرو فإن تبني الأولاد نوع من أنواع البيع، وقد كان القانون المصري يحرم على الآباء بيع أبنائهم. أن سهولة الطلاق وزواج المتعة أو التجربة والاعتراف بالأبناء الذين ولدوا قبل الزواج ـ أن كل ذلك وفر للمصريين وسائل متعددة للحيلولة دون انقراض النسل.

الوصاية والهبات:

وقد كان الاهتمام بالمستقبل يدفع المصريين، الذين كانوا في سعة من العيش، إلى التصرف فيما يملكون، وهم على قيد الحياة، بتقسيم أملاكهم واتخاذ الاحتياطات اللازمة لضمان الاتفاق على الطقوس الخاصة بهم بعد مماتهم، فإن القانون المصري لم يعترف بالوصايا (diatheke) وذلك على عكس القانون الإغريقي الذي كان يبيح ترك وصايا يوزع الموصي بمقتضاها كل أملاكه أو بعضها بعد وفاته بشرط عدم تخطي أبنائه وقد كان المصريون يستطيعون الاستفادة من ذلك وترك وصايا إغريقية، لكنه يبدو أنه لم تكن لهم، على الأقل في البداية، ثقة كبيرة في قيمة الوصايا، لأنهم كانوا يحاولون ضمان تنفيذ شروطها بإقحام الملك في ذلك مثل ما كان يفعل المتعاقدون الذين كانوا يشترطون دفع غرامة للخزانة الملكية في حالة عدم احترام العقد، أو مثل الذين كانوا يوقفون جانبًا من أملاكهم للإنفاق على طقوسهم الجنازية ويحتاطون للأمر بإشراك الملك الحاكم معهم.

وإذا كانت قد وصلت إلينا وصايا إغريقية تركها بعض المصريين فإنه وصلت إلينا أيضًا وصايا تركها إغريق من عهد فيلالفوس، فيما يظن، ومن عهد بطلميوس الثالث والسادس والثامن، لكنها ليست العقود الأصلية وإنما نسخ أو من المحتمل ملخصات كانت محفوظة في مكاتب التسجيل ووجدات مبعثرة في أكفان الموميات. وتشمل صيغتها عادة: (أ) التاريخ مبينًا بعام الملك الحاكم وكهنة وكاهنات عبادة أسرة البطالمة (ب) اسم الموصي وأصله وعمره مع ذكر أنه سليم معاف (ج) بيان بالورثة وبنصيب كل منهم إذا كانوا كثيرين، مع النص على ألا يستولوا على شيء إلا بعد وفاة الموصي (د) وفي الوصايا التي ترجع إلى عهد بطلميوس الثالث، كان ينص على أن الملك والملكة وسلالتهم هم الذين يقومون على تنفيذ الوصية (هـ) بيان بالشهود، وكانوا عادة ستة، مع توقيعاتهم وذكر ألقابهم ومراتبهم في الجيش إذا كانوا في سلك الجندية.

وماذا كان يحدث إذا توفي الأب دون ترك وصية، أو في حالة المصريين إذا لم يكن قد قسم أملاكه وهو على قيد الحياة بين أبنائه؟ لقد كان القانون المصري يرتب الورثة طبقات ويضع الأولاد في مقدمة ورثة الآباء، ويقضي بالمساواة في التقسيم بين البنين والبنات، على أن يخلف الابن الأكبر أباه في الوثاية على الأولاد والبنات القاصرين، وأن يكون من حقه الحصول على نصيب يعادل ضعف نصيب الأخ أو الأخت الأصغر. وكان يحق للأحفاد الحصول على نصيب أبيهم إذا توفي قبل جدهم.

وفي حالة عدم وجود وصية، كان القانون الإغريقي يعطي الأبناء الأسبقية في وراثة آبائهم. وكانت أنصبة الأبناء متساوية، لكنه يبدو أن القاعدة المصرية ـ التي كانت تميز الابن الأكبر ـ صادفت قبولاً ولو محدودًا لدى الإغريق وكان لا يحق للبنت مشاركة أخواتها الذكور في الإرث لكنه كان يحق لها الحصول على صداق من أبيها، أو بعد وفاته، من أخوتها. وكانت البنت لا ترث إلا إذا كانت الوريثة الوحيدة (epikleros)، وفي هذه الحالة كان يتعين عليها أن تتزوج من أقرب أقاربها تحتفظ بالإرث في الأسرة. وإذا لم يوجد أبناء أو أحفاد كان الإرث يؤول إلى أحد الزوجين، أما إذا لم يوجد ورثة مباشرون فإن الإرث كان يصبح من حق أخ المتوفى وأبنائه أن وجدوا وإلا فإن هذا الحق كان يؤول إلى أخت المتوفى وأبنائها، وفي حالة عدم وجود ورثة كان الإرث كان يصبح من حق أخ المتوفى وأبنائه إن وجدوا وإلا فإن هذا الحق كان يؤول إلى أخت المتوفى وأبنائها وأبنائها، وفي حالة عدم وجود ورثة كان الإرث يؤول إلى التاج.

ووفقًا للقانون المصري، كان على الابن الذي يطالب بتركه باعتبارها إرثًا من والديه إثبات صلته بالموروث قبل أن يستطيع استلام التركة. ووفقًا للقانون الإغريقي كان يجب على الوريث قبل تسلمه التركة إثبات أنه ابن شرعي للمورث وإعلان قبوله للإرث. ويعترف القانون المصري بحق الوريث في التنازل عن إرثه في أثناء حياة المورث وبعد وفاته. وقد اقتفى الإغريق أثر هذه القاعدة، مع ملاحظة أنه في بعض الأحيان كان الإرث ينتقل نتيجة لعملية بيع مشروطة بقيام المشتري بسداد ما على التركة من ديون. ويبدو أن فكرة مسئولية الوريث عن ديون المورث تتفق مع روح قانون الوراثة المصرية، أما فيما يخص إغريق مصر، فقد كان المبدأ العام هو أن عبء ديون المورث يقع على الإرث وليس على الورثة فيما عدا الديون العامة، فقد كان الورثة مسئولين عنها.

وكان القانونان المصري والإغريقي يعترفان بالهبات التي تمنح بمناسبة الوفاة، لكنه كان ينص في العقود على عدم تنفيذها إلا بعد حدوث الوفاة. وكانت هذه العادة أكثر شيوعًا بين الإغريق منها بين المصريين. ولم تكن هذه الهبات خاضعة للقيود الخاصة بالوصايا لكنها كانت متأثرة بها.

العبيــد:

وكان القانون في عهد البطالمة يفرق تفرقة واضحة بين الأحرار والعبيد. وكان العبيد في ذلك العهد ثلاث فئات وهي: عبيد الملك وعبيد الأفراد وعبيد المعابد. ويرد القانون الإغريقي العبودية إلى أربعة أسباب. كان أقدمها وأكثرها شيوعًا الأسر في الحرب؛ وكان ثانيها أمرًا غير مشروع وهو خطف الأحرار واستبعادهم عنوة، وكان ثالثها اعتبار أبناء الإماء عبيدًا سواء أكان آباؤهم أحرارًا أم عبيدًا، وكان رابعها التقاط الأولاد الذين وأدهم ذووهم وتربيتهم عبيدًا. وفضلاً عن ذلك فإنه في عصر البطالمة كان العجز عن الوفاء بالدين يمكن أن يؤدي إلى الاستبعاد.

وكان القانون المصري يعتبر أبناء العبيد عبيدًا ويعترف بحق الشخصي في بيع نفسه أو أبنائه في سوق النخاسة. وكان أكبر أثر للتشريع الإغريقي على التشريع المصري في مسألة العبيد. وبيان ذلك أن ما جرى الإغريق عليه من التقاط الأولاد الذين وأدهم ذووهم لتربيتهم عبيدًا واعتبار أبناء الإماء عبيدًا أصبحا شائعين بين المصريين في عصر البطالمة، وكذلك الوسائل الإغريقية المختلفة لتحرير العبيد، أما بالوصايا أو بالهبة أو بالبيع لأحد الآلهة أو بإعلان تحريرهم رسميًا.

ويجب النظر إلى علاقة العبد بسيدة من ناحيتين: وأحدهما الناحية الشخصية، والأخرى الناحية العينية. وكان العبد يعتبر ملكًا شخصيًا لسيدة وجزءًا من ممتلكاته. وكان من حق السيد تسمية عبده وتأديبه واستغلال كفايته حسبما يتراءى له والتصرف فيه وفقًا لأحكام القانون أما بالبيع أو الرهن أو التوريث. ومن ناحية أخرى كان العبد يستطيع مباشرة تصرفات صحيحة قانونًا بالنيابة عن سيدة مثل البيع وقبول الأموال واستلامها.
وهكذا نرى أن العبد كان من الناحية الشخصية يعتبر نوعًا من أنواع المتاع، أما في المعاملات المالية فإنه كان يعامل معاملة الأشخاص العاديين.
ومن ناحية القانون الإداري كان العبد يسجل باعتباره ملكًا لسيده كان نوع آخر من أنواع المتاع. وقد مر بنا أنه كان تفرض عليه ضريبة الامتلاك، وعند بيعه ضريبة البيع، لكنه من ناحية أخرى كان كأي رجل حر يستطيع أن يصبح عضوًا في إحدى الجمعيات.

ووفقًا لأحد قانونين وصلانا من عصر البطالمة كان السيد يعتبر مسئولاً عن جرائم عبده، لكنه كان يستطيع التخلص من مسئولية دفع الغرامة بتسليم عبده ليعاقب. ووفقًا للقانون الآخر كان يمكن توقيع العقوبة على شخص العبد، لكنه كان في وسع سيدة افتداؤه من العقوبة بدفع الغرامة.


منقول

الاستاذ
31-08-2008, 04:07 PM
القانون المدني: الأحوال العينية

لحيازة والملكية:يفرق القانون البطلمي بين الحيازة والملكية. وكان هذا القانون يعترف بحق الأفراد في امتلاك المنقولات مثل أدوات العمل والماشية وخلايا النحل والعبيد .

أما عن امتلاك العقار فإن الرأي السائد حتى الآن هو أن القانون البطلمي لم يعترف بملكية الأرض الزراعية امتلاكًا حرًا وأن الأرض كانت تنقسم قسمين رئيسيين وهما أرض الملك وأرض العطاء. وكان الملك يستغل بنفسه أرض القسم الأول ويمنح حق استغلال أرض القسم الثاني لآخرين مع احتفاظه بحق ملكيتها . غير أنه يبدو من الوثائق البردية أنه كان يحق للأفراد أن يمتلكوا أرض البناء وما عليها من مبان وكذلك بساتين الفاكهة والكروم. وكان القانون يعترف أيضًا بحق عدد من الأفراد في امتلاك أجزاء معينة في مبنى واحد أو قطعة أرض وكذلك بحقهم في امتلاك عين على الشيوع .

وكان الوسائل المعترف بها لامتلاك عين امتلاكًا قانونيًا هي الشراء والإرث ووضع اليد لمدة تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات.
وأيسر السبل لإثبات وتأييد حق انتقال الملكية في جماعة متحضرة هو تحرير عقد يقره الطرفان المتعاقدان وتسجيل هذا العقد وبذلك يمكن الاحتجاج به إزاء أية دعوى يتقدم بها أحد هذين الطرفين أو أي طرف ثالث.

وقد كانت تجبي ضرائب عن كل عقد ينطوي على انتقال ملكية الأملاك غير المنقولة سواء بالوراثة أم بالمنح أم بالبيع، ولذلك كان يجب تقديم هذه العقود إلى الخزائن الملكية، لأنها كانت مكلفة بجباية الضرائب المفروضة على حق انتقال الملكية، وذلك لحساب ملتزمي هذه الضرائب المفروضة على حق انتقال الملكية، وذلك لحساب ملتزمي هذه الضرائب. وكان مدير الخزانة يذكر في أسفل العقد المبلغ الذي حصله وتاريخ السداد وعبارة موجزة عن نوع التعاقد، فكان ذلك يكسب العقد طابعًا صحيحًا. ولعل ذلك كان أبسط أنواع التسجيل ويمكن الاكتفاء به في حالة العقود المحررة بالإغريقية، فلا يلجأ الناس إلى تسجيل العقد تسجيلاً كاملاً تفاديًا للمصاريف، وربما كان هذا هو السبب في قلة عدد ما وصلنا من العقود المسجلة تسجيلاً كاملاً على نحو ما مر بنا.

استخدام العقود في التعامل:

وكان المصريون لا يستخدمون في معاملاتهم العقود المكتوبة فقط بل الاتفاقات الشفوية كذلك. ووفقًا لقانون من قوانين بوكخوريس (Bocchoris) وهو الاسم الذي أطلقه الإغريق على بوكانرنف الذي حكم مصر من حوالي عام 718 إلى حوالي عام 712 ق.م. في عهد الأسرة "الرابعة والعشرين" كان لا يزال معمولاً به في عصر البطالمة، كان على المدين الذي ينكر أنه تعاقد على دين شفويًا أن يقسم اليمين على صحة ما يقول. وكان ذلك متبعًا أيضًا بين الإغريق، فقد كانوا يستخدمون كذلك العقود المكتوبة والاتفاقات الشفوية في القروض وفي صفقات البيع سواء أكانت مصحوبة بمقدم الثمن أم لا.

وكان من الممكن التعاقد عن طريق وكيل ينوب عن أحد الطرفين المتعاقدين. ووفقًا للقانون المصري والإغريقي كانت صلاحية العقد تتطلب إتمامه برضاء الطرفين، ولذلك كان استخدام القوة في ذلك يبطل صلاحية العقد. وكان يتعين أيضًا توقيع عدد من الشهود على العقد، وكان عدد الشهود يتراوح بين أربع شهود وستة عشر شاهدًا بحسب أهمية العقد.

وقد كان يحتكر تحرير العقود في عصر الفراعنة كتبة ينتمون إلى الجماعات المقدسة (Hierogrammates). وفي عصر البطالمة نجد أنه في مصر العليا، حيث استمسك كهنة آمون بالتقاليد القديمة ولاسيما أنها كانت تعود عليهم بالفائدة، كان تحرير العقود المصرية حتى بالديموتيقية وقفًا على الكتبة المقدسين الذين أطلق الإغريق عليهم اسم مونوجرافوي (Monographoi). أما خارج مصر العليا فإن الكتبة المقدسين لم يحتكروا كتابة العقود، وكان في وسع المصريين والإغريق الالتجاء إلى فئة من عامة الناس احترفوا هذه المهنة وكانوا يدعون محرري العقود (Synallagmatographoi).

الـديــون:

ولضمان تنفيذ العقود بأمانة، كان المصريون والإغريق يضعون فيها شرطًا يقضي على الطرف الذي لا يحترم العقد بدفع غرامة معينة للخزانة الملكية، أو كان الدائن يقبل بأن يعامل معاملة المدين للإدارة المالية، ومعنى ذلك حبسه إذا لم يسدد دينه، وذلك بالرغم من أن بوكخوريس كان قد أبطل الحبس من أجل الديون الخاصة. وثمة وسيلة أخرى، وهي وضع شرط جزائي في العقد كانالمدين الذي لا يسدد دينه يعتبر بمقتضاه مدانًا مقدمًا دون محاكمة، ويتحمل العقوبة التي كان تفرض في مثل هذه الأحوال. وكان هذا الشرط التنفيذي يستكمل غالبًا بالنص على صلاحية العقد في كل مكان، وبتوقيع حارس العقود بما يؤيد ذلك. ويستخلص من العقود المتعددة التي تشمل هذه الصيغ أن القانون الإغريقي، الذي كان يألف كل هذه الوسائل في سداد الديون المتأخرة، قد طبق في مصر منذ بداية عهد البطالمة على النزلاء الأجانب على الأقل. ولاشك في أنه طبق سريعًا بعد ذلك على كل سكان البلاد. ولابد من أن الخطوة الأولى في هذا السبيل كانت صدور أمر ملكي، يتضمن قواعد قانون الدين الإغريقي، ويلغي قانون بوكخوريس الذي يتسم بالرحمة والإنسانية. وإذا كنا لا نجد أي إشارة إلى هذا الأمر الملكي في الوثائق القليلة التي وصلتنا من عهد بطلميوس الأول، فإن مضمون هذا الأمر الملكي يتضح من وثيقة من عام 243، أي من عهد بطلميوس الثالث، وهي عبارة عن شكوى قدمها شخص يدعى أنتيجونوس، لأنه سجن مدينًا له بناءً على أمر ابيستاتس يدعى دوريون، إلا أن باترون رئيس هذا الأبيستاتس أطلق سراح المدين، ولذلك فإن أنتيجونوس يطالب بالحكم على باترون، وفقًا للأمر الملكي الذي لم يحترمه، بدفع ثلاثة أمثال الدين، وبأن يؤمر محصل الديون الخاصة بتسلم هذا المبلغ. وهكذا يتبين أن الحبس بسبب الدين كان أمرًا مقررًا بأمر ملكي، بل أنه إذا خالف أحكام هذا الأمر أحد رجال الإدارة وأطلق سراح مدين لم يف بالتزاماته فرض عليه دفع ثلاثة أمثال الدين.

وترينا وثيقة من عام 263، أي من عهد بطلميوس الثاني، إن الأمر الملكي قد حدد أيضًا مسئولية الضامنين في هذا الصدد، فقد ورد في هذه الوثيقة ما يأتي: "في العام الثاني والعشرين من عهد بطلميوس بن بطلميوس وابنه بطلميوس، عندما كان بلوبس كاهن الإسكندر والإلهين الأخوين، وكانت منسيستراتا ابنة تيسارخوس كاهنة أرسينوي فيلادلفوس، في الرابع عشر من شهر زانديكوس، الذي يوافق شهر أمشير في التقويم المصري، في مونيخاروس بمديرية أوكسيرينخوس. مناسون بن سيموس، تراقى من السلالة، وهجمون بن ثيوتيموس، كريتي من السلالة، يضمنان تيموكلس بن سيموس، تراقى من السلالة، بحيث يحضرانه للمثول في هيراكليوبوليس أمام القائد كريسيبوس لإصدار قرار في القضية التي ج عله أبولونيوس بمقتضى عقد مسئولاً فيها عن مبلغ قدره 300 دراخمة وأرابحه التي قدرها 100 دراخمة. فإذا لم يسلماه كما هو مبين هنا، فإنهما يدفعان مبلغ الثلثمائة دراخمة مضافًا إليها 10% والمصاريف، ويسمح لأبولوينوس وغيره من أتباع كريسيبوس أو محصل الديون باتخاذ الأجراء اللازم وفقًا للأمر الملكي".

إن الوثائق التي تحدثنا عن سجن المدينين في عصر البطالمة متعددة، ولسنا في حاجة إلى الذهاب بعيدًا للدليل على ذلك، إذا كنا نعرف أن البطالمة كانوا يسمحون بما هو أقسى وأمر من ذلك: ألم يسمحوا بالاستعباد بسبب الدين؟ لكن من الغريب أن ملكًا قاسيًا أشد القسوة مثل بطلميوس الثامن، الذي خلعت عليه قسوته لقب "الشرير" بدلاً من لقبه الإلهي "الخير" وعزى إليه أنه قطع ابنه إربًا إربًا لينتقم بذلك من زوجة كليوبترا الثانية ـ من الغريب أن هذا الملك حظر سجن المدينتين دون تقديمهم للمحاكمة، كما حظر استعباد المدينين من مزارعي الملك والذين يمدون الملك بدخله وغيرهم ممن لا يسمح باتهامهم (أمام القضاء العادي؟). وهل أفلح ذلك في تحرير المدينين من هذا المصير؟ إننا نشك كثيرًا في ذلك لأنه، كما رأينا، لم تكن لأوامر البطالمة الفوضى والاضطرابات في البلاد. ولو أنه كان لقوانينهم أثر فعال، لما اضطر الرومان فيما بعد إلى إعادة إصدار مثل هذه القوانين.

ومن أجل ضمان حقوق الدائنين، كان القانونان المصري والإغريقي يعترفان بوسائل أخرى قديمة العهد غير تسجيل العقود والنص فيها على أن المدينين الذين لا يسددون ديونهم يدفعون غرامة معيشة للإدارة المالية. وإحدى هذه الوسائل تشبه ما نسميه اليوم "برهن الحيازة"، إذ أنه عند عمل القرض كان المدين يقدم بمثابة ضمان (enechyron) عينًا تعادل قيمتها بوجه التقريب المبلغ ال يتعهد الدائن برد العين عند سداد الدين. وإذا لم يسدد المدين دينه، فإن الدائن كان يطلب إليه ذلك عن طريق رجال الإدارة، وعند عدم وفائه بما التزم به كان يحرم حق استرداد الضمان وتمنع ملكيته للدائن، لكنه كان من حق المدين استرداد ما رهنه عند سداد الدين. وكانت الوسيلة الثانية (antichresis) تتلخص في إعطاء الدائن حق استغلال عين يملكها المدين ويرهنها لديه أو يقرضها له أو يؤجرها له. وكان دخل العين في الحالتين الأولى والثانية أو إيجارها في الحالة الثالثة يعتبر فائدة للدين ويستخدم في استهلاكه إذا زاد الدخل على الفائدة.

أما الوسيلة الثالثة فهي الرهن (hypotheke) وتشبه ما نعرفه بالرهن الضماني، وهو في معناه القانوني حق الدائن على عين تبقى في قبضة المدين، غير أن قيمتها كانت تضمن سداد الدين، فإنه في حالة عدم السداد كان يحق للدائن بيع العين المرهونة أو الاستيلاء عليها وفاء لدينه حتى ولو كانت قيمتها تزيد على الدين ولقد كانت هذه الوسيلة تستخدم قبل كل شيء في عقود الالتزام، فإننا رأينا مثلاً عند بيع التزامات الضرائب أن الإدارة المالية كانت تحتفظ لنفسها بحق تعويض العجز من ممتلكات الملتزمين وضامنيهم. وليس ثمة ما يدعو إلى الشك في أن رهن الأملاك لدى الأفراد كان يكسبهم الحقوق نفسها التي كانت للدولة في مثل هذه الأحوال. ولعل الوسيلة الرابعة كانت أيسر من غيرها، ولذلك يبدو أن الأهالي كانوا يفضلونها، وهي تماثل ما نعرفه "بالبيع الوفائي" وتتلخص في أن يبيع المدين العين المقدمة ضمانًا (one en pistei) لدائنه مع احتفاظ الأول بحق استرجاع (Panobchounis) قد حرر من البيع قطعة أرض كان قد أودعها لدى شخصين، بمقتضى عقد بيع مع حق الاسترجاع، ضمانًا لمبلغ معين، ولذلك فإن هذين الشخصين قد تنازلا عن أي حق لهما على هذه الأرض بمقتضى ذلك البيع، ثم يلي ذلك توقيع مسجل العقد. وكانت هذه الوسيلة أيضًا مألوفة عند الإغريق مع فارق هام وهو أنه بمجرد عمل العقد كانت ملكية العين تنتقل إلى الدائن، وإذا سدد المدين دينه كان يتعين عمل عقد جديد لإعادة نقل ملكية العين. وكان يمكن أن يستخدم لهذا الغرض عين ثابتة أو منقولة. وكانت الوسيلة الخامسة (hypallagme) تتلخص في أن يسلم المدين للدائن عقود ملكية عين يملكها وذلك ضمانًا لعدم تصرف المدين في تلك العين إلى أن يسدد دينه. وكان الدائن لا يكتسب نتيجة لذلك أي حق على تلك العين، لكنه إذا لم يف المدين بدينه كان في وسع الدائن اتخاذ الإجراءات القانونية لحرمانه ملكية العين أو التنفيذ ضد كل ممتلكاته.

وتتصل بالقروض اتصالاً وثيقًا الفوائد التي تجبي عنها، وقد حدد أمر ملكي من القرن الثالث فائدة القروض وجعلها 24% في السنة، وفي أغلب الحالات كان ينص في العقد على الفائدة، وإلزام المدين بدفع الدين مضافًا إليه 50% منه في حالة عدم الوفاء به في الموعد المحدد، وذلك فضلاً عن الأرباح، على نحو ما نرى في الوثيقتين التاليتين. فإن الوثيقة الأولى تحدثنا بأن سيدة تدعى أبولونيا أقرضت مبلغًا من المال لمدة أربعة أشهر ونصف شهر بربح قدره 5% شهريًا، أي 60% سنويًا، وإذا لم يسدد الدين عند انتهاء المدة المحددة فإن الدين يزداد بمقدار 50% من أصله، وتضاف إلى ذلك الأرباح المستحقة عن المبلغ كله طوال المدة الإضافية. ويلاحظ أن الربح الذي طلبته هذه السيدة كان يزيد على ضعف القيمة التي حددها القانون. أما الوثيقة الأخرى فإنها تحدثنا عن شخص يدعى ثوتيموس أقرض مبلغًا من المال دون فائدة لمدة ثلاثة أشهر، على أنه إذا لم يسدد عندئذ، فإنه يحتسب منذ انتهاء هذه المدة ربح قدره 2% شهريًا أي 24% سنويًا، وذلك بالإضافة إلى زيادة الدين بمقدار 50% كالعادة.

وفي بعض الحالات كان لا ينص في العقد على الفائدة. ولما كانت شرائع اليهود تحظر عليهم أن يتعاملوا مع بعضهم بعضًا بالربا، فإن البعض يرى أثر الشرائع اليهودية في عقود القروض الإغريقية والديموتيقية التي لم ينص فيها على الفائدة. لكن ما لدينا من عقود قرض بين يهود نص فيها على الفائدة ينهض دليلاً على أن على الأقل فريقًا من اليهود كان لا يحترم الشرائع اليهودية في هذا الصدد. وحتى إذا جاز أن اليهود بوجه عام ـ مع جشعهم وعدم استمساكهم عادة بقواعد دينهم ـ كانوا حريصين على مراعاة شرائعهم فيما يخص إقراض إخوانهم في الدين ـ وهذا أمر مشكوك فيه جدًا ـ فإنه إزاء ما كان الإغريق والمصريون يكنونه من كراهية شديدة لليهود يتعذر علينا أن نتصور إمكان ميل الإغريق والمصريين إلى التشبه بهم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يتبين من الوثائق أن عدم النص على الفائدة أدمجت في رأس المال الواجب سداده، وبذلك كان المقترض يعتبر مدينًا بمبلغ أكبر مما اقترضه فعلاً، وهنا أيضًا إذا حدث تأخير في السداد، فإن الدين كان يزداد مباشرة بمقدار 50%، ويؤيد هذا الرأي في تفسير ذلك العدد الكبير من عقود القرض التي توصف بأنها عقود قرض بدون فائدة (daneion atokon) ما نتبينه من وثائق متعددة، نكتفي بذكر مضمون أحداها وهي التي تحدثنا بأن سيدة تعترف لشخص يدعى أرسيسيس (Arsiesis) بدين قدره 22.5 إردبًا من القمح بدون فائدة، وذلك بدلاً من أبيها (المتوفى؟) الذي كان قد اقترض من والد أرسيسيس 14 إردبًا، على أن تسدد الدين كاملاً في ظرف شهر واحد من اليوم التالي لتاريخ العقد، وإلا فإنها تسدد ثمن القمح بسعر السوق مضافًا إليه 50% وفي حالة القروض النوعية، كان المدين يتحمل عادة على نفقته نقل الحبوب إلى الدائن وكيلها بالمكيال نفسه الذي كيلت به، بل كان يشترط إلى جانب ذلك أن تكون الحبوب جيدة ونقية.

ولعل السر في ارتفاع نسبة الأرباح عن القروض النقدية هو قلة النقد في بلاد اعتادت على النظام الاقتصادي الطبيعي، وهو نظام التبادل، حتى أن أغلب الضرائب العقارية وإيجار الأراضي الزراعية كان يدفع نوعًا، وإن كان بعض الضرائب وبوجه خاص الغرامات المستحقة للخزانة العامة يجب دفعها نقدًا. ويبدو من ملف قضية أقامها أحد المدينين أن قانون بوكخوريس القديم ـ وكان يحظر أن تزيد فوائد الدين المتراكمة على قيمة الدين الأساسية ـ كان لا يزال مطبقًا أو لعله بعث ثانية في عهد فيلادلفوس. ويستوقف النظر أنه إذا كان سعر الفائدة قد حدده أمر ملكي، فإنه يتضح من الوثائق الكثيرة التي تجاوزت فيها الفائدة السعر الرسمي أنه لم يحظر تجاوزه أو لم تفرض عقوبات على ذلك، فلم تكن للأمر الملكي فائدة عملية.

وربما كانت قلة النقد وارتفاع نسبة أرباح القروض النقدية سببًا في أنها كانت أقل من القروض النوعية. وكان من الممكن أن تتخذ القروض النقدية شكل بيع سلعة يدفع ثمنها قبل تسليمها بمدة معينة، وإذا لم تسلم فإنه كانت تطبق القواعد المتبعة في حالة عدم سداد القروض. إذ أن وثيقة من بداية القرن الأول قبل الميلاد تحدثنا بأن ديونيسيوس وزوجه أنينايس اتفقا على أن يبيعا لشخص يدعى بتسوخوس ثلاثة أرادب من القمح لقاء 2000 دراخمة من البرونز عن كل أردب. وقد قبضا منه هذا المبلغ وتعهدا بتسليم القمح في ظرف ستة أشهر من ذلك التاريخ، وكذلك بنقله على نفقتهما، وبأنها إذا عجزا عن تسليم القمح في الموعد المحدد فإنهما يلزمان بسداد قيمة القمح مضافاً إليها 50%، وبأن بتسوخوس يستطيع استخلاص حقه من أي الشخصين المتعاقدين أو من كليها كما لو كان قد صدر حكم قانوني بذلك.

ويبين أنه وفقًا للقانون المصري كان رد عقد القرض للمدين ينهي التزامه قبل الدائن، أما وفقًا للقانون الإغريقي فإن الالتزام كان ينتهي بسداد الدين، لكنه لم تلبث أن سادت القاعدة المصرية القائلة بأنه طالما بقى العقد موجودًا فإن الالتزام يبقى قائمًا. ولذلك كانوا يلجأون إلى عدة وسائل لمواجهة ذلك، ومنها إلغاء العقد برسم عدد من الخطوط على هيئة صلبان على كل أجزائه، ومنها أيضًا الحصول على إيصال يتضمن الوعد بعدم المطالبة بالدين، ومنها كذلك رد العقد مصحوبًا بعقد جديد يتضمن الوعد سالف الذكر.

وقد كانت عقود إيجار الأراضي تتضمن شروطًا شبيهة بما كان ينص عليه في العقود الخاصة بالقروض. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر هذه الوثيقة، التي تحدثنا بأن شخصًا يدعى مارون كان صاحب إقطاع أجره لشخص آخر يدعى هوريون وهذا أجره من الباطن لثالث يدعى بطلميوس بمقتضى الشروط التي تستغرق هذه الوثيقة الطويلة. وقد كان الإيجار لمدة خمس سنوات، لقاء إيجار سنوي قدره 120 إردب من الحبوب الجديدة النقية، التي يجب كيلها بمكيال المعبد المحلي وتسليمها نوعًا كل عام في شهر بؤونة، دون انتقاص أي شيء منها لأي سبب، وتكون كافة مصاريف الحصاد والنقل على نفقة بطلميوس. وقد تعهد هذا أيضًا باستصلاح البقع البور في الأرض المستأجرة، على أن يساهم هوريون في نفقات ذلك بمبلغ 4 تالنت و3000 دراخمة من البرونز، وقد سلم منها 2 تالنت و3000 دراخمة دفعة أولى لبطلميوس، وتعهد بدفع الباقي في ظرف سنتين. وكان يتعين على بطلميوس، ابتداء من السنة الثانية، إراحة نصف مساحة الأرض بزرعها أي نوع من مزروعات لا تضني الأرض فيما عدا الحبوب الزيتية. وفي مقابل كل هذه الشروط، تعهد هوريون بأن يضمن لبطلميوس وعماله أو شركائه حرية استغلال الأرض إلى أن تنتهي مدة العقد الذي كان لا يحق لبطلميوس أن ينزل عنه لشخص آخر.

إن الطرفين لم يكتفيا بالتعهدات المنصوص عنها في العقد، فقد أضافا إليها فرض غرامات عند الإخلال بالشروط المتفق عليها، على نحو ما كان يتبع في بعض العقود إزاء عدم الوفاء بالدين، ذلك أنه اشترط أنه إذا عرقل هوريون أو سمح بعرقلة قيام المستأجر باستغلال الأرض فإنه يتحمل غرامة قدرها 30 تالنت من البرونز، وإذا لم يسدد المبلغ المتفق عليه لإصلاح الأرض فإنه دينه يزداد بمقدار 50% ويتحمل أيضًا الخسائر المترتبة على ذلك. وغذا لم يدفع بطلميوس الإيجار المتفق عليه، فإن العقد يصبح لاغيًا، ويتحمل بطلميوس غرامة قدرها 30 تالنت وكذلك الخسائر المترتبة على ذلك. وإذا لم يرح بطلميوس الأرض في كل عام فإنه يدفع غرامة قدرها عشرة أرادب بالإضافة إلى الإيجار، و إذا لم يسلم الأرض عند انتهاء العقد في حالة جيدة فإنه تفرض عليه غرامة قدرها 10 تالنت من البرونز. وتأتي في مقدمة العقد ملخص شروطه وتوقيعات الشهود وحارس العقود. وقد ذكر في أسفل العقد ما يثبت صحته وتسجيله يوم تحريره.

وعلى الغرامة التي يدفعها للخزانة العامة الطرف المسئول عن عدم احترام العقد. وعندما كان البيع لا يصحبه سداد الثمن والنزول عن حقوق الملكية في الحال، كان يستخدم بدل العقدين عقد قرض لمدة معينة، وكان المشتري يعتبر مدينًا للبائع بثمن الشراء.

وقد انتشرت عادة تحرير عقدين منفصلين لكل صفقة بيع مصرية، إلى حد أن الكتبة الإغريق قد تأثروا بها. ولدينا على الأقل مثل واحد كامل لصفقة بيع إغريقية حرر لها عقدان في اليوم نفسه، وكان اليوم الثاني من شهر كيهك في العام الرابع عشر من عهد بطلميوس إسكندر (17ديسمبر عام 101 ق.م.). وقد ذكر في عقد التنازل ما يدفعه البائع للمشتري وللملك إذا لم يحترم العقد.

أما فيما يخص الإغريق، فإنه وفقًا لتشريعات الإسكندرية كان نقل حق ملكية أي عين من شخص إلى آخر يقتضي إعطاء البائع جيرانه ما يعرف بمال الحدود (amphorion) ليتنازلوا له عن حقهم في الشفعة، ويقرروا أنه يحق له بيع العين وأنه لم يسبق له بيعها إلى شخص آخر، ويشهدوا على نقل ملكيتها إلى المشتري. وبعد ذلك كان يدفع كل من البائع والمشتري ضريبة معينة لأمناء الخزانة الذينكانوا يقومون بتسجيل البيع بحسب الحي والوحدة. لكن هذا النظام لم يلبث أن أدخل عليه تعديل عندما صدر في خلال القرن الثالث أمر ملكي يحظر على أمناء الخزانة تسجيل نقل ملكية أي عين قبل أن يثبت بائعها ملكيته لهذه العين.

وإذا كان الملك قد أصدر للإسكندرية، برغم استقلالها الذاتي، تشريعًا خاصًا بتنظيم بيع الممتلكات الثابتة وتسجيلها، فإننا نرجح أن يكون قد أصدر تشريعًا مشابهًا لنقراطيس وبطوليميس وسائر أنحاء مصر.

وقد كانت عقود البيع الإغريقية في عصر البطالمة تقتفي أثر التقاليد الإغريقية القديمة، إذ أنها كانت عادة تكتفي بالنص على أن (فلانًا) باع (كذا) و(فلانًا) اشترى (كذا) وعلى الضمانات التي كان القانون الإغريقي يفرضها على الضامنين (Bebaiotai) والوسطاء (Propoletai)، وفي بعض الأحيان، كان عقد البيع يقرن بعقد تنازل (Syngraphe apostasiou) كان البائع يتنازل بمقتضاه عن كل حقوق له على العين المبيعة. وحوالي آخر القرن الأول قبل الميلاد كانت تستخدم صيغة تجمع بين نصوص عقدي البيع والتنازل.

ومن أشهر الوثائق البردية البطلمية الوثيقتان المعروفتان باسم وثيقتي زويس (Zois)، وهما تعطيانا مثلاً لبيع عقارات بأمر الدولة من أجل سداد العجز في حصيلة أحد الالتزامات التي باعتها، فقد مر بنا أنه في حالة الملتزم الذي لا يفي بالتزماته كانت الدولة تستخلص حقها من أملاكه وأملاك شركائه أو ضامنية. أن شخصًا يدعى دوريون التزم في العام التاسع والعشرين من حكم أحد ملوك البطالمة ـ يظن البعض أنه بطلميوس السادس ـ استغلال مناجم ملح البارود (النطرون) في مديرية منف، لكنه لم يستطع آخر العام سداد المبلغ الذي تعاقد عليه، فاتجهت الإدارة المالية إلى استخلاص حقها من أملاكه الموهونة لديها بمقتضى عقد الالتزام. ولما لم تكف فإن الإدارة المالية لجأت إلى ضامنيه، وقد كانت من بينهم سيدة تدعى ثانوبيس كان قد ضمنته بمبلغ 11 تالنت و4000 دراخمة من العملة البرونزية. ولما لم تستطع أن تسدد إلا مبلغًا قدره 4000 دراخمة، فإن الحكومة شهرت في المزاد الحديقة التي كانت تملكها. وقد رسا المزاد على ابنتها زويس بمبلغ 10 تالنت و4000 دراخمة، تعهدت بسداده للخزانة على أربعة أقساط سنوية قدر كل منها 2 تالنت و4000 دراخمة، ولما كان يتبقى بعد دفع ثمن الحديثة 2000 دراخمة لسداد بقية الدين فقد قامت ثانوبيس نفسها بدفعها.

إن "وثيقتي زويس" تخصان دفع قسطين من الأقساط المستحقة على زويس في العام الحادي والثلاثين والعام الثالث والثلاثين من حكم الملك سالف الذكر، لكنهما تذكران في إيجاز الحوادث السابقة التي أفضت إلى ذلك. وتعطينا هاتان الوثيقتان فكرة عن كيفية سداد المبالغ المستحقة للدولة ومراجعتها، فإنه بناء على تعليمات الإبيميليتس ـ وكان يدعى دوريوس مثل الملتزم ـ أرسل الأويكونوموس (وكان في العام الحادي والثلاثين شخصًا يدعى ثيودوروس، وفي العام الثالث والثلاثين شخصًا آخر يسمى هليودوروس) إلى هيراكليدس مدير الخزانة الملكية في منف أمرًا بتسلم القسط السنوي، وعلى الأمر توقيع الأبيميليتس، بعد مراجعة البيانات التي قدمها كاتب الإقليم لإثبات صحة ما ورد في هذا الأمر. وقامت زويس بسداد المبلغ لأحد مرءوسي هيراكليدس (وكان يدعى خرمون في المرة الأولى واسكلبيادس في المرة الثانية) وذلك بحضور أحد الموظفين الذي أثبت أن المبلغ المدفوع جزء من استحقاق الدولة. ولم تدفع زويس القسط السنوي فحسب بل كانت تدفع أيضًا ضريبتين إضافيتين، فإن ثيودوروس قد ذكر في خطابه لمدير الخزانة بعد بيان القسط السنوي "وحصل بالإضافة إلى ذلك 60/1 و1% من هذا المبلغ والضرائب الأخرى المستحقة للخزانة العامة". وقد أثبت مدير الخزانة أنه تسلم فعلاً 2 تالنت و4000 دراخمة وكذلك مبلغ 3/2 266 دراخمة وهو ما يعادل 60/1 من القسط السنوي، وكذلك مبلغ 160 دراخمة وهو 1% من هذا القسط. فما هاتان الضريبتان الإضافيتان؟ أن الضريبة الأولى (60/1) لا يمكن أن تمثل الضريبة التي كانت تجبي عند الدفع بالعملة البرونزية، فقد كانت هذه الضريبة التي كانت تجبي عند الدفع بالعملة البرونزية، فقد كانت هذه الضريبة تزيد كثيرًا على ذلك. ولا يمكن كذلك أن تمثل الضريبة الثانية (1%) ضريبة انتقال الملكية، فقد عرفنا أنها كانت هي أيضاً تزيد على ذلك كثيرًا. لكن البعض حاول تفسير هذا المبلغ الصغير بأن ضريبة انتقال الملكية كانت لا تجبي إطلاقًا أو أن قيمتها كانت زهيدة جدًا عندما كان ثمن البيع يؤول للخزانة العامة لأن الدولة بنزولها عن هذه الضريبة أو بتخفيضها في مثل هذه الحالات كانت تشجع الناس على شراء العين المبيعة لحسابها، ولذلك كانت الدولة تقنع عندئذ بجبانة ضرائب قليلة لا تمثل إلا مصاريف العمل.

لم يعد هذا التفسير مقبولاً بعد نشر وثيقة من العام الرابع من عهد بطلميوس الخامس، فهي أيضًا خاصة ببيع أملاك شخص يدعى نيوتيموس، وكان ضامنًا ليلتزم ضريبة الأبوموبرا الذي لم يف بالتزامه ولم نكف أملاكه لسد العجز الناشئ عن ذلك فلجأت الدولة إلى بيع أملاك ضامنة. وترينا الوثيقة أن المشتري قد سدد الثمن وبعد ذلك بشهرين دفع للخزانة الملكية في كروكديلويوليس بالفيوم 5% من الثمن وهي قيمة ضريبة انتقال الملكية في ذلك الوقت. ولا يمكن إذن قبول ذلك التفسير إلا إذا كان النظام قد تغير من عهد بطلميوس الخامس إلى عهد بطلميوس السادس وانقصت ضريبة انتقال الملكية تبعًا لذلك، وهو أمر غير محتمل بسبب نقص موارد الدولة الأخرى في ذلك الوقت، أ إذا كانت زويس قد عوملت معاملة خاصة أنقصت بمقتضاها الحقوق المستحقة للدولة منها، غير أنه لا يوجد ما يبرر هذا الرأي إطلاقًا.

ولابد إذن من أن تكون زويس قد سددت ضريبة انتقال الملكية كاملة ولعل أوفق تفسير لعدم ذكر شيء عنها في الوثيقتين اللتين وصلتانا أنه لما كان ثمن البيع يسدد بالتقسيط، فإن البيع اعتبر بيعًا بأجل لا يتم إلا عند انتهاء المشترية من سداد الثمن، وعندئذ فقط كانت تؤول الملكية إليها وتدفع ضريبة انتقال الملكية لا تدفع إلا بعد سداد ثمن العين المبيعة. ولعل إحدى الضريبتين الإضافيتين كانت تمثل هبة لا نعرف مصيرها والأخرى تمثل مصاريف التحرير.

وقد أخذ المصريون عن الإغريق الطريقة المألوفة لديهم عند بيع العبيد وتتلخص في دفع الثمن وتسجيل انتقال الملكية (katagraphe).

وكان القانون المصري يشترط أن يكون بيع الحيوان بمقتضى "عقد مال". وفي حالة واحدة وجد "عقد تنازل"، ومن المحتمل أن يكون قد سبق ذلك "عقد مال". وفي حالة مطالبة طرف ثالث بالعين المبيعة، كان البائع مكلفًا بإعطاء المشترى "حيوانًا مماثلاً" أو رد الثمن فضلاً عن مبلغ معين. أما في القانون الإغريقي، فإن الشرط الوحيد لإتمام صفقة بيع حيوان كان دفع الثمن، ولم تكن هناك ضمانات للمشتري ضد أي عيوب بدنية في الحيوان المشتري.

وكان القانونان المصري والإغريقي يعرفان صفقات البيع التي تسلم فيها السلعة فورًا ويسدد الثمن آجلاً. وفي هذه الحالة كان المشتري يحرر صكا (hypographe) أو عقد قرض وهمي بمبلغ يقابل ثمن السلعة المبيعة.

الإيجــارات:

وتتضمن الوثائق البردية مختلف أنواع عقود الإيجار، وهي مع اختلاف أنواعها تتفق جميعًا من حيث أنها من النوع الذي كان لا يتعين إتمامه أمام موظفي الحكومة، إلا بطبيعة الحال عن استئجار عين يملكها التاج. وكانت العقود الديموتيقية والإغريقية الخاصة بإيجار الأرض تتضمن وصف العين المؤجرة وأسماء الطرفين المتعاقدين ومدة سريان العقد ومقدار الإيجار المتفق عليه نوعًا كان أم نقدًا أم نوعًا ونقدًا. وكان ينص في العقد كذلك على حق المؤجر في الاحتفاظ بالمحصول على أن يحصل على الإيجار. كما كان ينص على أن من واجب المؤجر أداء الضرائب والسماح للمستأجر باستغلال الأرض وجمع المحصول، وضمان عدم التعرض له، وتخفيض قيمة الإيجار إذا تعذر استغلال الأرض لسبب خارج عن إرادة المستأجر، مثل عدم توافر المياه لري الأرض. وكان ينص أيضًا على أن من واجب المستأجر، مثل عدم توافر المياه لري الأرض. وكان ينص أيضًا على أن من واجب المستأجر دفع الإيجار في كافة الظروف والأحوال ورعاية الأرض حتى لا تسوء حالتها، وتسليمها عند نهاية مدة العقد في حالة تماثل حالتها عند استئجارها. ومما يستحق الذكر أنه كان في وسع المستأجر أن يؤجر الأرض من الباطن.

وتتضمن الوثائق البردية كذلك عقود إيجار مساكن وحوانيت ومصانع ومخابز وحمامات عامة. وتحتوي هذه العقود شروطًا تشابه عقود إيجار الأرض، من حيث حقوق وواجبات كل من الطرفين المتعاقدين على نحو ما بينا أنفًا.

الشركات:

وكان القانونان المصري والإغريقي يسمحان بتأليف شركات تجارية أو صناعية لمباشرة أعمال عامة أو خاصة. وكانت الأعمال العامة التي تتألف الشركات من أجل مباشرتها تشمل التزام الضرائب واحتكارات الحكومة. وعلى الدوام، كانت علاقة الشركاء بعضهم ببعض يحددها اتفاق كتابي يثبت فيه حقوق كل شريك وواجباته ومدة قيام الشركة وقد مر بنا أنه في حالة تكوين شركة لالتزام ضريبة ما، كانت الحكومة لا تتعاقد إلا مع رئيس الشركة لكنه كان يتعين إخطار الحكومة ك تابة بكل أسماء الشركاء بوصفهم ضامني الملتزم المتضامنين معه في المسئولية عن التزامه. ويتبين من "وثيقة الدخل" أنه كان على ملتزم الضريبة الذي يتعاقد مع غيره ليتخذ منه شريكًا له إبلاغ الحكومة فورًا بذلك ليتسنى لها الاتصال مباشرة بالشريك، وأن الشركاء جميعًا كانوا مسئولين أمام الحكومة عن العجز الناجم عن عدم الوفاء بالالتزام.

وفي حالة التعاقد من أجل مباشرة أعمال خاصة، كانت الشركة تتألف عادة بعد التعاقد على العمل، بمعنى أنه كان يتخذ إجراءان أولهما عقد العمل والثاني تكوين الشركة، ومثل ذلك أن رجلاً استجأر أرضًا ثم ضم إليه شركاء. وفي عقود إنشاء هذه الشركات أيضًا كان ينص على حقوق وواجبات كل شريك.

ويجب أن يلاحظ أنه كان لا يترتب على تكوين شركة قيام هيئة ذات شخصية معنوية تستطيع التعامل كوحدة واحدة في المسائل القانونية.

منقول

الاستاذ
31-08-2008, 04:11 PM
القانون الجنائي

يتبين من استقراء الوثائق أن القانون الجنائي البطلمي كان يفرق بين خمسة أنواع رئيسية من الجرائم وهي: أولاً، الجرائم ضد صوالح الخزانة العامة؛ وثانيًا، الجرائم ضد الأفراد؛ وثالثًا، الخيانة العظمى؛ ورابعًا، سوء استخدام الحقوق؛ وخامسًا، الجرائم الدينية. أولاً: وجرائم النوع الأول فئتان رئيسيتان، وكانت جرائم الفئة الأولى تتصل بالضرائب وتسمى الجرائم التي تمس دخل الدولة (Prosodika enklemata). وكان يرتكب هذه الجرائم فئات مختلفة من الناس، ويمكن تقسيم هذه الجرائم تبعًا لفئة مرتكبيها، فقد كانوا:

‌أ- دافعي الضرائب الذين كانوا يحاولون التهرب من أداء الضرائب المستحقة عليهم كلها أو بعضها، ومثل ذلك عدم إعطاء ملتزم ضريبة ما البيانات التي كان القانون يتطلبها أو إعطاؤه بيانات غير صحيحة.

‌ب- موظفي الإدارة المالية الذين كانوا يرتكبون جريمة من الجرائم التالية:
(1) اختلاس ما جمع من الضرائب .
(2) إتباع أساليب غير مشروعة في جمع الضرائب، مثل استخدام مكاييل غير قانونية .
(3) الإهمال في جمع الضرائب .
(4) عدم جمع العجز في حصيلة الضرائب .
(5) إغفال موافاة مراقب الحسابات عن ميزان حسابات ملتزمي الضرائب .
(6) استخدام أشخاص في عملية التزام الضائب لم ترد أسماؤهم في عقود الالتزام .
(7) دفع مرتب الملتزم عن طريقهم مباشرة بدلاً عن الخزائن الملكية.

‌ج- ملتزمي الضرائب الذين كانوا يرتبكون جريمة من الجرائم التالية:
(1) إغفال تقديم شهادات الضمان للخزائن الملكية .
(2) إشراك أشخاص في التزام الضرائب لم ترد أسماؤهم في عقود الالتزام .
(3) أخذ مرتبهم من الموظفين بدلاً من الخزائن الملكية .
(4) عدم احترام القواعد الخاصة بالتزام الضائب وبشركاء الملتزمين .

(5) إغفال القواعد الخاصة بجباية الضرائب .
(6) إهمال تسوية حساباتهم مع الأويكونوموس عندما يبعث في استدعائهم لهذا الغرض .
(7) إهمال عقد اتفاق مع المزارعين .
(8) إغفال إذاعة القواعد الخاصة ببيان ما يملكه الأفراد من عبيد .
(9) القيام بعملية الالتزام بالرغم منعدم الصلاحية لهذا العمل.

‌د- مراقبي الملتزمين الذين كانوا يبلغون الأويكنوموس أو مراقبة عن كل ما أبلغوا بجمعه من الضرائب.

وكانت الدولة تفرض عقوبة الإعدام على مزيفي المكاييل، وتصادر ثروة الذين يتهمون بالإهمال في جباية الضرائب، أو تفرض عليهم دفع غرامة معينة للخزانة العامة. وكذلك كانت تصادر اقطاعات الذين يقدمون بيانات غير صحيحة عن موارد دخلهم من اقطاعاتهم. وفي حالتين وصل إلينا خبرهما، كانت العقوبة التي فرضت بسبب محاولة التهرب من سداد الضرائب تبلغ ضعف الخسارة التي تحملها الملتزم. وفي إحدى الحالات، كانت العقوبة مصادرة ذلك القدر من المحصول الذي لم يبلغ المزارع عنه.

ويبدو أنه كان في وسع أي شخص إقامة الدعوى في الجرائم التي كانت عقوباتها مالية، فكان يشارك في ذلك الأهالي والموظفون على السواء، لكنه لوحظ أنه في جرائم التهرب من دفع الضرائب كان ملتزم الضريبة هو الذي يقيم الدعوى والحكومة هي التي تأخذ الغرامة.

أما جرائم الفئة الثانية من النوع الأول، فكانت تتصل بأرض الملك والاحتكارات وتسمى الجرائم التي تمس أعيان التاج (Basilika enklemata) ويمكن تقسيم هذه الجرائم قسمين، وكانت جرائم القسم الأول تتألف من الجرائم التي كانت تمس صوالح الأراضي الملكية. ومثل ذلك سرقة أغنام يملكها "الدخل المنفصل" (kechorismene prosodos) وإهمال الموظفين في جمع المحصول من المزارعين الملكيين أو في أداء ما نبط بهم من مهام تتعلق بالحصول، وإشعال النار عمدًا في محصول الأراضي الملكية، ومخالفة القواعد الخاصة بالإرغام على استخدام الأراضي الملكية.

وكانت جرائم القسم الثاني تمس صوالح الاحتكارات. ومثل ذلك الخروج على القواعد الخاصة بأمر من الأمور التالية: (1) أسعار العطور والبخور، (2) تزويد الإسكندرية بالزيت، (3) حظر انتاج الزيت خلسة وتهريبه، (4) استخراج الزيت في المعابد، (5) الإشراف على أدوات المعاصر وتوفيرها (6) حظر بيع محصول الحبوب الزيتية لأشخاص أخرين عدا ملتزمي أحتكر الزيت، (7) المواد الخام والبذور، (8) استخراج الزيت وبخاصة حظر انتقال العمال المشتغلين بهذه الصناعة من مقر عملهم، (9) تسليم معاصر الزيت لملتزمي الاحتكار، (10) الاتفاقات مع العمال.

وفي جرائم القسم الأول كان رجال الإدارة المالية هم الذين يقيمون الدعوى. وأما في جرائم القسم الثاني فإنه إذا كان الموظفون يقيمون الدعوى في بعض الحالات، فإنه يبدو أن الملتزم هو الذي كان يفعل ذلك قس أكثر الحالات. ومعلوماتنا عن العقوبات التي كانت تفرض على مرتكبي الفئة الأولى من هذه الجرائم تكاد تكون مقصورة على ما نعرفه من أن رب إلا قطاع الذي سرق ماشية يملكها "الدخل المنفصل" حرم دخل إقطاعه لمدة سنة. ويتبين من الوثائق أنه كانت تفرض على مرتكبي جرائم الفئة الثانية عقوبتان ماليتان كانت إحداهما عقوبة عامة لارتكاب الجريمة ولذلك فإنها كانت تؤول إلى الخزانة العامة، والأخرى تعويضًا للملتزم كان من الممكن أن تصل إلى ضعفي بل خمسة أضعاف الخسارة المترتبة على ارتكاب ذلك الجرم.

ثانيًا: وكان النوع الثاني من الجرائم يشمل الاعتداء على أشخاص الناس أو ممتلكاتهم أو حقوقهم. وكانت أخطر جريمة ضد الأفراد هي القتل. وكان القانون البطلمي، شأنه شأن القانون المصري، يفرق بين القتل العمد والقتل غير العمد. وكانت إقامة الدعوى في هذه الجريمة، أو على الأقل في محاولة القتل بالسم، من حق المعتدي عليه وأفراد أسرته إلى حد أنه إذا لم يظهر منهم أحد في المحكمة ليتولى الاتهام، فإن المتهم كانت تبرأ ساحته. ولا يوجد دليل عمن كان يحق له إقامة الدعوى في حالة الأنواع الأخرى من جرائم القتل في هذا العصر، لكنه يبين أن القانون المصري كان يعتب رجريمة القتل جريمة ضد المجتمع والدولة، إلى حد أنه كان يعاقب بالموت كل من رأى جريمة قتل أو تعذيب ولم ينقذ المجني عليه مع أنه كان قادراً على ذلك. أما إذا كان حقًا عاجزًا عن تقديم المساعدة، فإنه كان يتحتم عليه الإبلاغ عن المجرمين وإلا كان جزاؤه الجلد والحرمان من الأكل ثلاثة أيام متوالية.

وتخلو الوثائق البردية من معلومات قاطعة عن نوع العقوبة التي كانت تفرض في جرائم القتل، وإن كان يتبين من قرار العفو الذي أصدره بطلميوس الثامن أنه لم يستثن إلا مرتكبو جريمتي القتل العمد وسرقة المعابد. ويبدو أنه في حالة الجريمة الأولى كانت تفرض عقوبة عامة ـ أما بوصفها العقوبة الرئيسية أو الفرعية ـ يظن أنها كانت مصادرة أملاك المتهم، وهو ما كان القانون الأتيكي يقضي به. وبتأييد هذا الرأي بم جاء في وثيقة بردية من أنه في قضية قتل حصرت أملاك المتهم وقدرت قيمتها.

ويحدثنا ديودوروس بأن القانون المصري كان يفرض عقوبة الموت على الذين يرتكبون جريمة القتل عمدًا، سواء أكان القتيل رجلاً حرام عبدًا، وبأنه إمعانًا في العقوبة كان المجرم يعذب قبل إعدامه. وإذا كان القاتل ابن القتيل، فإنه كان يعدم حرقًا، وأما الذين يقتلون أبناءهم، فإنهم بدلاً من إعدامهم كانوا يؤمرون باحتضان جثث ضحاياهم ثلاثة أيام وثلاث ليال على مشهد من الناس وتحت رقابة الشرطة. وإذا حكم على إمرأة حامل بالإعدام، فإن العقوبة كانت لا تنفذ إلا بعد أن تضع المرأة طفلها. ويذكر مصدر قديم أن قوانين منف كانت تقضي بأن الذي يرتكب جريمة قتل بغير عمد لا يدخل بيته إلا بعد أن يتطهر من جرمه ويضع قربانًا على مقبرة ضحيته.

وقد كان الملك يستطيع أن يستبدل بعقوبة الإعدام الأشغال الشاقة، لأنها على حد قول ديودوروس كانت أجدى على الهيئة الاجتماعية وأنفع علها من الإعدام، على نحو ما كان يفعل الملك سابكون (شابكًا، أحد ملوك الأسرة الخامسة والعشرين)، الذي كان لا يعدم المجرمين وإنما يأمرهم بتعلية مستوى الأرض في مواطنهم ولابد من أن كثيرين من أمثال هؤلاء المجرمين كانوا يستخدمون في استغلال المحاجر والمناجم، فإن ديودوروس واجثارخيدس يحدثاننا بأن الذين يعملون هناك كانوا جميعًا أما أسرى أو مجرمين صدرت ضدهم أحكام.

وتلي ذلك من الجرائم التي كانت ترتكب ضد الأفراد: مختلف أنواع جرائم الاعتداء عليهم، مثل السب والضرب والتهديد بالضرب. وكان يؤخذ بعين الاعتبار مدى خطورة إصابة المجني عليه، وظروف ارتكاب الجريمة، مثل ارتكابها ليلاً أو هيكل أو في السوق العامة. وكان القانون البطلمي يفرد نصًا خاصًا للاعتداء على الموظفين في أثناء تأدية عملهم. وكان تقدير الأضرار يبنى على أساس أقوال المجني عليه، ومع ذلك فإنه كان يمكن ترك ذلك لتقدير القاضي. وكان يمكن إنهاء النزاع بالمصالحة.

وهناك سلسلة أخرى من الجرائم التي كانت القوة تستخدم فيها كالسرقة بالإكراه، وابتزاز الأموال، والطرد عنوة من مسكن، والحيلولة دون تنفيذ الإجراءات القانونية، والاعتداء على الممتلكات.

وكان السرقة تعتبر أهم الجرائم ضد الممتلكات، وكان يزيد من خطورة الجرم عدة ملابسات، مثل ارتكاب ليلاً، أو مع حمل السلاح، أو إشتراك عدد من الأشخاص في ارتكابه، أو السطو ليلاً على المنازل، أو انتهاك حرمة معبد’.

وكان الأفراد المجني عليهم هم الذين يقيمون الدعوى في الجرائم المرتكبة ضدهم، وإن كان يبدو أنه في حالة الجرائم الخطيرة كانت الدولة تتولى ذلك. ويتبين من الوثائق أنه على الأقل في جرائم السرقة كان يحكم برد المسروقات أو بتعويض وكذلك بعقوبة معينة كانت عادة مصادرة أملاك المجرمين، وفي بعض الحالات دفع غرامة مالية.

ويحدثنا ديودوروس بأن القانون المصري كان يحتم على الذين يريدون احتراف السرقة تسجيل أنفسهم لدى كبير اللصوص وتلسيمه في الحال ما يسرقون، وبأن الذين يسرق منهم شيء كان عليهم الاتصال بهذا الشخص وإبلاغه عما سرق منهم، مع بيان الزمان والمكان اللذين وقعت فيهما السرقة. وبهذه الطريقة كان يعثر على كافة المسروقات في الحال، وكان أصحابها يستطيعون استردادها بعد دفع ربع قيمتها. ويفسر ديودوروس الدافع على إصدار مثل هذا القانون بأنه كان يتعذر منع الناس جميعًا من السرقة، ولذلك أوجد المشرع وسيلة لاستعادة المسروقات إلى أصحابها لقاء فدية متواضعة.

فهل نستطيع قبول رواية ديودوروس؟ لا جدال في أن هذا التشريع يبدو غريبًا لنا، لكن ليس إلى حد اتحالة تصور وجوده، ولاسيما إذا أدركنا أنه يوجد شبه بينه وبين القانون الإنجليزي الذي يسبغ حمايته على عملاء اللصوص الذين يجمعون على أرض إنجليزية أسلاب السرقات التي ارتكبت في الخارج ويعيدونها لأصحابها لقاء فدية معينة. وعلى ضوء ذلك نرجح أن العبارة (phores) الواردة في بردية إغريقية تتضمن قائمة تعداد كان يقصد بها "ثمانية لصوص" وليس "ألباحثين عن المسروقات" على نحو ما ترجمها ناشر وهذه الوثيقة الذين علقوا على ذلك بأنهم يستبعدون إثبات اللصوص في قائمة تعداد رسمية باعتبارهم ينتمون إلى مهنة معترف بها. وإذا صح ما رجحناه لترجمة هذه العبارة فإنه يتبين أن البطالمة استبقوا التشريع المصري القديم الخاص باللصوص وكان يتضمن الاعتراف بمهنتهم. ولماذا يشير هذا غرابتنا واستنكارنا، فهل امتهان السرقة أحط من امتهان الدعارة الذي كانت دولة البطالمة تبيحه وما زالت كثيرة من الدول تبيحه حتى يومنا هذا؟ وعلى كل حال فإن هذا لا يمكن أن يستقيم مع ما أسلفناه من فرض عقوبات على اللصوص إلا إذا كانت هناك تفرقة بين اللصوص المسجلين واللصوص غير المسجلين، أو بين طرق ارتكاب السرقة وأنواع المسروقات وقيمتها.

وتلي السرقة في الأهمية جرائم إلحاق الأضرار بالممتلكات، مثل إطلاق المياه على الأرض المنزرعة، والاعتداء على الماشية، وتدمير المحاصيل، وإتلاف الوثائق، وقطع الأشجار، وسد قنوات الري، وقطع الجسور، ويدخل في نطاق الجرائم ضد الممتلكات جرائم الخداع والتدليس، مثل تزوير الوثائق، والتدليس في المعاملات التجارية، والتعاقد مع أشخاص قاصرين.

ووفقًا للقانون البطلمي كان لا يحق إلا للشخص الذي لحقه ضرر من جراء جريمة من الجرائم سالفة الذكر رفع الدعوى للحصول على تعويض مناسب وكذلك لا تزال العقاب بالمجرم.

ثالثًا: أما عن جرائم الخيانة العظمى، فيلاحظ أن القانون البطلمي كان لا يفرق بين الدولة والتاج، ويعتبر الجرائم التي ترتكب ضد الدولة جرائم ضد التاج. وقد ترتب على حق الملوك الإلهي أن مثل هذه الجرائم كانت تعتبر ذات طابع ديني وتوصف بأنها كفر (asebeia). وكانت هذه الجرائم تشمل العيب في الذات الملكية، والخروج على الملك، والحنث باليمين الملكية ويبدو أن الدولة هي التي كانت تقيم الدعوى عادة في مثل هذه الجرائم. ولا نستطيع أن نتبين من الوثائق العقوبات التي كانت تفرض على مرتكبي هذه الجرائم وإن كانت إحدى الوثائق توحي بأنه في بعض الحالات كانت تفرض غرامات معينة.

رابعًا: أما جرائم سوء استخدام الحقوق فإنها كانت في عصر البطالمة تغيير الجنسية (Patridos) واللقب (Onomaton) بطريق غير مشروع. وكان الموظفون الذين يسمحون بذلك يعاقبون بالإعدام.

خامسًا: أما الجرائم الدينية، فإنها وفقًا لما ورد في الوثائق البردية البطلمية كانت تشمل امتهان المقدسات، والسطو على الأماكن المقدسة والاعتداء على حق المعابد في حماية اللاجئين إليها. وكانت العقوبة في هذه الحالات هي الإعدام.

وقد كانت تنفذ عقوبات جسمانية مختلفة تقرب إلى حد كبير من نظام الأخذ بالثأر، فقد كان يقطع لسان الجاسوس وتبتر أيدي مزيفي النقود والذين يطففون الموازين والمكاييل، أو يزورون الأختام، وكذلك الكتبة العموميون الذين يزورون في السجلات أو يمحون شيئًا منها، أو يقدمون عقودًا غير صحيحة. وكان تستأصل أعضاء تناسل من يرتكب جريمة هتك العرض وتجدع أنف المرأة الزانية، أما الزاني فكان يجلد.

وقد قضى البطالمة بسجن الذين يخدعون الإدارة المالية أو يعجزون عن الوفاء بالتزاماتهم نحوها، فإن غالبية المسجونين الذين وصلت إلينا شكاويهم كانوا يطلبون إلى رجال الإدارة المالية مثل الديويكينس والأبيميليتس إطلاق سراحهم أو على الأقل ألا يدعوهم يموتون جوعًا في السجون.

أننا لا نستطيع الجزم إلى أي مدى احتفظ بالقانون الجنائي المصري أو عدل فيه في خلال عهد البطالمة، ولا إذا كان يوجد قانون آخر لنزلاء مصري الأجانب في القانون المدني، فإنه غير محتمل أن هذين العنصرين كانا يخضعان لقانون جنائي واحد.

منقول