المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقومات الإدارة الحضرية المعاصرة



البريتور
27-08-2008, 01:40 PM
مقدمة:
إذا كان نمو المدن وتطورها يسير ببطيء خلال العصور السابقة، فلم تظهر حاجة ملحة إلى تطوير خاص لمفهوم التخطيط نجد النقيض من ذلك بعد الثورة الصناعية، فالتطور السريع في شتى أوجه الحياة العصرية قد انعكس ذلك على تطور المدن وتغيرها السريع وما رافقه من زيادة كبيرة في أعداد السكان بفعل الكثير من التحسينات في النظم الصحية والثقافية وكنتيجة للتطورات العلمية والتقنية المتلاحقة، كل هذه الأمور جعلت من علم التخطيط ومفهومه وسيلة لحل المشكلات المتوقعة والتي تمثل الوجه الآخر من التطور.
والمدينة العربية وكأي مدينة أخرى تواجه في الوقت الحاضر مشاكل تخطيطية عديدة تتعلق بكافة نواحي النشاط فيها وترتبط هذه المشاكل عموماً بالتقدم الحضاري السريع الذي يمر به العالم العربي اليوم ([1] (http://www.f-law.net/law/#_ftn1)).
وفق هذا نجد أن الإدارة الحضرية المعاصرة قد خضعت لعدة مقومات سنحاول استعراضها فيما يخدم توجهات البحث *
2-1: المقومات التخطيطية:-
يعتبر التخطيط من الوظائف الرئيسية التي تضطلع بها الحكومات وفي مقدمة وسائلها اللازمة لتطوير المجتمع وإذا كان الدور الذي يمارسه التخطيط في عامه الدول هو المهم فأنه أهم للدول النامية للحاق بركب النهضة ولمواجهة المشكلات المعاصرة.
ومع هذا فأن التخطيط ليس أسلوباً جديداً في الحكم والإدارة ولا هو سلطة رابعة تضاف إلى السلطات الثلاث التقليدية( تشريع، تنفيذ، قضاء) وإنما هو بمثابة مدخل للتطوير ومواجهة المشاكل القائمة والمتوقعة ([2] (http://www.f-law.net/law/#_ftn2)).
وبما أن المدينة جزء لا يتجزأ من الدولة فلا يمكن فصل تخطيط المستقرات الحضرية عن التخطيط الشامل للدولة ككل كما أن حركة النمو الحضري في البلاد العربية هي جزء من الاتجاه العالمي للتحضر.
ولا بد للمدينة العربية أن ترتبط بالمدن العالمية وتوثق العلاقات معها في مختلف المجالات وتتبادل الخبرات والخبراء والمعلومات المتعلقة بالنمو الحضري ومشكلاته.

وفق هذا التصور والدينامكية لحركة الاستقرار الحضري يجعل من إجراءات التخطيط محفوفة بالمخاطر ما لم تكن هنالك عوامل منظورة وغير منظورة تحاول تقييم نمط الاستقرار الحضري ومثال ذلك ما يمكن أن تقوم به السلطات المحلية في المدينة العربية المعاصرة والتي يندرج تحت مهامها العديد من الإجراءات التنظيمية التي تحاول معها تحويل الفكر التخطيطي إلى عمليات مستمرة على ارض الواقع الفعلي وبشكل أوسع في إدارة المستقرات الحضرية وبكافة أبعادها( الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية).
وبهذه الصورة ينتقل التخطيط من مفهومه المحدد إلى تعبير ذو تأثير تنفيذي وهو المرحلة الأهم في مراحله.
إشكاليات التخطيط في المستقرات الحضرية العربية المعاصرة:
تعد مشكلة غياب التخطيط العلمي للمستقرات البشرية في الوطن العربي من أهم المشكلات الخاصة بالأبعاد التخطيطية للإدارة الحضرية، فقد نمت أغلب المستقرات الكبرى في ظل غياب مدروس للمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وحتى الطبيعية المتوقعة للمدن المدى المنظور وهذا بدوره قد أثر سلباً على نموذج الإدارة الحضرية ووسائلها ومدى نجاحها مع مشاكل متزايدة وفي تخطيط يدخل في حساباته عاملي الكلفة(وبمختلف توجهاتها الاجتماعية والاقتصادية) والعائد المتوقع.
فلم تعد الوظائف التقليدية مناسبة للتعامل مع المجتمعات الحضرية الكبرى بتفاعلاتها وحركتها المستمرة، خاصة وأن حاجتها في تزايد إلى خدمات متميزة وعنصر بشري متخصص يقوم على أدائها هذا في جانب التخطيط أما الجانب التنفيذي فأن أكثر الإشكاليات التي تعاني منها الإدارة الحضرية المعاصرة هو التأثير الذي يمارس على توجهات السياسة التخطيطية وباتجاهات لا تخدم مصالح مجتمع المدينة ككل ([3] (http://www.f-law.net/law/#_ftn3)) ، فيأخذ نمو المدينة نهجاً غير علمي تحكمه المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة ويتم هدر الرصيد المحدود من جملة الامتيازات الحضرية من( ارض، خدمات، موارد متاحة) وفق هذا، ينبغي للعاملين في الإدارات المحلية أن يضعوا بنظر الاعتبار أن للتحضر الزائد أضراراً ومشاكل عدة تزداد خطورة عندما يفقد التخطيط جوهره وهذا بحد ذاته يعبر عن تكاليف مضافة إلى المجتمع.

2-2: التشريع والإدارة الحضرية المعاصرة:
من الأمور التي ينبغي أن يلاحظها المشرع هي المشاكل التي تظهر من خلال التطبيق وهذا يعني أن المسائل القانونية تعبر عن ركن أساسي من أركان الإدارة الحديثة للمستقرات الحضرية وجزاءاً مهماً من أدوات التنفيذ، فالقواعد القانونية ليست قواعد جامدة تصلح لكل مكان أو زمان بل هي على العكس من ذلك أدوات متطورة ومتنوعة تبعاً لتنوع العلاقة الاقتصادية والاجتماعية بأوسع معاني هذين المصطلحين ([4] (http://www.f-law.net/law/#_ftn4)) أن الهدف من القوانين أو اللوائح والأنظمة والتوجيهات الإدارية- هو صيانة الحق العام والمحافظة على خير ورخاء المجتمع وتجنيبه أي أضرار مادية ومعنوية وأمناء المجتمعات عمرانياً بصورة تحقق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي تضعها الدولة وتاريخياً نجد أن الكثير من هذه التنظيمات بدأت باللوائح المتعلقة بالصحة العامة أو الأمن أو وضع المعايير للتجارة والبناء*( ثم تطورت هذه التنظيمات لتشتمل على المباني ومواقعها وأشكالها ثم تطورت لتشمل استخدام الأراضي وتحديد المناطق السكنية والصناعية والزراعية والتجارية ([5] (http://www.f-law.net/law/#_ftn5)).
وقد حرصت التشريعات والتنظيمات المسؤولة عن التعامل مع الأرض في المستقرات الحضرية المعاصرة بحيث يكون القانون انعكاس لواقع المجتمع وأداة للتنظيم والتطوير ووسيلة لتثقيف المجتمع قبل أن يكون أداة ردع وفي هذا تصف منظمة المدن العربية بأن القوانين التي لها علاقة بالمستقرات الحضرية يجب أن تكون في إطار الفلسفة العليا للدولة( أي أنها تعبير عن أيديولوجية قيادة معينة وفي زمن معين وفي إطار سياسي معين) ([6] (http://www.f-law.net/law/#_ftn6)).
إلا أن تخلف التشريعات والتنظيمات المسؤولة عن الإدارة الحضرية في المدينة العربية المعاصرة مثل أحد المشكلات الهامة بين عجز هذه النظم والتشريعات عن الوفاء باحتياجات المدن من حيث التنظيم والتنسيق وحتى الرقابة والمتابعة كنتيجة للنمو المتسارع والعشوائي( سكانياً ومكانياً) وهذا ما أثر سلباً على أداء السلطات المحلية عن الوفاء باحتياجات السكان مما أدى إلى شيوع الاستياء والشكوى واللجوء إلى الحكومات المركزية لحل المشكلات المتراكمة بسبب القدرة الفنية والمالية المتميزة للحكومة المركزية بمواجهة الإدارات المحلية مما يؤدي بالنتيجة إلى ضياع استقلالية الإدارة المحلية ([7] (http://www.f-law.net/law/#_ftn7)).
أن دراسة الأثر الاقتصادي في التكوين الاجتماعي ضرورة ينبغي أن يتبناها رجل القانون في تحديد العوامل الاقتصادية الداخلة في تشكيل الأبعاد القانونية في التشريعات الحضرية وتهدف هذه السيطرة إلى تنظيم العلاقة بين المؤسسات وأفراد المجتمع والبيئة التي يعيشون في إطارها.
2-3:- برامج التمويل والإدارة الحضرية المعاصرة:
ينبغي النظر إلى برامج التمويل الحضري كجزء مهم من الاقتصاديات الحضرية الحديثة ويرتبط نجاحها بوجود الرصيد المالي لدى الجهاز المحلي.


فيما تتضح أهمية برامج التمويل الحضري من خلال علاقتها بمجموعة الوظائف الهامة للمجتمع المحلي والذي يتم تنفيذها والتي تهدف وبشكل رئيسي إلى تحقيق:
1-رفع نسبة الرفاهية الاجتماعية- الاقتصادية لسكان المدينة ومن خلال تهيئة الأراضي الحضرية لمشاريع الخدمات الاجتماعية والاقتصادية.
2-توفير التسهيلات المكانية لمجموعة الخدمات التي ترتبط بالاقتصاد الجزئي وأيضاً تحقيق الأهداف التي ترتبط بالاقتصاد الكلي.
أي أن برامج التمويل الحضري هذه تهدف إلى تنفيذ متطلبات الأراضي الحضرية والذي يتطلب توفير أموال كبيرة الحجم مقارنة بالمشاريع الحضرية الأخرى مما يعني ذلك ضرورة البحث عن أنسب الوسائل والأساليب التي يمكن الاعتماد عليها في اختيار مصادر التمويل الملائمة لمثل هذه البرامج.
وتبرز أهمية برامج التمويل الحضري من خلال البرامج التي تتحملها الإدارات المحلية لتغطية أو إضافة قدرات تنافسية أكثر خطورة وتعد الموارد المالية العنصر الفعال من أي منظمة أو أي تنظيم( قائم أو ينشأ) للتعامل مع متطلبات التوسعات الحضرية من مرافق وخد\مات وأسس توزيعها المكاني الذي يضمن حسن الأداء.
وإذا ما كانت الصعوبات المالية تقف عائقاً في كثير من الأحيان أمام بلوغ برامج الإدارة الحضرية لأهدافها يظهر هذا دائماً عندما تزداد المدينة حجماً وتصبح ميزانيتها غير متكافئة مع نواحي الصرف المتزايدة الأمر الذي يدعو إلى زيادة الضريبة الموجودة فعلاً أو بفرض ضرائب جديدة ([8] (http://www.f-law.net/law/#_ftn8)).

2-4: الممارسة التنفيذية في الإدارة الحضرية المعاصرة:
تعبر آليات الإجراءات التنفيذية في برامج الإدارة الحضرية مجال الاختبار الفعلي للمراحل الثلاث سابقة الذكر، فهي تمثل ضمان الالتزام بتوقيتات البرامج التنفيذية ومتابعتها وهي بذلك بحاجة إلى تفعيل آليات عملها وتوضيح أهدافها لتتمكن من الاستفادة من جهود العاملين فضلاً عن إسهام المواطنين في العديد من الجوانب ذات العلاقة بتقييم هذه البرامج وإعادة النظر في آليات عملها وفق عدة آليات هي:
1-آليات التفويض والصلاحيات الممنوحة للأجهزة التنفيذية المحلية في التعامل مع المشاكل العملية.
2- آليات التنسيق وتتم هذه من خلال آليات فرعية منها منظمات المجتمع المدني ممثلة بالمجالس المحلية التي تضم رؤساء الأجهزة الخدمية ويعتبر عملها بمثابة حلقة وصل بين الإدارة التنفيذية والمجتمع المحلي ثم الإدارة المركزية والتي تعمل بمساعدة آليات إدارية أخرى مساعدة.
3- آليات تنمية الموارد المتاحة: ويتم تفعيل هذه الآليات من خلال زيادة إنتاجية الموارد المتاحة فضلاً عن إضافة موارد جديدة من خلال برامج مؤثرة تعمل على زيادة الدخل والإنتاج المحلي.
4- آليات إعادة التقييم: وتعتبر من أهم الآليات التنفيذية وهي بذات الوقت تجربة تنفيذ للخطط والضوابط وتقييم للنتائج قبل الشروع بالتطبيق.
([1]) منظمة المدن العربية، النمو العمراني الحضري في المدن والبلدان العربية، المؤتمر الثامن للمنظمة، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1986، ص33
* البحث يرى من وجهة نظره إن جوهر الإدارة الحضرية المعاصرة يرتكز على أربع مفاهيم أساسية هي التخطيط والتشريع والتمويل والتنفيذ .

([2]) نفس المصدر السابق، ص22.

([3]) غيث، محمد عاطف، محمد علي محمد، دراسات في التنمية والتخطيط الاجتماعي، دار المعرفة، الإسكندرية، 1989، ص295.

([4]) منظمة المدن والعواصم العربية، بالتحديد حول أساليب الإدارة والتنظيم في خدمة المدن العربية المعاصرة، وقائع المؤتمر السابع للمنظمة، الجزائر، 1983، ص33.
* أنظر إلى المبحث الأول، ما جاء بموضوع الحسبة والمحتسب.

([5]) منظمة العواصم والمدن العربية، المصدر السابق، ص17.

([6]) نفس المصدر السابق، ص17.

([7]) نفس المصدر السابق، ص27.

([8]) محمد عاطف غيث، محمد علي، مصدر سابق، ص295.