المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإدارة الحضرية في فكر الحضارات القديمة



البريتور
27-08-2008, 01:20 PM
الإدارة الحضرية في فكر الحضارات القديمة

مقدمة
إن اهتمام الحضارات القديمة وعبر مراحلها بالإنسان دفعها إلى التفكير في كيفية التواصل الحضاري بين شعوبها وكيف يحدث ولكون البعد الزماني يحاكي الأبعاد المكانية لمخيلة التفكير في البناء والتغيير، فقد دفع هذا الهاجس أن كان مخططاً له أو بشكله العفوي إلى إيجاد السبل والأسس الأولية للعناية بالمكان سواء أكان مكاناً مسيطراً عليه تحكمه أبعاد منظورة تبدأ بأماكن مزاولة الفعاليات المحددة منها الى المكان الأولي الابتدائي والتي تضطلع الطبيعة في تأمين مهام الديمومة والبقاء والصراع بينهما.

وبهدف تأمين النظم ولإيجاد الطرق التي تؤمن الحماية والاستقرار فقد تطورت نظم التفكير في كيفية السيطرة على السلوكيات العدائية المرتبطة ببيئة مسيطرة إلى السلوك المتحضر وببيئة مسيطرُ عليها، ومن هنا يمكن وصف الفترات التي تلت هذه السلوكيات بأنها مرحلة ظهور النظام المخطط في إدارة شؤون المجتمع ومنها النظام الإداري بمعناه الواسع، فإدارة الملك للرعية والقدسية المفترضة له ومن ثم الشرعية المفروضة بقوانين تعبر عن شكل من أشكال الحكم وهي تعني بجوهرها إدارة الحكم، وفي مجال تنفيذ الأحكام ومتطلباتها نرى أن إدارة المستقرات الحضرية هي إحدى وسائل التنفيذ تلك والشكل الأكثر تعاملاً مع الرعية والآثار التي تركت تعبيراً واضحاً عن سبل الوصول إلى تحقيق بيئة ملائمة مسيطراً عليها لتأمين معيشة ملائمة للسكان في ممارسة طقوسهم اليومي والتي اعتمدت مبدأ الترابتية بين عناصر الهيكل المكاني والتي تدخل في مضمون الحاوي والمحتوى لهذه العناصر وكيف يتم وظيفياً التعامل بينهما.

وبناء على ما تقدم سنحاول في هذا المبحث أن نستطلع ملامح هذا الأسلوب في إدارة مجتمعات ما قبل التأريخ من خلال التعرف إلى السمة البارزة لمدن هذه المرحلة وكيف أمكن تطويع الفكر التخطيطي في الإدارة والتشريع في الفكر القديم وصولاً إلى المرحلة الإسلامية والي تعبر عن أحد الأوجه المشرقة في إدارة المستقرات الإسلامية وفق قوانين سبق وطبقت تعجز عن تطبيقها الإدارات المعاصرة شكلاً مضموناً.

1-1ملامح الإدارة الحضرية عبر التأريخ:-

1-2:-الفترة ما قبل الإسلام:

قبل الولوج في فهم هذا الموضوع لا بد من التطرق إلى النشأة والأشكال التي ظهرت عليها المدينة القديمة والسمات الأساسية التي برزت فيها ثم نعرج إلى أهم المحددات التي أظهرت الحاجة إلى تطور وتبني الوسائل الإدارية والتنظيمية لإدارة الفعاليات في تلك المدن وحسب المراحل الزمنية التي مرت بها.


-1-1-1:- بماذا اتسمت المدن في هذا الفترة؟

نقصد بالفترة هذه، المراحل التاريخية( للحضارات القديمة التي قامت في حوضي الرافدين والنيل) حيث نستطيع أن نصف المدينة في هذه المرحلة بأنها( مصطلح يطلق على نمط حياتي جديد غير المعروف عنه كالقرى) وأن السمات التي اتصفت بها كانت متناقضة فقد جمعت بين مفهومين هما الحماية( لمستوطنيها) وبواعث العدوان وقد كان لهذا التناقض ما يبرره حيث جعلت من التهيؤ( وعلى نطاق واسع) جزءاً من حرية التصرف والتنوع والتنظيم، فالساكن وسط تلك المستقرة لا بد أن يكون( متمدناً بقدر ما) مع احتفاظه بميوله البايلوجية الأصلية التي تحتوي على صفات التهيؤ للعدوان الحربي… والتدمير.. وخلاصة هذا أن المدينة وطبقاً للتخطيط البشري الساكن فيها كان له طابعان:

الأول: طابع أستبدادي

الثاني: طابع رائع

فقد كانت من ناحية حصناً منيعاً أو مركز سيطرة الملك وسلطانه وكانت من ناحية أخرى صورة من الجنة تتحول فيها قوى الكون البعيدة إلى نظم فعالة، فأنتقال مركز الجاذبية من الحصن إلى المعبد ومن القلعة إلى السوق وما يجاورها كلها تغيرات تبعتها الكثير من المشاكل التي أصبحت جديدة مما يتطلب تجاوزها وبشيء من الهدوء والألفة ومن كل ذلك لا بد من توقع ظهور العديد من الحاجات الإنسانية المتباينة بمرور الوقت.

أن تلك المؤشرات وما يمكن ظهوره من تفاعلات مكانية أوجبت ظهور الحاكم أو المسؤول عن كيفية إدارة تلك المستقرات الحضارية بمرونة لم يألفها سابقاً.

1-1-2:- الأشكال والتخطيطات التي ظهرت عليها المدينة؟

أن الحاجة تبرر الوسيلة، فكما أن للمدينة خطتها الخاصة التي جاءت من خلال اعتماد نوع أو آخر من التخطيط وبغض النظر عن الفترة التي تطورت فيها الخطة، فأن المدينة يندر أن تكون بنمط تخطيطي واحد، فالسمة الغالبة لها انما تملك أكثر من خطة تتفاعل مع بعضها لتكون بنمط تخطيطي واحد وبالنسبة للخطط فهنالك القديمة وهنالك الأحدث، وكثيراً ما تستلهم الخطط الحديثة من الخطط القديمة، وعموماً يمكن القول بأن هنالك مدناً نشأت غير مخططة وأخرى أقيمت أو طورت وفق خطط موضوعية( أي أن نمو المدن وإعادة النظر بخططها تم على ضوء التطور الوظيفي)


خطة المدينة في مناطق مهد الحضارات:-

خضعت المستقرات البشرية الدينية وباستمرار إلى عمليات( تخطيط وإعادة تخطيط) وكان السبب في ذلك هو التباين في القوى المسيطرة والموجهة للحياة في مراحل تطور المدن ويمكن ملاحظة ذلك من خلال ما بقي من آثار معمارية تخطيطية وعلى الرغم من ذلك فقد لا تعكس تفاصيل المدن واقع العلاقات الوظيفية التي كانت سائدة فهي بالتأكيد لم تكن مقتصرة على المعابد والقصور والقلاع مثلاً، كما أنها بذات الوقت ليست مجرد نفائس وأطلال، فالمدينة هي للسكان وليس مجردة للحكام كما هي أماكن للسكن والعمل والحركة والترفيه، فهي كائن حي وأن التقدم الحضري فيها لا يقاس بالأبنية الشاهقة والضخامة وتطورها التقني فحسب وأنما من خلال قياس درجة النفع لسكان المدينة وشموليته.
وبالنسبة للمدن الأولى في تأريخ الحضارة الإنسانية والتي ظهرت حوالي سنة 4000ق.م في وادي الرافدين Mesopotamia مثل( نينوى وآشور وبابل ولكش وأكد ونيبور واور واريدو) وفي وادي النيل ممثل ممفيس وطيبة .
نجد أن النشأة كانت مرتبطة بجملة من العوامل أبرزها، أنها كانت في منطقة السهول الفيضية وما تحويه من مقومات أساسية للنمو، ففائض الإنتاج وتقسيم العمل كلها كانت كفيلة في نشوء حضارات وانهيار أخرى بفعل التنافس والحروب المستمرة إلا أن الصفة الغالبة لها هي السيطرة، إلى جانب ذلك فأن الإنجازات الحضارية المتنوعة كانت تمثل إسهامات( لا يمكن اغفالها) في طريق تنمية حضارات العالم الأخرى.
أن أهم ما يميز هذه الحضارات هو تسلط الحكام على شعوبهم لدرجة حولتهم قريباً من مرتبة العبيد مثال ذلك( موقع الفرعون) في مصر بالنسبة لحياة مواطنيه في مدن الألف الثالث قبل الميلاد والتي بنيت تلبية لرغبات وأوامر الفرعون نفسه.*
فيما يلاحظ أن العناصر البنائية قد ركزت جل اهتماماتها على الأبنية العامة والتي غالباً ما يكون العنصر البارز فيها معمارياً هو الفناء وهذا يؤكد حقيقة النزعة نحو التفكير بمبدأ الاحتواء للسلطة.
كما نجد في نفس السياق ان المقومات التخطيطية في شكل تنظيم استعمالات الأرض لهذه المدن قد اعتمد مبدأ الهرمية في الوظيفة الدينية والدنيوية، فأبعاد الشوارع وعرضها هو الذي يحدد ارتفاع الأبنية وبالنسبة لتفاصيل الوحدات السكنية فكانت تتكون من طابقين في الغالب أما في مجال البنى التحتية فقد كانت تؤشر حالة من التطور المبني على الحاجات المتباينة للسكان وقد مثلت شكل من أشكال نظم وادارة الخدمات المتقدم انعسكت فيما بعد على مدن الألف الثاني قبل الميلاد حتى ظهر ت معالم معمارية جديدة تحاكي قصة تطور الحضارة كما أثبتت الاكتشافات الأثرية في مدن تل العمارنة وطيبة وممفيس في وادي النيل.
كيف تدار المستقرات البشرية القديمة( الإدارة الحضرية)؟
فيما تقدم، يبدو الأحكام المتعلقة بشكل ووظيفية البناء كانت تأخذ الحيز الأكبر من عملية تنظيم، وتوقيع الفعاليات في المستقرات الحضرية القديمة ويمثل هذا أول واجب من واجبات الإدارة الحضرية فالأحكام المقدسة والخاصة بتوقيع المعبد( مركز سيطرة القوى الروحية) ثم القصور بعد ذلك قد أستند إلى فكرة معمارية وتخطيطية تنفذ بوسائل صارمة تفضي بمجملها إلى إنشاء صروح تقاوم تقادم العوامل الزمانية وهذا يعلل بقاءها بمرور الزمن مقارنة مع مساكن ومرافق عموم السكان والتي لم تستطع المقاومة بسبب نوع وشكل وضعف وبساطة البناء. *
في حالة وادي الرافدين، نرى أن الإدارة الحضرية قد اهتمت في فترات متعاقبة في موضوع توفير الأمن ويتوضح هذا من خلال شكل وطراز البناء التي أظهرت شكل ووظيفة المكان لإحكام الدفاعات ضد الهجمات حيث عد المعبد في المدن القائمة بمثابة الحصن للإله إلا إن التطور في شكل ونوع التنظيم الاجتماعي والاقتصادي وتطور الحاجات المتباينة للسكان وفترات الهدوء والتنعم بالأمن، دفع إلى تطورات دقيقة في فهم وتفسير أدوار لاحقة للنظم الإدارية والقانونية في شبكة المستقرات القديمة، ويبدو هذا بشكل واضح في زمن (حمو رابي 1972 ق.م) والذي وضع مجموعة من الشرائع والنظم التي يعجز الفكر الإنساني في المراحل المتقدمة عن الآيتان بها حيث نصت بعض فقرات مسلته المشهورة على جملة الإجراءات والتي منها:-
1-ففي الإجراءات التنظيمية نجد أن سياقات وإجراءات البناء كانت خاضعة إلى قوانين ألزام وتنفيذ وهذا يعطي شكل آخر من أشكال الإدارة الناجحة المعتمدة على وسائل قادرة على التنفيذ وبالتالي تعبر عن وجود أدوات للردع والتقييم الدقيق للمشكلة القائمة فالأحكام الرادعة بحق العاملين في قطاع البناء والتشييد من( بنائين ومعماريين) ممن تثبت أدانتهم بعدم الإخلاص في الأعمال الموكلة إليهم تنوعت وتوسعت العقوبات التي شملتهم وفقاً لذلك * (http://www.f-law.net/law/#_ftn5)
2- كما يظهر في المستقرات القديمة أن الإدارات المتعاقبة كانت تركز في اهتماماتها على ضرورة تبني أساليب عمل تساهم في تنظيم وتعزيز دور الرقابة البلدية وفق التراتب الوظيفي المعتمد على شكل ووظيفة التقسيم المعتمد في توزيع استعمالات الأرض الحضرية فمبدأ تنظيم الرقابة وتوزيع الثقل كان يتبع شكل ونظم تقسيمات الطرق والأحياء السكنية فالتراتب في وظيفة الرقيب قد جعلت من مركز الثقل الرقابي يركز على شوارع المواكب الرسمية منها إلى الثانوية وأخيرا يمتد إلى الطرق الفرعية داخل أحياء العامة ولكن باهتمام اقل..
مما تقدم يظهر أن الكيفية التي كانت تدار بها المستقرة الحضرية كانت تركز على وظيفيتين أساسيتين الأولى تتعلق بوجود التشريع اللازم للعمل البلدي والثاني أنها كانت أداة تنفيذية تمارس صلاحيات وسلطات واسعة في التخطيط والتنفيذ سواء أكان ذلك مبنياً على أسس وأساليب قسربة أو ترغيبية إلا أنها في نهايتها تعني وجود قانون ملزم للتنفيذ.
1-3للفترة ما بعد ظهور الديانات (مع التركيز على فترة ظهور الإسلام):-
قبل الخوض في تفاصيل هذه الفترة، يمكن القول بأن الفترة التي تلت فجر الحضارات والأثر الواضح على المنطقة العربية ومحيطها كان له تأثيراً مباشراً فيما جاء بشكل غير مباشر لباقي أنحاء العالم وعموماً يمكن وصف عدداً من المزايا التي نلخصها بالآتي:-
1-أن أهم ما يميز (فترة عصر ما قبل التاريخ وبعده) هو عاملي الدفاع والسياسة والنظم المتبعة واثر ذلك على شكل ونظم الإدارات وبكافة مستوياتها ومنها الإدارة الحضرية.
2- التطور في الزمان والمكان كان له بالغ الأثر في انتشار الحضارة بفعل هاجس السيطرة الروحية والممارسات الدينية.
3- الاهتمام بالوظيفة الدينية ممثلة بالمعبد وأمكنة العبادة وبمختلف تسمياتها كان لها إثر واضح المعالم في التوجهات الفكرية اللاحقة.
4- إن النظم والتشريعات وسنها لم يكن ليظهر ما لم تكون هناك حاجة وهذا يعني أن التوسع العمراني وازدياد التحضر في المستقرات الحضرية قد زاد من المشاكل العمرانية والبيئية يعني هذا بدايات التفكير بالحلول المنطقية الخاضعة للفكر البشري.
5- اعتماد الرقابة والتنظيم الهندسي المتجانس والمتراتب في مختلف النماذج المعمارية واستعمالات الأرض الحضرية تمثل أسلوباً في التنوع ما بين المركزية في التخطيط والتنفيذ المستندة إلى أسس السيطرة المحكومة وقوة الحاكم وسلطته التنفيذية.
6- المبادئ الهندسية المعتمدة وتفاصيلها الدقيقة ساهمت في إظهار شكل من أشكال الإدارة الحضرية للبيئة العمرانية والأسس الهندسية المعتمدة، من كل هذه التفاصيل وغيرها نجد ان( السمات والمعايير التي كانت سائدة ) أصبح لها دوراً مؤثراً في تنامي وتطور شكل الإدارة الحضرية في فترة ظهور الإسلام والتي توصف بأنها بدايات تنظيم المدنية الإسلامية وأدارتها أو حكوماتها وعدها واحداً من أهم الأوجه المشرقة في تاريخ التمدن الإسلامي، وإذا كان ماكس فيبر قد أنكر وجود إدارة للمدنية الإسلامية بمعنى قيام محكمة خاصة وحكومة ذاتية وإدارة مستقلة عن طريق الانتخاب من بين السكان فإنه لم يلبث أن ذكر أن مجتمع مكة قبل الإسلام كان يقوم على أساس اختيار الأشراف لزعيم بينهم وأن الأحياء ومحال السكن في المدن كانت تدار بواسطة مجالس من كبار السن وان الحاكم لم يكن يستطيع ان يتدخل في أمور القضاء .
ومعنى هذا أن الإسلام قد وجد أمامه في مكة تراثاً غنياً يرى البعض فيه نظاماً يعتمد على الشورى لدرجة تقترب به من النظم الجمهورية حيث لم يكن لأي عشيرة أو قبيلة سلطان على أخرى وكان هناك ثمة مجلسا للشيوخ أو الملأ يناقش ويجتمع عندما يجد ضرورة تقضي إلى ذلك كالخطر والحرب وغيرها وكان دار الندوة يمثل ذلك البرلمان الذي تقع تحت قبته ما يمكن للقبائل أن تتفق عليه بمجموعها ، أصبح حينئذ الرأي ملزما للجميع أما إذا لم يحدث الإجماع فان القرارات لا تكون ملزمة وعلى الرغم من إن المجلس لم يكن يعتمد في إدارة أعماله على نص أو دستور مكتوب فقد كانت مبادئ العرف والعادة يمثلان قانونه
أن خلاصة ما ورد تؤكد أن الفكر الإنساني لفترة ما قبل الإسلام كانت تعتمد :
1-مبدأ التشاور في إدارة التنظيم السياسي والاجتماعي ويمثل هذا جانبا تنظيميا
2-اعتماد العرف والعادة كقانون يلزم الجميع في التنفيذ وهذا بحد ذاته يمثل جانبا تنفيذيا
وفي مراجعة لأدبيات الإدارة المحلية وحكومات المدن وفي كثير من الأمثلة عن نظم الحكم السائدة في المجتمعات الغربية نجد إن التطور الاجتماعي والسياسي فيها لم يكن بتلك الفلسفة الحضارية خاصة عندما نذكر عصر الإقطاع وعندما كانت الحرية حكرا على سكان المدن وحين صدرت لبعض المدن الأوربية دساتير تحدد حقوق سكانها وواجباتهم اعتبر ذلك بمثابة تكريس لمبدأ الحكم المحلي الذي يقوم به سكان المدن لأنفسهم ولعل الدستور الذي منحه( لويس السادس) لمدينة لور Lorres في القرن الثاني عشر الميلادي حيث أشار في بعض فقراته أن يكون سكان المدينة أحراراً إذا عاشوا فيها مدة تزيد على عام كامل وأعفى سكانها من الخدمة العسكرية أو السخرة في العمل وأصبح حقهم إلا يحاكموا إلا في مدينتهم طبقاً لقانونهم الخاص، من خلال التمعن بما ورد في أعلاه نرى أن نظم الحكم في المدن الإسلامية قد سبقت هذا الوصف في الإدارة والتنظيم الحضري لحواضرها ومدنها، إلا إن المؤسف في الأمر هو قلة الإشارة إلى هذا الموضوع في الكتب والدراسات الإسلامية باستثناء ما ورد في الدراسات الخاصة بالحضارة الإسلامية.
ولغرض فهم أوسع لا بد من الاطلاع على أول دستور سن لمدينة إسلامية والذي توضحت فيه الشروط الملائمة لإدارة المدينة الإسلامية وتنظيم مرافق الحياة فيها من خلال مفهوم الحسبة.
1-2-1- الإسلام والإدارة التنفيذية للمستقرات الحضرية:
مقدمة في موضوع الحسبة:
من بين الجوانب المتعددة الواسعة والتي شملتها الحضارة الإسلامية هنالك جانب يتصل اتصالاً وثيقاً بحياة الناس وأمورهم ومعاشهم في المدن الإسلامية، وهو الحسبة والذي يعبر عن ابرز المظاهر الحضارية في المجتمعات العربية والإسلامية ومن يدقق في أصول هذا المفهوم وموضوعاته يجد فيه الكثير من الحقائق التي تعبر عن مظاهر متنوعة للحياة الاقتصادية والاجتماعية والصحية والثقافية وغير ذلك ممن يتناول حياة الأفراد والمجتمعات في العصور الإسلامية السابقة والمعاصرة وبشكل شامل ودقيق.
فالحسبة كمصطلح:
هي لغة مأخوذة من الاحتساب فيقال في المحكم، احتسب فلان على فلان أي أنكر عليه قبيح عمله ومدارها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد فرضها الله تعالى في كتابه الحكيم( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) فأمر بها وحض على القيام بها أو بأساليب مختلفة فكان التعدد والتنوع دليل في ارتفاع المكانة واعتبارها اقرب ما تكون إلى مصاف الفروض التي قام الإسلام عليها.
وفي الحديث الشريف( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فأن لم يستطع فبلسانه فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) وقد تخرج إلى معانٍ أخرى منها، الكفاية الاستعداد، حسن التدبير، العد الحساب الإنكار على الشيء، الاعتداء بالشيء، فيقال احتسب بالشيء أي اعتد به وجعله بالحساب أما معنى الحسبة في المصطلح فهي تمثل مصطلحاً في القانون الإداري كما يصفها المستشرق( زامباور) وتطلق على معانٍ تطورت بمرور الزمن تطوراً لا ينفصل عن المعنى اللغوي الرئيسي وهو ابتغاء وجه الله على العمل وطلب الثواب، ولكن هنالك جملة من المؤلفين قد أعادوا استعمالها بمعنى وظيفي( تنفيذي) تقوم على صيانة حقوق المجتمع المدني وتراعي الآداب العامة فيه وتسهر على استمرارها بعين ثاقبة أمره بالمعروف إذا اختفى واستتر وناهية عن المنكر إذا فشا وانتشر.
إذ هي وفق ما تقدم تعني حفظ وصيانة ورعاية وحماية وناهية عن غير المنطق و يتبع هذا المعنى يشمل كثيراً من الجوانب الحياتية حتى أصبح المعنى يطلق في العرف( خلال القرن السادس للهجرة) عن أمور كثيرة من بينها- تقويم الموازين وإصلاح الطرق وغير ذلك، وقد ذكر لها أربعة وأربعين أمراً كما ذكرها ألسنامي.
من يمارس الحسبة؟
تشير المصادر التاريخية إلى أن خلفاء الصدر الأول من العصور العربية الإسلامية كانوا يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها فهي من( العمومية والأتساع بحيث تؤدي بكثير من الوظائف التي تقوم بها إدارات كثيرة متخصصة في الوقت الحاضر) وخاصة عند التطبيق، حيث نجد أن كثير من الوظائف المتنوعة كانت تناط بالحسبة أو المحتسب، فمنها ما يتعلق بضبط الأوزان وأسعار السلع والتفتيش في الأسواق والرقابة عن السلع وإعدام ما فسد منها وخاصة المأكولات والمشروبات وإصلاح الشوارع والطرق وإزالة الأبنية المتداعية ومنع الحمالين وأصحاب السفن من الإكثار من الحمل والرفق بوسائل النقل المتاحة( الحيوانات).
شروط الحسبة:
لما كانت الحسبة كمصطلح ومفهوم تطبيقي يشير إلى الإدارة التنفيذية وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر اقتضت الحاجة إن يكون لصاحبها أو القائم على تنفيذها ولاية لأن كلا من الأمر والنهي لا يصدر إلا عن ولاية استوجب لها سمعاً وطاعة وهي وظيفة تستمد قوتها بمؤازرة الخليفة ورعايته وبدعم( السلطة ) لها لتكون ذا أهمية في نفوس الناس، وكان لا يتولاها إلا رجل من وجهاء المسلمين، لأنها خدمة دينية عليا وفي هذا يشير الماوردي( أن من شروط الحسبة أن يكون منفذها حراً عادلاً ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين وعليم بالمنكرات الظاهرة وعلى هذا الأساس فأن من الشروط والمواصفات الموضوعية للمحتسب يجب:
1-أن يكون بالغاً قادراً ذا رأي وصرامة في الدين، عارفاً بأحكام الشريعة الإسلامية ليعّلم ما يؤمر به وينهي عنه وأن يكون عفيفاً عن أموال الناس عن قبول الهدايا والعطايا من المتعيشين وأرباب الحرف فأن في ذلك رشوة وفساد.
2- أن يكون من أصحاب الشيم والرفق ولين القول وطلاقة وسهولة الأخلاق عند أمره للناس ونهيه فأن في ذلك أبلغ إلى استمالة القلوب أي القوة والأمانة بآن واحد.
وفي هذا الركن فأن الأمام الغزالي( المتوفى سنة 505 للهجرة) قد ذكر جميع الأبواب الخاصة بآداب المحتسب ومصادرها فقال أن جميع آداب المحتسب تشترك في ثلاث صفات هي:
- العلم
- الورع
- حسن الخلق
كما ينبغي أن يكون المحتسب ملازماً للأسواق متابعاً لما يجري في كل وقت يدور على السوقين والباعة والمتسوقين ويكشف الدكاكين والطرقات ويتفقد الموازين والأرطال ويتفقد معاشهم وأطعمتهم وما يغشونه غفلة منهم، فالحسبة كما نقل عن الوزير العباسي( علي بن عيسى) أنها لا تتحمل الحجبة فطف في الأسواق تحل لك الأرزاق والله أن لزمت دارك نهاراً لا خر عليك ناراً والسلام، ولتعدد وتنوع ما يملي على المحتسب من واجبات فقد وجب أن يكون له أعوان وعمال وموظفين فكان يعهد بها إلى رجال صالحين أقوياء أمناء ليكفوا المحتسب مؤونه القيام بكل الأعمال وهم يسمون بولاة الحسبة والمحتسبون.
مما تقدم، فأن الحسبة توصف بأنها، وظيفة اجتماعية لا يستغنى عنها مجتمع يرجو لنفسه الكمال والصلاح فالمحتسب استطاع( ومن خلال ما أملته عليه واجباته الدينية والدنيوية) أن يسيطر في اليوم الواحد بمساعدة عيونه وغلمانه ما تقوم به عدة إدارات وزارية في العصر الحالي.
ناهيك عن تشكيلات غير رسمية أخرى كثيرة تمارس دوراً مكملاً( كمجالس الشعب أو المجالس البلدية والقروية أو مجالس الألوية أو المحافظات) أو تحت تسميات قطاعية أخرى كمجلس حماية تحسين البيئة أو المجلس الإداري ولكن يبقى التساؤل المطروح.. هل أن المتحقق يتفق وهياكل هذه التشكيلات وتنوع وتخصص وظائفها مع ما كانت عليه وظيفة المحتسب وتواضع إمكانياته مقارنة بما مخصص حالياً من إمكانات- تمويلية- وتشريعية وتنفيذية ليقوم بعمله بكل أمانة وتفاني وإخلاص أنه مجرد سؤال.

1-2-2: الإسلام والتشريع الحضري:
دستور المدينة المنورة( نظرة ومفهوم):
حيث يمكن عده أول تشريع سنة لمدينة إسلامية أن لم يكن أول دستور جامع( بالمعنى الحقيقي الاصطلاحي لكلمة دستور) قد سن لمدينة أو حاضرة في العالم، فهو حضور منطقي كنتيجة للكثير من المناقشات التي أسفرت عنه كما أنه يمثل في الأعم الأغلب تشريعاً مرناً يقبل إضافة نصوص جديدة إليه إذا دعت الحاجة لذلك وهو بهذا يمثل نقطة حضارية متطورة وفي ذات الوقت يمثل عقداً اجتماعياً وسياسياً بين مجموعة من الأطراف، فقد اشترك في سنه والقبول بشروطه النبي الأعظم(ص) وأصحابه من المهاجرين والأنصار إلى جانب من أشترك فيه من يهود المدينة الذي بقوا فيها وقبلوا بما جاء في هذا الدستور أو الصحيفة كما نقلها ألينا محمد بن اسحق( 150هـ- 677م) كوثيقة مكتوبة.
أن هذا الدستور لم يكن منحه أو قرضاً من جانب قوي على أخر ضعيف هي وثيقة لسلامة وضمان الجميع ونسخهِ وزعت بين الأطراف المعنية واشتركت بصياغة فقراته فئات المهاجرين من قريش والأنصار من يثرب ومن لحق بهم وجاهد معهم وكذلك اليهود الذين بقوا في المدينة بعد القضاء على الفئات المعادية فمنهم بني النضير وبنو قريضة وبني قينقاع وقد ذكرت الصحيفة كافة الأطراف التي تقبل بهذا الدستور الذي كان نظام لتسيير أمور الحياة في حاضرة المسلمين والتي تركزت على ما يلي:
1-أن الأفراد جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات وأن العرف أساس العلاقة بينهم بما يقبله العقل والدين ويرضاه الناس وفق مبدأ- العدل أساس الملك-
2-أن كل وحدة اجتماعية داخل الجماعة لها نظامها الداخلي على أن لا يتعارض ذلك مع العدل والمساواة- بمعنى- أن الحرية الفردية مطلوبة كما أن العدل مطلوب للجميع-
3-أن الأمن مسؤولية الجماعة كلها مجتمعة وأن من يخل بذلك الأمن يحاسب ولو كان واحداً من الجماعة أي أن- الأمن ومسؤولية هي مسؤولية الجميع-
4-حق الجوار مكفول وتلتزم الجماعة بحماية المستجير بها وهذا بحد ذاته يعبر عن تنظيم اجتماعي حضري ينظم أوجه الحياة داخل المحلة السكنية- الحي السكني- القطاع السكني- كما تنص عليه القوانين والتعليمات المعاصرة بذلك.
5-إعلان الحرب أو السلام مسؤولية المجتمع كله ولا تنفرد بها مجموعة واحدة أو طرف دون غيره ولا بد من اتفاق الأمة على ذلك وهذا ما نراه حالياً من إجراءات الأمن القومي وإعلان النفير العام في المجتمعات المعاصرة .
6- المسؤولية فردية ولا يعاقب أحد بجريرة غيره وهذا يمثل حقاً من حقوق الأفراد من خلال أن ثبوت التهمة يجب أن يسبقها تحديد المقصر قبل الحكم وبعده من تبعات وهي تمثل نهجاً في الإدارة المجتمعية.
7-لا يجوز حماية مرتكبي الحوادث أو إيواءهم ونصرهم وهذا يعني هدفاً من أهداف التضامن الاجتماعي ومنعاً للجريمة والإرهاب وتنشئته أو التستر عليه.
8-أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وهذا يشير إلى ضمان حق الأنفاق كواجب لحماية المجتمع برمته.
9-إذا هو هوجمت يثرب( المدينة المنورة) تشترك كل الأطراف في الدفاع عنها.
-أنه لا يجوز أن تكون يثرب( المدينة المنورة) أرض حرب لمن رضى بهذه الصحيفة وأن المدينة أصبحت بذلك دار أمان للسكان، في هذا البند تعبر الوثيقة عن معنى حقيقي لمعنى المدينة والمدنية التي نادي بها الإسلام فهي مكان للعبادة كما هي مكان للوظائف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وموقع أمن لا يجوز تعريضه للهدم والخراب.
- حرية العبادة مكفولة من اليهود الذين هم طرف وأن لهم دينهم وللمسلمين دينهم وكذلك الحال بالنسبة لمواليهم، فالعيش بأمان في ظل عصر يكفل لك الأمن والطمأنينة يمثل وجهاً مشرقاً في الحضارة الإسلامية.
- من قتل مسلماً عمداً فجزاه القتل أو الدية إذا رضي أهله بذلك.
- إذا حدث خلاف في الأمر يرد إلى رسول الله(ص) ليقضي فيه بأمر الله.
إن التمعن ملياً بما ورد من فقرات (إن كانت في جوهر البحث أو خارجه) نجد أنها تنم عن حسن تدبير وفكر ثاقب وحزم بالأمور وحرية كاملة للفرد دون انتقاض مع ضمان حقوق المجتمع وأن المسؤولية تضامنية للمجتمع وهذا بحد ذاته يمثل هدفاً أساسياً في شروط الإدارة الناجحة سواء أكانت على المستوى الإستراتيجي أو التنفيذي ومن كل الجوانب( الأساسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية) وغيرها الكثير.



منقول