المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سياسة البطالمة الخارجية



الاستاذ
25-08-2008, 01:09 AM
بطليموس الاول


سياسة البطالمة الخارجية من عام 323 حتى عام 217 ق.م :

أن سياسة البطالمة الداخلية على وجهها الصحيح يقتضي البدء بدراسة سياستهم الخارجية، وذلك لأن النظم التي وضعها البطالمة لحكم مصر تأثرت إلى حد بعيد بالدور الذي أرادوا أن يلعبوه في العالم. ولما كنا تفتقر إلى أدلة مباشرة على سياسة البطالمة الخارجية، فإننا سنحاول استخلاص هذه السياسة من دراسة الحقائق التاريخية. ويجب أن نشير إلى أن الغموض الذي يكتف هذه الحقائق قد أدى إلى اختلاف العلماء في تفسيرها.

فيرى كورنمان (Kornemann) أن البطالمة الأوائل كانوا يطمحون إلى بسط سلطاتهم على جميع العالم المأهول، أي أنهم كانوا كالإسكندر الأكبر يطمحون إلى تكوين إمبراطوية عالمية.
ويرى فيلكن (Wilcken) أن البطالمة كانوا يرمون من وراء حكم مصر إلى امتصاص كل ما يمكن امتصاصه من ثروة البالد، لكي يكونوا يفضل هذه الثروة ويفضل جيش وأسطول قويين في مركز يسمح لهم يلعب الدور الأول في سياسة البحر الأبيض المتوسط الدولية، أي أن البطالمة لم يروا في مصر سوى المصدر الأول لثروتهم، أما كل أغراض سياستهم فإنها كانت موجهة إلى أهداف خارج مصر كلية. ومعنى ذلك أن فيلكن يرى أن سياسة البطالمة الخارجية كانت سياسة استعمارية هجومية ترمي إلى استخدام موارد مصر في تكوين إمبراطورية في البحر الأبيض المتوسط.
ويرى روستوفزف (Rostovtzeff) أن هدف البطالمة الأساسي كان إنشاء دولة غنية قوية في مصر، بحيث تستطيع الذود عن استقلالها وسلامتها من الاعتداءات الخارجية، وأن ضمان هذا الاستقلال وهذه السلامة ثان يقتضي السيطرة على الطرق البحرية المؤدية إلى مصر. ولما كان الفوز بهدف السيطرة يستلزم أسطولاً قويًا، وكانت موارد مصر الطبيعية قاصرة عن الوفاء بالاحتياجات الضرورية لتشييد مثل هذا الأسطول وصيانته، فإنه كان يتعين الحصول على الأخشاب والمعادن اللازمة من الخارج. وقد كانت الطريقة المثلى لضمان الحصول على هذه الضروريات هي الاستيلاء على بعض الأقاليم الغنية بالأخشاب والمعادن. وهذا يفسر سبب حرص البطالمة على ضم سوريا وقبرص، وكذلك بعض الأقاليم في أسيا الصغرى، وبخاصة لوقيا (Lycia). وبطبيعة الحال كان الاستيلاء على هذا الأقاليم يتطلب جيشًا قويًا.
ولما كانت قوة مصر تتوقف على ثروتها بسبب ما تتكلفه الجيوش والأساطيل من نفقات طائلة، وكانت ثروة مصر تعتمد على انتظام تجارتها الخارجية واتساع نطاقها، فإنه يتبين بجلاء أنه لم يكن في السيطرة على الطرق البحرية ضمان استقلال مصر السياسي فحسب بل كذلك ضمان استقلالها الاقتصادي. ومعنى ذلك أن روستوفتزف يرى أن سياسة البطالمة الأوائل كانت سياسة استعمارية، إلا أنها كانت دفاعية اقتصادية بحتًا ترمي إلى تكوين إمبراطورية لضمان سلامة مصر وثروتها. وقبل أن نبدي رأينا في سياسة البطالمة الأوائل الخارجية، سنستعرض في إيجاز يسير ما قام به أولئك البطالمة ونستخلص من ذلك سياستهم الخارجية.
1- بطلميوس الأول (سوتر Soter المنقذ)

http://history.egypt.com/images/history/ptlimos1.jpg
بطليموس الاول

ويجدر بنا أن نلقي نظرة عاجلة على مؤسس أسرة البطالمة، لنتعرف على أصله وشيء من صفاته وخاصله قبل أن نتناول دراسة سياسته والدور الهام الذي لعبه في تاريخ العالم الهلينيسي.
أصله ونشأته:
ويخيم على أصل بطلميوس (Ptolemaios) ظلام كثيف أفسح المجال لنسج كثير من القصص حوله، لكننا نعرف على الأقل أن أبويه يدعيان لاجوس (Lagos) وأرسينوي (Arsinoe) وأخاه يدعى منلاوس (Memelanos)، وأنه تربى في قصر فيليب الثاني مع فتيان القصر (Basilikof Paides) مما يؤيد أنه كان سليل أحد الأسر النبيلة، ويفسر ما نشأ بينه وبين الإسكندر من صداقة يرى بعض المؤرخين أن متملقي ملك مصر قد بالغوا في الإشادة بها. وعلى كل حال فإن بطلميوس ظاهر الإسكندر في النزاع الذي نشب بينه وبين أبيه، وإذا كان ذلك قد أثار عليه نقمة فيليب الثاني فإنه أكسبه عرفان الإسكندر وتقديره فجعله من المقربين إليه. وقد كان بطلميوس يكبر الإسكندر في السن بأكثر من عشر سنوات، إذ كان يبلغ حوالي الثالثة والثلاثين عندما بدأت حرب الإسكندر الأكبر ضد الفرس، وحوالي الرابعة والأربعين عندما أقيم واليًا على مصر.
صفاته:
ونرى في نصاوير بطلميوس على نقوده رأساً ذات جبهة عريضة عالية، وحاجيين بارزين، وعينين غائرتين، وأنف أشم، وشفتين حازمتين، وذقن قوى، وهي كلها ملامح تنم عن النشاط والقوة، وتشف عن أصل عريق وروح حربي، وتتمثل فيها عظمة طبيعية خالية من التكلف.
وقد سبر بطلميوس غور الحروب في ميادين شتى، إذ أنه من المحتمل جدًا أن عرفته ساحات بلاد الإغريق وضفاف الطونة في أثناء الحملات التي قام بها الإسكندر في أوربا لوضع الأمور في نصابها قبل أن يهاجم الفرس لكننا لا نسمع عن بطلميوس إلا في عام 331 عند الاستيلاء على الممر الفارسي المنبع، الذي يعرف باسم "الأبواب الفارسية" حيث كان يقود قوة تتألف من 3000 محارب، وهي قوة هامة في جيش قوامه 30.000 رجل تقريبًا. وفي خريف عام 330 رقي إلى هيئة السبعة، التي كانت تحيط بالإسكندر وتؤلف حرسه الخاص ومجلسه الأعلى. ومنذ ذلك الوقت عهد إليه بمهام خطيرة، أظهر في مضمارها حزمًا نادرًا، وفي أزماتها هدوءًا غير عادي، وفي مواقفها شجاعة جديرة بالإسكندر نفسه.
ويبدو لنا أنه قد كان لبطلميوس دائمًا مكانة سامية في نفوس الجنود، فقد كانوا يبادلونه الحب والاحترام، ويحسون فيه ما أحسوه في أنفسهم من التمسك الشديد بالتقاليد المقدونية وراء العادات الجديدة التي طغت على الإسكندر وبعض رفاقة في أثناء الفتوحات الأسيوية. حقًا لقد كان بطليموس وفيًا ومطيعًا لمليكه إلى أقصى حدود الوفاء والطاعة، لكنه لم يذعن على الإطلاق إلى الدافع الذي استهوى الإسكندر نحو الشرقيين.
وإذا كان بطلميوس وفيًا ومطيعًا لمليكه إلى أقصى حدود الوفاء والطاعة، لكنه لم يذعن على الإطلاق إلى الدافع الذي استهوى الإسكندر نحو الشرقيين. وإذا كان بطلميوس قد صدع للأمر الملكي وتزوج ارتاقاما (Artacama) ابنة الوالي الفارسي ارتاباتزوس (Artabazus) عندما تزوج الإسكندر نفسه في ربيع 324 من بارسيني ابنة دارا الثالث، وأمر ثمانين من رفاقه باتخاذ زوجات فارسيات، وأقام حفلاً عامًا لكل المقدونيين والإغريق الذين كانوا قد اتضخوا زوجات شرقيات وقدم لهم هدايا مناسبة، وكان عددهم يبلغ 10.000 وفقًا لرواية أريانوس و9000 وفقًا لرواية يلوتارخ.
فلا شك في أن بطلميوس لم يستبق زوجة الشرقية بعد وفاة الإسكندر. وقد كان إسراف الإسكندر في القصف واللهو غريبًا عن طباع بطلميوس، الذي حاول دون جدوى تفادي وقوع حادث محزن ليلة شرب الإسكندر حتى ثمل هو وبعض الرفاق ثم نشب خلاف بينه وبين صديقه الحميم قلايتوس (Cleitos). وقد أفلح بلطميوس أول الأمر في إخراج قلايتوس من القاعة لكن هذا التعس، وقد تملكه الغضب ولعبت الخمر بليه، عاد إليها ثانية يتحدى الإسكندر، فطعنه الإسكندر طعنة نجلاء.

ويبدو لنا جانب آخر من صفات بطلميوس في مذكراته، ويحتمل أنه كتبها في شيخوخته. وتتجاوب أصداء هذه المذكرات فيما كتبه أريانوس (Arrianos) في القرن الثاني للمسيح. ويحدثنا هذا المؤرخ أيضاً، لأن كليهما رافق الإسكندر، ولأن بطلميوس بوصفه ملكًا كان يشينه الكذب أكثر مما يشين أي رجل آخر. ويبدو لنا أن بطلميوس كان فيما كتبه رجلاً عسكريًا قبل كل شيء، شغلة الشاغل هو عرض تفاصيل مستفيضة للأعمال الحرية والمعارك، وشرح الدور الذي لعبه الضابط والجنود. ويمتاز بطلميوس فيما كتبه بميله إلى حق حقه وفي إظهار الإسكندر كما كان في ثوبه الحقيقي. وإذا كان كتاب أريانوس أبعد من أن يعطينا صورة شاملة عن بطلميوس، فإن أعمال هذا العاهل تتكشف عن عبقرية سياسية ذات دهاء وصبر وحزم، ويشيد أريابوس برقته، لكنه يجب ألا نستخلص من ذلك أنه كان يعجز عن أن يأمر باتخاذ إجراءات قاسية بل دموية.
ولما كانت تلذ لبطلميوس صحبة العلماء والأدباء، وكان قد فطن إلى أنه بقدر ما كانت القوة ضرورية للذود عن حياض دولته كانت رعاية العلم والفن أنجع وسيلة تكسبه وسلالته المجد والخلود، فإنه أخذ يدعو إلى الإسكندرية الكثيرين من شعراء الإغريق وأدبائهم وفلاسفتهم إلى الإسكندرية الكثيرين من شعراء الإغريق وأدبائهم وفلاسفتهم وقنانيهم. وكان في طليعة ضيوفه دمتربوس الفليرى، ويحتمل أنه هو الذي أوحى إلى بطلميوس بإنشاء دار العلم والمكتبة.

وكانت تلذ له أيضًا مخالطة النساء، فقد كانت له حظيات كثيرات لعل أشهرهن كانت سيدة أثينية تدعى تاييس (Thais)) وحوالي عام 322 عقد بطلميوس مصاهرة سياسية مع القائد الكبير أنتيباتروس بزواجه من يوروديقي (Eurydike)، أبنة هذا القائد، وأنجبت هذه السيدة لبطلميوس ابنتين وابنين على الأقل، ويرجح أن أكبر هذين الابنين هو الذي لقب فيما بعد باسم قراونوس (Keraunos = الصاعقة). وحوالي عام 316 تزوج بطلميوس للمرة الثالثة وإنما بدافع الحب من برنيقي (Berenike))، وكانت سيدة مقدونية أتتت إلى مصر في حاشية يوروديقي وسبق لها أن تزوجت وأنجبت من زوجها الأول ثلاثة أولاد. وقد أنجبت برنيقي من بلطميوس طفلين، هنا أرسينوي وبطلميوس، الذي أصبح فيما بعد بطلميوس الثاني، ويحتمل أن فيلوترا (Philotera) كانت أيضاً ابنة برنيقي من بطلميوس الثاني. ويحتمل أن فيلوترا (philotera) كانت أيضاً ابنة برنيقي من بطلميوس الأول. ولم تكن لبطلميوس الأول، قبل زواجه الثالث، زوجات شرعيات في مصر عدا يوروديقي. ولا تحدثنا المصادر القديمة هل طلق بطلميوس يوروديقي قبل زواجه من برنيقي، أم أنه استيقاها بعد هذا الزواج، على أننا نعرف أنه باستثناء بطلميوس الثامن يورجتيس الثاني، لم يكن لأحد من خلفائه أكثر من زوجة شرعية واحدة في وقت واحد، وفقًا للعادة المتبعة بين الإغريق. بيد أن تعدد الزوجات كان شائعًا فيما يبدو بين ملوك مقدونيا قبل عصر الإسكندر، بل إنه كان لاثنين من ملوكها في العصر الهيلنيسي، وهما دمتريوس الأول وبوروس (Pyrrhos) أكثر من زوجة واحدة في وقت واحد. فهل احترم بطلميوس العرف السائد بين الإغريق أم أن نعرته المقدونية دفعته إلى مسايرة ملوك مقدونيا؟ هذا ما لا نستطيع الفصل فيه على ضوء ما لدينا من المعلومات. والشواهد التي يستخلص منها أن بطلميوس الأول عندما حط رحاله في مصر تزوج سيدة مصرية من سلالة تقتانيو لا تبرر مثل هذا الزعم. ولو صح ذلك لكان معناه أن بطلميوس افتقى أثر فراعنة مصر القدماء الذين أسسوا أسرًا جديدة بالزواج من سيدة وطنية يتصل أصلها بملوك البلاد الأصليين، وذلك ليصبغ حكمه بصبغة شرعية في نظر المصريين، لكن الراجح أنه لم يفعل ذلك بل أنه لم تكن له حظية مصرية، فقد سلف القول أن تاييس كانت أثينية ولم تكن مصرية.
مصر محط آمال بطلميوس
يخالج أحد الشك في أن مصر كانت محط آمال بطلميوس بن لاجوس، حتى أنه ليحتمل أنه قد كانت هناك اتفاقية بينه وبين برديقاس تقضي بأن يستخدم هذا نفوذه لتولية بطلميوس على مصر لقاء اعتراف الأخير بمركز الأول. ولذلك ضحى برديقاس بقليومنيس النقراطيسي بالرغم من أنه كان صديقه الوفي، واضطر قليومنيس إلى أن يقنع بالمكان الثاني في مصر بوصفه مساعدًا (hyparchos) لبطلميوس. ويمكننا أن نلمس اهتمام بطلميوس بمصر فيما ضمته مذكراته من التفاصيل الدقيقة عن حملة الإسكندر على مصر وعن رحلته إلى واحة آمون. ولعل شغف بطلميوس بمصر يرجع إلى ثاقب فكره وحسن تقديره للموقف، فقد تنبأ بالحروب المقبلة بين قواد الإسكندر، تلك الحروب التي كانت لابد من أن تتتهدد سلامة ولايات الإمبراطورية القريبة من ميادينها، في حين أن مصر لم تكن بعيدة عن هذه الميادين فحسب وبذلك تأمن شرها، بل بعيدة كذلك عن بابل ومقدونيا، وهما الأقليمان اللذان كانا يمكن أن يصبح أحدهما مقرًا للإمبراطورية المقدونية، بذلك يضمن بطلميوس استقلاله بولايته. وإذا أضفنا إلى ذلك غنى مصر بماضيها التالد وثروتها الحاضرة، فإننا نعرف لماذا أدرك بطلميوس بفطنته وبعد نظره أن بلاد الفراعنة كانت خير جزء في الإمبراطورية المقدونية يصلح لأن يشيد فيه صرح مملكة يحمل صولجانها أحفاده على تعاقب الأجيال.
أن ذلك كله يلقي ضوءًا واضحًا جليًا على صفات مؤسس أسرة البطالمة، لكننا مع الأسف لا نعرف عن بطلميوس مقدار ما نعرفه عن باقي قواد الإسكندر، وهذه خسارة فادحة تعتور معرفة هذه الفترة التي تمخضت عن حوادث جسام، ففيها كان للشخصيات القوية أثر أي أثر في تكييف مجرى التاريخ.
إعدام قليومنيس:
ولا شك في أن تعيين قليومنيس النقراطيسي مساعدًا لبطلميوس في مصر لم يشبع أطماعه، فقد كان صاحب الأمر والنهي في مصر منذ أواخر أيام الإسكندر، ولذلك كان طبيعيًا ألا يقنع بمنصبه وأن يتوقع الجميع اصطدامه مع بطلميوس. ومن ناحية أخرى لم يطمئن بطلميوس إلى وجود هذا المساعد الخطير إلى جانبه، ولا سيما أنه كان صديقًا لبرديقاس. ولعل بطلميوس قد أحس أن برديقاس أراد بتعيين قليومنيس على هذا النحو أن يكون رقيبًا عليه. ولما كانت أعز أماني بطلميوس أن يحقق استقلاله، فإن أول ما أقدم عليه عندما وفد على مصر في أواخر عام 723 ق.م. (في شهر أكتوبر أو نوفمبر) هو التخلص من فليومنيس عميل برديقاس. ذلك أن بطلميوس أصغى منشرحًا إلى شكاوي المصريين من سوء تصرفات قليومنيس وأمر بإعدامه، وصادر أمواله التي ابتزها من البلاد. وقد انفق بطلميوس هذه الأموال في اتباع خدمات عدد من الجنود المرتزقة. وسرعان ما التف حوله ضباط أكفاء مخلصون، لأن وداعته اجتذبت حوله عددًا كبيراً من الأصدقاء. وعندما قوى بطلميوس نفسه على هذا النحو كان في وسعه أن يرقب الحوادث ليتعين الفرص المناسبة لتحقيق سياسته.
فتح فورينايئة:
وقد خدمت بطلميوس الظروف التي يبدو أنها كثيرًا ما تخدم الذين يبتسم لهم الحظ. ذلك أنه لم يشترك في الحرب اللامية (323-322) التي تركت في نفوس الإغريق آلامًا مريرة، ومن ثم فإن هزيمة الإغريق في هذه الحرب وقسوة انتيباتروس دنتا عددًا كبيرًا من الإغريق إلى الهجرة إلى مصر ليعيشوا في كنف بطلميوس "الوديع"، الذي وضعت الظروف على هذا النحو في قبضته قوات كبيرة كان في أشد الحاجة إليها. ومن ناحية أخرى وأنت بطلميوس فرصة فريدة في أواخر عام 323 عندما اندلع لهيب الثورة في قوريني (Cyrene)، وكانت هذه المدينة وجاراتها برقة (المرج) وطوخبرة (طوكرة) ويوسبريدس (بنغازي)، أي المدن الإغريقية في قورينايئة (Cyrenaica)، قد أصبح شأنها منذ سقوط أسرة باتوس حوالي عام 440 شأن مدن بلاد الإغريق فريسة للتطاحن الحزبي، ونهيا للصراع بين بعضها بعضًا. وفي صدر الثلث الأخير من القرن الرابع جذبت هذه الاضطرابات إلى قورينايئة الكثيرين ممن يبحثون وراء المخاطر مثل ثييرون (Thibron) الأسبرطى الذي نجح في إخضاع قوريني والفوز بمحالفة المدن الأخرى. وحين بدا له أن الأمور كانت سائرة على نحو ما يشتهي تغيير الموقف فجأة نتيجة لخلافه مع قائده الكريتي مناسيقلس (Manasicles). ذلك أن هذا الكريتي المغامر شجع قوريني على الخروج على ثيبرون الذي لم يلبث أن تحرج مركزه تحرجًا شديدًا إلى أن استحضر من بلاد الإغريق امدادات من المرتزقة، فحاصر قوريني حصاراً شديدًا. وعندما ساءت الحالة في المدينة بسبب قلة الطعام ثار العامة وطردوا الأغنياء منها، فجلأ بعض الأغنياء المنفيين إلى ثيبرون، ولجأ البعض الآخر إلى مصر يستنجدون بطلميوس، وبادر والي مصر بإرسال رفيقه أوفلاس (Ophellas) الأولونثى على رأس قوة برية وبحرية إلى قورينايئة.
وإزاء هذا الخطر تآلف ثيبرون ومناسيقليس، لكن أوفلاس هزمهما وألقى القبض على ثيبرون وصلبه، واستولى على كل مدن قورينايئة. وعندئذ جاء بطلميوس بنفسه إلى قورينايئة في أواخر عام 322 وأقام أوفلاس حاكمًا عليها. وتوجد اليوم في متحف شحات (قديمًا قوربني) لوحة من الرخام كشفت عنها حفائر البعثة الإيطالية بين أطلال قوريني. وقد نقشت على هذه اللوحة نصوص دستور يتألف من خمس عشرة مادة. ولسوء الحظ أن معالم الجزء الأخير من هذا الدستور غير واضحة، وأسوأ من ذلك ضياع ديباجة الدستور مما أفضى إلى اختلاف الباحثين في الرأي حول مسألتين رئيستين، واحدهما هي: من كان الملك البطلمي الذي أصدر أو أقر هذا الدستور. والمسألة الثانية هي: هل كان هذا الدستور لمدينة قوريني فقط أم أنه كان دستورًا لقورينايئة كلها. وستأتي مناقشة هاتين المسألتين عند عرض هذا الدستور ومناقشته في سياق الحديث عن نظم الحكم في المدن الإغريقية في ممتلكات البطالمة الخارجية. وحسبنا الآن القول بأن القرائن نوحي بأن بطلميوس الأول هو الذي أصدر هذا الدستور لمدينة قوريني حين كان لا يزال واليًا، أي قبل أن يتخذ لقب ملك في عام 305.
وقد كان لاستيلاء حاكم مقدوني على فورينايئة بمدنها الإغريقية التي تمتعت بالحكم الجمهوري زهاء قرن من الزمان وكانت من بينها جمهورية ذائعة الصيت مثل قوريني، أثر بعيد المدى في العالم الإغريقي. ومع ذلك يبدو أنه لم يكن فيما أقدم عليه بطلميوس أي اعتداء على قرارات مؤتمر بابل، فقد كان إسناد حكم مصر إليه يتضمن حكم ليبيًا (أو بعبارة أدق قورينايئة) وكذلك الأقاليم الشرقية المتاخمة بوصفها جميعًا حدود مصر الطبيعية. وكل ما فعله بطلميوس هو أنه أظهر بجلاء لا لبس فيه عزمه على المحافظة على حقوقه كاملة ودعم حدود ولايته الطبيعية وقد أنجبت قوريني لمصر البطلمية بعض مشاهير الرجال، مثل قاليماخوس (Callimachos) الشاعر واراتوسشنيس (Eratoshenes) الجغرافي، وعددًا غير قليل من الجنود.
برديقاس يشير مخاوف الولاة:
وليس من شك في أن اتساع نفوذ بطلميوس لم يرض برديقاس، إذ أن ذلك كان شاهدًا قويًا على أن بلطميسو لا ينوي أن يسلس له القياد، بل يعتزم أن يختط لنفسه سياسة مستقلة. ولم تكن القطيعة محتومة بين برديقاس وبطلميوس فحسب، لأن الأطماع الجامحة الت يكانت تجيش في صدر برديقاس أثارت حفيظة الكثيرين ضده، وتمخضت عنها الحوادث الجسام التي أفضت إلى تفكك عرى الإمبراطورية المقدونية. وفي الواقع لم يكن يشير الاحتاظ بوحدة تلك الإمراطورية المترامية الأطراف إلا بنفوذ ملك قوى، وأما في ذلك الوقت فإنه لم يمثل الملكية إلا شخص مجرح ضعيف العقل وطفل رضيع أنجبته سيدة شرقية. ولذلك كان برديقاس هو صاحب الكلمة العليا في الإمبراطورية، لكنه كان عليه أن يدخل في حسابه أطماع أولومبياس أم الإسكندر وكليوباترة أخته وآديا خطيبة فيليب أرهيدايوس، وكذلك غيرة كبار القواد وميولهم الاستقلالية. وقد كان أكثر منافسي برديقاس خطرًا أنتيباتروس وقراتروس، اللذان لم يعترفا بالمركز الذي اغتصبه لنفسه، وكذلك ليوناتوس الذي كان يطمع في عرض مقدونيا، ولاسيما أن كليوبترة كانت تمنيه بالزواج منها، لكن الحرب اللامية خلصت برديقاس مؤقتًا من هذه التهديدات لأنها شلت حركة أنتيباتروس وقرانروس وأودت بحياة ليوناتوس. وقد استغل برديقاس فرصة حرية العمل التي أتاحتها له الحرب اللامية ليتم فتح آسيا الصغرى، إذ أنه أخضع أرمينياً وبيسيديا وأساوريا وقابادوقيا. حقًا أن برديقاس أحرز انتصرات باهرة، إلا أن عصيان بعض الولاة كان واضحًا للعيان، فإنه عندما أسند هذه المهمة إلى ليوناتوس وأنتيجونوس آثر الأول الذهاب لنجدة أنتيباتروس ورفض الثاني تنفيذ ما صدر إليه من أوامر.
تكوين حلف ضد برديقاس:
وقد قوت انتصارات برديقاس مركزه إلى حد أن جيشه أقامه وصيًا على الملكين، أو بعبارة أصح اعترف الجيش بالمركز الذي ادعاه برديقاس لنفسه منذ مؤتمر بابل. وكان من شأن ذلك إثارة قلق أنتيباتروس. مما حد ببرديقاس إلى تهدئة روعة بالزواج من ابنته نيقايا (Nicaea) في صيف عام 322. ولا جدال في أن هذه المصاهرة أقضت مضاجع أولومبياس بما أضفته على مركز خصمها أنتيباتروس من القوة فصمت على حرمانه ذلك بأ، عرضت على برديقاس الزواج من ابنتها كليوبترة. وبعد شيء من التردد طلق برديقاس نيقايا وأخذ يتودد إلى كليوبترة. وبعد شيء من التردد طلق برديقاس نيقايا وأخذ يتودد إلى كليوبترة للفوز بيدها، لكنه لم يفز إلا باغضاب أنتيباتروس وتغذية الشائعة القائلة بأنه يتطلع إلى اغتصاب العرش. وإذا كان من العسير تبرأة برديقاس من هذه الأطماع، فإنه من العسير كذلك أن تتصور إمكان مجازفته بمخاطرة اغتصاب العرش عندئذ لأنها كانت ستشير عليه حتمًا كل الجيوش المقدونية، فقد كانت لا تزال تظهر أشد الولاء لأسرة الإسكندر ـ وسنرى الآن دليلاً قويًا على ذلك ـ ولأنه لم يكن هناك داع يبرر التعجل في الأقدام على هذه الخطوة، إذ أن وصيًا على العرش يقوم على رأس الجيش كان ملكًا في كل شيء ما عدا اللقب.
وبعد ذلك بقليل برحت قيناني مقدونيا لتزوج ابنتها آديا من فيليب، وقد عجز برديقاس عن منعهما بالقوة من الوصول إلى آسيا إلا أنه دبر مقبل قيناني، لكن الجيش أرغمه على الموافقة على زواج فيليب م ن آديا التي اتخذت منذ ذلك الوقت اسم يوروديقي. ومع أنها كانت في الرابعة عشرة من عمرها، إلا أنها كانت مصممة على ألا تدع أحدًا يغتصب حقوق التاج. وعلى الرغم من هذا الفضل الذي منى به برديقاس، أو لعل هذا الفشل حدا به إلى أن يثبت للولاة أنه صحاب الأمر والنهي في الإمبراطورية، فأعدم ملياجروس وطلب إلى أتنيجونوس أن يقدم تفسيراً شافياً عن عدم إطاعة أوامره عندما طلب إليه المساهمة في فتح قابادوقيا. لكن أتنيجونوس بدلاً من ذلك فر هاربًا إلى أنتيباتروس وقراتروس ينشد مساعدتهما، وأتهم برديفاس بقتل قيناني وبالتطلع إلى العرش وبعزمه على طرد أنتيباتروس من مقدونيا. ولما كان أنتيباتروس قد نصب نفسه نصيرًا للملكين، وكان قراتروس يشعر بأن برديقاس قد سلبه منصبه، فإنهما أخذا يستعدان لمهاجمة برديقاس في آسيا وطلب إلى بطلميوس الانضمام اليهما. وتوكيدًا للتحالف بين أنتيباتروس وقراتروس وبطلميوس زوج أنتيباتروس لحليفه الأول ابنته فيلا (Phila) وللثاني ابنته يوروديقي، وفي مقابل وقوف لوسيماخوس على الحياد أعطاه يدا ابنته نيقايا.
وقد كان بطليموس يتتبع من منف سير هذه الحوادث التي لم تكن لتحزنه ولا لتدهشه، فإنه يوم اختار مصر ولاية له كان يتوقع أن الانقسامات سوف تدب بين أفراد الأسرة المالكة، وأن أطماع الولاة سوف تؤدي إلى حوب شعراء، وأن وحدة الإمبراطورية أن تعني في الغالب إلا أولئك الذين يأمرون في الإفادة من ورائها. وقد أبدى بطلميوس شعوراً صادقًا بالمستقبل، عندما أفلح في الفوز بأ:ثر الولايات بعدًا عن مقر الإمبراطورية وعن ميادين هذه الحروب. وكان بطلميوس مرتاحًا كل الارتياح لتفكيك عري الإ/براطورية، بل أنه أسهم في ذلك مساهمة فعالة. فقد قام بدور رئيسي في مؤتمر بابل الذي تقررت فيه تلك السياسة التي كانت لابد من أن نقضي إلى فصم عري الإمبراطورية كنتيجة طبيعية لتقسيم الملك بين جينين روكسانا وفيليب أرهيدايوس وتقسيم السلطة المركزية بين برديقاس وقراتروس. ويعد ذلك المؤتمر ولي وجهة شطر مصر وهو موطد العزم على أن يستقل تدريجًا بولايته في خلال انحلال الإمبراطورية وهو ما لم يكن منه مفر. وقد كانت هذه الأمنية هي الخطوة الأولى التي لا تقبل تغييراً ولا تبديلاً في سياسته، ولذلك فإنه لم يتوان في محالفة أنتيباتروس وقراتروس وأنتيجوانوس للقضاء على برديقاس، وقد أصبحت تتمثل فيه سلطة الإمبراطورية ووحدتها.
نقل رفات الإسكندر إلى مصر:
وقد انتهز بطلميوس فرصة انهماك برديقاس في مشاغلة بآسيا ليخطو إحدى الخطوات التي رأى فيها دعامة قوية لتوطيد مركزه وهي الفوز برفات الإسكندر. ولا يبعد أن الإسكندر كان يريد أن يدفن في سيوة على مقربة من أبيه آمون، لكنه يبين أن مؤتمر بابل قرر دفنه في إيجي (Aegae) حيث كانت توجد مقبرة الملوك المقدونيين، لأن دفن الإسكندر في مقدونيا كان يحقق رغبات الجيش المتدوني يوتمشى مع أطماع برديقاس، وكان يرنو ببصره إلى الفوز بالعرش.
وعلى كل حال فإن الحقيقة الثابتة هي أن مؤتمر بابل عهد إلى ضابط مقدوني يدعى أرهيدايوس بأعداد عربة فاخرة وجنازة لم يسبق لها مثيل لتشييع جثمان الفاتح المقدوني العظيم. وقد أدرك بطلميوس المجد الذي يعود على ولايته من دفن الإسكندر فيها كما فطن إلى نوايا برديقاس، ولذلك فإنه لم يدع الفرصة تفلت منه، فروج بين الناس أن الإسكندر أوصى بدفنه في واحة سيوة، واتفق سراً مع أرهيدايوس على تحقيق أمنيته. ويمكن تقدير قيمة فوز بطلميوس برقات الإسكندر متى عرفنا أن يومنيس كان يرى في احتفاظه بخوان الفاتح الكبير دعامة قوية لدعم مركزه.
ولاشك في أن وجود جثمان الإسكندر في عاصمة مصر كان يضفي على هذه العاصمة أهمية خاصة تكاد تجمل منها عاصمة للعالم. وتحدثنا المصادر القديمة بأنه في أواخر عام 322 نقل جثمان الإسكندر من بابل إلى دمشق، وهناك استقبله بطلميوس على رأس حامية قوية ونقله إلى مصر، حيث دفنه أولاً في منف ثم نقله بعد بضع سنين إلى الإسكندرية.
ونحن نعتقد أن دفن الإسكندر في منف لم يكن إلا إجراء مؤقتًا، وأن كنا لا نعتقد أن الدافع إلى ذلك كان الانتظار حتى يتم تشييد المقبرة اللائقة بالإسكندر، إذ أنه لو صح ذلك ولم يوجد أي سبب آخر لدفن الإسكندر من أول الأمر في مقبرة مؤقتة في الإسكندرية. ويظهر لنا أن الدافع إلى دفن الإسكندر في منف أولاً ثم نقله إلى الإسكندرية بعد ذلك هو أن منف كانت عندئذ عاصمة بطلميوس، لكنها كانت عاصمة مؤقتة، لأن الإسكندرية كانت دون شك أوفق عاصمة للعهد الجديد، غير أن بطلميوس كان يرى عندئذ أنه من الحكمة أرجاء اتخاذ هذه الخطوة إلى أن يؤمن مركزه في ولايته. وما كاد بطلميوس يطمئن إلى ذلك حتى نقل عاصمته وكذلك جثمان الإسكندر إلى تلك المدينة الإغريقية. وفي سياق الحديث عن إنشاء هذه المدينة ونظمها سنناقش التاريخ الذي نقل فيه بطلميوس عاصمته إليها. ومن الجلي أن أعدام قليومنيس ودفن الإسكندر في مصر يدلان على رغبة بطلميوس في الاستقلال بحكم مصر ويتمشيان مع ما ظهر من خلفه وسلوكه منذ اجتماع مؤتمر بابل.
الحرب بين برديقاس والحلفاء:
ولقد اغتصب بطلميوس برديقاس قبل ذلك مرتين عندما أعدم قلويمنيس وضم قورينايئة، لكنه لم يتحد برديقاس على النحو الذي تحداه به الآن، فلم يكن أما برديقاس إلا أن يعتزل منصبه أو يقبل هذا التحدي. ولما كان لبطلميوس حلفاء يستعدون لمنازلة برديقاس، فقد واجه الأخير حربًا عنيفة في جبهتين، بدأت في ربيع عام 321، وكانت بداية الصراع العنيف الذي دام أربعين عامًا، واشتبكت فيه كافة قوى الإمبراطورية. وقد كان أغلب الفرسان الذين خاضوا غمار الحرب في آسيا في الأسيويين، وأما المشاة المرتزقة فقد كانوا من مختلف الجنسيات الآسيةية والأوروبية بوخاصة من الإغريق، وكانوا ينتقلون يسهو غريبة من جانب إلى آخر، لكن كل قائد كان يحاول الاحتفاظ تحت امرته بقوة أساسية من المشاة المقدونيين. ولما كان هذا الصراع كريهًا للفرق المقدونية، فانهم كثيراً ما كانوا يهجرون الجانب الخاسر إلى الجانب الآخر أملاً في وضع حد للقتال.
وقد كان يشد ازر برديقاس، الذي قضى شتاء عام 322 في الاستعداد للحرب، شقيقة القتاس (Aloetas) ويومنيس وإلى قابادوقيا وأولومبياس أم الإسكندر وكليوبترة أخته. وقد عقد برديقاس محالفة مع الإيتولين أعداء أنتيباتروس، وعزل فيلوتاس وإلى قيليقيا ـ وكان صديق قراتروس ـ كما عزل أرخون وإلى بابل لأنه لم يكن راضيًا عنه.
وقد كانت خطة برديقاس تنطوي على أن يهاجم بنفسه بطلميوس، إذ أنه كان أقوى خصومه وأشد أعداء وحدة الإمبراطورية مراسا. ولذلك أعد العدة المهاجمة مصر، بينما وقف موقف الدفاع من أنتيباتروس ووكل أمر ذلك إلى يومنيس، وأرسل جانبًا من أسطوله إلى قبرص، حيث قدم أنتيجونوس على رأس جانب من أسطول أنتيباتروس لينضم إلى أمراء بعض مدن هذه الجزيرة وكانوا حلفاء بطلميوس. وعندما عبر أنتيباتروس وقراتروس الهلبونت (الدردنيل) كان قد تجمع لدى يومنيس قوة كبيرة، قوامها 20.000 راجل من مختلف الجنسيات و5000 فارس من قابادوقيا. وقد صم أنتيباتروس على أن يقسم قواته فريقين، فيزحف جنوبًا على رأس 10.000 جندي لمساعدة بطلميوس، ويترك مع قراتروس 20.000 راجل و2800 فارس للقضاء على يومنيس. لكن فرسان الأخير انتصروا في أول اشتباك بين الفريقين وخر قراتروس صريعًا، فدخل يومنيس في مفاوضة مع مشاة خصمه وحصل على استسلامهم، لكنهم هربوا في أثناء الليل وانضموا إلى أنتيباتروس. ولم يعد على يونيس من انتصاره إلا شهرة واسعة وصدور قرار بإعدامه، وذلك نتيجة لما حدث في الميدان الآخر.
وفي تلك الأثناء كان برديقاس، وفي صحبته الملكان وبقية أسطوله بقيادة أتالوس (Attalos)، وقد غزا مصر، حيث كان بطلميسو مستعدًا للقائه. وقد أخفق برديقاس في المحاولتين اللتين قام بهما للاستيلاء على بلوزيون، وفي عبور النيل عند قلعة جنوبي ذلك تدعى حائط الجمل، وكذلك في مكان جنوبي بوباسطس، حيث فقد في هذه المحاولة الأخيرة الفاشلة أكثر من ألفي رجل وكل ما تبقى له من سيطرة على رجاله، فقد كان صلفًا متكبرًا يكرهه ضباطه وجنوده. ولذلك فإنهم عندما أحسوا بأنه لم تعد له فرصة للنصر ثاروا عليه وقتلوه في معسكره، وكان على رأس الثوار بايثون وسلوقس (Seleucos). وفي اليوم التالي عرض رجال أنتيبارتوس على بطلميوس منصب الوصاية، لكنه كان أفطن من أن يقبل ذلك المنصب الخطر أو يتطلع إليه، ولذلك نصح باختيار بايثون من الجانب الآخر وأرهيدايوس من جانبه، للاضطلاع بهذا المنصب مؤقتًا إلى أن يجتمعوا بأنتيباتروس. وفي اليوم التالي وصلت أنباء انتصار يومنيس التي لو أنها صولت قبل ذلك بيومين لأقنذت حياة برديقاس. وأما عندئذ فإنه لم تكن لها نتيجة إلا أن الجيش قرر إعدام يونيس والتقاس، وإزاء تطور الحوادث على هذا النحو انسحب أنالوس بالأسطول إلى صور.
مؤتمر تريباراديسوس:
وبعد ذلك قاد الوصيان الجيش والملكين إلى مكان في سوريا على نهر العاصي يدعى تريباراديسوس (Triparadeisos) يظن أنه بالقرب من ربيله (Ribleh) حيث اجتمع القواد لإعادة تقسيم ولايات الإمبراطورية. لكن الأمور لم تسر في رفق وهوادة نتيجة لتدابير يوروديقي، وكانت تهدف إلى الغاء الوصاية ووضع السلطة الفعلية في قبضة زوجها المعتوة، أول بعبارة أصح في قبضتها على أنها لم تفلح في محاولاتها ومرت العاصفة بسلام وتقرر اختيار أنتيباتروس وصيًا عامًا على الإمبراطورية (Epimeletes autocrator) وهكذا انتقل مركز الإمبراطورية من آسيا إلى مقدونيا، حيث ذهب أنتيباتروس وفي صحبته الملكان. وقد تقرر كذلك الاعتراف بمركز بطلميوس في مصر وتعيين ولاة جدد مكان أصدقاء برديقاس، وتناولت هذه التغيرات عددًا كبيراً من ولايات آسيا الصغرى والولايات الشرقية. وقد كان من أهم قرارات هذا المؤتمر التي كانت لها نتائج بعيدة المدى تعيين سلوقس واليًا على بابل، والاحتفاظ لأنتيجونوس بولايته أو بولاياته في آسيا، مع تعيينه إلى جانب ذلك قائدًا عامًا للجيش الملكي في آسيا وتكليفه بإخضاع يومنيس. ولما كان قد تقرر أيضاً نقل كنوز سوسا إلى قلعة قويندا (Cyinda) في قليقيا، فإنها وضعت على هذا النحو تحت إشراف القائد العام، وبذلك توافرت له الوسائل ليبنى لنفسه مركزًا ممتازًا، بل ليبعث من جديد مشروعات برديقاس. ولكي يدعم أنتيباتروس صلته بأنتيجونوس زوج ابنته فيلا، أرملة قراتروس، إلى دمتريوس بن أنتيجونوس.
وعلى كل حال فإن وصاية أنتيباتروس لم تدم إلا عامين امتازا في بلاد الإغريق بهزيمة الأيتولين واستعادة تساليًا، وفي آسيا الصغرى بأفلاح أنتيوجنوس في القضاء على جيش القتاس وفي أسر أنالوس وفي هزيمة يومنيس فهرب إلى نورا (Nora)، وكانت قلعة منبعة في قابادوقيا تدعى "وكر النسر".

بطلميوس يعمل على دعم استقلاله وتوسيع نطاق ممتلكاته:
وفي هذه الأثناء، أخذ بطلميوس يعمل على دعم استقلاله الفعلي وتوسيع نطاق ممتلكات ولايته، التي أصبح يعتبرها منذ انتصاره على برديقاس غنيمة حرب اكتسبها بحد السيف (Dorikteton)، أي أنه أخذ يعتبرها ملكًا خاصًا له. ولقد حاول بطلميوس منذ أن أصبح وإلى مصر عقد أواصر الصداقة مع الجزر الكبرى في شرق البحر الأبيض المتوسط ولاسيما مع قبرص التي رأينا أن أمراء بعض مدنها كانوا يحالفونه في أثناء الحرب ضد برديقاس، والآن جدد محالفته مع حكام سلاميس (Salamis) وسولى وبقاس وأمانوس.
وليس من العسير أن نفسر نشاط بطلميوس في البحر الأ[يض المتوسط لأن مصر أخذت منه عهد بعيد تتجه باطراد نحو بحر أيجة الذي أضحى تدريجًا مركز العالم، إلا أنه قبل عهد الإسكندر الأ:بر كانت سياسة فراعنة مصر موجهة قبل كل شيء نحو آسيا وأعالي النيل. وقد كان طبيعياً أن يكافح البطالمة الأوائل أيضاً منافسيهم في آسيا وأن يوطدوا حدودهم الجنوبية، لكنه وجهوا جل اهتمامهم إلى الفوز بسيادة بحر أيجة حيث ازدهرت الحضارة الهلينية وبلغت ذروة مجدها، وكانت المدن الإغريقية مصدر جل المبتكرات الخصبية في حلبة الأفكار والفنون والصناعات في حين أن الحضارات الشرقية القديمة بدت بالمقارنة وكأنها مخلفات عنيقة من تراث الماضي. فلا عجب أنه في هذا العصر أصبحت حضارة الناس في كل الأقاليم المطلة على البحر المتوسط تقاس بمقدار حظهم من الحضارة الإغريقية. وفي القرن الثالث قبل الميلاد كانت بلاد الإغريق آهلة بالسكان وتفيض حيوية دافقة ونشاطًا جارفًا، وتقطع أوصال هذه البلاد المشاحنات الحزبية العنيفة. ولكي يصلح القواد المقدونيون، الذين اقتصموا فيما يرثهم حكم الشرق، من شأن دولهم الجديدة كانوا في حاجة ملحة إلى نشاط الإغريق. وكان البطالمة شأنهم شأن غيرهم من ملوك العصر الهلينيسي في أشد الحاجة إلى معونة الإغريق. وقد وصلت الإسكندرية كل أنحاء مصر بالبحر الأبيض المتوسط، ذلك أنه عن طريق هذا الميناء الجديد، الذي لم يكن عندئذ لاتساعه نظير، كان وادي النيل يستقبل من عالم بحر أيجة الأفكار والرجال ورءوس الأموال، ويبادله منتجات أرضه ومصانعه وكذلك المنتجات التي كانت تصل إليه من أواسط إفريقيا والشرق الأقصى. وجملة القول أن بطلميوس، منذ أ، عين والياً على مصر، أخذ يعمل حثيثًا للفوز بسيادة بحر أيجة.
الاستيلاء على جوف سوريا:
وفي عام 319 ـ 318 استولى بطلميوس على فينيقيا و"جوف سوريا" (Coele Syria)، وكان "جوف سوريا" إقليمًا يشمل فلسطين وجنوب سوريا ويحده شمالاً جبل هرمون (جبل الشيخ) وشرقاً نهر الأردن وغربًا البحر الأبيض المتوسط. غير أنه لما كانت سوريا البطمية تشمل "جوف سوريا" وفينيقيا، فإننا سنقتقي أثر أغلب المؤرخين في التوسع في استعمال اصطلاح "جوف سوريا" بحيث يشمل كل سوريا البطلمية. وقد حاول بطليموس أول الأمر أن يشتري جوف سوريا من واليه لاومدون (Laomedon)، ولما لم يوفق في ذلك استولى على هذا الإقليم عنوة منتهزًا فرصة ضعف السلطة المركزية في الإمبراطورية عقب وفاة أنتيباتروس.
وفي خلال هذه الحملة استولى بطلميوس بنفسه بغتة على بيت المقدس، ويقال أن هذا حدث يوم سبت لأن الديانة اليهودية تحظر على أتباعها حمل السلاح في هذا اليوم. وكان تحقيق وحدة مصر وسرويا تقليدًا مصريًا قديمًا، فإنه منذ عصر الأسرة الثامنة عشرة كان كل الفراعنة الأقوياء لا يتوانون عن تحقيق هذ الوحدة لدرأ خطر دول آسيا المعادية لهم، هذا إلى أنهم كانوا يجدون هناك ما يفتقر إليه وادي النيل من المعادن والأخشاب اللازمة لبناء السفن. ولا شك في أن هذه المواد كانت ضرورية لسيادة البطالمة البحرية التي أخذت في الظهور.
وصاية بولويرخون:
وعندما أشرف أنتيباتروس على الموت، أوصى الجيش باختيار بولوبرخون (Polyperchon) وصيًا على الملكين وقائدًا أعلى للجيش وتعيين قاساندروس، ابن أنتيباتروس، مساعدًا له. وقد كان الوصي الجديد محاربًا قديمًا في جيش الإسكندر، لكنه برغم أصله العريق لم يشغل قبل ذلك أي منصب من المناصب الرفيعة، إلا أنه في عهد وصاية أنتيباتروس هزم الأيتولين وأعاد تساليًا إلى حظيرة الإمبراطورية. وقد كان محبوبًا من الجنود لما اتصف به من البساطة، وكذلك المسرح أحيانًا، في حين أن قاساندروس (Cassandros) كان متعاليًا متغطرسًا، ولذلك لم يعتقد أبوه في صلاحيته للوصاية. ولاشك في أن أنتيباتروس، باختياره للوصاية رجلاً كان يدرك تمامًا أنه أقل مقدرة من سائر الولاة العظام الآخرين، لم يرم إلا إلى اختيار شخص أمين له أخلاق قويمة يمكن الاعتماد على وفائه للمملكين وتأييدهما تأييدًا صادقًا. وقد كان نجاح بولوبرخون في مهمته يتوقف قبل كل شيء على وفاء الجيش له. ولعل أنتيباتروس كان يعتقد أن الجيش سيخلص للوصي الجديد، لكن الأحداث لم تؤيد ذلك الاعتقاد، إذ أنه في وقت طغت فيه الأطماع الشخصية على كل شيء لم يعد يحرك الجيش ولاؤه للبيت المالك، فلا عجب أن أصبح الجيش، الذي كان لا يزال أقوى عامل في سياسة ذلك الوقت، مستعدًا لخدمة أي قائد يثق فيه. وقد أضعف مركز بولوبرخون أن الولاة لم يعترفوا به فقد كانوا يرثون إلى تحقيق أطماعهم الخاصة، وأن قاساندروس الذي كان يطمع في ذلك المنصب ناصبه العداء، ولذلك واجهت الإمبراطورية أزمة جديدة خطيرة.
وقد وجد الولاة الطموحون فرصتهم في المنافسة بين بولوبرخون وقاسا ندروس، إذ أن الأخير عندما أخذ يتطلع إلى حلفاء له أفلح في عقد محالفة بينه وبين أعظم الولاة فقد كان بعضهم، مثل أنتيجونوس، غير مستعد للاعتراف بأيه سلطة مركزية لا يتولاها هو نفسه، وكان البعض الآخر، مثل بطلميوس، ندفعه شدة حرصه على الاستقلال بولايته إلى مناهضة السلطة المركزية في الإمبراطورية، وكانت تتمثل عندئذ في بولوبرخون بوصفه وصيًا على الملكين. وتبعًا لذلك لم يلق قاساندروس صعوبة في التحالف مع بطليموس وأنتيجونوس، وكانا قد انتهزا فرصة وفاة أنتيباتروس فضم أولهما جوف سوريا، واستولى الآخر على فروجيا الواقعة على ضفاف الدردنيل، وكذلك على لوديا ثم أخذ يبنى لنفسه أسطولاً. وبعد ذلك أفلح أنتيجونوس في ضم لوسيماخوس والي تراقيا إلى المحالفة، وكان يناصرها كذلك فيليب ويورديقي.
أما بولوبرخون فإنه أراد أن يستغل كراهية أولومبياس القاسندروس وماكنتها بين الجنود بوصفها أم الإسكندر ـ وكانت قد لجأت إلى أبيروس منذ أن عين أنتيباتروس وصيًا ـ ولذلك استدعاها إلى مقدونيا بحجة رعاية طفل روكسانا. وصمم كذلك على كسب كل بلاد الإغريق إلى جانبه، فأصدر باسم الملكين قراراً بإلغاء نظم الحكم الأوليجاركية التي كان أنتيباتروس قد أقامها، وبأ، تسترد المدن الإغريقية الدساتير التي كانت قائمة فيها أيام فيليب الثاني والإسكندر الأكبر، وبأن يعود المنفيون إلى بلادهم. وبفضل هذا القرار نال بولوبرخون تأييد الأ؛زاب الديقمراطية وأنزل ضربة قاصمة بالأوليجاركيين ونصيرهم قاساندروس، وفي الوقت نفسه استمال بولوبرخون إلى جانبه يومنيس، وعينه قائدًا عامًا في آسيا وأمده بالمال والجنود.
مصرع فيليب أرهيدايوس ويورديقي وأولومبياس:
وهكذا اشتعلت نار الحرب من جديد في بلاد الإغريق وفي آسيا. وأما في بلاد الإغريق فإن الصراع كان بين قاساندروس وبولوبرخون، ولم ينته بانتصار الأول في عام 316 إلا بعد وقوع ثورات عنيفة وحوادث دامية كان أبرزها وقوع أثينا في قبضة فاساندروس الذي أعاد إليها نظام الحكم القديم وأقام عليها دمتريوس الفليرى حاكمًا بأمره. والقضاء على فيليب أرهيدايوس ويوروديقي وأولومبياس. ذلك أن بولوبرخون ـ إزاء ضياع أثينا من قبضته وهزيمة أسطوله ـ فر مع ما تبقى له من قوات إلى أبيروس وفي صحبته الإسكندر الرابع وأمه. وهناك كانت أولومبياس ترقب الموقف لتتحين الفرصة المناسبة لغزو مقدونيا. وقد انتهزت انهماك قاساندروس في البلوبونيز وقامت بغزو مقدونيا بقوة جمعتها في أبيروس لتشد أزر قوات بولوبرخون. ولم تكد تدخل مقدونيا حتى أودت بحياة فيليب ويوروديقي وأعملت السيف في رقاب أنصار قاساندروس (حوالي شهر أكتوبر عام 317).
لكنها لم تلبث أن تجرعت الكأس المريرة نفسها عندما وقعت في ربيع عام 316 في قمضة قاساندروس، الذي خف إلى مقدونيا وسيطر عليها، وتزوج ثسالونيقي (Thessalonice) ابنة فيليب الثاني، وأسس على موقع مدينة بوتيدايا (Potidaea) عاصمة جديدة دعاها قاسندريا (Cassandreia) مما يوحى بأنه اعتبر الإسكندر الرابع مخلوعًا رسميًا. وقد كان قاساندروس يريد قتل الصبي حتى يخلو له الطريق لارتقاء العرش، لكنه لما كان قد أودى منذ قليل بحياة أولومبياس فإنه أثر الاكتفاء عندئذ بتحديد إقامته هو وأمه روكسانا، ووضعهما تحت حراسة دشدية. وبعد ذلك أقام جنازة ملكية لفيليب ويوروديقي في إيجي، ومعنى ذلك أنه ادعى أنه خليفة ملوك مقدونيا القوميين. ولما كان قاساندروس قد أحرز مقدونيا وسيطر على كل بلاد الإغريق تقريبًا، فإنه لم يبق في حوزة بولوبرخون إلا قورنثة.
مصرع بومنيس، حذر بطلميوس:
وأما في آسيا فإن الصراع (318-316) كان عنيفًا بين أنتيجو نوس ويمنيس، الذي أتى بالمعجزات في هذا الصراع لكنه هلك فيه، وكان تأثير خيانة أعوانه في هلاكه أشد فتكًا من ضربات خصمه العنيد، الذي أصبح نتيجة لانتصاره سيد كل ولايات الإمبراطورية في آسيا. وقد قام بطلميوس بدور غامض في هذا الصراع، فإنه في بداية الأمر ركب البحر قرب شاطئ قيليقيا، لكنه لم يفلح في منع يومنيس من تكوين جيش هناك. بل بادر إلى إخلاء سوريا عندما توغل فيها أسطولاً يعبر به البحر وينضم إلى قوات بولوبرخون في أوروبا، لكنه لم يلبث أن عدل عن هذه الفكرة وصمم على البقاء في آسيا للقضاء على أنتيجونوس. وربما كان سبب ذلك هو النصر الباهر الذي أحرزه أنتيجونوس في خريف عام 318 عند مدخل البسفور على أسطول بولوبرخون، وكان قد أرسله لمنع اتصال لوسيماخوس بانتيجونوس . وعقب هذا النصر خف أنتيجونوس إلى فنيقيا فانسحب منها يومنيس صوب داخل آسيا، حيث تابع النضال إلى أن لقى حتفه في ربيع. ونتيجة لانتصار أنتيجونوس على أسطول بولوبرخون ثم على قوات يومنيس آلت إليه سيادة بحر أيجة وكل ولايات آسيا. وعندما اسنحب بومنيس من فينقيا عاد بطلميوس إلى سوريا، لكننا لا نسمع بعد ذلك شيئًا آخر عن بطلميوس في خلال هذه الحرب. ونحن لا نعرف بالضبط كل الظروف التي أحاطت بطلميوس، لأن معلوماتنا عن هذه الفترة وبخاصة عن تاريخ مصر الداخلي قليلة جدًا، ومع ذلك لا نعتقد أن تعليل موقفه أمر عسير. ذلك أننا نشك في أن تبطلميوس انصم إلى قاساندروس بقصد توليته مكان بولوبرخون، كما نشك في أن ب طلميوس كان ينوي من بادئ الأمر أن يمد يد المساعدة إلى حلفائه، إذ يخيل إلينا أن بطلميوس انضم إلى تلك المحالفة وأوهم حلفاءه بمساعدتهم لغرض واحد يتفق مع السياسة التي رسمها لنفسه منذ أول الأمر. وهذا الغرض هو تشجيعهم على خوض غمار حرب يفني فيها المتحاربون بعضهم بعضاً، بينما يحتفظ هو بقواه، حتى إذا ما كتب النصر لأحد الفريقين، وحاول استغلال نفوذه على نحو ما فعل برديقاس من قبل، كان في استطاعة بطلميوس أن يذود عن حياض استقلاله، وأن يقوم بتنفيذ أغراضه.
أطماع أنتيجونوس:
ولم تمر تلك العاصفة إلا لتهب بعدها ريح صرصر عاتية، لم تخمد إلا بعد أن عصفت بوحدة الإمبراطورية وقضت عليها قضاء مبرما. ذلك أ،ه بوفاة فيليب أرهيدايوس وأولومبياس وسجن الإسكندر الرابع لم يعد لأسرة الإسكندر الأكبر أي كيان فعلي، وكان ذلك خير حافز لتحقيق أطماع خلفاء الإسكندر. وسرعان ما أحس الجميع بأن أنتيجونوس "الأعور" (Monophthalmos)، وقد ازدهى فخارًا بما أحرزه من انتصارات باهرة، كان يتطلع إلى لم شعث الإمبراطورية في قبضته والتربع فوق عرشها، ولذلك فإن شخصيته سيطرت على تارخي الفترة التي امتدت من عام 316 حتى وفاته في عام 301. وليس معنى ذلك أنه لم يواجهه إلا نكرات، فقد أظهر قاساندروس ولوسيماخوس وبطلميوس وسلوقس من المواهب والنشاط ما لا يقل عما أبدأه أنتيجونوس، إلا أن أطماعهم كانت محدودة إذا قيست بأطماعه، إذ يبدو أنهم لم يهدفوا إلا إلى الفوز بنصيب من الإمبراطورية التي أسهموا في تفكيك أواصرها. وأما أنتيجونوس فإنه كان يرمي إلى حكم الإمبراطورية كلها، وتبعًا لذلك أثارت مشروعاته الولاة الآخرين فتكاتفوا للقضاء عليه هو وأبنه الجسور دمتريوس "محاصر المدن" (Poliorcetes)، وكان في طليعة قواد عصره.
المحالفة الأولى ضد أنتيجونوس:
وفي صيف عام 316 فر إلى مصر سلوقس والي بابل، في رفقة قوة صغيرة تتألف من خمسين فارساً. وحمل سلوقس معه أنباء مزعجة. مجملها أن قائد عام آسيا أخذ يقوم بدور الملك فيها، وذلك أنه أعدم بايثون والي ماريا وأنتيجنيس (Antigenes) قائد فرقة "الدروع القضية"، وعزل بيوقستاس (Peucestas) والي فارس، وأجترأ على أن يطلب من سلوقس بيانًا عن د خل ولايته، فاحتدم الخلاف بينهما. لكن سلوقس ـ وقد اتعظ من مصر بايثون ـ آثر الفرار إلى مصر حث أحسن بطلميوس وفادته، ولم يلبث سلوقس أن أنفذ الرسل ليستحنث قاساندروس ولوسيماخوس لمناصبة أنتيجونوس العداء. وإزاء هذا الخطر الداهم، تحالف بطلميوس وقاساندروس ولوسيماخوس مع سلوقس. وفي أوائل عام 315 أرسل الحلفاء إلى أنتيجونوس يخيرونه بين الحرب والاستجابة إلىجميع مطالبهم، وكانت: الاعتراف لبطلميوس بسوريا جميعًا وللوسيماخوس بفرويجيا على الدردنيل ولقاساندروس بقايا دوقيا ولوقيا ولسلوقس ببابل، وتوزيع أموال الإمبراطورية التي استولى عليها بعد انتصاره على يومنيس. وقد رفض أنتيجونوس مطالب الحلفاء لأنه لو قبلها لحيل بينه وبين داخل آسيا والبحر الأسود على السواء، وقصرت ممتلكاته على جزء منآسيا الصغرى لا يشمل إلا قدرًا ضئيلاً إلى جانب ولايته أو بعبارة أدق ولاياته الأصلية: فروجيا الكبرى وبامفوليا ولوقاونيا ولوقيا. وتدل الطريقة التي أدار بها دفة الحرب على أن مواهبة كانت تكاد تعادل مطامعه. ولما كان يرغب في إحياء الإمبراطورية والتربع على عرشها، فإن الاستيلاء على مقدونيا كان هدفه طوال هذه الحرب، لكنه، وقد سد لوسيماخوس الطريق أمامه ووقف بطلميوس يهدد مؤخرته، عجز عن غزو مقدونيا.
وقد اعتمد أنتيجونوس في هذا الصراع على الأساليب السياسية قدر اعتماده على القوة، ذلك أنه قبل أن يمتشق الحسام أنفذ الرسل لكسب الحلفاء وأثارة المتاعب لخصومه. وقد استمال أنتيجونوس إلى جانبه جزيرة رودس وبعض أمراء قبرص وبولوبرخون وابنه الإسكندر وكال لقاساندروس لطمة سياسية لم يستطيع محو أثرها سريعًا، وذلك بإصدار تصريح عدد فيه جرائمه ضد أسرة الإسكندر وسياسته، فإنه أتهمه أولاً بقتل أولومبياس وسجن روكسانا وابنها واغتصاب الوصاية التي لم تكن من حقه، وثانيًا بخروجه على سياسة الإسكندر لأنه بموجب هذه السياسة كان يجب أن تتمتع المدن الإغريقية بحريتها واستقلالها وألا تخضع لأية حامية أجنبية. وهذا التصريح يذكرنا بالقرار الذي كان يولوبرخون قد استخدمه من قبل ضد قاساندروس عندما اشتعل لهيب الحرب بينهما. وهكذا أفلح أنتيجونوس في أن يكسب إلى جانبه كل بلاد الإغريق تقريبًا والوريا وكذلك أبيروس، وكان فاسندروس قد أخضعها وثارت عليه. وأفلح أنتيجونوس كذلك في بذر بذور الاضطراب في ولاية لوسيماخوس، حيث أثار عليه المدن الإغريقية الواقعة على الشاطئ وكذلك الأهالي الوطنيين الذين يعيشون في الداخل.
بطلميوس يفقد جوف سوريا وسيادته البحرية:
ومنذ البادية صمم أنتيجونوس على أن يتولى بنفسه القضاء على بطلميوس، ولذلك غزا سوريا في ربيع عام 315. ولما كان أقوى من أن يقاوم، فإن بطلميوس حصن صور وانسحب مع كل السفن الحربية الفينيقية إلى مصر، فاحتل خصمه سوريا وفينيقيا وحاصر صور، لكنها لم تقع في قبضته إلا بعد خمسة عشر شهرًا. وفي تلك الأثناء عكف على بناء أسطول وعقد محالفة مع رودس وضم أسطولها إلى أسطوله، فأضحى تحت أمرته في خريف عام 314 أسطول كبير استخدمه في السيطرة على جزر الفوقلاد (Cyclades) وألف منها عصبة جعل مركزها ديلوس بعد أن تخلصت من ريقة أثينا الطويلة الأ/د. وأزاء كل هذه التدابير آلت إلى أنتيجونوس السيادة البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط، فكان ذلك ضربة قاضية على سيادة مصر البحرية. وعندما سقطت صور أخيراً في قبضة أنتيجونوس، ترك ابنه دمتريوس في غزة ليراقب بلطميوس وانسحب إلى عصامته لقضاء شتاء عام 314 فيها مصممًا على أن يقف في عام 313 موقف الدفاع في غزة، ويبدأ هجومه الحقيقي على مقدونيا.
موقعة غزة عام 312:
وقد حاول بطلميوس أن يقضي على أثر تصريح أنتيجونوس بتصريح مسائل أعلن فيه بدوره أن الإغريق يجب أن يكونوا أحراراً لكنه لم يكن لذلك أثر، إذ أنه لم يكن في وسع أحد اعتبار هذا التصريح جديًا لصدوره عن وال كان الجميع يعرفون أنه لا يميل إلى تحرير المدن الخاضعة لسلطانه، ولاسيما أنه عندما صدقت قورينايئة هذا التصريح وثارت على حاكمها أوفلاس، بادر بطلميوس إلى القضاء على هذه الثورة. ومع أ،ه أضاع في ذلك أغلب عام 313 إلا أنه استطاع أن يقضي على أنصار أنتيجونوس في قبرص ويقيم نيقوقريون (Nicocreon) السلامسي حاكمًا عليها. وقد شهد هذا العام أيضاً تضييق الخناق على قاساندروس بوجه خاص، إلى حد أنه دخل مع أنتيجونوس في مفاوضات، إلا أنها باءت بالفشل. ولكي يخفف بطلميوس الضغط على حلفائه ويتخلص من خطر اقدام دمتريوس على غزو مصر، هاجمه في ربيع عام 312 وأحرز عليه عند غزة نصراً مبينًا كانت له نتائج بعيدة الأثر، فقد ترتب على ذلك أن استرد بطلميوس جوف سوريا وخف الضغط على قاساندروس. وكان أهم من ذلك أن سلوقس وجد الطريق مفتوحًا أمامه للعودة إلى ولايته، التي استردها بسهولة في أكتوبر عام 312. ويعتبر هذا التاريخ بداية عهد السلوقيين.
نكبات بطلمية:
ولم يهنأ بطلميوس بنصره طويلاً، ففي عام 311 ثأر دمتريوس لنفسه بأن أسر في شمال سوريا قوة بطلمية قوامها 7000 جندي. هذا إلى أن أنتيجونوس ـ وقد قرر تصفية حسابه مع بطلميوس وسلوقس مما شغله عن غزو أوروبا في ذلك العام ـ لم يلبث أن انضم بقواته إلى قوات ابنه وساترد جوف سوريا الذي سارع بطلميوس إلى إخلائه تفاديًا لمجابهة أنتيجونوس. وتضييقًا للخناق على بطلميوس يبدو أن أنتيجونوس ساعد أوفلاس على الاستقلال بقورينابئة، وأرسل حملتين ضد البتراء من أجل حرمان مصر طريق القوافل بين البتراء وغزة، كما أرسل حملة ثالثة نحو البحر الميت لحرمان مصر قطراته الضروري للسفن والتحنيط، لكن هذه الحملات جميعًا باءت بالفشل. ولما كانت عودة سلوقس إلى بابل تنطوي على أخطار داهمة تتهدد كل مشروعات أنتيجونوس، فإنه عهد إلى ابنه دمتريوس بغزو بابل. ويبدو أن أهم نتيجة لهذه الحملة غير الموفقة (عام 311) كانت اقتناع أنتيجونوس بضرورة عزل سلوقس عن حلفائه، وذلك بمصالحة هؤلاء الحلفاء إلى أن يقضي على سلوقس الذي كان يهدد مؤخرته ويقف حائلاً دون ما كان يستطيع الحصول عليه من الولايات الشرقية من الرجال والخيول والقيلة والأموال.
صلح عام 211:
وفي ذلك العام (311) عقد الصلح بين أنتيجونوس وقاساندروس ولوسيماخوس، ثم مع بطلميوس أيضاً، وساتغل أنتيجونوس هذا الصلح للقيام بدعاية واسعة بين الإغريق، فقد أذاع فيهم أنه لم يقبل طلبات قاسندروس ويعرض عن سحق بطلميوس عندما وقف أمامه وحيدًأ، إلا لحرصه على أن ينعم الإغريق بالهدوء والسكينة بعد أن أنهكتهم الحرب. وقد تضمنت شروط الصلح (أولاً) أن يحتفظ قاساندروس بسيطرته على مقدونيا حتى عام 305 عندما يبلغ الإسكندر الرابع وشده ويتولى الحكم بنفسه. (وثانيًا) أن تحرر المدن الإغريقية ولا تستبقى فيها حاميات.
ومما يجدر بالملحاظة أن الشرط الأول كان حافزًا لقاساندروس على التخلص من الإسكندر الرابع، وأن لاشرط الثالث زاد أنتيجونوس مكانة بين الناس وأعطاه المعاذير لبدء الحرب من جديد متى شاء. وتتلخص نتائج الحرب في أن فاسندروس فقد جانبًا كبيراً من بلاد الإغريق، لكنه احتفظ بابيروس ووطد مركزه في مقدونيا، وأن لوسيماخوس دعم مركزه إلى حد كبير، وأن بطلميوس فقد جوف سوريا وقورينايئة وسيادته البحرية، لكنه احتفظ بقبرص ولم يمس مصر نفسها أي سوء، غير أن بطلميوس ساعد سلوقس على استعادة ولايته ومن ثم أنشأ تلك الدولة العانية، التي كان في ضمير الدهر أنها ستصبح أخرط منافس في المستقبل لأسرة البطالمة. وأما فيما يخص أنتيجونوس، فإن هذا لاصلح كان نصرًا دبلوماسيًا رائعاً أكسبه نفوذًا كبيرًا بين الإغريق فضلاً عن فوزه بجوف سوريا وقارياً والاعتراف له بكل الولايات الشرقية بما في ذكل ولاية سلوقس. وهذا فند الرأي القائل بأن سلوقس كان أحد أطراف صلح عام 311. وإذا كان من اليسير أن نفهم لماذا ربح أنتيجونوس بالصلح، فإنه من العسير أن نتكهن لماذا قبل أعداؤه هذا الصلح وضحوا بحليفهم سلوقس، اللهم إلا إذا كانوا قد أدركوا أنه لم يكن في وسعهم عندئذ خوض غمار حرب فاصلة.
وكان طبيعياً أني ستغل أنتيجونوس الصلح في محاولة استعادة الولايات الشرقية، وذلك بعمليات عسكرية ضد سلوقس أرجح أنها امتدت من عام 310 حتى آخر عام 308، وأنها باءت بالفشل مما اضطر أنتيجونوس إلى عقد الصلح مع سلوقس في بداية عام 307 ق.م. وانهماك أنتيجنوس طويلاً في تلك العمليات يفسر تفسيراً شافيًا ما سنراه من تطور الأحداث في الغرب، بل إن إخفاقه في قهر سلوقس كان عاملاً حامسًا في القضاء عليه أخيراً في عام 301، إذ يبدو أنه كان يتعذر تحقيق ذلك لو لم يبق سلوقس قويًا ومستقلاً، ولم تكن لديه فسحة من الوقت وفرصة لدعم قوته في الشرق وتنظيم جيشه وزيادة قوته.
مقتل الإسكنرد الرابع:
وحين كان أنتيجونوس منهمكًا في مشاغله الشرقية وقعت أحداث خطيرة في الغرب. ذلك أن الإسكندر الرابع بلغ عندئذ الثالثة عشرة من عمره تقريبًا، وأخذ بعض المقدونيين يقولون بأن الوقت قد حان ليتولى السلطة بنفسه، فأراح قاساندروس نفسه من هذه المتاعب بقتل هذا الصبي وأمه (في عام 310 أو أوائل 309), وانتهز أنتيجونوس ذلك وأرسل إلى بولوبرخون صبيًا يدعى هرقل زاعمًا أنه ابن الإسكندر الأ:بر، كما أرسل إليه مالا لتكوين جيش يهاجم به قاساندروس ويؤيد مطالبة هرقل بعرض أبيه، غير أنه عندما هاجم بولوبرخون مقدونيا في العام التالي (309) أفلح قاساندروس في التفاهم معه، فقتل هرقل وانخرط في خدمة قاسندروس.
بطلميوس يستعيد سيادته البحرية و"يحرر" الإغريق:
وقبل ذلك أصابت أنتيجونوس لطمة قاسية ترتبت عليها لطمات أشد قسوة منها. ذلك أن أخاه بولميايوس (Polemaeus) ـ وكان قد أدى إليه خدمات جليلة ضد قاساندرس كوفئ عليها بمنحه ولاية فروجيا على الدردنيل ـ ثار عليه في عام 310 وحالف قاساندروس.
ويبدو أن بطلميوس رأى الفرصة موانية لاستعادة سيادته البحرية ودعمها، فبدأ نشاطه (عام 310) بمحاولة فاشلة للاستيلاء على قيليقيا، تم وجه اهتمامه إلى قبرص فقضى على آخر ملوكها الوطنيين نيقوقريون (Nicocreon) وضم الجزيرة نهائياً وأقام أخاه منلاوس (Menelaos) حاكمًا عليها. وفي العام التالي (309) استغل بطلميوس مبدأ تحرير الإغريق، الذي اعترف به الجميع في صلح عام 311 "ليحرر" بعض المدن الإإريقية. وإذا كان بطلميوس قد فشل في الاحتفاظ بقيليقيا تراخيا (Cilicia – Tracheia) بعد طرد حاميات أنتيجونوس منها، فإنه استولى على بعض قواعد في بامفوليا ولوفيا وقاريا وهي: فاسيليس (Phaselis) وجزانثوس (Xanthus) وقاونوس (Kaunos) وهيراقليا (Heraclea) وبرسيقون (persicon) كما استولى على جزيرة قوس (Cos)، حيث قضى شتاء ذلك العام ورد على ما عرضه عليه بولمايوس من محالفته بدعوته إلى الجزيرة وإعدامه هناك.
ويحتلم أنه حوالي هذا الوقت حاول بطلميوس الزواج من كليوبترة أخت الإسكندر وكانت عندئذ في ساردس، لكن أنتيجونوس دبر قتلها. وعلى كل حال فإن برنيقي الجميلة، وكانت قد أنجبت له أرسينوي، أنجبت له في جزيرة قوس (فبراير عام 308) ابنته المحبوبة الذي خلفه على العرش.
تأليه بطلميوس:
وفي ربيع عام 308 اتجه بطلميوس على رأس أسطول كبيرة إلى أندروس (Andros) وحررها من حاميات بولمايوس وظهر في جزر القوقلاد في ثوب محررها، وبذلك خلف أنتيجونوس في عصبة الجزر التي كان قد ألفها بزعامته. وقد كافأت عصبة القوقلاد بطلميوس على "تحريرها" يرفعه لأول مرة إلى مصاف الآلهة، لكنها لم تعبده إلا فيما بعد باسم "الإله المنقذ". وبعد ذلك عرج بطلميوس على بلاد الإغريق ونزل يبرزخ قورنثة، حيث "حرر" مجاراً وعقد مؤتمراً من ممثلي البلوبونيز أعلن فيه عزمه على تحرير الإغريق وطلب إمداده بمعونة مالية ونوعية، مما أثار الشكوك في حقيقة نواياه، فوافقوا على ما طلبه لكنهم لم يقرنوا القول بالعمل. وعندما دخل سيقوون (Sicyon) وقورنثة ووضع فيهما حاميات بطلمية "لتحمي الحرية الإغريقية"، تأكدت شكوك الإغريق فلم يعبأوا أكثر بدعايته الجوفاء، وإذا كان ذلك كله يدل على أنه كان قد تنازع مع قاساندروس، فإنه لم يلبث أن عقد اتفاقًا معه وعاد سريعًا إلى الإسكندرية.
وما كان بطلميوس يستهدفه من وراء مغامرته في بلاد الإغريق ورغبته في الزواج من كليوبترا؟ أكان يرمي من وراء ذلك إلى فتح بلاد الإغريق، واكتساب حق المطالبة بعرش الإمبراطورية المقدونية أو على الأقل بعرش مقدونيا، فيتسنى له حكم عالم بحر أيجة بأجمعه، نحن نستبعد أنه كان يتطلبع إلى عرش الإمبراطورية المقدونية، إذ أنه لو كان يطمع في ذلك لقبل أن يخلف برديقاس في منصب الوصاية يوم هزمه وعرض عليه الجيش المقدوني ذلك المنصب في عام 321. ونستبعد أيضاً أنه كان يرمي إلى فتح بلاد الإغريق أو الحصول على عرش مقدونيا، لأننا نستبعد أن بطلميوس الحكيم بعيد النظر، كان يخاطر بأن يستثير عواطف الإغريق وبأن يزج بنفسه في صراع عنيف مع مقدونيا، وكان يقبض على زمامها إذ ذاك قاساندروس، حليفة الطبيعي ضد عدوهما العنيد أنتيجونوس.
حقًا أن العلاقات بين الحليفين كانت قد فترت، ولكنه إزاء تهديد خصمهما لم يكن في سوعهما أن يصطرعا، غير أن ما كان بطلميوس قد صادفه من نكبات في عام 311 وأعراض قاساندروس عن شد أزره في أثناء تلك الأزمة دفعاً بطلميوس إلى محاولة الزواج من كليوبترة ليقوى نفسه ويعزز مركز مصر ويرفع شأنها، مثل ما استخدم في ذلك من قبل دفن جثة الإسكندر فيها، كما دفعاه أيضاً إلى محاولة إحياء عصبة قورنثة والظهور أمام الإغريق في ثوب المحرر والنصير، ولاسيما أن تدخل بطلميوس في السياسة الإغريقية لم يكن أمراً جديدًا عليه. فقد رأينا كيف أنه في عام 314 رد على تصريح أنتيجونوس الذي أعلن فيه حرية الإغريق بإصدار تصريح مسائل. وسبب هذا الاهتمام بالشئون الإغريقية أنه كان ضروريًا لبلطميوس، مثل ما كان ضروريًا لسائر الولاة المقدونيين في الشرق، أن يبقى على اتصال بالعالم الإغريقي، فقد كانت تأتي من المدن الإغريقية رءوس الأموال والفنيون الذين كان بطلميوس في حاجة إليهم لتقدم مرافق مصر الاقتصادية. ومن البلاد الإغريقية أيضاً كان بطلميوس يستقدم أكثر المتطوعين والمرتزقة الذين كون منهم قوانه العسكرية.
وفضلاً عن ذلك فإن دعم نفوذ بطلميوس في أهم الموانئ الإغريقية كان يحول دون ازدياد قوة مقدونيا البحرية ويساعد بطلميوس على السيطرة على بحر أيجة. ولعل بطلميوس قد أراد أيضاً بهذه المغامرة أن يثبت لقاساندروس أنه يستطيع تهديده إذا حدثته نفسه ثانية بهجر جانبه في وقت الشدة. وأما استيلاء بطلميوس على عصبة جزر بحر أيجة فإنه كان جزءًا أساسيًا من سياسته الخارجية.
استرداد قوربنايئة:
وإذا كانت سيادة بحر أيجة ضرورية لكيان البطالمة السياسي، فإنه كانت هناك أقاليم أخرى مثل قورينايئة لا غنى لهم عنها لضمان استقلالهم، ولذلك فإنه عندما كان بطلميوس الأول في بلاد الإغريق وسنحت فرصة لاسترداد قورينايئة لم يتوان في العودة سريعًا إلى مصر لهذا الغرض، لأن قورينايئة كانت تعني مصر مباشرة، ومصر كانت دائمًا قلب مملكة البطالمة النابض. وقد أثبتت الأيام أن ضم قورينايئة لم يزد في قوة بطلميوس بل أصبح بمثابة شوكة في جانبه خلفائه، فمن ناحية لم يمثل أهلها للخوضع لسلطة أجنبية لأنهم اعتادوا على الحرية والاستقلال، ومن ناحية أخرى كانت الأطماع الشخصية تغرى حكامها على الخروج على طاعة الملك. وقد كابد بطلميوس جانبًا من هذه المتاعب، فلم تكد تنقضي تسعة أعوام على إخضاع قورينايئة وإقامة أوفلاس حاكمًا عليها حتى هبت ثائرة (313) فأنقذ بطلميوس إليها حملة تأديبية قضت على الثورة وأسندت مقاليد الأمور ثانية إلى أوفلاس. ولم يكد يمر على ذلك عامان (311) حتى انتهز أوفلاس فرصة النكبات التي نزلت بيطلميوس في سوريا للاستقلال بقورينايئة، ويبدو أن أنتيجونوس ساعد أوفلاس ليضيق الخناق على بطلميوس. ولكي يدعم أوفلاس مركزه تحالف مع أجاثوقلس السراقسي، وكان مشتبكًا في حرب مع قرطجنة، ووعد أوفلاس ليضيق الخناق على بطلميوس. ولكي يدعم أوفلاس مركزه تحالف مع أجاثوقلس السراقوسي، وكان مشتبكًا في حرب مع قرطجنة، ووعد أوفلاس بأن ينزل له عن الفتوحات التي يحرزانها معًا في إفريقيا بشرط أن يساعده في إخضاع قرطاجنة. غير أنه لحسن حظ بطلميوس اختلف أجاثوقاس مع أوفلاس وقضى عليه (عام 309)، لكنه كان يتعين بطلميوس أن يعيد بسط سيطرته على قورينايئة، ولم يتوان في إسناد هذه المهمة إلى ماجاس ابن زوجه برنيقي (308) الذي يبدو أنه لم يلق عناء في ذلك وأصبح نائب الملك في قورينايئة.
دمتريوس "يحرر" أثيناء ومجازًا من حاميات فاساندرويس:
ولما لم يكن في وسع أنتيجوس أن يترك سيادة بحر أيجة في قبضة بطلميوس وسيادة بلاد بلاد الإغريق في قبضة قاسندروس، لأن ذلك كان يكشف جبهته الغربية بل يتهدد كل مركزه في آسيا، فإنه بادر إلى عقد الصلح مع سلوقس ليوجه اهتمامه إلى الغرب. وقد وجد أنتيجونوس الفرصة سانحة ليقوم بدور "محرر" الإغريق، فأنقذ ابنه دمتريوس إلى بلاد الإغريق حيث نزل في أنيقا على رأس قوة كبيرة (صيف عام 307) وطرد الحامية المقدونية من مونوخيا (Munychia) وأعلن تحرير أثينا وعزل دمتريوس الفليرى وأعاد الديمقراطية ثانية. واعترافاً بفضل أنتيجونوس ودمتريوس أغدق الأثينيون عليها مظاهر تشريف كثيرة كان من بينها عبادتهما باسم "الإلهين المنقذين" وخلع لقب ملك على كل منهما. وفي أثناء محاصرة حامية مونوخيا دخل دمتريوس مجاراً وطرد منها الحامية التي كان قاساندروس قد أقامها هناك. وبعد أن كال أنيجونوس هذه الضربات القاصمة لقاساندروس في بلاد الإغريق، استدعى دمتريوس من هناك ليصغى حسابه مع بطلميوس.
هزيمة بلطميوس في قبرص وضياع سيادته البحرية:
ولما كان أنتيجو نوس يستهدف تحطيم أسطول بطلميوس، وكانت قبرص أهم قواعده البحرية، فإنه أنقذ دمتريوس لمهاجمتها. وفي ربيع عام 306 وقعت عند قبرص ملحمة فاصلة كانت نكبة على ب طلميوس، ذلك أن قائده منلاوس حوصر في ميناء سلاميس، وعندما خف بطلميوس لنجدته مني بهزيمة بحرية فادحة، وبذلك ثأر دمتريوس لهزيمته عند غزة وتحطم الأسطول البطلمي وفقدت مصر قبرص وكل ممتلكاتها الخارجية وسيادة البحر وأصبحت معرضة لخطر مستطير. ولم تعوض هذه الهزيمة إلا ببطء وبعد مدة طويلة اضطر بطلميوس في خلالها إلى العدول عن اتباع سياسة هجومية وإلى العودة ثانية إلى سياسة التمهل والعمل على الإفادة من الحوادث أكثر من الت حكم في تكييف مجراها.
خلفاء الإسكندر يتخذون لقب ملك:
وقد كانت لهذه الهزيمة نتيجة مباشرة أخرى، إذ أنه عندما بلغ أنتيجونوس نبأ النصر اتخذ لنفسه لقب ملك وخلع هذا اللقب على ابنه. ولم يكن معنى ذلك أ، أنتيجونوس اكتفى باعتبار نفسه ملكًا على نصيبه في آسيا بل اعتبر نفسه هو وابنه مليكي الإمبراطورية المقدونية، التي خلا عرشها بالقضاء على أسرة الإسكندر. وتدل نقودهما على أنهما أعتبرا حقهما في هذه الإمبراطورية منذ وفاة الإسكندر.
وتذكر المصادر القديمة أن بطلميوس حذا حذو أنتيجونوس ودمتريوس باتخاذه هو أيضاً لقب ملك، لكن سجل ملوك مصر يؤرخ ملكية يطلميوس الأول ابتداء من العام المصري الذي يمتد من 7نوفمبر عام 305 حتى 6 نوفمبر عام 304. ولم يترتب على اتخاذ بطلميوس لقب ملك في عام 305 اعتبار ذلك العام بداية لعهده، بدليل أن تأريخ الوثائق الرسمية استمر على غرار النمط نفسه الذي كان متبعًا قبل ذلك العام من حيث اعتبار عام 323 بداية لعهد بطلميوس. وإذا كان هناك خلاف حول التاريخ الذي أقدمه فيه خلفاء الإسكندر على اتخاذ هذه الخطوة التي أكدوا بها استقلال كل منهم بولايته وانحلال الإمبراطورية فلا خلاف حول اتخاذ الخطوة نفسها.
فشل أنتيجونوس في غزو مصر:
بعد هذا النصر المبين، اعتقد أنتيجونوس أنه كان في وسعه التخلص من بطلميوس، ولذلك فإنه في خريف عام 306 أعد هو ودمتريوس جيشاً وأسطولاً قويين لمحاولة ما فشل فيه يرديقاس من قبل. فقد كانت قواتهما تتألف من 80.000 جندي من المشاة و8000 من الفرسان و82 فيلا تحت قيادة أنتيجونوس، وأسطول يتكون من 150 سفينة حربية و100 سفينة للنقل على رأسها دمتريوس. وزودت هذه الحملة الهائلة بكميات كبيرة من الحبوب وغذاء الدواب. ولقد كان مجهودًا جباراً لكنه تحطم أمام دفاع بطلميوس عن دولته.
حصار رودس، بطلميوس "الإله المنقذ":
وعندما فشل أنتيجونوس في الاستيلاء على مصر، بدت له فكرة تضييق الخناق عليها من ناحية البحر بالاستيلاء على جزيرة رودس، مع أنها لم تكن من ممتلكات بطلميوس، بل كانت صديقة أنتيجونوس في عام 315 وساعدته في بناء أسطوله غير أنه كانت لها علاقات وثيقة مع مصر منذ أن أحرز بطلميوس سيادته البحرية، ورفضت الانحياز إلى جانب أنتيجونوس ضده في أثناء حملة قبرص. وفضلاً عن ذلك فإنها كانت أهم عميل تجاري لمصر في البحر المتوسط. وإزاء ذلك كله كان أنتيجرنوس يخشى أن تقوم رودس بمساعدة بطلميوس في إعادة بناء أسطوله. وتبعًا لذلك أنقذ دمتريوس إلى رودس في ربيع عام 305 على رأس قوة بحرية كبيرة، لكن رودس قاومت الغزو بشجاعة فائقة، فحاصرها دمتريوس دون جدوى نجوا من خمسة عشر شهرًا وكان هذا الحصار سبب لقب "محاصر المدن" الذي خلع عليه. وأخيراً بفضل وساطة الأيتوليين عقد الصلح بين الطرفين في صيف عام 304 وقيلت رودس محالفة أنتيجونوس، وإنما بشرط ألا تعادي بطلميوس. ولما كان بطلميوس قد فقد أسطوله منذ هزيمته عند قبرص، فإنه لم يكن في وسعه نجدة رودس، لكنه أمدها ببعض الجنود المرتزقة وكميات كبيرة من المؤنة فحفظت لبطلميوس هذا الجميل. ويحدثنا ديودوروس بأنه بعد فشل دمتريوس في حصار رودس، أرسل مواطنوها إلى واحة سيوة سيتلهمون وحي آمون إذا كان ينصحهم بإظهار إجلالهم نحو بطلميوس برفعه إلى مصاف الآلهة، وعندما أتاهم الرد بالإيجاب أقاموا له هيكلاً أطلقوا عليه اسم بطولمايون (Ptolemaeon). ويذكر باوسانياس أن رودس عبدت عندئذ بطلميوس وخلعت عليه لقب "الإله المنقذ" وهو اللقب الذي عرف به في التاريخ.
ويرجع قبول أنتيجونوس الاتفاق مع رودس إلى أن قوة قاساندروس كانت آخذة في الازدياد في بلاد الإغريق حتى أوشك أن يستعيد أكثرها، ولذلك صدرت الأوامر إلى دمتريوس بالإبحار إلى البلاد الإغريق حيث أحرز انتصارات حاسمة. ذلك أنه أنقذ أثينا، وكانت مشتبكة في حرب مع قاساندروس منذ أربعة أعوام (307-304) وأعاد فتح بلاد الإغريق الوسطى، وحرر البلوبونيز، وأعاد إنشاء عصبة قورنثة فاختارته قائدًا لها مكان الإسكندر الأكبر (عام 303). وإحياء هذه العصبة خير دليل على عزوف أنتيجونوس عن سياسة إخضاع الإغريق، وهي السياسة التي كان ينتهجها أنتيباتروس وقاساندروس، وعلى ميله إلى سياسة فيليب الثاني والإسكندر الأكبر وهي سياسة المحالفة على قدم المساواة مع الدول المتحدة الإغريقية.

المحالفة الثانية ضد أنتيجونوس:
ولقد تحرج عندئذ مركز قاساندروس، إزاء ضياع أكثر بلاد الإغريق من قبضته بعد ضياع أبيروس، فحاول التفاهم مع أنتيجونوس، لكن هذا طلب منه التسليم دون قيد أو شرط. فلم يكن من قاسندروس إلا أنه اتصل بلوسيماخوس واتفقا على إعداد حملة قوية، وعلى التماس العون من بطلميوس وسلوقس.

ولما كان القضاء على قاساندروس ينذر الجميع بأشد المخاطر من أنتيجونوس، فإن هؤلاء الملوك الأربعة جددوا في عام 302 محالفة عام 315، إلا أنها لم ترم هذه المرة إلى كبح جماح أطماع أنيتجونوس فحسب بل إلى القضاء عليه. وقد اتفق الحلفاء على أن يعبر لوسيماخوس الدردنيل ويغزو آسيا. وأن يزحف سلوقس غربًا لينضم إليه. وفي خلال ذلك كان يتعين على بطلميوس أن يحتل سوريا، وعلى قاساندروس أن يلاقى دمتريوس الذي غزا تساليًا في ربيع عام 302. وقد كان الحلفاء يتوقعون أن خطتهم، التي رسموها للحرب في آسيا، ستؤدي إلى استدعاء دمتريوس من بلاد الإغريق. وفعلاً تحقق ذلك، إذ استدعى أنتيجونوس ابنه عندما رأى أن لوسيماخوس عبر الدردنيل وأن سلوقس بدأ زحفه غربًا، لكنه لم يكن لاستدعاء دمتريوس فائدة لأن لوسيماخوس استطاع بسلسلة من المناورات الماهرة أن ينضم إلى سلوقس. وعند أبسوس (Ipsos) في فروجيا قضى في "معركة الملوك" على الجيش الهائل الذي كان يقوده أنتيجونوس ودمتريوس. ويعزى سبب هذه الهزيمة المنكرة إلى حمية دمتريوس، الذي حالفه النصر في بداية الأمر، فأسرف في مطاردة فرسان سلوقس بينما اقتحمت فيلة العدو فيالق أنتيجونوس وضيقت الخناق عليها قوات سلوقس ولو سيماخوس فتبدد شملها وخر أنتيجونوس صريمًا وهو يردد هذه الصيحة المؤثرة: "سيأتي دمتريوس لانقاذي". لكن دمتريوس لم يأت إلا بعد فوات الأوان، وإذا أدرك عبث المقاومة ولي مديرًا إلى أفسوس مع فريق من مشاته وفرسانه. وبالقضاء على أنتيجونوس في الثمانين من عمره (عام 301)، قضى على أكبر محاولة أكبر محاولة لإحياء إمبراطورية الإسكندر الأكبر ثانية.

بداية المشكلة السورية:

وما الدور الذي قام به بطلميوس في هذا الصراع؟ لقد اكتفى بطلميوس بغزو سوريا في ربيع عام 301 عندما برحها أنتيجونوس ليعبر جبال الطوروس ويلاقي لوسيماخوس، ثم بادر بإخلاء سوريا عندما أتاه نبأ كاذب فحواه أن لوسيماخوس قد هزم وأن أنتيجونوس في طريقه صوب سوريا. ولا يمكن تفسير هذا الدور غير المشرف الذي قام به بطلميوس إلا بأنانيته، إذ يبدو أنه اتبع مع حلفائه في هذا الصراع ضد بولوبرخون ويمنيس، فقد كان صالحه دائمًا في أن يستنفد الآخرون قواهم في محاربة بعضهم بعضاً، بينما يحتفظ هو بقواه سليمة ليستطيع تنفيذ سياسته. لكن بطلميوس تخطى نطاق الحكمة هذه المرة، إذ أنه أغضب حلفاءه بانسحابه من سوريا، فقرروا أنه لم يقم نحوهم بخدمة يستحق عليها نصيبًا من الأسلاب، ولذلك أبوا عليه جوف سوريا الذي كان قد وعد به من قبل؛ بينما اقتسم معظم الأسلاب سلوقس ولوسيماخوس، اللذان اضطلعا بالعبء الأكبر في الحرب. فقد فاز أولهما بكل سوريا وآسيا الصبري ح تى منتصف فورجيا الكبرى، وثانيهما بغرب آسيا الصغرى حتى منتصف فورجيا. ولم يحصل قاساندروس لنفسه على أية ممتلكات أسيوية، لكن أخاه بلايستارخوس (Pleistarchos) نال الأقاليم الممتدة على ساحل آسيا الصغرى الجنوبي من قيليقيا حتى قاربًا.

وإذا كانت سياسة الانكماش في الحرب قد ساعدت بطلميوس أكثر من مرة في الاحتفاظ بقوته فإنها عادت عليه هذه المرة بالوبال، فقد أصبحت ملكية جوف سوريا موضع خلاف دائم بين البطالمة والسلوقيين، مما أفضى إلى سلسلة طويلة من الحروب كان لها أسوأ الأثر في كيان دولة البطالمة. ولذلك نرى أنه ليس من التعسف في الرأي القول بأن بطلميوس الذي وضع دعائم مملكة البطالمة في مصر قد أوردت خلفاءه فيما أورثهم أحد المعاول التي فوضت تلك الدعائم. وهكذا نرى ملوك العصر الهيليسي يحيون من جديد المنافسة القديمة بين فراعنة مصر والأباطرة الآسيويين من أجل هذه المنطقة.

الأوضاع بعد موقعة أبسوس:

ويعتبر عام 301 بداية عهد جديد، فقد انحلت إمبراطورية الإسكندر بحيث أنه لم يعد هناك أي أمل يرجى في أحيائها ثانية، وأصبح يقتسم عالم بحر إيجة عندئذ خمس شخصيات عظيمة هي: قاساندروس في مقدونيا وبعض بلاد الإغريق، ولوسيماخوس في ترقيا وآسيا الصغرى، وسلوقس في بابل وسوريا وآسيا الصغرى، وبطلميوس في مصر وجوف سوريا وقرينايئة. وإذا كان أنتيجونوس قد مات، فإن ابنه دمتريوس "محاصر المدن" كان لا يزال حيًا وتجيش في صدره آمال إعادة تكوين إمبراطورية أبيه وظل قوة يخشى بأسها. ذلك أنه كان لا يزال يملك أقوى أسطول في بحر أيجة، ويتمتع برياسة عصبة قورنثة، وبسيادة عصبة جزر القوقلاد، ويسيطر على قبرص ومدن إغريقية كثيرة في بلاد الإغريق وآسيا الصغرى وفينيقيا.
وإذا كان حلفاء بطلميوس قد أبوا عليه جوف سوريا، فإنه كان قد أعاد ا حتلال ذلك الإقليم حتى نهر اليوثروس (Eleutherus) في أثناء اشتباك حلفائه مع عدوهم المشترك، ورفض بعد ذلك النزول عنه. وكان هذا ينطوي على خطر الاشتباك مع سلوقس الذي جاء بعد التقسيم ليضع يده على ما آل إليه، لكنه مراعاة لصديقه بطلميوس اكتفى عندئذ بالمطالبة بحقه إلى أن يرى سبيله إلى معاملة الأصدقاء الجشعين.

وإزاء ذلك كان طبيعياً أن يأخذ كل منهما في البحث عن حلفاء له، فتوى بطلميوس يتقرب إلى قاساندروس ولوسيساخوس بالمصاهرة، إذ أن الإسكندر بن قاساندروس تزوج من لوساندرا (Lysandra) ابنة (Amastris) ليتزوج من أرسينوي ابنة بطلميوس من يرنيقي، وكانت لا تزال قناة صغيرة جدًا، وأما سلوقس فإن تناسى مؤقتًا عداءه القديم لدمتريوس، ليفيد من إمكانياته وبخاصة قوته البحرية، وخطب ابنته استراتونيقي (Stratonice) (عام 300).
نشاط دمتريوس:

وعندما ذهب دمتيوس مع فلول قواته إلى بلاد الإغريق ليستنفرها ضد أعدائه، بادرت أثينا إلى إعلان حيادها وأغلقت دونه أبوابها، وتحرر حلفاؤه من حامياته، ولم تلبث أن تفككت عرى عصبة قورنثة وقد دمتريوس نفوذه في بلاد الإغريق. وإزاء ذلك وجد دمتريوس أن الظروف غي رمواتية لشن حرب ناجحة على قاساندروس. ولما كان لا يزال تحت امرته أسطول كبير ومعاقل كثيرة في قبرص وآسيا الصغرى وفينيقيا، فإنه فضل أن يوجه نشاطه إلى آسيا. فهاجم أولاً لوسيماخوس وحرمه أيونيًا، ثم هاجم بلايستارخوس ـ شقيق قاساندروس ـ وطرده من ممتلكاته، وكانت تشمل أكثر شاطئ آسيا الصغرى الجنوبي. ويبدو أن قاساندروس ترك الأمور تجري في أعنتها، لاعتلال صحته وتقديراً منه أن دمتريوس، وقد شغل بالشئون الآسيوية على هذا النحو، لن يتدخل لمدة طويلة في شئون بلاد الإغريق. وعلى كل حال فإن دمتريوس لم يلبث أن اشتبك في حرب مع بطلميوس استولى فيها على سماريًا (Samaria) ومن المحتمل أيضاً على جنوب سوريا، وذلك فيما يظن بإيعاز من سلوقس الذي لم يجرؤ عندئ على مهاجمة بطلميوس علنًا. بيد أنه عندما خشى سلوقس أن تصبح الحرب عامة، أو لعله عندما ساورته المخاوف من أن يحتفظ دمتريوس بفتحوته، تدخل بني دمتريوس وبطلميوس وأفلح في عقد الصلح بينهما في عام 299/ 298. وبمقتضى هذه المعاهدة أخذ بطلميوس رهينة: الإسكندر زوج ابنة دمتريوس، وبروس زوج أخت دمتريوس وكان قد خلع من عرش أبيروس (في عام 302). وقد توفي الإسكندر في مصر، وأما يوروس فإن ب طلميوس أعاده إلى بلاده ليأثر من قاساندروس بسبب موقفه منه عقب أبسوس. وقد شفع بطلميوس ذلك بمحالفة أجاثوقلس السراقوسي، حتى إذا ما أفلح دمتريوس بوميًا في ارتقاء عرش مقدونيا كان من الممكن استخدام أجاثوقلس ضده إذا اقتضى الأمر.
وفاة فاسندروس وفوز دمتريوس بعرش مقدونيا:
وعندما توفي قاساندروس في عام 297 لاحت لدمتريوس باقرة أمل في الغرب، فلم يتردد في مبارحة آسيا، حيث تزعزع مركزه ونشب الخلاف بينه وبين سلوقس لرفضه إعطاء سلوقس صور وصديا ثمنًا لصداقته. ولذلك يمم دمتريوس وجهه شطر بلاد الإغريق ليستعيد سيطرته عليها ويستولى على مقدونيا ثم يثأر لنفسه من أعدائه.

وقد بدأ بمهاجمة أثينا ألا أنها صدته فانسحب إلى بلوبونيز، حيث استعاد سيطرته هناك ثم عاود مهاجمة أثينا واستولى عليها (294). وبعد ذلك زحف على أسبرطة، لكنه في أثناء هذه الحملة سنحت له فرصة جديدة للاستيلاء على مقدونيا، فلم يضع وقته عند اسبرطة وخف إلى الشمال. وبيان ذلك أن فيليب الرابع ابن قاساندروس لم يعش بعد أبيه إلا أربعة أشهر، وعندئذ تسببت الأهواء في مأساة بشعة. ذلك أنه بتأثير ثسالونيقي، أرملة قاسندروس، تقرر تقسيم المملكة بين ابنها الأكبر أنتيباتروس وابنها الأصغر المقرب إليها اسكندر الخامس. وقد كان طبيعيًا ألا يفضي مثل هذا العمل إلى الاستقرار، إذ أن أنتيباتروس لم يلبث أن قتل أمه وهاجم أخاه الأصغر فساتنجد الأخير ببوروس ودمتريوس. وعندما قدم دمتريوس إلى مقدونيا، وجد أن بوروس قد سبقه إلى دعم مركز الإسكندر، لكن ذلك لم يفت في عضد دمنريوس، فإنه دعا الإسكندر إلى مأدبة في لاريا وأوعز إلى رجاله بقتله وبعد ذلك اختاره الجيش ملكًا (294/293). وهكذا آلت إلى دمتريوس مقدونيا، وكان أبوه يعتبرها ركيزة ضرورية لإعادة فتح أسيا ولم شعث الإمبراطورية المقدونية.

وقد أفزع سلوقس وبطلميوس ولو سيماخوس استيلاء دمتريوس على مقدونيا فجددوا محالفتهم ضده واقتسموا أغلب ممتلكاته الآسيوية: فضم لوسيماخوس شاطئ أسيا الصغرى الغربي، واستولى سلوقس على قيليقيا، وأخذ بطلميوس قبرص وبامفوليا ولوقيا، فلم يبق لدمتريوس في آسيا سوى صور وصيدا في فينيقيا وقاونوس في قاريًا. ولاحت عندئذ لبطلميوس الفرصة لإعادة بناء أسطوله الذي تحطم في موقعة سلاميس.
وعلى الرغم من أن دمتريوس غدا سريعًا مكروهًا من رعاياه، فإنه استطاع أن ينشئ لنفسه قوة كبيرة في بلاد الإغريق، إذ أنه وقد طرح جانبًا فكرة كسب ود الإغريق قضى من عام 293 حتى عام 289 في السيطرة على بلاد الإغريق، فاستولى على تساليا وبلاد الإغريق الوسطى وأصبح سيد كل بلاد الإغريق ما عدا أيتوليا واسبرطة. وفضلاً عن ذلك فإنه كان يسيطر على عصبة الجزر ويحاف قرصان بحر أيجة. ولذلك بدا أنه كان في البر أقوى من أي ملك آخر، وفي البحر صاحب السيادة العيا، إذ يحتمل أنه كان حت أمرته 300 سفينة حربية، في حين أن بطلميوس لم يكن قد نجح بعد في رفع مستوى أسطوله إلى ما كان عليه قبل سلاميس، وكانت أساطيل لوسيماخوس وسلوقس ورودس وهيراقليا وبيزنطة أصغر من ذلك.

دمتريوس يفقد مقدونيا:

وفي خريف عام 289 بدأ دمتريوس اتخاذ العدة لغزو آسيا، فاستشعر سلوقس وبطلميوس ولوسيماخوس استفحال خطره ولذلك قرروا في عام 288 المبادأة بمهاجمته ودعوا بوروس إلى الانضمام إلى محالفتهم. واستقر الرأي على أن يقوم لو سيماخوس وبوروس بغزو مقدونيا وأن يستخدم بطلميوس قوته البحرية في تأليب بلاد الإغريق على دمتريوس. ولذلك فإنه في ربيع 287 غزا لووسيماخوس وبوروس مقدونيا واقتسماها فيما بينهما على أثر هروب دمتريوس إلى بلاد الإغريق، حيث حالفه التوفيق في إنقاذ مملكته الإغريقية على الأقل. وعندما أصبح لوسيماخوس على هذا النحو سيد آسيا الصغرى ونصف مقدونيا، أثارت قوته مخاوف بطلميوس وسلوقس بوجه خاص، لكنها لم يكونا أقل خوفًا من الخطر الذي كان دمتريوس مصدره، إذ أنه على الرغم من اضطراره إلى ترك مقدونيا كان لا يزال يحتكم في ممتلكات إغريقية هامة. وقد أفلح تدخل بطلميوس في دفع آثينا إلى الثورة على دمتريوس وخف بوروس إلى نجدتها فنجت من الوقوع في قبضة دمتريوس.

دمتريوس يغزو آسيا، أسره ووفاته:

وبعد ذلك عقد الصلح بين بوروس ودمتريوس على أساس احتفاظ كل منهما بما كان في قبضته. وفي العام التالي (286) ترك دمتريوس ابنه أنتيجونوس جوناتاس (Gonatas) في بلاد الإغريق وبدأ بنفسه غزو آسيا، فلم يتدخل في ذلك سلوقس ولا بطلميوس، إذ كان لا يسيئها أن يريا دمتريوس يهاجم لوسيماخوس. وفي البداية حالف التوفيق دمتريوس فأغراه ذلك على محاولة الوصول إلى الولايات الشرقية البعيدة فيما وراء أرمينيا، لكن تذمر جنوده ومهارة أجاثوقلس بن لوسيماخوس أرغماه على العدول عن هذا المشروع (عام 286)، فانسحب إلى قيليقيا وناشد مساعدة سلوقس لكنه لم يفز بذلك لعدم اطمئنان الأخير إليه.

وإزاء تكالب الشدائد على دمتريوس شن على سلوقس حربًا يائسة، إلا أنه مرض وتفكك جيشه في أثناء مرضه، مما اضطره إلى التسليم لسلوقس، فألقى القبض عليه وسجنه (عام 285) إلى أن وافته منيته (عام 283).

بطلميوس يسترد سيادة البحر:

وعندما زال خطر دمتريوس، انتهز لوسيماخوس هذه الفرصة وطرد بوروس من مقدونيا ووضعها كلها وكذلك بلاد الإغريق تحت سيطرته (عام 285). وأما في بحر أيجة، فإن خليفة دمتريوس لم يأن لوسيماخوس وإنما بطلميوس. وبيان ذلك أنه في خلال كفاح دمتريوس في آسيا الصغرى في عام 286، حالفت ميلتوس بطلميوس، وبعد دمتريوس انخرط قائده البحري، فيلوقلس (Philocles) ملك صيدا، في خدمة بطلميوس ووضع تحت أمرته الجانب الأكبر من أسطول دمتريوس، بما في ذكل مراكبه الفينيقية، كما أعطاه أيضًا صيدا وصوروقاونوس وهكذا استرد بطلميوس سيادة البحر ومعها سيادة عصبة جزر القوقلا، دون أن يحارب من أجلها. ولم يلبث أن استولى كذلك على جزيرة (Thera) ومن المحتمل أنه أنشأ عندئذ أيضاً قاعدة بحرية في أتانوس على الساحل الشمالي الشرقي بجزيرة كريت.

بطلميوس يشرك معه في الملك ابنه المفضل لديه:

وقد كانت مشكلة وراثة العرش أكبر مشاغل بطلميوس في سن حكمه الأخيرة، فلكي يضمن الملك لابنه المفضل لديه، وهو الذي أنجب له برنيقي في جزيرة قوس، ويحرم ابنه الأكبر من يوروديقي وهو المعروف باسم بطلميوس "الصاعقة" (Keraunos) أشرك معه الأول في الملك في عام 285. وكان يواجه الملك الجديد حالة خارجية متوترة، ذلك أن أخاه بطلميوس الصاعقة التجأ إلى لوسيماخوس ثم إلى سلوقس للحصول على عون يمكنه من الفوز بارثه، أو إذا تعذر ذلك للعمل على في أوروبا بما يعوضه عن خسارة أرثه المصري. فكان من الجائز نشوب حروب تتهدد مصائر مصر، لكن بطلميوس الأول قد أثبت أنه إذا كان من الممكن وقف مصر في اندفاعها إلى الفتح للحصول على سيادة البحر، فقد كان من العسير المساس بمصالح مصر الجوهرية، وأنه لم تحل بمصر هزيمة وعلى عرشها ملك حازم إلا استطاعت أن تتخلص من آثارها.

استعراض سياسة بطلميوس الأول الخارجية:

وإذا استعرضنا ما قام به بطلميوس فإننا نلاحظ (أولاً) أنه بعد فشل ما اقترحه على مؤتمر بابل من بقاء عرش الإمبراطورية شاغراً وقيام قواد الجيش بحكم الأمبراطورية، قام بدور رئيسي في هذا المؤتمر الذي قرر: تقسيم الملك بين أرهيدايوس وجنين روكسانا، وكذلك تقسيم السلطة المركزية بين برديقاس وقراتروس. وما كاد بطلميوس يصل إلى مصر حتى أعدم قليومنيس النقراطيسي، وعمل على نقل جثمان الإسكندر لدفنه في مصر.

ولا ريب في أن ما اقترحه بطلميوس أول الأمر على مؤتمر بابل يدل على تعطش شديد للسلطة، ولا في أن السياسة التي شارك في جعل مؤتمر بابل يتبعها كانت أبسط نتائجها إتاحة قسط كبير من الاستقلال لحكام الولايات. بل إن النتيجة المنطقية لهذه السياسة آخر الأمر كانت فصم عرى الإمبراطورية. وإعدامه قليومنيس ودفنه الإسكندر في مصر يدلان على رغبته في الاستقلال بحكم مصر ويتمشيان مع ما ظهر من خلقه وسلوكه منذ اجتماع بابل.

ويلاحظ (ثانيًا) أنه اشترك في أربع محالفات ضد السلطة المركزية، فقد كانت أولى هذه المحالفات ضد برديقاس الذي قضى عليه في عام 321، لأنه قبض على زمام السلطة العليا في الإمبراطورية المقدونية وأراد إملاء إرادته على حكام الولايات. وقد رفض بطلميوس أن يخلف برديقاس في منصب الوصاية، مع أنه لو كان يطمع في تكوين إمبراطورية عالمية لرحب بهذه الفرصة. وكانت المحالفة الثانية ضد بولوبرخون عندما أقيم وصيًا على الملكين، وأصبح تبعًا لذلك صاحب السلطة المركزية في الإمبراطورية. وكان ضعف مركز هذا الوصي خير حافز لتفويض أركان السلطة المركزية وتحقيق الأطماع الشخصية. وأما المحالفتان الثالثة والرابعة فإنهما كانتا ضد أنتيجونوس "الأعور" وهو الذي ازدادت قوته بحيث أصبح خطرًا يتهدد سلامة الولاة الآخرين، وانتهى الأمر بالقضاء عليه في عام 301، وينهض ذلك كله دليلاً على أن تتابع الأحداث أقنع بطلميوس بأنه لا يستطيع تحقيق ما كان يستهدفه من الاستقلال بمصر والمحافظة على هذا الاستقلال إلا إذا شارك في القضاء على السلطة المركزية في الإمبراطورية وعلى وحدة الإمبراطوية وكافح كل من حدثته نفسه بأحيائها أو ازدادت قوته ازديادًا خطيرًا يتهدد توازن القوى في بحر أيجة. ومع ذلك يلاحظ أنه في أغلب الأحيان كان بطلميوس يتفادى تعريض مصائر مصر تعريضًا خطيرًا. وليس مرد ذلك، كما يزعم بعض مؤرخي الغرب، إلى أنه كان يسيطر على شعب أقل ميلاً للحرب من شعوب مقدونيا وتراقيا وآسيا، فهو لم يعتمد على المصريين في جيشه، وإنما مرد ذلك إلى عاملين آخرين وأحدهما هو أنه كان يعتمد في تكوين جيشه على التجنيد الخارجي وكان يكلفه كثيرًا وتحت رحمة الظروف المختلفة وعرضة للنقص بل للانقطاع كلية. والعامل الآخر هو أن بطلميوس كان يدرك تماماً أن مصر كانت دعامة قوته لأنها كانت المصرد الرئيسي لثروته والمركز الذي يشاد حوله صرح إمبراطورية تكفل له الاستقلال السياسي والاقتصادي، وأن قواته كانت الدرع الواقي لمصر، ومن ثم فإنه كان لا يجوز المخاطرة بتعريض مصر للأخطار بالزج بقواته في حروب لا تمس سلامة مصر أو لا تخدم صوالحها المباشرة.

ويلاحظ (ثالثً) أنه حين كان بطلميوس معنيًا بالفوز باستقلاله والذود عنه قد حاول تحقيق هدفين آخرين: كان أحدهما هو بسط نفوذه على الأقاليم التي تجاور مصر وتعتبر بمثابة ملحقاتها الطبيعية، فإنه ما كاد يصل إلى مصر حتى استولى على قورينايئة لحماية حدود مصر الغربية. وعندما وطد مركزه في مصر بانتصاره على برديقاس، وجه اهتمامه إلى الاستيلاء على جوف سوريا وفينيقيا وقبرص والاحتفاظ بها، وذلك من ناحية لحماية حدود مصر الشرقية والحصول على المعادن والأخشاب التي يفتقر إليها وادي النيل والسيطرة على أهم منافذ طريقي الوسط والجنوب التجارة الشرقية، ومن ناحية أخرى لتأمين سيادة مصر على بحر أيجة. وكان الهدف الآخر هو بسط سلطان محصر ما أمكن في البحر الأبيض المتوسط، بقصد الاستيلاء على الأقاليم التي توفر لمصر ما تحتاج إليه من المواد الضرورية، وبقصد حماية الطرق البحرية التي تصل مصر بدول بحر إيجة. ولذلك كله عنى بطلميوس بالاستيلاء على عصبة جزر بحر أيجة وبعض الأقاليم الواقعة على شواطئ آسيا الصغرى في قيليقيا وبامفوليا ولوقيا وقاريا. وإذا كان قد فقد في أواخر القرن الرابع ممتلكاته في آسيا الصغرى وبعد ذلك سطوته البحرية، فإنه في بداية القرن الثالث استرد سيادته البحرية، وأصبح سيد عصبة جزر القوقلاد وثيراً وشاطئ فينيقيا وقاونوس فضلاً عن جوف سوريا وقورينايئة، وأضحت تحت امرته إذ ذاك أكبر قوة بحرية في العالم الهلينيسي.

لقد كانت أعز أماني البطالمة الثلاثة الأوائل هي المحافظة على استقلال مصر التام، وضمان ثرائها بتصريف الفائض من منتجاتها والحصول على المواد التي تفتقر إليها. وقد اعتبروا الوسيلة المثلى لتحقيق ذلك إحراز سيادة بحر أيجة. ويجب أن يلاحظ أن السيطرة على عصبة جزر بحر أيجة كانت لا تكسب البطالمة إلا سيطرة جزئية اقتصادية وسياسية على بحر أيجة، وأن استكمال السيطرة على هذا البحر كان يقضي بفرض حماية مصر على شواطئ آسيا الصغرى الجنوبية والغربية، ونشر نفوذها على الدردنيل وبحر مرمرة وشواطئ البحر الأسود الجنوبية. وقد كانت سلامة هذه الإمبراطورية الأيجية تتطلب كذلك الإستيلاء على موانئ فلسطين وفينيقيا. وقد شيد بطلميوس الأول جانبًا مهماً من هذه الإمبراطورية، وترك لابنه وحفيده استكمال هذا البناء الشامخ.

وقد جعل واجب بطلميوس الأول عسيراً ظروفه ومقدرة خصومه، ولا شك في أنه لم يمل إلى تجاهل هذه المقدرة بل إنه كان يخشاها. وإذا كان يفضل مواهبه قد تمكن من تشييد صرح منيف، فإنه يحذره وأنانيته وشدة حرصه قد أورث خلفاءه المشكلة السورية العانية التي كان لها أثر بعيد المدى في مستقبل دولته. ومع ذلك فإن هذه الدولة صدت أمام ظروف الزمن مدة طويلة، في حين أن عاصفة واحدة كانت كافية للقضاء على دول الآخرين الذين فأتوه في جلال مظهرهم. وما نعرفه عنه يعطينا في جميلته بواعث كافية لتقديره والإنفاق مع أقوال المؤرخين القدماء، الذين يضعونه في الصف الأول بين رجال ذلك الجيل المدهش من خلفاء الإسكندر.


منقول

الاستاذ
25-08-2008, 01:12 AM
بطلميوس الثاني


http://history.egypt.com/images/history/ptlimos2.jpg

في خلال العام الممتد من 2 نوفمبر عام 283 على أول نوفمبر عام 282 توفي بطلميوس الأول، فانفرد بعرش مصر ملك في عنفوان الشباب يناهز الخامسة والعشرين من عمره .
وقد دأب المؤرخون منذ قديم الأزل على أن يدعوا هذا الملك فيلادلفوس برغم أنه لم يحمل هذا اللقب إطلاقًا في حياته، فقد كان اللقب الإلهي الذي خلع على زوجة وأخته أرسينوي (Arsinoe) بعد مماتها وإنشاء عبادة خاصة بها. وتشبه ملامحه ملامح أبيه لكنها لا تنم عن القدر نفسه من النشاط، ولا غدو فإنه لم ينعم بمواهب أبيه الحربية، ولم يشغف بالقتال حتى أنه لم ير إطلاقًا على رأس جيشه. ولعل مرد ذلك إلى أن صحته كانت رقيقة. وعلى الرغم من أنه حكم مدة طويلة فإنه لم يبلغ أقصى الشيخوخة. وقد كان لهذا العاهل الذهبي الشعر سمة ملكية، وإن كان عنده استعداد بغيض للبدانة مثل أخيه غير الشقيق ماجاس، نائب الملك في قورينايئة .
وقد أكسبه الشعراء الذين شادوا بذكره مجدًا خالدًا، لكن الناس يعرفون اسمه أكثر مما يعرفون سيرته. وكان فيلادلقوس تلميذ الفلسوف استراتون (Straton) والشاعر فيلتاس (Philetas) فكانت ثقافته واسعة، وله ولع بالجغرافيا والتاريخ الطبيعي، وشغف بالبحث عن أنوا الحيوان النادرة لحداثته بالإسكندرية. وإذا كان بطلميوس الأول قد وضع نواهة المكتبة الكبرى في الحي الملكي بما جمعه من الكتب، فإن بطلميوس الثاني هو الذي نظمها وأعطاها صورتها الحقيقية، وأنشأ كذلك فيما يبدو المكتبة الصغرى التي كانت تكون جزءًا من سرابيوم الإسكندرية. ولم يتعلق هذا الملك بأهداب المسرات الروحية فقط، فقد تسلطت عليه الشهوات إلى حد أنه كان دائب البحث وراء بواعث جديدة للنشوة والسرور. فلا عجب أنه كانت له حظايا كثيرات، من كافة الطبقات، كن يثرن دهشة الإسكندرية والعالم بأسرفهن في أهوائهن وبذخهن مثل بيليستيخي (Bilistiche) التي قدمت قرابين فاخرة لمعبد دلفي وفازت بسباق العجلات في أولومبيا في عام 268، ومثل قلينو (Cleino) الساقية التي انتشرت تماثيلها في العاصمة. ولابد من أن مثل هذا التظاهر لم يغضب الملك، فقد كان فخورًا بثرائه ومولعًا بمظاهر العظمة. ونستدل على ذلك من وصف المهرجانات التي كان يقيمها، على نحو ما سنرى فيما بعد. وكان فيلادلفوس إلى جانب ذلك مستبدًا عصبيًا، ويحتمل أنه كان أيضاً حاد المزاج، وهو ما يبدو من أسلوب بعض قراراته وخطاباته، وهي التي بات من المؤكد أنه هو الذي أملاها. ونكاد نسمع إصداء غضبه المخيف، الذي صحب فضيحة قليون (Cleon) المشرف على أعمال الري في الفيوم، تتجاوب في بقايا مراسلات هذا التعس. وبالرغم من أن هذا العاهل كان محور كثير من القصص والتواريخ، فإنه لم تبق لنا عنه أدلة ك افية تمكننا من التعرف على دخائل نفسه والحكم عليها بدقة.
أرسينوي الثانية:
وإذا كان من العسير أن تتحقق مما يقال عما كان لأخطاء فيلادلفوس رجالاً ونساء من الأثر الكبير فسي سياسته، فإنه لا يخامر أحدًا الشك في أن أخته أرسينوي كانت مصدر وحيه في أوائل حكمه، وقت أن كانت سياسته طموحة نشيطة، لكن الخمول لم يلبث أن استولى على هذه السياسة فيما بعد. ولذلك يجدر بنا أن نذكر شيئًا عن هذه الملكة، التي يدور الجدل حول خلقها والدور الذي لعبته. وأجمل نقودها الذهبية ـ تلك التي سكت في خلال حياتها ـ تكسبها جمالاً ملكياً، حتى ليبدو محالاً أن ملامح بها هذا النبل وهذا الصفاء كان يمكن أن تتفق مع فساد الروح وانخطاطه. ومع ذلك فإن أرسينوي، في رأي بعض المؤرخين، فتتح سلسلة أولئك الملكات السياسيات، اللائي ملكتهن الخيلاء وتسلطت عليهن شهوة الحكم واستخففن بوخز الضمير.
وقد تزوجت أرسينوي ثلاث مرات لأسباب سياسية في المرة الأولى من لوسيماخوس (حوالي عام 300) لتخدم أغراض أبيها السياسية، وفي المرة الثانية من بطلميوس "الصاعقة" (280) لتضمن لنفسها وأولادها من لوسيماخوس ملك مقدونيا، وفي المرة الثالثة من بطلميوس الثاني (276-275) لتحقق لنفسها آمالها في الحكم والسيطرة. ذلك أنه بعد ضياع آمالها في حكم تراقيا ومقدونيا، عادت إلى الإسكندرية، حيث اكتسبت على أخيها الملك سلطة لا تقهر. وقد كان فيلادلفوس متزوجًا عندئذ من أرسينوي الأولى، وكانت بمثابة ابنة أخته أرسينوي الثانية، لأنها كانت ابنة زوجها لوسيماخوس، بيد أن أرسينوي الثانية سرعان ما دبرت أبعاد أرسينوي الأولى إلى فقط (Coptos) بتهمة التآمر ضد الملك (276-275)، ثم تزوجت أرسينوي الثانية من أخيها ملك مصر. وقد كان زواج الأخ من أخته الشقيقة يعتبر فسقًا في نظر الإغريق وإن كان الإله زيوس والآلهة هيرا (Hera) لم يتقيدا بهذا القانون البشرى. ولم يفت ثيوقريتوس (Theocitos) شاعر البلاط أن يمجد هذا "الزواج المقدس" الجديد. وأما الشاعر الهجاء سوتادس (Sotades) فإنه جزاء اجترائه على التنديد بهذا الزواج لقى حتفه وفقًا لوراية أثينابوس أو ألقى في غياهب السجن بضع سنوات وفقًا لوراية بلوتارخ.
وإذا كان من المحتمل أن أرسينوي الثانية لم ترتبك كل الجرائم التي عزاها إليها المؤرخون، فإنه لا سبيل إلى الشك في أنها كانت لا تترفع عن استخدام أي وسيلة في سبيل الفوز بالسلطان، ولا أدل على ذلك مما رأيناها تفعله لترتقي عرش مصر. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي انزلقت فيها إلى الشر بسبب تعطشها إلى الحكم، فسنرى بعد قليل أنها حين كانت زوجة لوسيماخوس ارتكبت جريمة منكرة لتضمن السلطة لنفسها والعرش لأكبر أبنائها، لكن أخاها غير الشقيق "الصاعقة" الذي تزوجته بعد وفاة لوسيماخوس لم يلبث أن بدد هذا الحلم.
الظروف تخدم فيلادلفوس:
ولنتتبع الآن أحداث العالم الهلينيسي منذ انفراد بعرش مصر بطلميوس الثاني، الذي أدت إليه الظروف خدمة جليلة. ذلك أنه في مستهل حلكمة انهارت إمبراطورية لوسيماخوس، وأحدقت بإمبراطورية سلوقس أزمة كادت تقضي عليها. وفي الوقت نفسه أثارت غزوة العال اضطرابًا كبيرًا في أوروبا وفي آسيا، وكان من حسن طالع فيلادلفوس أن مصر لم تعرف الغال إلا بمثابة جنود مرتزقة.
إنهيار إمبراطورية لوسيماخوس ومصرعه:
وقد أفضت إحدى مآسي القصر في مقدونيا إلى القضاء على لوسيماخوس العجوز، وكانت المنافسات والدسائس تقطع أوصال بلاطه، حيث كانت زوجة الشابة أرسينوي شقيقة ملك مصر تتمتع بنفوذ يعادل أطماعها الواسعة. وقد مر بنا أنها كانت تريد السلطة لنفسها والعرش لابنها الأكبر، لكن أجاثوقلس ـ الابن الأكبر للوسيماخوس من نيقايا ابنة أنتيباتروس، وقاهر دمتريوس في آسيا الصغرى في عام 286، وزوج لوساندرا أرملة الإسكندر بن قاسا ندروس وأخت أرسينوي لأبيها ـ كان الوريث الشرعي الذي أكسبته هذه الصلات وشجاعته ومولده كافة الفرص والحقوق. وزاد لهيب المنازعات في بلاط لوسيماخوس وجود بطلميوس الصاعقة هناك، وكان يعمل دائبًأ لتحقيق ما كان يستهدفه وسبقت الإشارة إليه. وأفضت هذه المنازعات إلى أن أرسينوي لأبيها ـ كان الوريث الشرعي الذي أكسبته هذه الصلات وشجاعته ومولده كافة الفرص والحقوق. وزاد لهيب المنازعات في بلاط لوسيماخوس وجود بطلميوس الصاعقة هناك، وكان يعمل دائبًا لتحقيق ما كان يستهدفه وسبقت الإشارة إليه. وأفضت هذه المنازعات إلى أن أرسينوي أنهمت أجاثوقلس باطلاً بتدبير مؤامرة لاغتيال أبيه. ويحدثنا باوسانيساس بأن أرسينوبي نقمت على أجاثوقلس أما لأنه ضدها عندما إرادته عن نفسها، وأما، وهو الأصح عندنا، لأنها أرادت أن تتخلص من منافسته فيخلو الجو لها ولابنها. وعلى كل حال فإن لوسيماخوس قضى بإعدام ابنه (عام 284)، ففرت لوساندرا إلى سلوقس. ولم يلبث بطلميوس الصاعقة أيضاً أن التجأ إلى سلوقس فأحسن وفادته معاملاً إياه معاملة الوريث الشرعي لعرش مصر، تنويهاً عن استعداد سلوقس لمساعدة ضيفه على تحقيق أمانيه. ويفسر ارتحال الصاعقة من بلاط لوسيماخوري إلى بلاط سلوقس بأنه قبيل ذلك (عام 283) خطب بطلميوس الثاني أرسينوي ابنة لوسيماخوس، وإزاء هذا التقارب بين فيلادلقوس ولوبسيماكوس، فإن ممتلكاته في آسيا خرجت تباعاً عن طاعته. وفي عام 282 ساوقس الطوروس استجابة لدعوة هذه الممتلكات فيما يبدو، وعندئذ مسلم إليه فيلتايروس (Philetaeros) برجام وما فيها من الأموال. وقد تسلم ساوقس أيضاً ساردس وكنوزها. وفي عام 281 خرج لوسيماخوس على رأس جيشه لاسترداد إمبراطوريته الأسيوية، فالتقى مع ساوقس عند قوروبديون (Koroupedion) في لوديا، وكانت آخر المعارك العظمى بين خلفاء الإسكندرية، وفيهما هزم لوسيماخوس وقتل.
مصرع سلوقس، إرتقاء "الصاعقة" عرش مقدونيا!
وعندما خرج سلوقس مظفرًا من هذه المعركة، وجد إمبراطورية الإسكندر عدا دولة البطالمة عند موطئ قدميه. ذلك أنه منذ أكثر من عشر سنين عقد معاهدة مفيدة في مجموعها أنهت الحرب بينه وبين ساندراقوتاس (Sandracottas) ملك الكنج والسند، وبذلك أمن حدوده الشرقية. والآن دانت له كل آسيا الصغرى تقريبًا، وأصبح عرش مقدونيا شاغرًا. فدارت بخلده فكرة أحياء إمبراطورية الإسكندر ونسى ما بذله من الوعود لبطلميوس الصاعقة ولوساندرا، وعبر الدهفيل في بداية عام 280 ليستولى على مقدونيا قلب الإمبراطورية. لكن بطلميوس الصاعقة، وقد شعر بأن سلوقس لن يقيمه على عرش مصر وسيحرمه كل أمل في مقدونيا، انقض عليه وقتله، ونادى الجيش بقاتل آخر خلفاء الإسكندر الذين عاصروه ملكًا على مقدونيا.
تحالف فيلادلفوس وبطلميوس الصاعقة:
وقد كان يناصب ملك مقدونيا الجديد العداء أثنان، أحدهما هو أنطيوخوس الأول (Antiochos)، الذي خلف أباه سلوقس في آسيا، ولم يكن في وسعه أن يدع جانبًا أطماع أبيه في عرش مقدونيا، ولا ضرورة الثأر له من قاتله، والآخر هو أنتيجونوس جوناتاس بن دمتريوس محاصر المدن، وكان هو أيضًا يطالب بعرش مقدونيا، وكان مركزه قويًا في بلاد الإغريق إلى أن هزمه بطلميوس الصاعقة في موقعة بحرية في عام 280 وثار عليه الإغريق في ذلك العام. وكان عدوًا بطلميوس الصاعقة منافسين لأخيه ملك مصر، ومن ثم أصبح الأخوان حليفين طبيعيين ضد أنطيوخوس وأنتيجونوس، ولا سيما أن بطلميوس الصاعقة سارع إلى مناشدة صداقة أخيه ملك مصر معلنًا تناسيه حرمانه أرثه واكتفاءه بما أكتسبه على حساب عدو أيهما. وقد وطد بطلميوس الصاعقة مركزه بانتصاره على أنتيجونوس في عام 280، وبارتكابه جريمة جديدة خلصته من أشخاص كان من الممكن أن ينافسوه، وهم أبناء أرسينوي من لوسيماخوس وبيان ذلك أنه لكي يتقي هذا الخطر ويستولى على قاساندريا، وكان أرسيوي تسيطر عليها، تزوج من هذه السيدة بالرغم من أنها كانت أخته واعدا إياها بأن يتبنى أبناءها، لكنه ما كاد يدخل قاساندريا حتى قتل اثنين منهم. ففرت أرسينوي وثالثهم إلى ساموتراقيا ثم إلى أفوس (آخر عام 280). وعلى الرغم من أن أرسينوي كانت أخت ملك مصر، فإن ارتكاب هذه الجريمة لم يؤد إلى اتخاذ أي إجراء ضد "الصاعقة" لأن مصر كانت مشتبكة عندئذ في حرب مع أنطيوخوس، كما سنرى.
غزوة الفال، مقتل الصاعقة، جوناتاس ملك مقدونيا:
وعلى كل حال فإن حكم بطلميوس الصاعقة لم يعمر طويلاً، إذ أنه قتل في عام 279 في أثناء الدفاع عن مملكته ضد الغال، الذين غزوا مقدونيا وأشاعوا الفوضى في أرجائها وتقدموا في بلاد الإغريق الوسطى حتى دلفي، حيث هزمهم الأيتوليون في عام 279، فارتدوا إلى مقدونيا حيث انتصر على فريق منهم أنتيجونوس جوناتاس في عام 277، فاختاره الجيش المقدوني ملكًا على مقدونيا، ثم شغل حتى عام 272 بمحاربة الإغريق وبوروس ملك أبيروس بعد عودته من حملته المشهورة في إيطاليا.
الغال في آسيا الصغرى، العصبة الشمالية:
وقد كان لغزوة الغال أثرها في الجزء الشرقي من العالم الهلينيسي، حيث كان أنطيوخوس يطمح إلى أن يكون خليفة أبيه بحق ويحكم ولاياته الشرقية وكل آسيا الصغرى، بما في ذلك جزؤها الشمالي الذي كان يجتازه قرب شاطئ البحر الأسود الجنوبي طريق حربي هام يربط الجزء الشرقي من إمبراطورية السلوقيين بمقدونيا، وكان أنطيوخوس يرنو ببصره إليها. وكان يقف في وجه أطماع أنطيوخوس دول شمال آسيا الغرى، وكانت تتألف منها عصبة تسمى "المصبة الشمالية" ، وتضم المدن الحرة القوية هيراقليا وبيزنطة وتيوس (Teos) وقيوس (Ceos) وكذلك مملكة بونتوس (Pontos) وكان على عرشها إذا ذاك ميثريداتس الثاني (Mithridates)، ومملكة بيثونيا، وكان يحكمها عندئذ نيقومدس الأول (Nicomedes). وقد انضم إلى هذه العصبة أنتيجونوس جوناتاس عقب هزيمته في عام 280 وثورة بلاد الإغريق عليه، وكان دون شك يأمل في أن ينشئ لنفسه مملكة في آسيا الصغرى.
وإذا كان أنطيوخوس قد أفلح في أبعاد أنتيجونوس عن هذه العصبة بأن عقد معه محالفة، يبدو أنه بمقتضاها تنازل الأول عن أطماعه في مقدونيا والثاني عن أطماعه في آسيا فإن العصبة الشمالية بقيت مع ذلك قوية، لكنه لم تكن لديها القوة الكافية لمكافحة أنطيوخوس بمقردها. ولذلك قرر نيقومدس وميثريداتس الاستعانة بالغال وساعداهم على عبور الدردنيل، فأوسعوا ممتلكات أنطيوخوس في آسيا الصغرى نهباً وتخريبًا. ولم يستطع أنيطوخوس مواجهة هذا الخطر في الحال وطرد الغال من آسيا الصغرى، لأنه كان مشغولاً عندئذ بثورة داخلية في سوريا وبحرب مع فيلادلقوس (280 ـ 279). وقد ساعد نيقومدس وميثريداتس الغال على الاستقرار في فروجيا، ليكون وجودهم هناك درعًا واقيًا للعصبة الشمالية. وقد عاث الغال فسادًا في آسيا الصغرى، ولم يفلح أنطيوخوس إطلاقًا في التخلص منهم، على الرغم من الهزيمة الفادحة التي أنزلها بهم في موقعة الفيلة في عام 275، عندما كان النضال قد بدأ ثانية، فيما يبدو، بينه وبين فيلادلفوس.
أهداف الدول الهلينيسية، مصر وسوريا ومقدونيا:
تمخض الصراع بين خلفاء الإسكندر آخر الأمر عن قيام ثلاث دول على أنقاض إمبراطورية الإسكندر الأكبر. وكانت دولة البطالمة عندئذ أقوى هذه الدول، أي أقوى دولة في العالم الهلينيسي، تليها دولة السلوقيين، وكانت تشمل ولايات إمبراطورية الإسكندر في بلاد ما بين النهرين وكذلك أغلب الولايات الشرقية البعيد’ن وجانبًا كبيراً من آسيا الصغرى وسوريا (فيما عدا جوف سوريا). وكانت الدولة الثالثة هي مقدونيا، وكانت تعتبر نفسها سيدة المدن الإغريقية في شبه جزيرة البلقان وتسيطر فعلاً على بعضها مثل خالقيس وقورنثة.
وقد كانت لكل من هذه الدول حاجاتها ومراميها وكذلك خطتها ووسائلها لتحقيق ذلك. وعلى الرغم من أن مصر خرجت من الصراع العنيف بين خلفاء الإسكندر أقوى وأغنى دولة هلينيسية، فإنه لا بطلميوس الأول ولا الثاني فكر في إعادة تكوين إمبراطورية الإسكندر. فقد كان هدفهما الأساسي على نحو ما مر بنا، هو الدفاع عن استقلال مصر الكامل ولعب الدور الأول في حلبة السياسة وفي مضمار الاقتصاد في العالم الهلينيسي، وكانت أفضل وسيلة لتحقيق ذلك هي إحراز السيطرة على بحر أيجة. ويجب أن يكون مفهومًا أن السيطرة على عصبة جزر القوقلاد، وهي التي فاز بها أولاسوتر ثم وطد دعائمها فيلادلفوس، كانت لا تكسب مصر إلا السيطرة حاول فيلادلفوس الاستيلاء على شواطئ آسيا الصغرى الجنوبية والغربية، وبسط نفوذه على المراكز التجارية الهامة على ضفاف الدردنيل وبحر مرمرة وشاطئ البحر الأسود الجنوبي. ومن ناحية أخرى، كانت سلامة هذه الإمبراطورية الإيجية تتطلب الاستيلاء على الموانئ الكبيرة على شواطئ فينيقيا وفلسطين، وخاصة صور وصيدا، إذا كان ذلك يضع تحت أمرة صاحب السيطرة هناك أمهر الملاحين في الجو المتوسط وقدرًا وفيرًا من الأخشاب لبناء السفن وأهم منافذ طريقين تجاريين كبيرين يأتي أحدهما شمالاً من بلاد العرب والبتراء والآخر غربًأ من بابل ودمشق. ولذلك عنى الطبالمة، وخاصة الأوائل منهم، بالاستيلاء على فلسطين وفينقيا وجانب من سوريا (جوف سوريا).
وقد حدت الرغبة في السيطرة على بحر أيجة بالطالمية الأوائل إلى أن يحالولوا تقوية نفوذهم في أهم الموانئ الإغريقية، ليمنعوا حكام مقدونيا من أن يصبحوا أقوياء في البحر. ولم يمل هذه السياسة على البطالمة اعتبارات اقتصادية فحسب، إذا كانوا يعتبرون سيطرتهم على بحر أيجة أساس كيانهم السياسي ومصدر قوتهم. ذلك أن عزلتهم في مصر كانت تضعهم أمام دولة السلوقيين، وكانت في قبضتها المدن الإغريقية في الأناضول، وأمام مقدونيا وكانت تسيطر على إغريق البلقان. في حين أن سيطرة البطالمة على الطرق التجارية في بحر أيجة وعلى "جوف سوريا" كانت توفر لهم موارد جمة من الرجال والأموال. ولم تكن سيطرتهم على الطرق التجارية هدفًا في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق أهدافهم السياسية. ومن الجلى أن هذه السياسة كانت تضر بصوالح الدولة السلوقية ومقدونيا، وتنطوي على ضياع استقلال المدن الإغريقية في الجزر وفي آسيا الصغرى، ولذلك كان البطالمة لا يستطيعون تحقيق أهداف سياستهم الخارجية دون القيام بمجهود حربي عنيف مستمر.
وكان طبيعيًا إذن ألا يسلم السلوقيون باستيلاء البطالمة على "جوف سوريا" وعلى شواطئ آسيا الصغرى، لأن حدوث ذلك كان يحرمهم موارد ضخمة وإنشاء أسطول كبير والاحتفاظ به في موانئ تلك الأصقاع، بل كان يُتيح للبطالمة أن يسدوا في وجوههم سبل الاتصال بالبحر المتوسط، فتصبح دولتهم مملكة شرقية بحتًا منعزلة تمامًا عن العالم الإغريقي. وإذا كانت الظروف القاهرة قد أرغمت السلوقيين على النزول عن شمال آسيا الصغرى، فإنهم كانوا لاي سلمون طواعية لدولة أخرى بالسيطرة على "جوف سوريا" وشواطئ آسيا الصغرى الجنوبية والغربية. وإزاء ذلك كله لم يكن هناك مفر من أن يصطدم السلوقيون بالبطالمة اصطدامًا عنيفًا.
ولم يكن في وسع ملوك مقدونيا، أنتيجونوس جوناتاس ودمتريوس الثاني وأنتيجونوس دوسون (Doson)، أن يسلموا بسيطرة البطالمة على بحر أيجة، لأنه كان يترتب على ذلك انتقال السيطرة على مؤنة بلاد الإغريق من قبضة مقدونيا إلى قبضة دولة معاديلة لها، فقد كانت السيطرة على بحر أيجة تقضي إلى السيطرة على المضايق، وكان عن طريقها يأتي جانب كبير من مؤنة بلاد الإغريق. وكان البطالمة يحرصون على ألا تصبح مقدونيا دولة قوية لأن ذلك كان يؤدي إلى إحياء إمبراطورية دمتريوس الأول البحرية، مما يترتب عليه القضاء على سيادتهم الأيجية، ولذلك سنرى كيف أن البطالمة كانوا يعملون على تأييد منافسي ملوك مقدونيا وأعدائهم، وبخاصة أثينا والعصبة الآخية واسبرطة. ومن ناحية أخرى عندما تخلصت مقدونيا من متاعبها في بلاد الإغريق، عملت على طرد البطالمة من بحر أيجة، وبطبيعة الحال أيدها لاسلوقيون في ذلك. وعلى لارغم من الأخطار التي أحدقت بالبطالمة باستمرار في بحر أيجة، فإنهم نجحوا في إقامة سيطرتهم هناك والاحتفاظ بها مدة طويلة.
حرب قاريا، أو حرب دمشق:
وقد بدأ النضال العنيف بين أنطبوخوس الأول وفيلادلنوس في عام 280، عندما نشبت بينهما حرب غامضة (280 ـ 279) يمكن تسميتها "حرب قاريا"، لأن مصر أحرزت من ورائها فتوحات في قاريا، فقد وقعت ميلتوس بوجه خاص في قبضتها، أو "حرب دمشق"، لأن فيلادلفوس استولى على دمشق وشاطئ فينيقيا الشمالي حتى أرادوا وعلى كل حال فإنه، إزاء خطر الغال على أنطيوخوس من ناحية وانشغال فيلادلفوس بحملة ضد النبط من ناحية أخرى، عقد الصلح بين الطرفين في عام 279.
خملة فيلادلفوس ضد النبط وجيرانهم:
وقد شغل بطلميوس في العامين التاليين (278-277) بإخضاع قبائل أدومايا والبحر الميت وشرق الأردن. ومرد نشاط بطلميوس الثاني ضد النبط وجيرانهم إلى الأهمية التي كان هذا العاهل يعلقها على التجارة الشرقية، مما حدا به أيضاً إلى اقتفاء أثر أبيه في القيام ببحوث كشفية لمعرفة شواطئ البحر الأحمر وشعوبه وموارد الثروة هناك، والي الاهتمام بالطرق التي تربط وادي النيل بالبحر الأحمر وبإنشاء الموانئ على هذا البحر، على نحو ما سنرى في سياق الحديث عن التجارة.
الحرب السورية الأولى:
ولما كان أنطيوخوس قد انتقل في عام 276 إلى ساردس لملاقاة الغال، فإن ذلك أغرى فيلادلفوس على خوض غمار حرب تعرف بالحرب السورية الأولى. وتتضارب الآراء تضاربًا شديدًا حول تواريخ أحداث هذه الحرب، لكننا نرجع أنه في ربيع 275 جردفيلادلفوس حملة غزت سوريا السلوقية. وما كاد أنطيوخوس يهزم الغال في "موقعة الفيلة" في ذلك العام حتى خف إلى سوريا حيث هزم القوات المصرية واسترد دمشق، وحاصرت قواته البرية ولابحرية مدينة ميلتوس (عام 275)، لكن قاليقراتيس (Callicrates) أمير البحر البطلمي لم يلبث أن تمكن من رفع هذا الحصار، وفي هذه الأثناء أخذ أنطيوخوس يعد العدة لغزو جوف سوريا.
ويرى البعض أن زواج فيلادلفوس من أخته أرسينوي كان نتيجة للهزيمة التي حلت به في سوريا وأشعرته بعدم كفايته الحربية وبحاجته إلى شخصية تسد هذا النقص. بيد أنه لعل الأرجح أن يكون هذا الزواج قد تم قبل نشوب الحرب السورية الأولى، وأن الأقدام على غزو سوريا السلوقية كان وليد الطموح الذي بثته أرسينوي في سياسة مصر الخارجية.
ثورة ماجاس:
مر بنا أن قورينايئة ثارت على بطلميوس في عام 313، وأنه أخضعها وأسند حكمها ثانية إلى أوفلاس وأن هذا الحاكم خرج على بطلميوس في عام 311، وأنه عقب مصرع أوفلاس في عام 309 استعاد بطلميوس في عام 311، وأنه عقب مصرع أوفلاس في عام 309 استعاد بطلميوس قورنايئة وأقام عليها ماجاس ابن زوجته برنيقي فأصبح نائب الملك في حكم هذا الإقليم منذ عام 308. بيد أنه استنداً إلى فقرة غامضة مقتضية عند باوسانياس، وإلى بعض النقود التي نقشت عليها عبارة تنم عن سكها باسم الشعب القوريني (Kyranion damo) وذلك تمييزاً لها عن النقود التي نقشت عليها عبارة تنم عن سكها في عهد بطلميوس حاكم القورينيين (Kyranion Ptolemaio)، يرى فريق من الباحثين أنه نشبت في قورينايئة ثورة أخرى كانت على الأرجح في أعقاب هزيمة بطلميوس في موقعة سلاميس في عام 306، وأن ماجاس استرد قورينايئة في عام 301 حين استرد بطلميوس جوف سوريا وقبرص، وأن ما جاس انتهز فرصة وفاة بطلميوس في عام 283 وأعلن استقلاله بقورينايئة وأقام نفسه ملكًا عليها. واستنادًا إلى فقرة باوسانياس سالفة الذكر، وإلى أنه في عام 308 كانت سن ماجاس لا يمكن أن تزيد على خمسة وعشرين عامًا مما يصعب معه تصور اسناد حكم قورينايئة إليه عندئذ، يرى فريق آخر من الباحثين أن ماجاس لم يتول حكم قورينايئة إلا حوالي عام 300، وأنه حكمها منذ هذا التاريخ حتى عام 250 أولاً باسم بطلميوس الأول حتى وفاة هذا العاهل في عام 283 ثم منذ ذلك التاريخ حتى وفاته في عام 250 بوصفه ملكًا مستقلاً.
ويدحض الرأي الأول: أولاً، أنه لا يجوز الاعتماد على فقرة باوسانياس المقتضية في تأريخ ثورة قورينايئة واستردادها لأنها تذكر استرداد قورينايئة بعد استعادة بوروس عرشه هو ما لم يحدث قبل عام 297. وثانيًا، وأما عن النقود التي يوحى نقشها بتحرر قورينايئة من ربقة ب طلميوس فإنه ليس هناك ما يقطع بنسبتها إلى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد ويحول دون نسبتها إلى الفترة المضطربة التي أعقبت وفاة ماجاس على نحو ما سيجئ ذكره. وثالثًا، أنه لا يوجد في المصادر القديمة ما يشير إلى وقوع ثورة في قورينايئة في عام 306 ولو أن شيئًا مثل ذلك قد حدث لورد ذكره عند ديودوروس وهو الذي يتناول بإفاضة أحداث ذلك العام. وإزاء انفاق الرأيين الأول والثاني على أن ما جاس أعلن استقلاله في عام 283، وإزاء اتصال هذه المسألة بالأحداث التالية، فإننا سنتناول مناقشة هذه المسألة فيما بعد.
وينقض الرأي الثاني: أولاً ـ ما ذكرناه في بداية تفنيد الرأي الأول خاصًا بفقرة باوسانياس. وثانيًا ـ أن ماجاس لم يكن فردًا عاديًا من عامة الناس وإنما أحد أفراد أسرة البطالمة ولابد من أن يكون قد أظهر من المواهب ما أقنع بطلميوس بأهليته لتولي حكم قورينايئة وهو ما حدث بالفعل سواء في عام 308 وفقًا لما نراه ويراه كثيرون غيرنا أم في حوالي عام 300 وفقًا لأصحاب الرأي الثاني. وثالثًا ـ أن أحد مصادرنا القديمة يحدثنا بأن بطلميوس استعاد تورينايئة عقب مصرع أوفلاس في عام 309، وأن مصدراً قديمًا آخر يذكر أن ماجاس حكم خمسين عامًا، أي من حوالي عام 300 إلى عام 250 وفقًا لأصحاب هذا الرأي، ومن حوالي عام 308 إلى حوالي عام 258 وفقًا لرأينا ورأى الكثيرين من الباحثين. وإذا جاز أن الخمسين عامًا التي ذكرها المصدر القديم ليست إلا رقمًا تقريبيًا فإنه يمكن أن نقبل أن ماجاس لم يتوف في عام 358 بالضبط ولكنه يصعب قبول أنه توفي في عام 250 وإلا لكان الرقم التقريبي ستين عامًا. ورابعًا ـ لو صح أن ماجاس توفي فعلاً في عام 250، لكان معنى ذلك أن تدخل أنيجونوس جوناتاس في شئون قورينايئة بعد وفاة ماجاس ـ على نحو ما سيجئ ذكره فيما بعد ـ قد حدث بعد اضمحلال قوته نتيجة لثورة الإسكندر ابن أخيه عليه في حوالي عام 252، وهو ما يبدو غير معقول ولا مقبول.
وأما عن مسألة إعلان ماجاس استقلاله بقورينايئة وإقامة نفسه ملكًا عليها، فإنها في حد ذاتها ليست موضعًا للجدل، ذلك أنه قد وصلت إلينا حتى الآن ثلاث نقوش ذكر فيها اسمه مقرونًا بلقب ملك. وأما موضع الجدل فهو تاريخ هذا الإعلان. ولتقرير ذلك يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن بطلميوس الثاني أشرك في الملك مع أبيه منذ عام 285، أي أنه عند وفاة أبيه بعد ذلك بعامين لم يكن مفتقرًا إلى التدريب ولا إلى معرفة احتياجات الدولة، ولا كان حدثاً صغيراً بل شاباً ناضجًا في الخامسة والعشرين من عمره. هذا إلى أنه عندما انفرد بالملك في عام 283 كانت مملكته أقوى وأغنى مملكة في العالم الهلينيسي. ولا شك في أن فيلاذلفوس كان يدرك مثل أبيه أهمية قورينايئة لتأمين سلامة مصر، كما كان يدرك أنه بوصفه ملكًا جديدًا كان يجب أن يثبت للعالم أجمع أنه لا يقل عن أبيه بأساً ولا حرصًا على الحفاظ على مسمتلكات دولته. والواقع أن تاريخ فيلادلفوس يدل على أنه لم يعمل على الحفاظ على هذه الممتلكات فحسب بل أيضاً على الإضافة إليها، ومن ثم فإنه لا يعقل أنه كان يسلم طواعية بانشقاق ماجاس وانفصال قورينايئة عن الإمبراطورية ا لبطمية.
وتبعًأ لذلك لو أنه حدث فعلاً أن ماجاس أقدم على إعلان استقلاله عقب وفاة بطميوس الأول في عام 283 لبادر فيلادلفوس إلى تأدبية بدلاً من الاشتباك مع أنطيوخوس الأول في حرب قاريا أو حرب دمشق ثم في الحرب السورية الأولى على نحو ما مر بنا، ولكن المصادر القديمة لا تشير إطلاقًا إلى وقوع أي نزاع بين فيلادلفوس وماجاس قبل عام 274، ولم يتمثل هذا النزاع في حملة بطلمية موجهة ضد ماجاس لرده إلى حظيرة الإمبراطورية بالبطلمية وإنما في حملة قادها ماجاس ضد مصر. ذلك أنه يتبين من أحد المصادر القديمة أنه قبل إقدام ،طيوخوس الأول على عدو جوف سوريا (عام 274) تحالف مع ماجاس وزوجه ابنته أيامًا (Apama). ونعتقد أن ماجاس لم يعلن استقلاله وينادي بنفسه ملكًأ إلا عندئذ، لأ،ه لم يكن في وسعه الاجتراء على اتخاذ هذه الخطوة دون أن يكون له حليف قوي يشد أزره ضد فيلادلفوس. بيد أن هذا لا ينفي أن رغبة ماجاس في الاستقلال كانت تراوده منذ وفاة بطلميوس الأول ولا أنه أخذ يستعد لتحقيقها في الوقت المناسب. وما أن تحالف مع أنطيوخوس حتى زحف على مصر وكاد أن يصل إلى الإسكندرية بسبب ثورة الجنود الغال في جيش فيلادلفوس، ولكن تدابير أرسيوي نجحت في إثارة قبائل المارماريد (Marmaridae) في مؤخرة ماجاس فاضطر إلى التقهقر سريعًا. وأما الغال فإنهم حوصروا وقضى عليهم جميعًا.
ولما كنا سنرى بعد قليل النجاح الباهر الذي أحرزه فيلادلفوس في الحرب ضد أنطيوخوس، وكنا لا نسمع بعد ذلك عن وقوع أي نزاع بين الأخوين غير الشقيقين (ماجاس وفيلادلقوس) ولا عن قيام ماجاس بأية محاولة عدوانية ضد مصر ولاسيما في أعقبا النكبات التي مني بها فلادلفوس في الحرب السورية الثانية، فإننا نرجح أنه عقب فشل حملة ماجاس وانتصارات فيلادلفوس في الحرب السورية الأولى أتفق الأخوان على أن يدين ماجاس بالطاعة لأخيه لقاء الإعتراف به ملكًأ على قورينايئة، أو بعبارة أخرى الانفاق على إعطاء قورينايئة استلالاً ذاتيًا مع بقائها في حظيرة الإمبراطورية البطلمية.
ولعل المخاطر التي سلفت الإشارة إليها كانت سبب الفشل الذي منيت به القوات المصرية في سوريا، ولذلك فإنه ما كادت مصر تتخلص من هذه المخاطر حتى عادت إلى مهاجمة أنطيوخوس، فاستولت على كل شاطئ فينيقيا وردته على أعقابه داخل سوريا وأحرزت فتوحات واسعة على شواطئ آسيا الصغرى، فاضطر أنطيوخوس قد تمكن من الاحتفاظ بنصف قيليقيا الشرقي، فإن ممتلكات فيلادلفوس عند عقد الصلح كانت تشمل نصف قيليقيا الغربي بعد قالوقادنوس (Calycadnos) وساحل بامفوليا الشرقي بما في ذلك فاسليس (Phaselis)، ومن المحتمل أسبندوس (Aspendos) وأغلب لوقيا جنوبي ميلواد (Milyad)، وعدة أماكن في قاريا وأيونيا وهي: قاونوس وهاليقارناسوس وموندوس (Itanos) إلى جانب ساموس (التي أصبحت قاعدة الأسطول البطلمي في بحر أيجة) وثيرًا والقوقلاد. وفي سوريا، امتدت ممتلكات مصر حتى شملت وادي مارسياس، وإذا كانت دمشق قد بقيت في قبضة أنطيوخوس، فإن فليلادلفوس ضم أرادوس (Ardaos) وماراثوس (Marthos) وبذلك أصبحت كل فينيقيا مصرية. وعلى حدود مصر الغربية دانت له بالطاعة قبائل المرماريد (Marmaridae) عند الساحل وكذلك قورينايئة، وفي 9 من يولية عام 270 "صعدت إلى السماء" أرسينوي الثانية، وهي التي عزى إليها رسميًا كل هذه الانتصارات الباهرة، فلا عجب أنها قد فازت بمظاهر التقدير والتبجيل في حياتها وفي مماتها.
بطلميوس الابن:
ويحدثنا بأوسانياس بأن أرسينوي الثانية توفيت دون أن تنجب أبناء من فيلادلفوس. ويذكر مصدر قديم آخر أنها تبنت أولاد فيلادلفوس من زوجته السابقة وأن أ:برهم سنًا كان بطلميوس الثالث.
ونجد أنه في عدد من الوثائق البدموتيقية والإغريقية التي ترجع إلى فترة تمتد بين عامي 267 و259 قد ورد ذكر "بطلميوس ابن بطلميوس" بوصفه شريكًا في الملك لفيلادلفوس. ومما يجدر ذكره أن هذا الشريك قد ذكر في "وثيقة الدخل" التي ترجع إلى عام 259 ثم أزيل اسمه من هذه الوثيقة، وأنه لم يرد له ذكر بعد ذلك في الوثائق اللاحقة لهذا التاريخ.
وقد تضاربت آراء المؤرخين تضاربًا بينًا فيمن كان هذا الشخص الذي أشركه فيلادلفوس مع منذ عام 267 على الأقل حتى نحاه عنه في عام 259. وهناك خمسة احتمالات:
1- أنه كان بطلميوس الثالث وأن أسمه حذف من الوثائق منذ عام 259 لسبب غير معروف، لكنه يناهض هذا الاحتمال أن هذه الفترة الطويلة لم تحسب في سنى حكم بطلميوس الثالث مع أنه، وفقًا للسباقة التي وضعها بطلميوس الثاني، احتسب بداية سني حكمه منذ أشركه أبوه معه في الحكم في نوفمبر عام 247، وذلك للمرة الثانية وفقًا لهذا الافتراض غير المقبول، أو للمرة الأولى وفقًا لما نراه مع فريق من المؤرخين. وفضلاً عن ذلك فإنه ليس لدينا ما ينم عن سبب لحذف اسم ولي العهد من الوثائق منذ عام 259.
2- أنه كان ابنًا أنجبته أرسينوي الثانية لفيلادلفوس، لكن هذا الاحتمال لا يستقيم مع ما ذكره باوسانياس من أن أرسينوي الثانية توفيت دون أن تنجب لفيلادلفوس أبناء.
3- أنه كان أخًا أكبر لبطلميوس الثالث، لكنه يستبعد هذا الاحتمال ما أسلفناه من أن بطلميوس الثال كان أكبر أخوته.
4- أنه كان ابنًا غير شرعي لبلطميوس الثاني من إحدى حظاياه. وإذا كان يصعب إنكار كان لفيلادلفوس أبناء غير شرعيين، فإنه مع ذلك لا يستقيم عقلاً أن يرحم فيلادلفوس ابنه الشرعي لصالح ابن غير شرعي.
5- أنه كان الابن الأكبر لأرسينوي الثانية من لوسيماخوس، ذلك الابن الذي نجا من قبضة "الصاعقة". ومعنى ذلك أن تكون أرسينوي عندما سيطرت على فيلادلفوس وجعلته يتزوجها قد جعلته أيضاً يتبنى هذا الابن مثل ما تبنت هي أبناءه من زوجته الأولى. وعندما توفيت أرسينوي وغمرها فيلادلفوس بمظاهر الاحترام والتقدير لم يكن منه إلا أنه أشكر ابنها معه في الحكم، لكنه نحاه في عام 259 عندما ثار عليه هذا الابن العاق، ذلك أن مصدرًا قديمًا يذكر اشتراك "ابن الملك بطلميوس" مع تيمارخوس في ثورة ضد أبيه. ولا جدال في آن تيمارخوس الذي كان حاكم ميلتوص في اثناء الحرب السورية الثانية قضى عليه في عام 259.
ومعنى ذلك أن "الابن" الذي ورد ذكره في هذا المصدر قد خرج على ملك مصر في الوقت نفسه الذي اختفى فيه من الوثائق ذكر "الابن" الذي كان شريكًا لفيلادلفوس منذ عام 267 على الأقل. ويوج اعترضان على هذا الرأي، وأحدهما هو أن المصادر القديمة لا تثير إطلاقًا إلى اجتراء فيلادلفوس على تفضيل ابن زوجته من لوسيماخوس على أكبر أبنائه. وكان يمكن الأخذ بهذا الاعتراض لو أن مصادرنا كانت كاملة وافية وليست مبتورة وناقصة. والاعتراض الآخر هو أن بطلميوس الثالث مع أنه كان فعلاً ابن أرسينوي الأولى إلا أنه كان دائمًا يوصف في وثائق عصره الرسمية بأنه ابن "الإلهين الأخوين" أي بان بطلميوس الثاني وأرسينوي الثانية، ولو صح أنه كان قد استبعد عن ولاية العرش أول الأمر نتيجة لتدابير أرسينوي الثانية لما حرص على ذكر بنوته لزوج أبيه ومديرة أقصائه. والرد على هذا الاعتراض هين يسير: فأولاً لا جدال في أن أرسينوي الثانية تبنت بطلميوس الثالث. وثانيًا أن بطلميوس الثالث لم يعتز ببنوته لبطلميوس الثاني وأرسينوي الثانية بصفتهما الشخصية وإنما بوصفهما "الإلهين الأخوين".
ومعنى ذلك أن هذا الاعتزاز كان أمرًا طبيعيًا تمليه مقتضيات السياسة العليا التي درج البطالمة على ألا يدعوها تفسح مجالاً لاعتبارات الحب أو الكراهية. وفضلاً عن ذلك، فإنه لم يكن في وسع بطلميوس الثالث الإشادة ببنوته لأبيه المؤلمة وحده دون أرسينوي المؤلهة وذلك لسبب بسيط، وهو أن بطلميوس الثاني لم يؤله وحده وإنما مقرونًا مع أرسينوي الثانية باسم "الإلهين الأخوين".

فيلادلفوس وجنوب الوادي (أثيوبيا):
وفي قصيدة ثيوقريتوس "مديح بطلميوس"، وهي التي كتبت دون شك قبل وفاة أرسينوي الثانية، لأن فيلادلفوس وصف فيها "بالأخ والزوج العزيز" ورد بين رعايا مصر الأقاليم السالفة الذكر وكذلك الأثيوبيون". وقد كان فراعنة مصر العظام يبسطون نفوذهم جنوبًأ إلى ما وراء الشلال الأول، وهي الأصقاع التي كان الإغريق يدعونها "أثيوبيا" ونعرفها اليوم باسم النوبة وشمال السودان، حيث أصبحت الحضارة المصرية حضارة البلاد منذ عهد بعيد. ومما يجدر بالذكر أن كلمة أثيوبيا تعني عند الإغريق بلاد الذين لفحت الشمي وجوههم. وفي الأصل كان الإغريق يطلقون هذا الاسم على كل المناطق المدارية سواء في إفريقيا أم في آسيا. بيد أنه منذ عهد هرودوتوس أصبح هذا الاسم ينم بوجه خاص عن البلاد الواقعة جنوبي مصر، أي النوبة وشمال السودان وشمال الحبشة.
وعندما فتح الإسكندر الأكبر مصر، كان فاستاس (Nastasen) ملك "أثيوبيا" لا يزال يعتز في عاصمته نباتًا (Napata) بالتقاليد المصرية. وعند وفاة هذا الملك في عام 308، انقسم جنوب الوادي إلى مملكتين أحداهما في الشمال وعاضمتها نباتًا، والأخرى في الجنوب وكانت أشد بأساً من الأولى وعاصمتها مروى (Meroe)، وتعرف اليوم باسم البحراوية. ولم تكن للبطالمة أطماع كالفراعنة في ضم السودان إلى ملكهم، فقد كان جل اهتمامهم موجهًا إلى عالم البحر المتوسط، ولذلك اكتفوا بإقامة حدودهم الجنوبية عند الشلال الأول. ففي عهد الإسكندر الأكبر وبطلميوس الأول احتفظ بحاميات في الفنتين لحماية حدود مصر الجنوبية، لكن ديودوروس يحدثنا بأن فيلادلغوس أرسل حملة إلى "أثيوبيا"، ولعل ذلك قد حدث قبل عام 276. ولا يبعد أن الباعث على هذه الحملة لم يكن مجرد افتناء أنواع نادرة من الحيوان، بل كان أيضًا توطيد حدود مصر الجنوبية وتأمين طرق أعالي النيل. ذلك أن نصًا يرجع إلى النصف الأول من القرن الثالث يشير إلى هجوم الأثيوبيين" على القوات المصرية، ولعله كانت هناك صلة بين حملة فيلادلفوس والحوادث التي يشير إليها هذا النص. وإذا كنا نجد هنا دليلًا على اهتمام بطلميوس الثاني بالتجارة مع الجنوب، فقد سبق أن رأينا أدلة أخرى على اهتمامه بالتجارة الشرقية.
حرب خرمونيدس:
وقد سلف القول أنه لم يكن في صالح مصر أن تكون مقدونيا قوية، ولذلك فإنه ماكاد بوروس بعود في عام 274 من حملته المشهورة إلى إيطاليا حتى دفعته مصر إلى مناوءة أنتيجونوس جوناتاس وأمتدته بمساعدات مالية، لكن بوروس لم يلبث أن لقى حتفه في عام 272، وإزاء ذلك أخذت مصر تعمل حثيثًا على إيجاد أداة جديدة لمناهضة جوناتاس، وذلك بالتأليف بين قلوب الدول الإغريقية المتنافرة لتقوم بمجهود مشترك يحررها من ربقة مقدونيا. ووصف أرسينوي بأنها نصيرة الحرية الإغريقية في القرار، الذي اتخذه الأثينيون بناء على اقتراح المواطن خرمونيدس (Chremonides) بدعوة كافة الإغريق إلى ترسم خطى حلف أثينا واسبرطة وحلفائهما في مناهضة الغاصب المقدوني يشير إلى أن أرسينوي هي التي كانت قد أوحت بإنشاء ذلك الحلف الذي تألف في عام 267 ضد جوناتاس. ويتضح من هذا القرار أن الحلف كان يتألف من مصر واليس (Elis) والعصبة الآخية وتجيا (Tegea) ومانتينيا (Mantinea) وأورخومنوس (Crchomenos) وقافواي (Caphyae) وفيجاليا وكريت، فضلاً عن أثينا واسبرطة اللتين تحالفتا سويًا لمناصرة الحرية الإغريقية لأول مرة منذ مائتي عام، أي منذ تحالفهما ضد الغزو الفارسي. وقد عرفت الحرب التي تبعت ذلك بحرب خرمونيدس نسبة إلى ذلك المواطن الأثيني الذي سلفت الإشارة إليه ولعب دورًا كبيرًا في إثارة الإغريق ضد جوناتاس.
وكان يمكن أن تؤدي هذه الحرب إلى نتيجة مختلفة تمامًا بالاختلاف، لو أن بطلميوس فيلادلفوس أبدى النشاط نفسه الذي كان بيديه في خلال حياة أرسينوي، وكان يفرضه عليه في هذه الظروف واجب الشرف والمروءة، بل مصلحة مصر نفسها لكي لا يخرج جوناتاس من الصراع منتصرًا قويًا فيتهدد سيادة مصر البحرية. فقد أغرى بطلميوس الإغريق بالانتقاض على مقدونيا ووعدهم بالمساعدة، ومن كانت الحاجة ملحة إلى هذه المساعدة، لأنه نتيجة للحصار البري والبحري الذي ضربه جوناتاس على أثينا ووجود حاميات مقدونية في قورنثة ومجارا قطعت سبل الاتصال بين أثينا وحلفائها في البلوبونيز لكن بطلميوس لم يقدم مثل هذه المساعدة إذ يبين أنه وقد تملكته الرغبة في ألا يكرر الحملة التي قام بها أبوه في عام 308 وثبت أنها كانت فادحة التكاليف وتنطوي على مخاطرة شديدة دون أن تستفيد منها قوة مصر البحرية، قرر أن يقتفي أثر السياسة الأنانية التي كثيرًا ما أتبعها أبوه، سياسة الإفادة من تسخير جهود الحلفاء دون التورط في تعريض قوات مصر الرئيسية للمخاطر مادامت مصائر مصر نفسها غير مهددة. وبيان ذلك أنه عندما غزا جوناتاس أتيقا في عام266 وحاصر أثينا براً وبحرًا وخف أريوس (Areos) ملك اسبرطة لنجدتها على رأس القوات البلوبونيزية، قنع فيلادلفوس بتقديم مساعدات مالية وغذائية لأثينا، وقيام قائده البحري ياتروقلوس (Partoclos) بمظاهرات حربية جوفاء تجاه سواحل أنيقا واستيلائه على مثانًا وكذلك على بعض امدادات جوناتاس وإرساله هدية إليه من السمك والتين وهما طعام الغنى والفقير، وكان مغزى ذلك أنه إما أن يستولى على سيادة البحر وأما أن يهلك جوعًا. لكن باروقلوس لم يقدم معونة حربية فعالة للمدينة المحاصرة أو يساعد ملك اسبرطة على الالتفاف حول القوات المقدونية التي تحمي برزخ قورنثة وإرغام جوناتاس على خوض معركة فاصلة في أتيقا.
وفي العام التالي (265) صمم أريوس على اقتحام خطوط جوناتاتس، وكانت تسد برزخ قورنثة، لكنه فشل وقتل في المعركة. وقد ترتب على ذلك انحلال الحلف وعدم محاولة اسبرطة ثانية نجدة أثنينا، لكن النجدة لم تلبث أن جاءت أثينا من ناحية أخرى، إذ أن الإسكندر الثاني ملك أبيروس غزا مقدونيا في عام 264. وإزاء علاقات الود التي كانت قائمة بين مصر وأبيروس منذ عهد بطلميوس الأول، نتيجة للعداء الدفين الذي كانت هاتان الدولتان تضمرانه لمقدونيا، يجمع المؤخون على أن بطلميوس فيلادلفوس هو الذي أوعز إلى الإسكندر بغزو مقدونيا. وإذا كان فيلادلفوس قد اتخذ من تحرير الإغريق ذريعة زين بها لهم مقاتلة مقدونيا فلعله حرض الإسكندر على غزوها بضرورة الثأر لمقتل أبيه بروروس. وهكذا نرى أنه حين كان فيلادلفوس يزين لأصدقائه محاربة خصمه، ويبسط لهم يده بالمال بدلاً من أن يشاركهم في خوض غمار الحرب، وقف يشاهدهم يكتوون بنارها ليلتقطوا له الكستناء هيئة لينة. وقد قام الإسكندر بغزوته في عام 264، لكن ذلك لم يفلح في أقصاء جوناتاس عن أنيقا إلا برهة قصيرة عاد بعدها إلى محاصرة أثينا بشدة تاركًا جبهة مقدونيا تحت قيادة ابنة دمتريوس الذي تمكن من هزيمة الإسكندر في العام التالي (263). وفي هذا العام يمم الأسطول المصري وجهة شطر آسيا الصغرى تاركًا أثينا تكافح بمفردها إلى أن أعياها الكفاح والجوع فسلمت في شتاء 262/261. وبعد سقوط أثينا عقد جوناتاس صلحًا قصير المدى مع بطلميوس (عام 261).
وقد فقدت أثينا من جراء هزيمتها أهميتها السياسية السابقة وأصبحت خاضعة لسيطرة مقدونيا خضوعًا تامًا، في حين أن جوناتاس أصبح سيد بلاد الإغريق دون منازع، وفي قبضته الكثير من معاقلها وخاصة قورنثة وأثينا وكذلك أرتريا وخالقيس في جزيرة يوبويا.
تحالف مصر وبرجام:
ويعتبر سقوط أثينا فشلاً مزريًا للسياسة المصرية، ولو أن أنطيوخوس استطاع أن يتآلف عندئذ مع جوناتاس لتعرضت الإمبراطورية المصرية لأخطار داهمة. وبدلاً ن ذل كوحد فلادلفوس في عام 263 حليفًأ جديدًا له في يومنيس الذي خلف عمه فيلتايريوس في حكم برجام ذلك العام. وعلى الرغم من أن فيلتايروس كان قد أصبح مستقلاً في الواقع، فإنه كان يعترف لأنطيوخوس بسيادة اسميه على الأقل. أما يومنيس فإنه أعمل رأيه على أن يكون مستقلاً اسمًا وفعلاً، ومن ثم بدأ السياسة التي أصبحت تقليدية في أسرته، وكانت تنطوي على مناوءة السلوقيين، ومحالفة البطالمة. ولم ترحب مصر بهذه الصداقة لأسباب اقتصادية أيضاً، إذ أن مصر بوصفها دولة بحرية كبرى كانت في حاجة إلى كمية كبيرة من القطران وكان قطران سوريا قليلاً، ولذلك كان العالم الهلينيسي يستمد حاجته من القطران من مقدونيا ومن قمة أيدا (Ida) بالقرب من برجام. فكان جوناتاس وأنطيوخوس فيما بينهما يستطيعان إرغام مصر على دفع أثمان باهضة للقرطان في وقت السلم وحرمانها حاجتها في وقت الحرب. وقد كانت مصر تستطيع تفادي ذلك، لو أن دولة صديقة مثل برجام كانت تهيمن على قطران أيدا. وبما أ، يومنيس أسس عند ايدا مدينة تدعى فيلتايريا (Philetaireia)، فإن هذا ينهض دليلاً على أنه نجح في تحقيق عرضه وغرض مصر هناك. وإزاء مظاهر الاستقلال التي أبداها يومنيس شن عليه أنطيوخوس في عام 263 حملة تأيديبية، لكن متاعبه الداخلية عاقته عن متابعتها بنجاح، وبسبب هذه الحرب، ترك باتروقلوس أثينا في عام 263 لتسلطي وحدها بنار القتال مع أنتيجونوس، وذهب إلى آسيا الصغرى، حيث استولت مصر في العالم التالي على أفتوس، وأصبح في قبضتها شاطئ قاريا فيما بين ميلتوس وهاليقارناسوس. وقد أفلح يومنيس بماسعدة بطلميوس في تجنيد جيش كبير من المرتزقة هزم به أنطيوخوس بالقرب من ساردس في عام 262. وبهذا النصر دعم ميومنيس استقلاله ومن أخذ بوسع رقعه دولته.

الحرب السورية الثانية:

وفيما بين أكتوبر 262 وإبريل 261 توفي أطيوخوس الأول وخلفه ابنه الأصغر أنطيوحوس الثاني وكان أميراً نشيطًا وضع شئون دولته في نصابها، واشتعل بينه وبين فيلادلفوس لهيب حرب يطلق عليها عادة "الحرب النورية الثانية" مع أن غرب آسيا الصغرى كان مسرحها الرئيسي.
وقد كانت هذه الحرب سيئة الطالع على فيلادلفوس ، فإ،ه كان يشد أزر عدوه جزيرة رودس ـ صديقة بطلميوس الأول القديمة وكانت تحرص دائمًا على اتخاذ موقف محايد إزاء البطالمة والسوقيين، لكنها خشيت عندئذ أن تتأثر تجارتها من جراء سيادة مصر البحرية ـ وكذلك عدو فيلادلفوس اللدود جوناتاس، وكان يرقب الفرصة للقضاء على سيطرة البطالمة البحرية واستعادة السيادة البحرية التي كان يتمتع بها أبوه دمتريوس. ولذلك أخذ يبني أسطولاً جديدًا منذ صلح عام 261. إلا أنه لم يكن في وسع جوناتاس مع موارده المحدودة بناء أسطول كبير يماثل الأسطول البطلمي، لكن اشتباك بطلميوس في الحرب السورية الثانية وانتصار الأسطول الرودسي على قوة بطلمية بحرية أعطيا جوناتاس الفرصة التي كان يتحينها.
ولم يستطع يومنيس صاحب برجام مساعدة فيلادلفوس، بسبب انشغاله بحرب حليفته قوزيقوس (Cyzicos) مع بيزنطة، وكذلك بسبب ثورة ابن عمه فيما يحتمل. وقد زاد في متاعب فيلادلفوس ثورة بطلميوس بن لوسياخوس وأرسينوي الثانية، وكان فيلادلفوس ثورة بطلميوس بن لوسيساخوس وأرسينوي الثانية، وكان فيلادلفوس قد تبناه وأقامه حاكمًا على أفسيوس. ولعل مرد هذه الثورة إلى أن بطلميوس بن لوسيما خوس كان قد استشعر أنه أخذ يفقد حظوته لديْ فيلادلفوس فرأى في تعيينه حاكمًا على أفسوس تمهيدًا لأقصائه عن ولاية العرش، ولذلك قرر في عام 260 أن ينتهز فرصة متاعب فيلادلفوس ليقتطع لنفسه دولة في إيرنيا، وكانت فيما مضى ملكًا لأبيه لوسيما خوس. وقد رحب أنطيوخوس بهذه الحركة وأرسل بعض فرقه التراقية لشد أزر ابن لوسيماخوس، وانضم إليه أيضًا تيماخوس الأيتولي، حاكم ميلتوس البطلمي، الذي بادر إلى الاستيلاء على ساموس، لكن ابن لوسيماخوس لم يستطع الاحتفاظ بمركزه لأن جنوده التراقيين ثاروا عليه وقتلوه (عام 259). وعندئذ نصب تيما خوس نفسه طاغية على ميلتوس وأفسوس، غير أن أنطيوخوس لم يلبث أن استرد منه أفسوس ثم خلص ميلتوس من طغيانه بالقضاء عليه في عام 258 فخلع مواطنوها على أنطيوخوس لقب "إله".

فيلادلفوس يفقد أيونيا وسيادة بحر أيجة:

وقد كان الحادث الرئيسي في الحرب السورية الثانية هو ذلك النصر الباهر الذي أحرزه جوناتاس على الأسطول البطلمي قرب جزيرة قوس (258-256)، فقد ترتب على ذلك "أولاً" استيلاء أنطيوخوس على أيونيا ثم على جزيرة ساموس. وفضلاً عن ذلك فإن أنطيوخوس استولى أيضاً على ساموتراقيا وأماكن مختلفة في تراقيا نفسها، وكذلك على كل فينيقيا شمالي صيدا. "وثانيًا" اكتسب جوناتاس سيادة البحار، فإنه بمقتضى الصلح الذي عقد في عام 255 نزل فيلادلفوس لجوناتاس عن عصبة القوقلاد، لكنه صمح لفيلادلفوس بالاحتفاظ بجزيرة ثيرا. ولاشك في أن أنطبوخوس انضم إلى هذه المعاهدة لتأييد فتوحاته، لكن البعض يعتقد أنه ساتمر في الحرب مع فيلادلفوس حتى عام 252، إلا أن هذا الرأي يبدو غير محتمل، إذ أنه لو كان جواناناس قد هجره وعقد صلحًا منفردًا في عام 255 لفسدت العلاقات بينهما، في حين أن استراتونيقيى شقيقة أنطيوخوس تزوجت دمتريوس ابن جوناتاس في عام 253. ولكي يثبت جوناتاس أمام العالم أجمع أنه استعاد سيادة البحار التي كانت في قبضة أبيه أقام في ساموتراقيا تمثال النصر المشهور وشيد في ديلوس بابًا ضخمًا، وأنشأ هناك بدلاً من الحفلات المعروفة باسم بطوليما يا حفلين آخرين يدعى أحدهما أنتجو نايا (Atigoneia) بمناسبة تشييد بابه، ويدعى الآخر استراتونيقايا (Stratoniceia) بمناسبة زواج ابنه دمتريوس من استراتونيقي شيقة أنطونيوخوس.
إدماج فورينايئة في مصر:
وحوالي هذا الوقت مهد السبيل إلى إدماج قورينايئة ڤـ يالدولة المصريةمأساة لغيت السياسة والأهواء دورًا فيها، إذ أنه حوالي 258 توفي ماجاس عن ابنة في الرابعة عشرة من عمرها تدعي برنيقي. وكان ماجاس قد خطب وريثته لولي عهد مصر، وهو الذي أصبح فيما بعد بطلميوس الثالث يورجتيس (Euergetes).

ولعل مرد ذلك أن ماجاس، وقد أدرك استحالة إمكان وقوف قورينايئة في وجه مصر بعد وفاته، رحب بمساعي مصر الدبلوماسية لعقد هذه الخطبة حتى ينهي الخصومة التي دامت بينه وبين أخيه نحوا من خمسة عشر عامًا، ويضمن لابنته لا عرش قورينايئة فحسب بل عرش مصر أيضاً. ولما كان هذا الزواج يستتبع إدماج قورينايئة في مصر بعد وفاة بطلميوس الثاني وماجاس، فإنه كان يعارضه في قورينايئة حزب وطني كبير يرنو إلى الاستقلال وتتزعمه أيامًا أرملة ماجاس وشقيقة أنيطوخوس الثاني. وعندما توفي ماجاس رأت أياماً أنها إذا حالت دون اتمام هذا الزواج وزوجت ابنتها من أمير آخر أمكنها الاحتفاظ باستقلال قورينايئة المحلي والإبقاء على أسرتها الحاكمة وضمنت لنفسها تبعًا لذلك السيطرة الفعلية في المملكة.
ولعله إزاء النصر الباهر الذي كان جوناتاس قد أحرزه مؤخرًا على فيلادلفوس وقع اختيار أيامًا على دمتريوس "الجميل" (وكان أخا غير شقيق لجوناتاس)، ولابد من أن يكون جوناتاس قد رحب بذلك ليكيل لفيلادلفوس لطمة أخرى، لكن دمتريوس نفسه تسبب في فشل هذا المشروع بصلفة وغروره ووقوعه في غرام أباما فأوعزت برنيقي بقتله في فراش أمها وقبضت على زمام السلطة (حوالي عام 255). ويبين أنه قد تبع ذلك وقوع اضطرابات عنيفة في قورينايئة وضع حدا لها التشريعات التي اقترحها الفيلسوفان أقديموس (Ecdemos) وديموفالس (Demophanes).
ويرى البعض أن هذه التشريعات هي الدستور الذي حفظه لنا نقش عثر عليه منذ عهد غير بعيد، ومر بنا أنه يحوى الدستور الذي توحى القرائن بأنه يرجع إلى عهد بطلميوس الأول. ولا يمكن أن يكون هذا الدستور هو ذلك الذي وضعه أقديموس الأول. ولا يمكن أن يكون هذا الدستور هو ذلك الذي وضعه أقديموس وديموفانس وذلك لسبب بسيط وهوأن دستورهما كان دستوراً فيدراليًا في حين أن الدستور الوارد في النقش تنصب موارده جميعًا على مدينة واحدة ولا توجد به أية إشارة إلى وجود أية علاقة بين هذه المدينة ـ قوريني ـ وبين المدن الإغريقية الأخرى في قورنايئة. ويقول قانولوس (Catullus)، نقلاً عن قاليماخوس (Callimachos)، أن قتل دمتريوس كان جريمة حسنة مهدت السبيل إلى إدماج قورينايئة في دولة البطالمة، وذلك لزواج يرنيقي وريثة قورينايئة من خطيبها الأول ولي عهد مصر. ويحوم الشك حول تاريخ هذه الحوادث، لكنه يبدو أن زواج برنيقي لم يسبق كثيرًا ارتقاء زوجها عرش مصر.

فيلادلفوس يزوج ابنته لانطيوخوس:

ولما كانت لجوناتاس يد كبرى في الكوارث التي حلت بفيلادلفوس في الحرب السورية الثانية، وكان جوناتاس قد تدخل في شئون قورينايئة ليفسد على مصر تدابيرها لإدماج قورينايئة فيها، فلابد من أنه قد أقض مضاجع فيلادلقوس تقوية أواصر الصداقة بين جوناتاس وأنطيوخوس بالمصاهرة الت يعقدت بينهما في عام 253، خوفًا من أن يستغل جوناتاس هذه الصلة فيستحث أنطيوخوس على استعادة "جوف سوريا". فلكي يقضي فيلادلفوس على هذه المخاوف ويؤمن حدوده الشرقية على نحو ما أمن حدوده الغربية وبذلك تتاح له الفرصة لتصفية حيابه مع جوناتاس كان لابد من التفاهم مع أنطيوخوس، ولذلك فإن فيلادلفوس توصل في أواخر عام 253 إلى كسب أنطيوخوس إلى جانبه بالمصاهرة. وبيان ذلك أن أنطيوخوس كان متزوجًا من ابنة عمه لاوديقي (Laodice) وهي التي أنجبت له ابنين وابنتين، لكنها كانت قوية الشكيمة مما يسر على فيلادلفوس إقناعه بالاتفاق على تركها والزواج من أميرة فتية من أسرة البطالمة، هي برنيقي ابنة فيلادلفوس من أرسينوي الأولى، والفوز بصداق عظيم، بشرط أن يكون عرش أنطيوخوس لأبناء الزوجة الجديدة. وقد أقصيت لاوديقي وأبناؤها إلى أفسوس، وفي إبريل عام 252 أوصل فيلادلفوس ابنته حتى بلوزيون ورافقها أبولونيوس وزير مالية أبيها حتى الحدود وكانت عندئذ ععند صيدا. ويقال أن برنيقي كانت لا تشرب إلا مياه النيل التي شمل متاعها مؤنة منها وكان أبوها يتابع أرسالها إليها، وذلك لاعتقاد القدماء أن مياه النيل تضمن الحمل .

وعلى كل حال فإن برنيقي أنجبت أبنًا لأنطيوخوس، وكان صداقها كبيرًا إلى حد أنه أصبح مضرب الأمثال وأنه أطلق على برنيقي لقب "فرنفوروس" (Phernephoros)، أي صاحبة الصداق العظيم. ويرى البعض أن هذا الصداق كان مبلغًا كبيراً من المال إلى جانب دخل جوف سوريا، بينما يرى البعض الآخر أن هذا الصداق كان عبارة عن إرجاع بطلميوس لأنطيوخوس قيليقيا الغربية (وكانت مصر قد استولت عليها في أثناء الحرب السورية الأولى) فضلاً عن إغطائه أيضاً بامفوليا، وذلك لقاء تنازل السلوقيين عن لمطالبة بجوف سوريا. ونحن نميل إلى الرأي الأخير لأنه يتمشى مع الدوافع التي أوحت بعقد الزواج وهي تشويه الخلافات بين الأسرتين وتأمين الاحتفاظ بجوف سوريا، وكان أفضل ممتلكات مصر الخارجية ويعنيها أكثر من قيليقيا الغربية وبامفوليا، اللتين يعتقد البعض أن بطلميوس نزل عنهما لأنطيوخوس ثمنًا لعقد الصلح في نهاية الحرب السورية الثانية.
وعلى كل حال فإنه في أواخر عهد فيلادلفوس لم يتبق من ممتلكات مصر على شاطئ آسيا الصغرى الجنوبي سوى لوقيا وقاربًا. ولا يبعد أن فيلادلفوس كان يعلل النفس أيضًا يربط السياسة السورية بعجلة السياسة المصرية نتيجة لنفوذ ابنته لدى زوجها ثم لتربع ابنته وحفيدة على عرش سوريا. لكن ألم يقدر فيلادلفوس احتمال نشوب صراع على ولاية العرش قد يؤدي بحياة ابنته وحفيده؟ أم أنه أدخل ذلك كله في حسابه لكنه لم يأبه لمثل هذه التضحية لأنها تكون أدعى للتدخل في الشئون السورية؟ كلا الاحتمالين جائزان وما نعرفه عن خلق البطالمة لا يجعلنا نميل إلى إعفائهم من الأقدام على أي عمل في سبيل الأهداف التي كانوا يتوخونها.

ومن العجيب أن أنطيوخوس، مع علمه بحلق لاوديقي، قد سمح للمكاسب المادية التي كان الزواج الجديد عليها بأن تعميه عن المخاطر التي كان هناك احتمال قوي أن تترتب على إقصاء لا وديقي وأولادها ننصالح برنيقي وأبنائها. حقًا أنه حاول استرضاءها بضيعة كبيرة في آسيا الصغرى، لكنه كان طبيعيًا ألا تقنع بذلك أميرة مقدونية مثلها، كماكان طبيعيًا أن ينشأ بعد موته صراع عنيف على العرش كان من الممكن أن يتهدد كيان الدولة نفسها فضلاً عن ممتلكاتها. بل كان من الجائز حتى إذا لم تنجب له برنيقي أولادًا أن يجد أبناؤه من لاوديفي من يتحدى حقهم في ولاية العرش بحجة أن أباهم قد حرمهم ذلك الإرث.

فيلادلفوس يثأر لنفسه ويسترد سيادة بحر أيجة:

وبعد الإطمئنان إلى الحدود الشرقية والغربية، كان في وسع فيلادلفوس العمل على الثأر لنفسه من خصمه اللدود. وبيان ذلك أن جوناتاس، منذ ارتقائه عرش مقدونيا، كان قد اسند حكم قورنثة إلى أخيه غير الشقيق قراتروس كما أسند إليه بعد ذلك الإشراف العام على حامياته في أتيقا ويوبويا. وقد حفظ قراتروس العهد، لكنه بعد وفاته (حوالي عام 255) أخذ ابنه الإسكندر يتطلع إلى الفوز بولاية أوسع ولقب أعظم مم كان لأبيه. وحوالي عام 252 أغراه فيلادلفوس على المناداة بنفسه ملكًا وأمده بمساعدة مكنته من دعم م ركزه في قورنثة والاستيلاء على خالقيس، وبذكل شلت مؤقتًا حركة جوناتاس لأن خروج الإسكندر عليه قطع اتصاله بأعوانه في بلوبونيز وحرمه جانبًا كبيرًا من أسطوله وموارد بناء السفن، إذ أن فورنثة وخالقيس كانتا قاعدتين بحريتين رئيسيتين لجوناتاس في بلاد الإغريق.

وحين انخفضت قوات جوناتاس البحرية على هذا النحو كان فيلادلفوس جادًا في بناء أسطول كبير، ويبين أنه حوالي عام 250 استعاد سيادة بحر أيجة ومعها عصبة القوقلاد بدليل أنه أنشأ حفلات البطوليمايا في ديلوس في عام 249. هذا إلى أنه في عام 251 خلص أراتوس (Aratos) موطنه سيقوون من ريقة طاغية كان يستمد سلطته من جوناتاس ثم ضمها إلى عصبة آخايا، وكانت قد تكونت منذ عام 280 من عدد من المدن الصغرى لكنه لم يكن لها شأن يذكر حتى تولي أراتوس زعامتها فازداد عدد أعضائها كما ازدادت أهميتها السياسية. وقد كان فيلادلفوس يؤيد الإسكندر حتى وفاته في عام 247، ويؤيد أرانوس إلى أن توفي هو نفسه في بداية العام التاسع والثلاثين من حكمه أي في يناير عام 246.

استعراض سياسة فيلادلفوس الخارجية:

ويتضح جليًا مما مر بنا أن أهداف بطلميوس الثاني الخارجية كانت أهداف بطلميوس الأول نفسها في الجوهر، إلا أنه ذهب إلى مدى أوسع في تنفيذ السياسة الخارجية التي وضع أبوه أساسها. ذلك أنه عمل على دعم حدود مصر الغربية والجنوبية والشرقية، وعلى استكمال أسباب سيادة مصر في بحر أيجة، وعنى بالتجارة الجنوبية، ووجه اهتماماً كبيراً إلى التجارة الشرقية، نستدل على ذلك من حملته على النبط وتوطيد سلطان مصر في فلسطين وشرق الأردن وفينيقيا، ومن الاستيلاء على بعض أجزاء في أيونيا حيث كانت توجد بعض منافذ طريق الوسط، وكان أهم الطرق التجارية الآتية من أواسط آسيا. ولم يكن أقل من ذلك اهتمامًا بالتجارة مع الغرب، فهو لم يقم علاقات مع روما فحسب، بل كانت بينه وبين سراقوسة وقرطجنة علاقات وثيقة، على نحو ما سنرى في سياق الحديث عن التجارة.

وإذا كانت الحرب السورية الثانية قد سلبته أيونيا وسيادة بحر أيجة، وكان قد نزل عن أغلب ممتلكاته على شاطئ آسيا الصغرى الجنوبي، فإنه عمل على تأمين جوف سوريا وإدماج قورينايئة في مملكته ليبقى كيان الدولة سليمًا قويًا. وسرعان ما نجح في تشييد أسطول جديد واسترد سيادة بحر أيجة. وعلى الرغم من المبالغ الطائلة التي أنفقها على مجهود مصر الحربي وفي سبيل تأييد سياسته الخارجية، فإن الخزائن الملكية بقيت مكتظة بالأموال وكان سلطانه وطيد الدعائم في البلاد، لكننا سنرى أن سياسة فيلادلفوس الداخلية قد أثارت في أهالي البلاد حقدًا دفينًا تبدت مظاهره في عهد خلفائه، وكان لها أثر حاسم في مستقبل البلاد.
منقول

الاستاذ
25-08-2008, 01:30 AM
بطلميوس الثالث


http://history.egypt.com/images/history/ptlimos3.jpg

يبدو أن انتقال العرش من بطلميوس الثاني إلى ابنه من أرسينوي الأولى تم دون حدوث أي اضطرابات. ويبين من قرار قانوب أن بطلميوس الثالث خلف أباه على العرش في 27 من يناير سنة 246 ق.م.

وقد أشاد الشعراء بوداعة الملك الجديد، وهي صفة يبدو أنه يؤيدها لقبه الإلهي يورجتيس أي الخير، لكن هذه الصفة تبدو مغتصبة إلى حد ما إذا صح ما يعقتده بعض الباحثين من أن بطلميوس الثالث لم يكتف بعزل أبولونيوس وزير مالية أبيه من منصبه بل أمر أيضاً بإعدامه. وعلى كل حال فإنه كانت لدى يورجتيس مثل سلفيه فكرة عالية عن عظمة الملك ومشاغل الحكم. وكان ملكًا مثقفاً مثل أبيه فقد كان تلميذ الشاعر أبولونيوس الرودسي وصديق العالم الفذ أراتوسثنيس (Eratosthenes). ويمكننا أن نرى ميله للعلوم الدقيقة في إصلاح التقويم، الذي فرضه على الكهنة المصريين ثم اتبسه يوليوس قيصر فيما بعد. وكان هذا الإصلاح ينطوي على إضافة يوم كل أربعة أعوام إلى العام المصري وكان يتألف من 365 يومًا. ومن المؤكد أ،ه كان أديبًا، وإذا كان لم يصلنا أمر أملاه، مثل ما وصلنا من فيلادلفوس، نستطيع أن نسمع فيه أصداء صوته، فإنه فيما يبدو هو الذي صنف ذلك البيان الرسمي عن بداية الحرب السورية الثالثة، وهو الذي حفظت لنا بدرية من جوروب بالفيوم جزءًا منه.

الحرب السورية الثالثة:
أدى زواج برنيقي من أنطيوخوس الثاني إلى متاعب مفجعة، عندما توفي هذا الملك في عام 246، إذ أنه عقب ذلك مباشرة احتدم النزاع بين لاوديقي وبرنيقي، فقد كان طبيعيًأ أن تكافح كل منهما من أجل ارتقاء ابنها عرش أبيه.
وقد كان مركز لاوديفي قويًا في آسيا الصغرى، حيث كان أخوها الإسكندر حاكم ولاية لوديا، وفضلاً عن ذلك فإنها في عام 246 أفلحت في إغراء أنطيوخوس على زيارتها في أفسوس حيث مرض فجأة وتوفي ونودي بابن لاوديقي الأكبر ملكًا باسم سلوقس الثاني. فهل كان أنطيوخوس قد نادى قبل وفاته بسلوقس خليفة له؟ أن المصادر القديمة تذكر أن لاوديقي دست السم لزوجها وأحضرت بعد وفاته شبيهًا له مثل دور الملك وهو يعالج سكرات الموت وأوصى أتباعه بالولاء لأبنائه. ولماكانت زيارة أنطيوخوس لزوجة الأولى لاوديقي أمرًا حقيقيًا لا يرقى إليه الشك، فإن ذلك يدل على مصالحة أنطيوخوس للأوديقي. ومن اليسير أن نتصور دون إسراف في الرأي أن هذه السيدة بادرت إلى انتهاز فرصة استعادة حظوتها لدى الملك فظفرت منه باالاعتراف بولاية العرش لابنها الأكبر. بل لا يبعد أن يكون أنطيوخوس، عندما أتاه نبأ وفاة فيلادلفوس، قرر مصالحة لاوديقي بقصد إعادة ولاية العرش لأبنائها لأنه وقد أفاق من غفوته قدر المخاطر التي تتهدد دولته من وصاية طويلة الأمد إذا خلفه على العرش ابنه الطفل من برنيقي، في حين أنه لم يكن هناك مجال لأية وصاية إذا خلفه ابنه الأكبر من لاوديقي فقد كان يناهز عندئذ التاسعة عشرة من عمره. ولا يبعد أن تكون لاوديقي بعد فوزها بأمنيتها قضت على زوجها خوفًا من أن يقع تحت تأثير برنيقي وبغير رأيه مرة أخرى.
ومن ناحية أخرى كان مركز برنيقي قويًا في أنطاكية، حيث كان يؤيدها بعض القواد. هذا إلى أن المدن السورية الأخرى اعتبرت أبنها وريث العرش الشرعي. وفضلاً عن ذلك فإنها كانت على مقربة يسيرة من مصر. وقد أفضى النزاع بين برنيقي ولاوديقي إلى نشوب الحرب السورية الثالثة أو حرب لاوديقي، وهي حرب يخيم حول سيرتها ظلام كثيف يثير الشكوك وتضارب الآراء.
وقد تكشف البحث الحديث عن روايات مختلفة عن سيرة هذه الحرب. وعلى كل فإنه يمكننا أن نتبين وسط الظلام الدامس أن برنيقي بادرت إلى الرد عى مناولة لاوديقي ببيان هاجمت فيه الحق الذي ادعاه سلوقس لنفسه في العرش واتتهمت لاوديقي بدس السم لزوجها وتزييف اعترائه بسلوقس خليفة له، وأن هذا البيان أكسب برنيقي تأييد أنطاكية وباقي المدن السورية، ومع ذلك فإن فئة قوية في انطاكية كانت نؤيد لاوديقي، وأن برنيقي فاشدت مساعدة أخيها ملك مصر فأنقذ أسطولاً إلى سولي في قيليا حيث فاجأ رجاله حاكم هذه المقاطعة وهو يحاول نقل مبلغ كبير من المال إلى لاوديقي فاستولوا على الأموال والولاية وممرات الطوروس، وأن بطلميوس الثالث دخل سلوقية بيريه قرب مصب نهر العاصي ثم أنطاكية حيث استقبل استقبالاً حافلاً أثار دهشته. واعتمادًا على ما يرويه يوستينوس وبولي آينوس، يعتقد بعض المحدثين أن برنيقي وابنها كانا قد قتلا قبل وصول يورجتيس إلى سوريا وفاته أخفيت لأسباب سياسية. لكن بقايا بردية جوروب التي تعطينا النص الرسمي عن هذه الحوادث تقول أن برنيقي كانت لا تزال على قيد الحياة. ولذلك نرجح أن الثورة التي قام بها أنصار لاوديقي في أنطاكية بتأييد فريق من مرتزقة الغال وأفضت إلى خطف طفل برنيقي وقتله ثم خطف برنيقي نفسها وإعدامها لم تحدث إلا بعد ذلك في أثناء الحملة التي قام بها بطلميوس يورجتيس حتى سلوقية على نهر الدجلة (عام 245).
وتحدثنا المصادر القديمة بأن يورجتيس كان في قلب آسيا في عام 246/245. وإذا صدقنا في ذلك نقشا، كان على نصب على البازلت أقيم فوق عرش من المرمر في أدوليس (Adulis) بالحبشة، ونقل نصه راهب كان يعيش في القرن الثامن للمسيح ويدعى قوسماس أنديقوبلستس (Cosmas Indicopieustes)، فإن ملك مصر أخضع كل آسيا حتى باقتريانا (Bactriana). لكنه يكاد يكون مؤكدًا أن يورجتيس قاد جيوشه حتى سلوقية على الدجلة، ثم أنفذ الرسل باسم أخته إلى حكام الولايات الشرقية يطلب منهم الطاعة فأذعنوا، وبعد ذلك عين حاكمًا عامًا على هذه الولايات، وعاد إلى مصر لقيام ثورة فيها. وإذا صح أن برنيقي وابنهاكانا قد قتلا قبل وصول بطلميوس الثالث إلى سوريا، وأن ملك مصر قد تعمد احفاء ذلك، فلماذا زحف شرقًا؟ أكان يطمع في بسط نفوذه على الولايات الشرقية في إمبراطورية السلوقيين؟ وإذاكانت هذه الآمال قد دارت بخلده، فأليس من المعقول أنه كان يترك وراء قوة كبيرة لدعم سلطانه في تلك الأرجاء عندما اضطرته حوادث مصر إلى العودة إليها سريعًا؟ رب معترض يقول أن الظروف التي استدعت يورجتيس إلى مصر حالت دون تركه قسوة كبيرة وراءه للمحافظة على فتوحاته. وإذا صح ذلك فلماذا، فيما بعد، عندما امتد سلطانه امتدادًا واسعًا في بحر أيجة، ولاسيما عندما دخل الانحلال إمبراطورية السلوقيين وتقطعت أوصالها، لم يحاول أن يوسع ممتلكاته على حساب تلك الإمبراطورية مع أن الفرصة كانت مواتية، وليس لهذا سبب سوى أن البطالمة لم يفكروا إلا في إمبراطورية بحرية، ولذلك فستبعد أن برنيقي وابنها كانا قد قتلا قبل وصول يوجنيس إلى سوريا وزحفه شرقًا، وأنه أخفى ذلك لتحقيق أطماعه، إذ أن تدل على أنه لم تكن ليورجتيس أطماع هناك، وأنه لم يقم بحملته إلا لدعم حقوق أخته وابنها، ولذلك أيضاً نعتقد أن برنيقي وابنها لم يقاتلا إلا في عام 245، عندما وقعت فتنة في أنطاكية ذهبًا ضحيتها.
وعندما عاد يورجتيس إلى مصر، ترك حاميات في سوريا، لكن سلوقس بادر إلى دعم مركزه فاكتسب بزواج أختيه يداتس ملك بونتوس وأريارانس (Ariarathes) ملك قابادوفيا بلبقاته السياسية أن يستميل أغلب المدن الإغريقية في آسيا الصغرى. وفي عام 245/ 244 استعاد الولايات الوسطى والشرقية وجانبًا من فيليقيا وكل سوريا السلوقية فيبا عدا سلوقية بيريه. وفي عام 243 حاول استرداد شواطئ فينيقيا وسلوقية وغزو جوف سوريا، لكن العواصف حطمت أسطوله وأنزل به الجيش البطلمي هزيمة فادحة فارتد إلى أنطاكية. وفي عام 242 حاصرت قوة مصرية دمشق ولم يستطع سلوقس انقاذها إلا في العام التالي عندما جاء أخوة أنطيوخوس هراكس لنجدته، لكن كل الشاطئ السوري حتى سلوقية بيريه بقى في قبضة بطلميوس.
جوناتاس يستعيد جزر القوقلاد:
وقد كان لسوقس الثاني حليف طبيعي، وإن لم يكن حليفًا رسميًا، وهو جوناتاس ملك مقودنيا، وكن يتطلع إلى فرصة للثأر من مصر جزاء مساعدتها الإسكندر وأراتوس واستردادها سيادة بحر أيجة، ولذلك فإنه، بعدما استرد في عام 246 قورنثة ويوبويا وتبعًا لذلك كل قوات أسطوله، انتهز فرصة انهماك مصر في شئون الدولة السلوقية وهزم عند أندروس في عام 245 جزءًا من الأسطول البطلمي، وتمكن من استعادة جزر القوقلاد، لكن مصر احتفظت بجزيرة ثيرا وكذلك بكريت فضلاً عن ممتلكاتها في آسيا الصغرى.
اتساعًا نطاق إمبراطورية البطالمة البحرية:
وحدث في عام 243 أن أفلتت قورنثة من قبضة جوناتاس فأضعف ذلك قوته البحرية، وأن العواصف حطمت أسطول سلوقس، فانتهزت مصر الفرصة للقيام بعمليات بحرية واسعة المدى في عام 343 أو عام 242. وإذا كنا لا نعرف تفاصيل هذه العمليات ولا إذا كانت قد تمت ڤـ يحملة واحدة أ:و أكثر، فإننا نعرف أن سوفرون، حاكم أفسوس، سلمها إلى القوات البطلمية، وأنه بينما بقى في قبضة سلوقس قيليقيا الشرقية (عدا سولي وسالوس وسلوقية) وأيونياً الشمالية، استردت مصر قيليقيا الغربية وبامفوليا واحتفظت بممتلكاتها السابقة في لوقيا وقاريا واستولت على أبونيا الجنوبية وعلى جزيرتي لسبوس وساموتراقيا وكذلك على ممتلكات سلوقس في تراقيا حتى مارونية، بما في ذلك شبه جزيرتها (غاليبولي)، وذلك فضلاً عن الشاطئ السوري حتى سلوقية بيريه قرب مصب نهر العاصي.
وفي عام 241 عقد سلوقس مع بطلميوس صلحًا أيد هذه النتائج الباهرة التي جعلت مركز مصر عندئذ على شواطئ بحر أيجة الشمالية والشرقية أقوى من مركزها في عام 272. ومع ذلك فإن مصر لم تتمتع عندئذ بمثل تلك السيادة البحرية التي كانت تتمتع بها قبلاً لأن مقدونيا بسيطرتها على جزر القوقلاد قاسمت مصر سيادة البحر وتبعًا لذلك حرمتها التدخل تدخلاً فعالاً في شئون بلاد الإغريق (وإن كانت ما زالت تحتفظ هناك بمثانًا). و منذ ذلك الوقت اقتصر تدخل مصر في بلاد الإغريق على تقديم المساعدات المالية.
عصبتا أبتوليسا وآخايا:
وبعد هذه البداية الزاهرة ساد السلام في عصر يورجتيس إلى حد يثير الدهشة، إذ أن الصعاب كتنفت ملكي مقدونيا وسوريا، ومع ذلك يبدو أنه لم يبذل جهداً كبيرًا للإفادة من متاعب منافسيه. فمنناحية اشتبك جوناتاس في حرب شعواء مع الجمهوريات الإغريقية، وعندما توفي في عام 239 كان قد فقد كل بلاد الإغريق تقريبًا، ولم تعد مقدونيا تلعب هناك الدور الرئيسي، فقد آل ذلك الدور إلى عصبتي أيتوليا وآخيا. وما كاد دمتريوس الثاني (239-229) يرتقي عرش مقدونيا حتى تصادم مع عصبة أيتوليا، فانقصمت عرى الصداقة القديمة بين دولته وهذه العصبة التي تآلفت مع عصبة آخايا ونشب بين دمتريوس وهاتين العصبتين ما يعرف "بحرب دمتريوس" (238-239). ولم تتدخل مصر في هذه الحرب بل اكتفت بتدقيم اعاانات مالية لأراتوس زعيم العصبة الآخية. وإذا كان دمنريوس قد نجح في اقتطاع بويوتيا وفوقيس من عصبة أيتوليا وانزل بعض الهزائم بعصبة آخايًا، فإن هذه العصبة خرجت من هذه الحرب أقوى بكثير مما دخلتها، فقد ضمت إلى حظيرتها كل إقليم أرجوس (ماعدا مثانًا المصرية) وكل أرقاديا (ماعدا مانتينيا وتجيا تابعتي أيتوليا).
وفي أثناء هذه الحرب أنقض الدرداني (Dardani) على مقدونيا من الشمال وأنزلوا بتدمتريوس هزيمة فادحة (عام 233) قضى بقية حكمه في إصلاح آثارها، مما شغله عن الاشتراك شخصيًا في الحملات الأخيرة في "حرب دمتريوس".
ومن ناحية أخرى ساءت جدًا حال إمبراطورية السلوقيين، وكان الانحلال قد أخذ يدب إليها منذ عهد أنطيوخوس الثاني (261 -246). فقد اسنلخت عنها باقتريا (حوالي عام 250)، ثم بارثيا (PJarthia) على مرحلتين في عام 247 وحوالي 235، وأرمينيا (حوالي عام 230)، بينما استرمت بيثونيا وقابادوقيا وبونتوس تتمتع باستقلالها، ومضت برجام في بناء قوتها في عهد أنالوس الأول (241 ـ197) حتى غدت دولة شديدة اليأس.
حرب الأخوين:
وفي هذه الأثناء قطعت الخلافات أوصال أسرة السلوقيين. وبيان ذلك أنه في عام 245 عندما بارح سلوقس الثاني آسيا الصغرى لاستعادة دولته، ترك في ساردس أخاه الصغير أنطيوخوس هراكس، وكانت أمه تشجعه على أن يصبح حاكمًا مستقلاً. ولذلك فإنه عندما فأشده سلوقس المساعدة في أواخر الحرب السورية الثالثة لم يحصل على هذه المساعدة إلا بشرط الاعتراف به شريكًا في المك، يتمتع بسلطة كاملة في آسيا الصغرى (عام 241).
ولما كان يصعب على سلوقس احترام هذا الاتفاق الذي كان يترتب عليه أقصاؤه عن بحر أيجة، فإنه لم يكن هناك مفر من اصطدام الأخوين، فوقعت بينهما حرب ضروس يطلق عليها "حرب الأخوين". ذلك أن سلوقس غزا آسيا الصغرى في عام 237 وفاز ببعض الانتصارات لكن الغال، حلفاء أخيه، أنزلوا به هزيمة فادحة عند أنقرة اضطرته إلى عقد الصلح والنزول نهائياً عن آسيا الصغرى لأنطيوخوس (عام 236). بيد أنه سرعان ما ثبت عجز أنطيوخوس عن الاحتفاظ بسطوة السلوقيين في آسيا الصغرى حيث قام هنا وهناك حكام مستقلون عنه، بل أنه أطلق العنان لحلفائه الغال فأوسعوا البلاد سلبًا ونهبًا إلى أن أنزل بهم أنالوس ـ خليفه ابن عمه يومنيس في برجام ـ في عام 230 هزيمة ساحقة أرتدوا بعدها إلى مقاطعة جالانيا في وسط فروجيا الكبرى، وبذلك تخلصت آسيا الصغرى من شرورهم طوال حياته، فهلك له المدن الإغريقية باعتباره منقذها.
أنالوس الأول ملك برجام:
وإزاء المكانة التي اكتسبها أنالوس على هذا النحو اتخذ لنفهس لقب ملك وقرر الاستيلاء على الممتلكات السلوقية في آسيا الصغرى.
وقد أفضت ثلاث مواقع حربية بين أنالوس وأنطيوخوس، في فروجيا على الدردنيل وفي لوديا فيو قاريا، إلى طرد أنطيوخوس من آسيا الصغرى حيث أصبح أنالوس في عام 228 سيد كل الولايات السلوقية شمالي الطوروس (ماعدا قيليقيا والأقاليم التي استقل بها الحكام المحليون). وعندما طرد أنطيوخوس من آسيا الصغرى كان سلوقس مشتبكًا في حرب ما بارثيا، فانتهز أنطيوخوس هذه الفرصة لخلع أخيه وحصل على تأييد أنطاكية، بتدبير عمته استراتوفيقي، مطلقة دمتريوس الثاني ملك مقدونيا، كما حصل على قوات من أرمينيا، لكن سلوقس عاد مسرعًا من بارثيا وبدد شمل قوات أنطيوخوس واسترد أنطاكية.
ولما كان في صالح دولة البطالمة أن تكون الدولة السلوقية ـ وهي أخطر منافس لها ـ نهياً لصراع أسرى وبيل يهدد كيانها ويضعف قوتها، فلا شك في أن السياسة والأموال البطلمية كانت تؤيد هراكس ضد أخيه سلوقس، لكن الجيوش البطلمية لم تتدخل في الصراع بين الأخوين.وعندما فر هراكس إلى الإسكندرية، بعد فشله في الاحتفاظ بملكه وفي خلع أخيه، سجنه يورجتيس. وإذا كان قد تركه يهرب فإن ذلك كان دون شك نتيجة الإهمال ولم يكن نتيجة خطة سياسية، لأن هذه المخاطر ذهب للقتال وملاقاة حتفه عبثًا في تراقيا. وإذا كان يورجتيس يطمع حقًا في ضم الولايات الشرقية في الإمبراطورية السلوقية، فلماذا لم ينتهز فرصة حلقات الصراع المرير بين الأخوين وهي التي زعزت أركان تلك الإمبراطورية ويتدخل بجيوشه لتحقيق تلك الأطماع؟
انتيجونوس دوسون:
وفي آخر عهد يورجيتس استعادت مقدونيا سيادة بلاد الإغريق. ذلك أن خليفة دمتريوس الثاني كان طفلاً في التاسعة من عمره فاغتصب الملك منه الوصي عليه: أنتيجونوس دوسون (Doson) ابن دمتريوس الجميل. وقد كان عاهل مقدونيا الجديد جديرًا بشرف الانتساب إلى سلالة الملوك العظام في أسرة أنتيجونوس، فإنه بادر بالاستيلاء على تسالياً وسلب مصر قاريا ثم استغل فرصة المنازعات التي قطعت أوصال بلاد الإغريق ليعيد بسط سيادة مقودنيا عليها. فمن ناحية تقرب إليه الأيتوليون عندما رأوا أن حلفاءهم الآخيين قد جنوا من حرب دمتريوس خير الثمار واتسعت عصبتهم اتساعًا كبيرًا، ومن ناحية أخرى عدل قليومنيس دستور اسبرط’، وأقام نفسه طاغية عليها، وقام بإصلاحات اشتراكية واسعة المدى، واتبع منذ عام 228 سياسة خارجية تستهدف السيطرة على البلوبونيز. ولما كان قليومنيس قد استولى على مدينة بعد أخرى من مدن عصبة آخايا، وكانت ميوله الاشتراكية تتهدد طبقة أصحاب الأملاك في هذه العصبة وهي التي كان الأبنوليون يتربصون بها الدوائر، وكان بطلميوس يورجتيس قد حول إلى قليومنيس المساعدة المالية التي كان فمما مضى يقدمها أرانوس زعيم العصبة الآخية، لأنه كان يريد في بلا الإغريق خصمًا قويًا لدوداً لمقدونيا ولأن اسبرطة بزعامة قليومنيس كان أصلح من يقوم بهذا الدور، فإن عصبة آخايا لم تر مفرًا من التحالف مع عدوتها القدمية مقدونيا (شتاء 225/224). وقد يسر ذلك مهمة دوسون الذي جدد في ربيع 224 محالفة دمتريوس مع بويوتيا واقتحم برزخ قورنثة واستولى على قورنثة وأرجوس. وفي خريف هذا العام أنشأ دوسون بزعامة مقدونيا عصبة هلينية جديدة تتألف من أقارنانيا وآخايا وبويوتيا وأبيروس وبوبويا وفوقيس وتساليا. ومع كل النقائص التي كانت تعتور تكوين هذه العصبة وصلاحيتها للعمل، فإنها كانت على الأقل خطوة في سبيل توحيد بلاد الإغريق وتعاونها مع مقدونيا. وفي عام 223 استولى دوسون على كل مدن أرقاديا.
يورجتيس يعدل عن سياسة معاداة مقدونيا:
وفي الوقت الذي تخرج فيه مركز قليومنيس، ارتقى عرش الدولة السلوقية ملك جم النشاط (أنطيوخوس الثالث)، فقطع يورجتيس امداداته المالية عن قليومنيس ونصحه بالاتفاق مع دوسون، لكن قليومنيس آثر أن يخوض مع خصمه معركة فاصلة عند سلاسيا (Sellasia) في عام 222. وعندما انتصر دوسون في هذه الموقعة ضم اسبرطة إلى العصبة الهلينية وفرقيلومنيس إلى بلاط الإسكندرية يطلب العون بالمال والرجال، فلقى ترحيبًا بمقدمة وأن لم يلق حماسًا لقضيته. وربما كان من الحق ألا يلازم يورجتيس على هذا التحول في سياسته، لأنه إزاء فشل قليوميس في حربه مع مقدونيا، وإزاء نشاط الملك السلوقي الجديد الذي كان يحمل في طياته نذرًا تتبدد مصر، كان من الحكمة ألا ينادي بورجتيس في معاداة مقدونيا، ولاسيما أنه لم يمد هناك أمل في أن يجني من وراء ذلك شيئًا اللهم إلا أن يدفع مقدونيا إلى التعاون مع سوريا ضده، وقد سبق لمصر أن خبرت قوة مثل هذه التعاون.
انطيوخوس الثالث:
عندما ارتقى سلوقس الثالث عرش سوريا في عام 226، عهد إلى أخيه الصغير أنطيوخوس بحكم بابل. واختار رجلا سياسيًا بارعًا من قاريا يدعى هرمياس كبيرًا لوزرائه وأسند إلى عمه أندروماخوس استرداد آسيا الصغرى من أنالوس، إلا أن أنالوس هزم أندروماخوس وأرسله إلى مصر. وهذا ينهض دليلاً على أ، يورجتيس كان يعاون أنالوس مثل ما كان فيلادلفوس يعاون يومنيس.
وعندما عبر سلوقس نفسه الطوروس وقتله اثنان من ضباطه، خشي أن يقع نضال على العرش بين أنطيوخوس وأخايوس (Achaeos)، ابن أنطيوخوس في بابل، لكن أخايوس نادى بأنطيوخوس ملكًا (عام 223) وعاقب قتلة سلوقس. وقد استبقى أنطيوخوس الثالث هرمياس في منصبه كبيرًا للوزراء وعهد إلى أخايوس برد أنالوس على أعقابه، وأسند ولايتي ميديا وفارس إلى حاطمين شبه مستقلين وهما مولون (Molon) وشقيقة الإسكندر. وسرعان ما أثبتت الأحداث بعد نظر يورجتيس أو وزير ماليته سوسيبيوس (Sosibios) ابن ديوسقوريدس (Duiscirudes) عندما قرر مهادنة أنتيجونوس دوسون بدلاً من التمادي في معاداته. إذ أنه عقب وفاة يورجتيس ناصب هرمياس مصر العداء، لكنه لم يكن عداء خطيرًا بسبب المخاطر التي استهدفت لها عندئذ دولة السلوقيين. وذلك أنه في عام 222 ثار مولون وشيقيه على أنطيوخوس، فدعا الملك مجلسه إلى الاجتماع في أنطاكية. وكان من رأي أبيجنيس (Epigenes) القائد الشيخ المحنك، أن يقوم الملك بنفسه بإخماد الثورة، لكن هرمياس خالف هذا الرأي، واقترح إيفاد حملة لإخماد الثورة دون تعريض حياة الملك للمخاطر، كما اقترح انتهاز فرصة وفاة يورجتيس ومحاولة غزو جوف سوريا انتقاماً من مصر، فقد زعم أنه يوجد تفاهم بين أخايوس وبلاط الإسكندرية.. ولذلك تقرر ارسال هائدين لاخضاع مولون وانفاذ حملة لغزو جوف سوريا، لكن مولون هزم القائدين كما أن ثيودوتوس الأيتولي هزم الجيش السلوقي الذي دخل جوف سوريا (عام 221). وعندئذ استقر رأي أنطيوخوس وهرمياس على أن يتوليا بنفسيهما أمر مولون وشقيقه، وفعلاً نجحا في وضع الأمور في نصابها. وفي آخر عام 220 عاد أنطيوخوس مظفرًا، بعد القضاء على مولون والإسكندر. هذا إلى أن هرمياس نفسه، وقد كرهه كل البلاط ولم يعد الملك يحتمل وصايته الوقحة، لقى حتفه في سلوقية على الدجلة في مؤامرة دبرها طبيب أنطيوخوس.
ثورة أخايوس:
ويبدو أن أخايوس بقى وفيًا لابن عمه حتى عام 220 لكنه بعد قيامه بحملة ناجحة (222-221)، استرد فيها من أنالوس كل ما كان قد كسبه منذ الحرب السورية الثالثة (ماعدا بعض المدن في إقليم طروادة)، بدلاً من أن يتابع هذا النجاح بتضييق الخناق على برجام أسكرته نشوة النصر النصر وخيل إليه أن أنطيوخوس قد لا يعود من حملته الشرقية، أو على الأقل أن في وسعه غز سوريا قبل عودة أنطيوخوس، فخرج على رأس جيش كبير لتحقيق أطماعه. بيد أنه عندما فطن جنوده إلى نواياه وفضوا المشاركة في حملة ضد الملك الشرعي، ما اضطره إلى العدول عن عزمه والانصراف إلى محاربة بعض قبائل بيسيديا، وبذلك أتاح لأنالوس الفرصة لاسترداد أكثر المدن الإغريقية التي كان قد فقدها. وعلى الرغم من أن أنطيوخوس علم بغدر أخايوس، فإنه رأى من الحكمة ألا يتعرض لهذا الخصم الذي كانت مصر تحاول استمالته إلى جانبها، مقدرًا أن نشاط أنالوس وعواطف جنود أخايوس لن تتيح له تكرار محاولته السابقة.
استعراض سياسة بطلميوس الثالث الخارجية:
ويتضح بجلاء من استعراض فتوحات بطلميوس الثالث أنه اقتفى في سياسته الخارجية خطوات أبيه وجده، وهي السياسة التي كانت تهدف إلى المحافظة على استقلال مصر والحصول على ما تفتقر إليه من المواد الضرورية. والسيطرة على الطرق البحرية المؤدية إلى نصر، والاستيلاء على أهم منافذ الطرق التجارية الوافدة من أواسط آسيا، أو بعبارة أخرى استقلال مصر، وسيادة بحر أيجة من أجل ضمان سلامة مصر وقوتها وثرائها. لكنه إذا كانت إمبراطورية الطبالمة قد بلغت أقصى مداها في عهد يورجتيس، فإنها لم تشمل عندئذ مصبة القوقلاد، وتبعًا لذلك لم تتمتع مصر عندئذ بسيادة كاملة على بحر أيجة.
ويرى بعض المؤرخين أن حصول البطالمة على ممتلكات على شواطئ آسيا الصغرى من قيليقيا إلى الدردنيل، وفي غايبولي وفي تراقيا، يشير إلى أنهم لم يرموا إلى الإشراف على الطرق التجارية المؤدية إلى الإسكندرية فحسب، بل إلى رغبتهم كذلك في الاستيلاء على كل بحر أيجة من أجل الحصول على سيادة العالم ـ تلك الرغبة التي كانت الدافع وراء مشروعات كافة القوى المتنافسة في العالم الإغريقي منذ بداية القرن الثالث. ونحن نرى أن الأمر لم يقتصر على تلك الممتلكات الواسعة الآنفة الذكر، بل إن نفوذهم امتد كذلك إلى شواطئ بحر مرة وشواطئ البحر الأسود الجنوبية، يفضل تحالفهم مع برجام وصداقتهم مع "العصبة الشمالية" في آسيا الصغرى، وكانت تناصب دولة السلوقيين العداء، ونرى أيضاً أن البطالمة لم يرموا فقط إلى الاكتفاء بالإشراف على الطرق البحرية المؤدية إلى الإسكندرية، بل كانوا يرمون أيضاً إلى الاستيلاء على أهم منافذ الطرق التجارية الآتية من أواسط آسيا، وذلك للتحكم في التجارة الشرقية الهامة ولضمان سيادة بحر أيجة، لا من أجل الحصول على سيادة العالم وأنه من أجل ضمان استقلال مصر وقوتها وثرائها كما سلف القول. ولو أن البطالمة كانوا يرمون حقًا إلى سيادة العالم، لا تنهزوا ما سلح لهم من الفرص التي كانت موانية لمثل هذه الأطماع الجامحة، لكن نشوة النصر لم تسكرهم، فقد عرفوا كيف يكبحون جناح أطماعهم في ساعات انتصارهم، ولذلك عمرت دولتهم من أية دولة هلينيسية أخرى.
وإذا كانت فكرة تكوين إمبراطورية عالمية قد بدت لملوك مقدونيا بسبب ثروتهم العسكرية، وإن كنا نعرف أنها لم تخطر ببال أحد من هؤلاء الملوك بعد دمتريوس "محاضر المدن"، أو إذا كانت هذه الفكرة قد طرأت لمولك آسيا بسبب غناهم بالمال والرجال، فإنها كانت تبدو غريبة وبعيدة التحقيق بل حافلة بالمخاطر لملوك مصر، لأن إخضاع العالم كان يتطلب وجود جيش كبير يمكن تجديده بسهولة، في حين أن البطالمة كانوا يعتمدون في تكوين جيوشهم على التجنيد الخارجي، وكان يكلفهم كثيرًا بل أهم من ذلك أنه كان تحت رحمة الظروف المختلفة وعرضة للنقص بل الانقطاع كلية.
وإذا ألقينا نظرة عاجلة على إمبراطورية البطالمة، فإننا نلاحظ أنها إمبراطورية بحرية، وأن بعض أجزائها كان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمركز هذه الإمبراطورية أو بعبارة أخرى بمصر نفسها، وأن بعضها الآخر كان بعيدًا عن ذلك المركز ومشتتاً. ونستبين من تاريخ البطالمة الثلاثة الأوائل أنهم لم يدخروا وسعًا في الاحتفاظ بالبعض الأول (قورينايئة وجوف سوريا وقبرص)، في حين أنهم كانوا يسلمون بضياع البعض الآخر عندما لم يقدروا على مواجهة الظروف الخارجية. والحقيقة هي أن مصر كانت العماد الأول لقوة البطالمة وثروتهم وأهم جزء في إمبراطوريتهم.
وقد رأينا كيف أن يروجتيس لم يثابر على النشاط الذي أبداه في مستهل حكمه، وهذا في ذاته دليل على أنه لم يطمع في الاستيلاء على العالم، بل أن يروجتيس لم يعمل حتى على استرداد عصبة القوقلاد، ولعله لم ير داعيًا لذلك بعد استيلائه على شواطئ بحر أيجة الشمالية والشرقية. وعلى كل حال فإن مصر نعمت بالسلم عشرين عامًا، إذ أن يورجتيس قصر نشاطه الخارجي منذ عام 241 على تقديم إعانات مالية لأراتوس وقليومنيس في بلاد الإغريق، ومن المحتمل أيضاً لأنطيوخوس هراكس وأنالوس في آسيا، لكن هذا السلم، الذي يرجع إلى ما صادف منافسي بورجنيس من المتاعب قد أبرز ضعفًا شديدًا في هذا العاهل، فهو لم ينشط في الإفادة من هذه المتاعب بل ترك أنتيجونوس دوسون ينقض على ممتلكاته في قاريا، وانقض عن تأييد قليومنيس مثل ما انقض أبوه من قبل عن أثينا. وأخطر من ذلك كله أنه ترك جيشه وأسطوله يستغرقان في التراخي والضعف، حتى أنه عندما توفي في عام 221 لم تعد مصر قوة حربية يخشى بأسها.

الاستاذ
25-08-2008, 01:35 AM
بطلميوس الرابع


http://history.egypt.com/images/history/ptlimos4.jpg

بعد أن بلغت دولة البطالمة أوج مجدها، آل صولجانها فيما بين اليوم الخامس واليوم السادس عشر من فبراير عام 221ق.م إلى شاب عابث في الثانية والعشرين من عمره انحدر بها إلى حال من الضعف والمهانة لم تستطع النهوض منها لتتبوأ ثانية تلك الملكانة التي كانت تنعم بها في عهد البطالمة الأوائل .
وقد اتخذ بطلميوس الرابع لنفسه لقب "فيلوباتور" أي المحب لأبيه، ولعل مرد ذلك إلى أن أباه كان يستمتع بمحبة رعاياه وإلى أنه بمشاركته هؤلاء الرعايا هذه المحبة كان يأمل في استمالة القلوب إليه! وإذا كان يمكن الأغضاء عن بناء هذا الملك سفينة ضخمة فاخرة تعتبر قصرًا عائمًا، وكان الشك لا يخامرنا في أن الاضطرابات الداخلية التي كانت على وشك الانفجار ترجع قبل كل شيء إلى السياسة الداخلية التي اتبعها أسلافه، وخاصة فيلادلفوس، على نحو ما سنرى فيما بعد، فإنه من المؤكد أن فيلوباتور لم يتحل بصفات الرجولة ولا هبات الملك. ذلك أنه كان كلاً متراخيًا في عمله، شديد الاهتمام بمظاهر العظمة، قليل الاكتراث بشئون الدولة إلى حد أنه كان يتعذر على موظفيه الوصول إليه، كلفًا بالمجون فاصطفى من أجله رفاقًا ولو كانوا من حثالة الإسكندرية .
وقد أطلق الإسكندريون على هذه الجماعة "اخوان الأنس" (Geloiastai). وكان أخطر شيء على هذا الشاب، أنه أصبح سريعًا ألعوبة في أيدي أفراد الأسرة تحوم حولهم الشبهات، وهم نديمة أجاثوقلس (Agathocles) وخظيته أجاثوقليا (Agathoclea) وأمهما أوينانثي (Oenanthe). ويقول بوليبيوس أن فيلوباتور كان عبدًا طيعًا لحظيته أجاثوقليا التي قلبت الدولة بأجمعها رأساً على عقب. ويحدثنا يوستينوس بأن هذه الأسرة لم تقنع بالسيطرة على الملك، فتغلغل نفوذها في الدولة إلى حد طغى على نفوذ الملك. ويبين أن المؤرخين القدماء استمدوا معلوماتهم عن خلق فيلوباتور من القصص التي نشرها عنه في ثلاثة أجزاء رجل كان في خدمته يدعى بطلميوس بن أجارخوس.

وكان هذا الملك الفاسق متصوفًا، إذ أنه كثيراً ما يحدث أن تشتطيع أسرار بعض العبادات استهواء أكثر النفوس رفعة وكذلك أكثر الشهوات جموحًا. ولما كان فيلوباتور قد أطلع على أسرار عبادة الآلهة قوبلي (Cybele)، فإنه كان يدعى جالوس (Gallos) على نحو ما كان يدعى كهنة هذه الآلهة. وكان يحمل أيضاً وشم اللبلاب، وهو رمز أبتاع مذهب ديونوسوس إله الاستعمار الآسيوي وكذلك إله الخمر عند الإغريق. ومنذ عهد بطلميوس الثالث، كان البطالمة يدعون أنهم يتحدرون من سلالة هذا الإله، وذهب فيلوباتور في شدة حماسه لديونوسوس إلى حد أنه أراد أن تتمثل فيه بشكل ما شخصية جده الأكبر المقدس. ويعتقد البعض أن فيلوباتور كان مخلصًا في هذا الحماس، بيد أنه بسبب ميله إلى المجون كان أكثر احتفالاً بديونوسوس بوصفه إله الخمر منه بوصفه إله الاستعمار، فاشتط في القيام بأعمال أثارت عليه غضب الكثيرين من رعاياه ونقمتهم. فلا عجب أن أ‘تب رمثل هذا الضرب من الحماس مسئولاً إلى حد عن السمعة السيئة التي لصقت بهذا الملك. وإذا كان لم يتخذ لقبًا رسميًا له "ديونوسوس الجديد" (Neos Dionysos) مثل ما فعل فيما يعد بطلميوس الثاني عشر، فإن الناس ورجال البلاط كثيرًا ما كانوا يدعونه ديونوسوس. ويحتمل أن يكون تمسكه بعبادة ديونوسوس، التي أراد أن يفرضها على رعاياه، هو الذي حدا به إلى اضطهاد اليهود، على نحو ما سيأتي ذكره في سياق الحديث عن سياسة البطالمة الدينية.

ولما كان فيلوباتور تلميذ العالم الكبير أراتوسثنيس والفيلسوف الرواقي سفايروس (Sphaeros) فإنه كان معنيًا بالآداب. وقد طمع في إظهار مواهبه الشعرية، فكتب قصة شعرية تدعى "أدونيس" (Adonis) وكتب أجاثوقلس تعليقًا عليها. ولا نعجب من اختياره هذا الإله بطلاً لقصته، فقد كان أدونيس قريبًا إلى قلب ديونوسوس وحبيب أفردوديتي، على نحو ما تحدثنا به القصص القديمة.

وقد اقتفى فيلوباتور أثر فيلادلفوس وتزوج هو أيضًا، في العام السادس من حكمه، أخته أرسينوي الثالثة. ويرى بعض المؤرخين أن هذا الزواج قد تأخر إلى هذا الوقت، لأن أصفياء الملك كانوا يأملون أن تنجب له أجاثوقليا وريثًا للعرش، لكنه عندما لم تتحقق هذه الآمال زوجوه من أخته. لكن البعض الآخر يرى أن زواج بطلميوس الرابع من أخته قد تأخر إلى هذا الوقت من ناحية لأنه عند ارتقائه العرش لم تكن أرسينوي قد بلغت سن الزواج بعد، ومن ناحية أخرى لخوف بطانة السوء أن يؤدي الزواج بعد، ومن ناحية أخرى لخوف بطانة السوء أن يؤدي الزواج إلى إضعاف نفوذهم وأقصاه أجاثوقليا. وعلى كل حال فإنه عندما تزوج بطلميوس الرابع من أخته أرسينوي عرفا باسم "الإلهين فيلوباتورس" أي المحبين لأبيهما. ولما كان لا يوجد دنيل على أن بطلميوس الرابع تزوج أرسينوي قب لموقعة رفح (22من يونيو عام 217)، وكان قد ورد في القرار الذي اتخذه الكهنة في 15 من نوفمبر عام 217 وحفظه لنا نصب بيثوم "زيادة ما كان يقدم في المعابد من مظاهر التكريم للملك بطلميوس.. ولأخته أرسينوي، الإلهين المحبين لأبيهما."، فلابد من أن بطلميوس الرابع وأرسينوي كانا قد اتخذا لقب الإلهين فيلوباتورس وتبعًا لذلك كانا قد تزوجا قبل هذا التاريخ، أو بعبارة أخرى بعد موقعة رفح بقليل.

وقد أدت أرسينوي الثالثة واجبها نحو الأسرة بإنجاب ولي للعهد (30من مسرى = 9 من أ:توبر عام 209) أشرك وهو في المهد (قبل 6 من يونية عام 208) مع أبهي في الملك. وبرغم ما عرف عن أرسينوي من شجاعة سنلمسها عند الكلام عن معركة رفح، فإنها ثم تستطع مقاومة قوى الشر التي تجمعت حول زوجها، فاعتكفت عن الحياة محاولة أن تجد في مخالطة العظماء عزاء لها عن الهوة التي تردي فيها بينها. وبعد وفاة هذه الملكة التعسة التي قتلت بعد وفاة زوجها، كتب عنها أراتوسثنيس كتابًا يفيض بالشعور.

الوزير سوسيبوس:

وقد بدأ العهد الجديد بارتكاب بعض الجرائم، وهي قتل برنيقي أم الملك وماجاس أخيه ولوسيماخوس عمه. ويصف بوليبيوس هذا الوزير بأ،ه كان شيطانا رجيمًا باشر السلطة أمدا طويلاً وعاث في الدولة فسادًا كثيراً. وتلقى تبعة ارتكاب هذه الجرائم على سوسيبيوس، وزير فيلوباتور، فإنه ليخلو له الجو يستأثر وحده بالسلطة أوغر صدر الملك ضد عمه لنفوذه، وضد أخيه لمحبته بين الجنود، وضد أمه لعطفها على أخيه، فقد أفهم الملك أنه لا يستطيع أن ينعم بحياة هانئة هادئة إلا إذا قضى على هؤلاء الثلاثة. وإذا كنا لا نستبعد على بطلميوس الرابع ارتكاب أي جريمة، فأننا مع ذلك لا نستطيع قبول ما يرويه يوسنتينوس من أنه قتل أباه وأمه إذ أن بوليبيوس يحدثنا بأن يورجتيس توفي بسبب المرض.

ونعرف أن سوسيبيوس قبل أن يصبح حاكم دولة البطالمة الحقيقي في عهد بطلميوس الرابع، كان وزير مالية بطلميوس الثالث منذ عام 241، كما نعرف أنه كان يشغل منصبًا رفيعًا آخر في عام 253 ـ 234، فقد كان عندئذ كاهن عبادة الإسكندر الأ:بر وبالطالمة وكانت عبادة إغريقية رسمية، وإذا صح أن ثيوجنيس (Theogenes) كان وزير المالية منذ العام الخامس في عهد فيلوباتور، فلا يبعد أن يكون سوسيبيوس قد آثر منذ ذلك الوقت الاكتفاء بالقيام بدور مستشار الملك. وعلى كل حال فإنه ليس من شك في أن هذا الرجل الداهلية الطموح لم يلق مشقة في السيطرة على فيلوباتور سيطرة تامة أكسبته سلطات واسعة لأن شخصًا عابثًا مستهترًا ضعيفًا مثل هذا الملك كان لا يمكن أن يقيم العراقيل في سبيله.

لاستمرار في مهادئة مقدونيا:

وبعد وفاة يورجتيس استمر سويبيوس في متابعة سياسته، وهي التي عرفنا أنها كانت تنطوي على مهادنة مقدونيا، فمن ناحية كانت المخاطر تتهدد مصر عندئذ من قبل الملك الشاب النشيط أنطيوخوس الثالث، وكان يتحفز للأنقضاض عليها، ومن ناحية أخرى فإنه إزاء وفاة أنتيجونوس دوسون (شتاء 221/220) كان من العبث اتفاق الأموال على التدخل في شئن بلاد الإغريق بل كان من المحتمل ألا يلقي قليومنيس صعوبة في السيطرة على تلك البلاد فيصبح بدوره خطرًا على مصر.
ولذلك فإنه عندما انعشت وفاة دوسون آمال قليومنيس وألف في مطالبة فيلوباتور بمساعدته أو على الأقل بالسماح له بمغادرة مصر مع رجاله لم يتسجب المالك إلى رجائه. ولما كان استبقاء قليومنيس في مصر بعد تعقيب آماله مع تمتع بمكانة كبيرة بين المرتزقة ينطوي على أخطار كبيرة، فإن سوسيبيوس أقنع فيلوباتور بسجينه في منزل كبير بالإسكندرية. وعندما ضاق قليومنيس ذرعًا بحالة دير وسيلة للفرار من سجنه، وخرج هو ورفاقه يحضون الإسكندرية على الثورة، لكنه لم يكن لصرخة الحرية رجع الصدى في هذه المدينة الملكية التي كانت فخورة بقصرها، وتتيه عجبًا دون شك باستقلالها المحلي، لكنها كانت غريبة عن الروح الجمهوري الذي كان يلهب المشاعر في بلاد الإغريق. وعندما أخفق الأسبرطيون في محاولتهم قتلوا بعضهم بعضًا، وأمر فيلوباتور بقتل نسائهم وأطفالهم (عام 219).

الحرب السورية الرابعة:

وقد أسلفنا أن أنطيوخوس انتهز فرصة وفاة يورجتيس ليغزو جوف سوريا في عام 221، وأن ثيودوتوس الأيتولي، حاكم هذا الإقليم خيب آماله فاتجه شرقًا لوضع أمور ولاياته الشرقية في نصابها. وعندما عاد مظفرًا من هذه الحملة في آخر عام 220 ووقف على مسيرة قيلوباتور، اعتقد أن الوقت قد حان لسلب مصر جوف سوريا، ولذلك فإنه في العام التالي استؤنفت، أو بدأت " الحرب السورية الرابعة". وليس أبلغ في الدلالة على انصراف فيلوباتور عن مهام الدولة وانهماك سوسيبيوس في مؤامرته لدعم مركزه بالقضاء على لوسيماخوس وماجاس وبرنيقي وقليومنيس من أن ولاة الأ/ور في مصر لم ينتهزوا فرصة متاعب أنطيوخوس، التي ترتبت على ثورة مولون والإسكندر وعلى ثورة أخايوس، للثأر من غزوة أنطيوخوس في عام 221 أو الاستعداد لدفع الأعتداء عن ممتلكات مصر السورية إذا ما حدثت أنطيوخوس نفسه بذلك بعد الفراغ من مشاغل إمبراطوريته. بل أنهم بدلاً من اعرابهم لثيودوتوس عن تقديرهم لنجاحه في رد أنطيوخوس على أعقابه في عام 221 أساءوا معاملة هذا الضابط الأجير حتى خشي على حياته. فلا عبج أنه عندما هاجم أنطيوخوس سلوقية بيريه قرب مصب نهر العاصي في ربيع عام 219 واستولى على هذا الميناء الكبير بفضل رشوة بعض الضباط، استحثه ثيودوتوس على القدوم فورًا إلى جوف سوريا وأعرب له عن استعداده لتسليم هذا الإقليم إليه. فلم يكن من أنطيوخوس إلا أنه أجتاز سمرعًا وادي مارسياس وشق طريقه وسط التلال إلى الساحل حيث سلم إليه ثيودوتوس صور وعكا (Ptolemais) وأربعين سفينة حربية ومعدات هائلة وانخرط في سلك خدمته.

وبعد ذلك تابع أنطيوخوس زحفه للاستيلاء على جوف سوريا حتى أوقفت تقدمه جنوبي الكرمل مدينة دورا (Dura)، وكان يشد أزرها نيقولاوس (Nicolaos) القائد البطلمي في سوريا، غير أن هذا القائد كان أضعف من أن يخاطر بخوض معركة حاسمة. ولو أن أنطيوخوس ترك قوة تحاصر هذه القلعة ورحب على بلوزيون لوجد مصر عند موطئ قدميه، لكنه خدع بدعاية سويبيوس التي روجت بين الناس أن الجيش المصري بكامل قوته كانمتجمعًا عند بلوزيون، وكذلك بما ألقى في روعه من أنه يستطيع الحصول على جوف سوريا بمفاوضات سلمية لو أنه عقد هدنة لمدة أربعة شهور. ولما كان الشتاء قد اقترب وكان يخشى التغيب طويلاً عن دولته لقلقة من نشاط أخايوس، فإنه قبل الهدنة وترك ثودوتوس ليحكم ممتلكاته الجديدة، وعاد إلى سلوقية بيريه في انتظار المفاوضات المزعومة لتسليم جوف سوريا.

وحقيقة الأمر انه عندما بدأ أنطيوخوس حملته لم يكن في مصر جيش مستعد للقائه، ولذلك كان الموقف جد خطير، لأن أقدام أنطيوخوس على هذه الحملة بالرغم من موقف أخايوس الغامض يدل على أنه كان مصممًا على الوصول إلى نتيجة حاسمة، فخف فيلوباتور إلى منف ثم إلى بلوزيون، على رأس كل ما أمكن حشده من القوات. وفي الوقت نفسه عنى سوسيبيوس وأجاثوقلس بتجنيد جيش جديد وتدريبه في الإسكندرية، فأحضرا من بلاد الإغريق أفضل من تستطيع النقود ابتياع خدماتهم من الضباط المرتزتين، الذين حابوا تحت قياد دمتريوس الثاني وانتيجونوس دوسون وتشربوا بالتقاليد المقدونية، وكان من أبرز هؤلاء الضباط أندروماخوس من أسيندوس وبروقرانس من أرجوس. وكذلك أحضر عدد من الجنود المرتزقة، ودعى للخدمة العسكرية حوالي 4000 من الجنود الذين استقروا في مصر، نتيجة للاقطاعات التي كان البطالمة قد منحوهم إياها. وأخطر من ذلك وأهم هو أن سوسيبيوس، بإيحاء من فيلوباتور فيما يظن، جند نحوًا من 20.000 مصري، وسلحهم ودربهم على نهج المقدونيين، وكون منهم فيلق المشاة الكاملي العدة (فالانكس). واستدعى من قورينايئة 2300 من الفرسان، على رأسهم ضابط من مدينة برقة (المرج) يدعى أمونيوس. وهكذا تجمع بالقرب من الإسكندرية جيش كبير، عكف القواد الإغريق على تدريبه بعناية في الخفاء. ولاستكمال تدريب هذا الجيش لجأ سوسيبيوس إلى حيلة المفاوضات وأطالها عمدًا لتحقيق هذا الغرض، فقد ناقش سفراء مصر المشكلة السورية بتفصيل طويل وعندما انتهوا من ذلك أثاروا مشكلة معقدة أخرى لكي يتعذر الوصول إلى اتفاق. ذلك أنهم طالبوا بأن تشمل أخايوس معاهدة الصلح التي تعقد بين الطرفين المتحاربين. وعندما أدرك أنطيوخوس أخيرًا عبث الاستمرار في المفاوضات قطعها، وفي ربيع عام 218 استدعى قواته لاستكمال إخضاع جوف سوريا بغزو هذا الإقليم براً وبحراً.

وقد أخذ أنطيوخوس في زحفه الطريق البري الذي يجتاز فينيقيا وسار أسطوله في محاذاته، وعند مسر بلاتانوس (Platanos) شمالي صيدا التقى بنيقولاس، وكان يؤيده أسطول بطلمي، وكان سوسيبيوس يأمل أن يستطيع تأخير تقدم انطيوخوس أطول وقت ممكن، فقد كان كل تأخير في صالح مصر. لكنه بعد معركة برية وبحرية طاحنة استولى أنطيوخوس على الممر وارتد نيقولاوس إلى صيدا وحصنها. ولم يضع الملك المنتصر الوقت في محاصرة صيدا بل أمر الأسطول بالانسحاب إلى صور ويمم هو شطر الداخل، حيث استسلمت له فيلوتريا (Philotereia) وسقوثويوليس (Scythopolis = بيت شان)، ثم استولى على مدينة بعد أخرى في الجليل وساماريا مما أغرى اثنين من ضباط بطلميوس وكذكل بعض القبائل العربية على الانضمام إليه. وبعد الاستيلاء على مدينة فيلادلفيا (عمان) المنيعة ترك قوتين أحداهما لحماية هذه المدينة والأخرى لاحتلال ساماريا، وعاد إلى عكا القضاء الشتاء هناك.. وفي هذا الأثناء كان تدريب الجيش البطلمي الجديد يسير قدمًا، فهو لم شترك في القتال إلا في العام التالي.

موقعة رفح:

وفي عام 217 زحف أنطيوخوس حتى تخطى رفح، حيث التقى بالجيش البطلمي الجديد وكان معسكرًا على بعد تسعة كيلومترات جنوبي هذه المدينة. وقد كان جيش أنطيوخوس يتألف من 62000 راجل و6000 فارس و102 من الفيلة الهندية، وهي أضخم وأقوى من الفيلة الإفريقية. وإذا لم يكن للجنود الخفيفي العدة وزن كبير، فإن فيلقه (الفالاتكس) كان يتألف من 20.000 جندي مقدوني وإغريقي من المقيمين في دولته، ويؤيده 10.000 جندي من حملة الدروع المختارين الذي ينتمون إلى مختلف الجنسيات، وقد كان الجيش البطلمي يتألف من 50.000 راجل و5000 فارس و73 فيلا إفريقيًا. وكان الفالانكس يتألف من 20.000 مصري و5000 فارس إغريقي، فيما يبين، يؤيدهم 8000 من الجنود المرتزقة. وفي هذه الأزمة الخطيرة، نهض فيلوباتور العابث بواجبه كأي ملك شجاع، فدق تولى القيادة الفعلية بنفسه وصبحته إلى مديان القتال شقيقته الصغيرة المحبوبة أرسينوي التي أصبحت فيما بعد زوجته. وإذا كانت فوق أنطيوخوس تمتاز بمهارتها في الحروب ويثير حميتها الانتصارات الانتصارات التي أحرزتها من قبل، فإن الجيش البطلمي أعد أعدادًا كاملاً بعث الثقة في نقوس قواده، حتى أنهم لم يقنعوا بالدفاع عن خط النيل الذي فشل أمامه كثير من الغزاة من قبل، بل تقدموا عبر الصحراء لملاقاة أنطيوخوس.

وجنوبي رفح التقى هذان الجيشان العرمان وجهًا لوجه، وكان فيلق (فالانكس) كل منهما في القلب، يحيط به من الجانبين بقية المشاة الآخرين ثم الفرسان الجناحين، وقد تولى بطلميوس وإلى جانبه أرسينوي قيادة الجناح الأيسر في مواجهة أنطيوخوس، واصطف أمامه أربعون فيلا إفريقيا مقابل ستين من فيلة أنطيوخوس الهندية، وكانت فرق حملة الدروع في الجيشين تحت قيادة الملك الشخصية. وفي الثاني والعشرين من شهر يونية، بعد أن اصطف الجيشان على النحو الذي أوردناه، واستحث كل من الملكين جنوده على التقال بعزم وشدة ـ وقد اشتركت أرسينوي مع أخيها في استهاض همة الجنود ـ أعطيت الإشارة بيده القتال.

وقد هزم النجاح البطلمي الأيمن جناح أنطيوخوس الأيسر، في حين أن فيلة الجناح البطلمي الأيسر عجزت عن مقاومة الفيلة الهندية، التي انقضت على فرق حملة الدروع وحطمتها، ثم أطبق أ،طيوخوس بفرسانه وجنوده المرتزقة على باقي الجناح البطمي الأيسر وأجهزوا عليه، غير أن أنطيوخوس، مثل دمتريوس في موقعة أبسوس، دفعته الحمية إلى الابتعاد أكثر مما يجب في مطاردة الهاربين، في حين أن فيلوباتور استخلص نفسه من فرسانه الفارين، وتقدم لقيادة قلب جيشه الذي لم يكن قد اشترك بعد في منازلة قلب جيش العدو. وعندما التقى قلبًا الجيشين وجناحهما مكشوفين لتقرير مصير المعركة، لم يستطع قلب جيش أنطيوخوس، مع أنه كان يتألف من خيرة جنود العصر، أن صمد أمام قلب جيش فيلوباتور وكان جله من المصريين، الذين أبى البطالمة عليهم من قبل شرف الاشتراك في حروبهم ضد الجنود المقدونيين والإغريق، سادة فنون القتال! ولم يعد أنطيوخوس من مطاردة الجناح البطلمي الأيسر، إلا ليشارك جنوده في الأديار إلى مدينة رفح حيث جمع ما تبقى من جنود وانسحب عائدًا إلى مملكته.

وإذا صدقنا ما ورد عن ذلك في قرار الكهنة المصريين، الذين اجتمعوا في منف بعد عودة فيلوباتور منتصرًا، فإن أنطيوخوس صادف هزيمة فادحة فر بعدها هاربًا في هلع شديد إلى حد أنه ألقى نفسه شارات الملك، بينما فاز بطلميوس بغنائم وفيرة.

وقد انسحب أنطيوخوس مسرعًا إلى أنطاكية، خشية أن يقع بين شقي الرحي: فيلوباتور وأخايوس. وإزاء المخاطر التي كانت تتهدده من هاتين الناحيتين، اضطر إلى طلب عقد الصلح مع فيلوباتور. وبدلاً من أن يدخل ملك مصر في حسابه المتاعب المحيطة بخصمه ويستثمر انتصاره الابهر، دفعه ذلك النصر غير المنتظر ـ الذي استرجع له جوف سوريا ـ وكذلك ميله الطبيعي إلى حياة الدعة والمجون إلى الترحيب بالصلح حتى أنه اكتفى باسترداد جوف سوريا، دون الأضرار على استرداد سلوقية بيريه أيضاً، وكان أ،طيوخوس قد استرجعها في 219 بعد بقائها في قبضة مصر منذ الحب السورية الثالثة. وفي 12 من أكتكوبر عاد فيلوباتور إلى مصر ليطلق لنفسه العنان في متابعة حياة المجون والعبث، بعد أن عين أندروماخوس حاكمًا عامًا على جوف سوريا وقضى أكثر من ثلاثة أشهر في دعم سلطاته هناك وزيارة مدن ذلك الإقليم التي رحبت به أيما ترحيب وكذلك في زيارة المعابد وتقديم القرابين.

ولم يكن انتصار رفح انتصارًا باهرًا لفيلوباتور وسوسيبيوس فحسب، بل كان أيضاً انتصارًا رائعًا للمصريين، الذين كان البطالمة يعامونهم حتى الآن معاملة المغلوبين على أمرهم، ولذلك فإنه كان لهذا النصر نتائج بعيدة المدى سنتناول الكلام عنها فيما بعد. ولاشك في أن بوليبيوس لم يخطئ في اعتبار عهد هذا الملك بداية اضمحلال دولة البطالمة، ولذلك فإننا إذا كنا قد أدمجنا بداية هذا العهد في الشطر الأول من عصر البطالمة، فإننا سندمج بقية عهد فيلوباتور في الشطر الثاني من عصر البطالمة، وهو الذي انتهى بزوال دولتهم.

سياسة البطالمة الخارجية من عام 216 حتى عام 30 ق.م :
بقية عهد بطلميوس الرابع

تعتبر موقعة رفح حدًا فاصلاً بين عهدين: العهد الذي بلغت فيه دولة البطالمة أقصى اتساعها وأوج مجدها، والعهد الذي أخذت فيه تدب إليها عوامل الضعف والإضمحلال حتى سقطت هيبتها وتلاشت سطوتها، فتزعزع سلطانها في الداخل وفقدت أملائكها في الخارج، وأصبحت تنتابها الاضطرابات والغزوات، إلى أن انتهى بها الأمر إلى أقول نجمها وزوال استقلالها.

العوامل التي تأثرت بها سياسة مصر الخارجية في الشطر الثاني عن عصر البطالمة:

ويرجع هذا الاضمحلال إلى سببين رئيسيين: أحدهما داخلي والآخر خارجي. وأما سبب الداخلي فهو ضعف السطلة المركزية واختلال نظام الحكم، ويعزى ذلك إلى ثلاثة عوامل: أولاً، ما كان لاشتراك المصريين في موقعة رفح من الأثر العميق في نفوسهم، إذ أن الدور الذي قاموا به في تلك الموقعة أعاد إليهم الثقة بأنفسهم، إذا أن الدور الذي قاموا به في تلك الموقعة أعاد إليهم الثقة بأنفسهم، فلم يتهيبوا الوقوف في وجه الحكومة ثائرين على ما كانوا يلقونه من صنوف الضغط والإرهاق. وقد تمددت هذه الثورات منذ عام 216 ق.م إلى حد أنها أضعفت قسوة البطالمة، وشلت حركاتهم في الخارج. وثانيًا منذ وفاة بطلميوس الثالث، آل العرش إلى ملوك ضعاف مستهترين أو صبية صغار، وآلت مقاليد الحكم إلى أوصياء أو وزراء عجزوا عن الارتفاع إلى مستوى الأحداث، فكان ذلك خير مشجع لذوي المطامع، الأعداء منهم والحلفاء، للأنقضاض على ممتلكات مصر الخا رجية بل على مصر ذاتها. وثالثاً: ظهور روح التنافس واستحكام النزاع بين أفراد أسرة البطالمة، منذ عهد بطلميوس السادس، ذلك النزاع الذي كانت روما تزكي تاره أحيانًا، وسجل التاريخ صفحة حوادثه بين أقسى وأروع ما سجله، عن أمراء أعمت أبصارهم وأضلت بصائرهم ألوان الترف والنعيم التي شبوا في أحضانها، وأفسدت نفوسهم وألهبت شهواتهم مظاهر السطلة المطلقة التي نشأوا في كنفها وضروب الخلاعة والاستهتار التي عاشوا في ظلها، فكانوا مزيجًا من الرذائل التي تتولد في جو فاسد مسمم، قوامه سلطان لا يحد، وشعب ذليل مستكين يكاد لا يمملك حق التألم، وحاشية فاسقة لا تعني بغير القصف واللهو، وجرثومة عليلة متكرة هي ثمرة تزاوج الأخوة من أخواتهم. فلا عجب أن تكشف هذا كله عن جرائم قد لا تقل بشاعة ووحشية عما ارتكبه تيبريوس ونيرون. وقد كان طبيعيًا أن تسهم هذه الانقسامات الأسرية في أضعاف قوة البطالمة وفي تشجيع أعدائهم على الاعتداء على دولتهم، بل أنها كانت من أكبر ما ساعد روما على التحكم في توجيه سياسة مصر وتغلغل نفوذها فيها.

وأما السبب الخارجي فهو ظهور ثلاث قوى فتية على أفق السياسة الدولية، وهي روما وفيليب الخامس وأنطيوخوس الثالث، فقد أغرت حال مصر الداخلية هذه القوى على تحقيق أطماعها على حساب مصر.

بداية اهتمام روما بشرق البحر المتوسط:

شغلت روما حتى الآن بإخضاع إيطاليا ومحاربة الغال والقرطجنيين عن التدخل في شئون شرق البحر المتوسط السياسية، مع أنه كانت تربطها بالعالم الإغريقي علاقات ثقافية وثيقة. غير أن مقدونيا وبلاد الإغريق أخذت تسترعى اهتمام السياسة الرومانية نتيجة لرغبة روما في حماية سواحل إيطاليا الجنوبية وتجارة الإيطاليين مع بلاد الإغريق من دولة الوريا (Illyria) القوية، وكانت تقوم على الشواطئ الشرقية للبحر الإدرياتي، وتنتظم تحت أمرتها قوة كبيرة من القراصنة. وفي عام 230 أستولت الوريا على عدد من المدن الإغريقية الساحلية وكذلك على جانب كبير من أبيروس وأقارناينا، وبذلك أصبح نفوذ الوريا يمتد إلى خليج قورثة، كما أصبح القراصنة الألوريون يمارسون نشاطهم على نطاق واسع في البحرين الإدرياني والأيوني، ويسطون على شواطئ إيطاليا الجنوبية ويعتدون على الإيطاليين. وإزاء ذلك انتهزت روما فرصة مواتية لها، وأرغمت الوريا على النزول عما استولت عليه، واقتطعت منها إقليمها الساحلي المعروف باسم دلماتيا وكونت من هذا الإقليم ومن جزيرة فاروس المواجهة له إمارة مستقلة. وفضلاً عن ذلك فإن روما بسطت حمايتها على عدد من المدن الإغريقية الساحلية المجاورة لالوريا وكذلك على إقليم ساحلي بجوار هذه المدن (عام 229). وكانت روما تستهدف من وراء هذا العمل السيطرة التامة على بوغاز أوترانتو وكان يعتبر الطريق الرئيسي للمواصلات بين إيطاليا وبلاد الإغريق. بيد أن عمل روما هذا كان اعتداء على حقوق مقدونيا بل خطر داهمًا يتهدد هذه الدولة، فقد كانت لمقدونيا حقوق على المدن الإغريقية في الوريا، وأهم من ذلك أن روما أصبحت جارة لمقدونيا وتستطيع الوصول إليها بسهورة. وأضف إلى ذلك أن روما، قبل وبعد أعمالها الحربية في الوريا، تجاهلت وجود مقدونيا بإنشائها علاقات سياسية مع أعداء مقدونيا وحلفائها على السواء ـ مع أيتوليا وآخايا وقورنثة وأثينا. وقد أدرك أنتيجونوس دوسون وخليفته فيليب الخامس كنه الموقف تمامًا، وتبعًا لذلك أصبحت روما منذ ذلك الوقت شغلهما الشاغل، لأن مقدونيا كانت لا تستطيع الإطمئنان إلى سلامتها، طالما بقى جزء من شاطئ الوريا في قبضة روما.

الحرب المقدونية الأولى:

وعندما ارتقى فيليب الخامس العرش (عام 220)، توهم الأيتوليون أن شباب الملك الجديد وعدم خبرته سيتيجان لهم الفرصة لبسط سيادتهم على بلاد الإغريق، لكن فيليب أذهلهم بخبرته وجرأته، وبعد حرب طاحنة تسمى "حرب الحلفاء" أرغمهم على قبول صلح ناوباقتوس (Nuapactcs) عام 218. وبعد ذلك بدأ الصراع العنيف بين فيليب وروما، من أجل السيطرة على الوريا. وقد أدت هذه المنافسة إلى تحالف فيليب مع هانيبال (عام 215)، أملاً في أن يساعد على انتصار هانبيال ويفوز، على الأقل، يطرد الرومان من شاطئ الوريا، ولو أن الأسطول القرطجني شد أزر فيليب لأحرز فيما يظن انتصارات حاسمة. وعندما تحرج مركز روما ردت على تحالف فيليب مع هانيبال بعقد محالفة هجومية مع الأيتوليين (عام 212) لم يلبث أن انضم إليها أتالوس، لأنه بعد أن حرمه أخايوس إمبراطوريته الآسيوية كان يطمع في بناء إمبراطورية في جزر بحر أيجة والشاطئ الشرقي لشبه جزيرة البلقان. وقد ظن أن الفرصةمواتية لتحقيق هذا الغرض نتيجة لتحالفه مع أنطيوخوس الثالث وانهماك فيليب في المتاعب التي أثارتها عليه روما. وإذا كان أتالوس قد خرج من الصراع مع فيليب منهزمًا، فإنه اكتسب صداقة روما، ووضع يده على جزيرة أيجينة التي اشتراها من الأيتوليين (209)، وقد دامت الحرب التي عرفت باسم "الحرب المقدونية الأولى" ست سنوات (121-206)، إلى أن أعبى الأيتوليين النضال فعقدوا مع فيليب صلحًا منفردًا (عام 206)، لأن روما لم تنشط في تأييدهم إلا البداية فقط. وفي العام التالي عقد الصلح بين فيليب وروما أيضًا.

فيليب الخامس يبني قوته:

وقد خرج فيليب من صراعه مع الأيتوليين الرومان أكثر قوة وأطماعًا منه في أي وقت مضى. وإزاء موقف الإغريق منه في خلال هذا الصراع، قرر أن يعود إلى سياسة قاساندروس في معاملة هؤلاء الحلفاء، فنقموا عليه ونعتوه بالطاغية بعد أن كان محببًا إليهم. وقد أدرك فيليب من هذا الصراع أنه كان يتعذر عليه مكافحة الرومان بنجاح دون أسطول وموارد كافية. ولما كانت بلاد الإغريق أفقر من أن تمده بهذه الحاجات الضرورية. فإنه رأى أن فرصته الوحيدة لتحقيق أغراضه كانت في الوصول إلى الشرق والحصول على سيادة بحر أيجة أو على الأقل استعادة تلك السيادة الأيجية الجزئية التي تمتع بها بعض الوقت كل من دمتريوس الأول وأنتيجونوس جوناتاس. ولما كانت الجزر ومدن آسيا الصغرى لا تزال غنية أو على الأقل من بلاد الإغريق، فإن استيلاءه عليها كان يوفر له الوسائل اللازمة لبناء قوة بحرية كبيرة. لكن أهداف فيليب كانت تتعارض من ناحية مع الأهداف رودس وبرجام، فقد كانتا تطمعان في السيطرة على بحر أيجة، ومن ناحية أخرى مع أهداف أنطيوخوس الثالث، وهو الذي سنرى أنه في أثناء قتال فيليب مع الرومان والأيتوليين كان يقوم بأعمال باهرة في أيا ويستعد للاقنضاض على إمبارطورية البطالمة. وكان سقوط هذه الإمبراطوريةمحط آمال فيليب، بشرط ألا تقع في قبضة أنطيوخوس. ولكي يحقق فيليب أهدافه الأيجية عقد الصلح من الرومان في عام 205، ولما لم يكن لديه ما يلزمه من الأ/وال والسفن لتحقيق هذه الأهداف، وكان مع ذلك عليه أن يقضي بأية وسيلة ممكنة على قوة رودس ومكانتها في بحر أيجة، فإنه لجأ إلى وسيلة تعلمها من الألوريين وهي استخدام القراصنة في تحطيم قوة العدو وسلبه موارده. وقد نجح قراصنته في السطو على عدد من الجزر والمدن الآسيوية وبذلوا جهدًا في تخريب موارد رودس البحرية. وفي الوقت نفسه (عام 205/204) أثار حربًا عنيفة بين كريت ورودس. وهكذا تمكن فيليب من أن ينزل في بحر أيجة أسطولاً كان كفؤاً لأسطولي رودس وبرجام.

أنطيوخوس الثالث يعيد بناء إمبراطوريته:

وحين كان فيليب وروما يشيدان صرح قوتيهما، لم يركن أنطيوخوس الثالث إلى حياة الدعة والخمول، ولم يذعن لهزيمته عند رفح، بل سار قدمًا في إعادة بناء إمبراطورية السلوقيين. ذلك أن أنطيوخوس وجه عنايته أولاً إلى القضاء على ابن عمه أخايوس، فقد أصبح شوكة في جانبه منذ عام 220. ولتحقيق هذا الغرض اضطر أنطيوخوس إلى التحالف مع أتالوس، العدو الطبيعي لأسرة السلوقيين.

وفي عام 216/ 215 حوصر أخايوس في ساردس، ولم يفلح الجنود المرتزقة الأيتوليون الذين أرسلهم سوسيبيوس لمعانة أخايوس في رفع الحصار عن هذه المدينة فوقعت في قبضة العدو في عام 214. بل أن بوليس الكريتي المأجور الذي عهد إليه سوسيبيوس بتدبير وسيلة لهروب أخايوس خان العهد وسلم أخايوس إلى أنطيوخوس، فأمر بأن تنفذ في ابن عمه العادة الأسيوية المتبعة مع الثوار، وتبعًا لذلك قطعت أطارفه وفصلت رأسه وخيطت إلى جلد حمار وصلب جسده (عام 213). وهكذا تخلص أنطيوخوس من متاعب ابن عمه واسترد أغلب الممتلكات عقدها معه، تلك الممتلكات التي كانت في قبضته قبل محاربة هراكس، وهي وادي قايقوس وأقليم طروادة والشاطئ الغربي لآسيا الصغرى من لامباقوس حتى تيوس.

وفي العام التالي يمم أنطيوخوس شطر ولاياته الشرقية في أواسط آسيا، وبفضل حملة تستحق الإعجاب، إلى حد أن العالم الهلينيسي قارنها بحملة الإسكندر الأكبر، أعاد وحدة إمبراطوريته على أساس متين وأظهر قوته أما ولاته الآسيويين وأمام العالم أجمع، فاكتسب مكانة رفيعة في دولته وفي الخارج، واتخذ أنطيوخوس منذ عودته في عام 205 لقب الملك الأكبر مثل الأخمينيين قديمًا، وكان الإغريق يدعونه أ،طيوخوس الأكبر.
ومنذ ذلك الوقت أخذ أنطيوخوس يتأهب للثأر لهزيمته في رفح واسترداد الممتلكات السوقية في سوريا وآسيا الصغرى وتراقيا في الوقت المناسب.

الخمول يسيطر على السياسة البطلمية:

وماذا كان من أمر مصر حين وقعت تلك الأحداث الجسام في البحر المتوسط وفي الشرق، أي حين نشطت في العالم الهلينيسي ثلاث قوى هامة ـ روما وفيليب الخامس وأنطيوخوس الثالث ـ وبدأ ألا مفر من إنهيار التوازن الدولي الذي شهده منتصف القرن الثالث؟

إن علاقة مصر بروما، وهي التي أخذت قوتها تزداد بإطراد حتى آلت إليها سيادة غرب البحر المتوسط نتيجة لانتصارها على قرطجنة في موقعة زاما (عام 202)، ترجع إلى عهد فيلادلفوس عندما عقد معها في عام 273 تلك المعاهدة التي سلفت الإشارة إليها، إلا أن هذه العلاقات كانت مقصورة على التجارة وتبادل المجاملات، دون أن تسمى أحداهما إلى التقرب إلى الأخرى، ولذلك ظلت كل منهما مدة طويلة مستقلة عن الأخرى، فسي سياستها وفي علاقاتها الخارجية. وفي عام 215، رفض البلاط الإسكندري أن تستدرجه سراقوسة (Syracuse) إلى التحالف مع قرطجنة. وتدل هذه المحاولة، من جانب سراقوسة، على أن بعض الأوساط الهلينية كانت تنتظر من الدولة المصرية العظيمة موقفًا آخر، وعلى أنه كانت لا تزال لمصر مكانة عظمى بين الإغريق. ويؤيد ذلك القرارات التي أصدرتها بعض المدن الإغريقية إجلالاً لفيلوباتور وسوسيبيوس، فهي كافية لإثبات أن المدن الإغريقية كانت تسعى إلى الفوز بعطف مصر، لكن مصر، وقد آلت مقاليد الأ/ور فيها إلى فيلوباتور وعصابته وأخذت تنتابها الثورات القومية، لم تعد تعمل حتى على الاحتفاظ بسيادتها البحرية كاملة في شرق البحر المتوسط.

وقد عرفنا أنه كان للسياسة الخارجية التي أتبعها البطالمة الثلاثة الأوائل هدفان ريسيان هوهما استقلال مصر قاما سياسياً واقتصاديًا، والتمتع بأ:بر قسط ممكن من السيطرة على عالم بحر أيجة وقد نجح أولئل البطالمة إلى حد بعيد في تحقيق هذين الهدفين وأما منذ عهد فيلوباتور فإن البطالمة لم يحاولوا ألا تحقيق الهدف الأول، إذ أنهم اضطروا تدريجياً إلى طرح تحقيق الهدف الثاني جانبًا إزاء ضغط القوى الفتية الوثابة التي مر بنا ذكرها، وإزاء الضعف الكامن في أولئك البطالمة الأواخر وفي رجالهم الذين ألقيت إليهم مقاليد الحكم، وإزاء الثورات المصرية الخطيرة التي اندلع لهيبها في البلاد، وأخيراً إزاء الخلافات العنيفة بين أفراد أسرة البطالمة منذ عهد بطلميوس السادس. وقد كان لهذه الظروف الداخلية رجع الصدى في الخارج، ذلك أن مصر فقدت لوسيماخيا للتراقيين، ولم تعد لها في أغلب مدن آسيا الصغرى الخاضعة لها إلا سلطة إسمية. ووسط الأزمات التي أحدقت بفيلوباتور من كل جانب، استمر هذا الملك العابث سادرا في غيه يقضي سنى حياته الأخيرة في المجون واللهو.

مصر تتتقرب إلى مقدونيا:

وعلى الرغم من أنه إزاء تهديدات أنطيوخوس كانت مصر تميل إلى التقرب إلى مقدونيا، فإنها كما احتفظت بحياد دقيق بين روما وقرطجنة، وقفت أيضاً على الحياد في أثناء القتال بين فيليب الأيتوليين، لم تفعل أكثر مما فعلته رودس وخيوس بأن حاولت التوفيق بين الطرفين المتحاربين.

وعندما هجر سقوباس (Scopas) الأيتولى بلاده (204) إلى مصر، وفي رفقته بعض الأتباع، رحب بهم سوسيبيوس لاستخدامهم في القضاء على الثورة المصرية، وفي الاستعداد لمجابهة أنطيوخوس الذي أحست مصر بتهديداته، فلم تدخر مالاً في إعداد جيش جديد. ولما كان هناك حاجة ملحة إلى ضباط ممتازين، وكان سقوباس ضابطًا قديرًا، فإنه عين قائدًا عامًا، وعين رفاقه ضباطًا قديرًا، فإنه عين قائدً ا عامًا، وعين رفاقه ضباطًا في الجيش. وقد مر بنا أن سوسيبيوس كان يتطلع إلى مقدونيا لدرء خطر أنطيوخوس، وتبعًا لذلك دخل سوسيبيوس في مفاوضات مع فيليب لعقد معاهدة بين مصر ومقدونيا، وتقوية هذه الرابطة فيما بعد بخطبة ولي العهد الطفل لإحدى كريمات ملك مقودنيا. وقد رحب فيليب بهذا العرض، لأنه كان يخشى أن يدفع مصر خوفها من أنطيوخوس إلى كسب وده بالتنازل له عما يطلبه من ممتلكاتها. ولكن يثبت فيليب صدقاته لمصر عرض على فيلوباتور أن يساعده على اخماد الثورة الداخلية، لكن هذا العرض رفض لما أنطوى عليه من خطر فتح أبواب مصر لمقدونيا، فلم يظه رفيليب استياءه من ذلك، واكتفى بالترحيب بعرض سوسيبيوس دون أن يعقد معه أي اتفاق، ومن الطريف أن أطيوخوس أيضًا أراد أن يظهر في ثوب صديق فيلوباتور، إذ أنه عرض عليه مساعدته ضد الثوار، لكن هذا العرض أيضاً رفض بدوره. وسرعان ما أيدت الحوادث بعد نظر سوسيبيوس في الاستعداد ضد أنطيوخوس، إذ أنه في عام 203 ذهب على رأس قوة كبيرة إلى قاريا، وأرغم بعض المدن التي كانت "حليفة بطلميوس" على التسليم له. ولاشك في أن هذا العمل لم يسر فيليب فقد كانت له أطماع في قاريا. وهكذا انتهى عام 203 بتجمع العاصفة التي كانت تنذر باقتلاع جذور ممتلكات مصر الخرجية. وإذا كان أنطيوخوس قد كشف القناع عن نواياه، فإن فيليب كان لا يزال يحتفظ بقناعه، ويثير القلق في نفس أنطيوخوس، والأمل في نفس الإسكندريين. وفي 28 من نوفمبر عام 203 عرف العالم أن فيلوباتور وأرسينوي توفيا، وأن عرش الإمبراطورية المصرية آل إلى طفل في السادسة من عمرة تحيط به عصابة وضيعة.

منقول

الاستاذ
25-08-2008, 01:38 AM
بطليموس الخامس


http://history.egypt.com/images/history/ptlimos-5.jpg http://history.egypt.com/images/history/ptlimos5.jpg

مصر تفقد إمبراطوريتها

أجاثوقلس يفوز بالوصاية على الملك الطفل:

أننا لا نستبعد أن يكون فيلوباتور قد توفي قبل 28 من نوفمبر عام 203 وأن يكون نبأ وفاته قد أخفى ولم يعلن إلا بعد أن قتلت أرسينوي نتيجة لما نشب بينها وبين أجاثوقلس وسوسيبيوس من خلاف على الوصاية على الملك الصبي، غير أننا نستبعد أن يكون هذا الصراع بين فريقين غير متكافئن قد دام حوالي سنة من عام 204 حتى أواخر عام 203 .

ولذلك أرجح أن وفاة فيلوباتور لم يكتم نبؤها عن الناس إلا لفترة قصيرة ارتكبت في أثنائها جريمتان هما قتل أرسينوي وتزييف وصية فحواها أن فيلوباتور عين سيبيوس وأجاثوقلس وصيين على ابنه .

أجاثوقلس لم يأمل كثيرًا في نتيجة هذا المسعى، بل يقال أنه لم يرسل مبعوثه إلى روما الأليقصية عن مصر. ولعل كل آمال أجاثوقلس كانت معقودة على مقدونيا مما يدل على أنه تابع سياسة سوسيبيوس، ولذلك فإنه عهد إلى بطلميوس بن سوسيبيوس بأن يعقد مع فيليب الخامس معاهدة تتضمن زواج ابنته من بطلميوس الخامس، والحصول على مساعدة فيليب ضد أنطيوخوس. ولا يبعد أن يكون فيليب قد وعد لقاء هذه المساعدة بمبالغ كبيرة، وبالنزول له عن بعض ممتلكات مصر. وبعد أن تخلص أجاثوقلس على هذا النحو من الشخصيات التي كان يخشى جانبها، وهدأ من روع الجيش بما قدمه إليه من الأموال، ملأ المناصب الشاغرة بأحط العناصر، وأستأنف حياته الماجنة العابثة.


انطيوخوس وفيليب يستغلان ضعف الحكومة الفاسدة:

ولقد صمم أنطيوخوس وفيليب على استغلال ضعف تلك الحكومة الفاسدة البغيضة إلى الإكندريين، ومن المحتمل أن يكون أنطيوخوس هو الذي خطأ الخطوة الأولى، حوالي الوقت الذي وصلت فيه البعثة البطلمية إلى مقدونيا، فعرض على فيليب اقتسام ممتلكات مصر الخارجية فيما بينهما. وقد كانت المفاوضات سرية، ولذلك لم تعرف بدقة شروط الاتفاق بين أنطيوخوس وفيليب، ولكننا نستبعد ما يذهب إليه ليفيوس ويوستينوس من أن الاتفاق كان يشمل مصر ذاتها، فقد كان يتعذر اقتصامها. ونميل إلى أن الاتفاق اقتصر على اقتسام الممتلكات المصرية بحيث يحصل كل من لملكين على أقرابها إلى مملكته، فيأخذ فيليب ما بقى لمصر من جزر القوقلاد وممتلكاتها في تراقيا والدردنيل، ومن المحتمل أيضًا قورينايئة؛ ويأخذ أنطيوخوس جوف سوريا وما تبقى لمصر من ممتلكات في آسيا الصغرى.

ويبدو أن كلاً من أنطيوخوس وفيليب كان يطمع في أن يكون غرم مصر غنمه وحده، لكن الظروف اضطرتهما إلى أن يقنعا مؤقتًا باقتسام ممتلكات مصر الخارجية. ذلك أن خوف أنطيوخوس من فيليب منعه عندئذ من كشف القناع عن أطماعه كلها، واضطره كارهًا إلى النزول له عن أقاليم تراقية وأسيوية كان يعتبرها من حق الإمبارطورية السلوقية، ولذلك لم يكن مخلصًا في الاتفاق الذي عقده مع مقدونيا. وكان فيليب يدرك ذلك كله، ويخشى ازدياد اتساع الإمبارطورية السلوقية التي أصبحت ثانية شديدة البأس، ولعل أخشى ما كان يخشاه ألا يقنع أنطيوخوس بجوف سوريا، ويستولى على مصر بعد ذلك. وكان فيليب يرى من صالحة الظهور أمام مصر في ثوب المدافع عن ممتلكاتها الخارجية لكي تؤول إليه وحده بعد ذلك هذه الممتلكات جميعًا، لكنه كان يرى كذلك أنه من الخير له ألا يشتبك عندئذ في حرب مع أنطيوخوس، فقد كان يريد تقوية نفسه انتهاز فرصة النضال المحتوم بين أنطيوخوس ومصر ويقوم بفتح الأقاليم التي كان يرى ضرورة ضمها إليه قبل أن يقلب ظهر المجن لأنطيوخوس متذرعًا بحجة الدفاع عن الممتلكات البطلمية. ويبدو لنا أنه إزاء هذه الاعتبارات قبل فيليب عروض أنطيوخوس وعقد معه "معاهدة مخزية"، على نحو ما يصفها بوليبيوس، وفي الوقت نفسه أحسن وفادة سيوسبيوس الصغير، واستبقاه في قصره معززًا مكرمًا م دة تقرب من سنة.

ومن المحتمل أن تكون تلك المعاهدة المحزية، التي لم تكن في نية أنطيوخوس ولا فيليب احترامها، قد عقدت في شتاء عام 203/202. وفي ربيع عام 202 بدأ فيليب وأنطيوخوس تنفيذ أغارضهما دون محاولة تبرير أعتداءاتهما، فغزا أنطيوخوس جوف سوريا، لكنننا لا نعرف شيئًا عما قام به هناك، وإن كان يبدو أنه لم يصادفه توفيق كبير. وأما فيليب فإنه تنفيذاً لخطة التظاهر بالدفاع عن الممتلكات المصرية لم يتعرض لهذه الممتلكات وأنقض على عدة مدن في شبه جزيرة تراقيا وعلى ضفاف الدردنيل والبسفور، فأخضع ولسيماخيا وسستوس وخلقدنيا وقيوس (Ceos) وكانت حليفات عدوته عصبة أيتوليا. ولما كان فيليب قد حالف بروسياس (Prusias) ملك بيثونيا وعدو أنطيوخوس، وكانت بين بروسياس وقيوس عداوة، فإن ملك مقدونيا خربها وباع أهلها في النخاسة وسلمها إلى عدوها، واستولى أيضًا على مورليا (Myrleia)، وكذلك على برينثوس وفي طريق عودته إلى مقدونيا، استولى غدرًا على ثاسوس (Thasos) واستبعد أهلها. وفي هذه الأثناء نفذ ديقيارخوس (Dicaearchos)، أمير البحر عند فيليب، تعليمات مولاه، فقام بأعمال السلب والنهب في عدد من المدن البحرية الواقعة في جزر بحر أيجة وعلى لاشاطئ الآسيوي.

سلوك فيليب يثير الغضب عليه:

وقد أثار غضب العالم الإغريقي اعتداء فيليب على مدن وادعة وبخاصة الفظائع التي ارتكبها في قيوس وثاسوس. واستشاط غضبًا لتعاون فيليب مع بروسياس ولقيامه بتلك الفتوحات. لاستيلائه على لوسيماخيا، وكان يدعى لنفسه حقوقاً عليها. نقمت ابتوليا وبيزنطة على فيليب لاستيلائه على مستعمراتها. وليس آخرًا أهاج رودس تصرفات فيليب ولاسيما مع قيوس في استيلائه على المضايق خطرًأ يهدد تجارتها فاعتبرته عدوها تستعد لمحاربته (صيف عام 202). ولا شك في أنه كان من أن يثير فيليب على نفسه كل هذا العداء، لكنه لم يعبأ بذلك ولاسيما عندما علم من عيونه في روما أنها، وقد قضت على قرطجنة في زاما (عام 202)، كانت لا تميل إلى القيام بأي عمل قرطجنة في زاما (عام 202)، كانت لا تميل إلى القيام بأي عمل عندئذ ضد ولذلك أعتقد فيليب أنه يستطيع متابعة مغامرته الشرقية آمد.

اضطرابات في الإسكندرية:

وفي تلك الأثناء كان أوار الثورة المصرية لا يزال متأجج البلاد من أقصاها إلى أقصاها، على نحو ما سنعرف فيما الإسكندرية مسرحًا لاضطرابات عنيفة. وبيان ذلك أن أجاثوقس أسرف في مجونه وجمع حوله أحط العناصر ووزع بينهم فلا عجب أن تزايدت كراهية الناس له يومًأ بعد يوم. وأثيرت أطماع تلبولموس (Tlepolemos) قائد بلوزيون، فكون وصمم على اقتناص الوصاية على الملك. وقد ظهرت الأمر متواضعة في المقاصف بنشر أقوال فيها كثير من التعريض صريحة على "مزخرف الجدران وعازفة القيثارة ومصففة الخليج الذي كان في شبابه يعبر نفسه لكل طالب بعد
و قد قابل أجاثوقلس ذلك الخطر باتهام تلبولموس بأنه على اتصال وتفاهم مع أنطيوخوس، وبإعدام بعض الشخصيات الكريهة التي كان يخشى جانبها. وأخيراً حاول استثارة عطف جنود القصر بمشهد تمثيلي، تظاهر فيه بأنه يأتمنهم على حماية الملك الصغيرة من أطماع تلبولمس الذي يرنو ببصره إلى اغتصاب العرش، لكن هذا الممثل الردئ لم يفلح في إقناع أحد، فانسحب وسط أصوات الاستهجان. وفي خلال ذلك كان يتدفق على العاصمة رجال من حاميات الوجه القبلي، أخذوا يحرضون أقاربهم وأصدقائهم على التعاون معهم في التخلص من أجاثوقلس وعصابته وبيدو أن تلبولموس عمل عندئذ على قطع المؤنة علن الإسنكندرية ليعجل باندلاع لهيب الثورة، فقابل أجاثوقلس ذلك بإلقاء القبض على حماة خصمه، وجرت هذه السيدة في شوارع الإسكندرية من معبد دمتر (Thesmophoreion) إلى السجن دون أن تعطي فرصة لتستر رأسها، مما أثار غضب الناس إلى حد أنهم لم يعودوا يكتفون بالإعراب عن مقتهم للفئة الحاكمة في اجتماعاتهم الخاصة، فقد أخذ بعضهم يعرب علن ذلك في عبارات يكتبونها على الجدران في أثناء الليل، بينما أجترأ البعض الآخر على عقد اجتماعات عامة في وضح النهار لهذا الغرض. وإزاء ذلك فكر أجاثوقلس في الهرب، لكنه بما أنه لم يكن قد أعد للأمر عدته، فإنه عكف وسط مجونه على وضع قوائم بأسماء الذين يعدمون والذين يلقى القبض عليهم.
ووسط هذه الظروف كان يكفي وقوع حادث صغير لأشغال لهيب الثورة. وقد تمخضت محاكمة موبراجنس (Moeragenes) عن هذا الحادث.
وكان موبراجنس أحد رجال الحرس الملكي، لكنه اتهم بإفشاء الأخبار إلى صديقه تلبولموس وعهد إلى نيقوستراتوس (Nicostratos) رئيس السكرتارية بتحقيق هذه التهمة، لكن المتهم أكد براءته، فنزعت عنه ملابسه لتعذيبه حتى يبوح بالحقيقة. وعندما كان بعض الجلادين يعدون أدوات التعذيب والبعض الآخر يخلعون معاطفهم، دخل مسرعًا أحد الخدم وأسر بيضع كلمات في أذن نيقوستراتوس، ثم خرج جاريًا يتبعه نيقوستراتوس، دون أن يبوح بشيء أو يفعل شيئًا سوى أن يربت على فخذه مراراً. فاستولت الدهشة على الحاضرين، وعندما لم يعد نيقوستراتوس بعد قليل أخذوا ينصرفون، وإذا وحد موريرا *** نفسه نيقوستراتوس بعد قليل أخذوا ينصرفون، وإذ وجد مويرا *** نفسه وحيدًا هرب عاريًا إلى خيمة جنود مقدونيين كانو معسكرين على مقربة من القصر يتناولون عندئذ وجبة الصباح، وقص عليهم ما جرى له واستعطفهم أن يحموه وينقذوا الملك، كما أنذرهم بسوء مصير محتوم إذا هم لا ينتهزوا هذه الفرصة التي بلغ فيها غضب الشعب على أجاثوقلس أقصاه، لانقاذ أنفسهم.

وقد كان هذا الحادث حاسمًا، إذ أن النار التي كانت خامدة اشتعلت دفعة واحدة، وفي أقل من أربع ساعات اتفقت كلمة الإسكندريين على الثورة. وقد أذهلت هذه الأحداث أجاثوقلس إلى حد أنه لم يدر ما يفعل سوى التظاهر بعدم المبالاة وكأن شيًا غير عادي لم يحدث. ولذلك استمر في عبثه ولهوه على مألوف عادته، لكن أمه أو ينانثي وقد تملكها الجزع ذهبت إلى معبد دمتر حيث كان الناس يحتفلون تقديم بعض القرابين السنوية. وفي بداية الأمر تقدمت إلى الآلهات بضراعات يائسة، ثم جلست صامتة عند المذبح تبدو عليها سيماء الجزع. وقد شاهد أغلب السيدات هذا الجزع بغبطة وإنما في هدوء إلا أن بعض أقارب بولوقراتس (Polycrates) حاكم قبرص، وبعض سيدات البلاط اللائي كن أقل ثقة بالمستقبل اقتربن منها مواساقتها، فلم يكن من أوينانثي إلا أنها التفتت أليهن في غضب صارخة "لا تقتربن مني أيتها الوحوش، فإني أعرف جيدًا دعواتكن المشئومة وما تضمرته لنا من سوء، لوكن تالله لسوف أجعلكن تأكلن لحم أطفالكن". وبأمرها سارع حملة العصى رافعين عصيهم، فبادرت النساء بالهرب رافعات أكف الضراعة إلى الآلهات ملتمسات منهم أ، ينزلن بأوبنانثي اللعنات التي استمطرتها عليهن. وهكذا انضمت النساء إلى صفوف الثوار، فتضاعفت النقمة ولم يأت الليل حتى كان الاضطراب يعم المدينة. فقد أخذت الجماهير تتصايح وتتجمع في الرحبات الفسيحة المحيطة بالقصر وفي مضمار السباق والمديان الكبير وبهو مسرح ديونوسوس.

وعندما أتى أجاثوقلس نبأ ما حدث، احتمى هو وأقاربه والملك في دهليز بالقصر كانت به ثلاث أبواب، أغلقوها جميعًا ووفقوا مع فئة من الحراس وراء ثالثها، لكن الجنود المقدونيين عرفوا في الصباح مكانهم واقتحموا الباب الأول. وعندئذ بعث إليهم أجاثوقلس رسولاً للتفاهم معهم، فألغهم بأنه مستعد للتنازل عن الوصاية، وعن كل سلطة ونفوذ ومال إذا تركوه ساملًا، وسمحوا له بما يكفي ليعيش منه، لكن الثوار ألحفوا في طلب الملك، واقتحموا الباب الثاني. ومن وراء الباب الثالث مد أجاثوقلس يديه خلل القضبان ملتمساً منهم الرحمة، بينما كشفت أجاثوقليا عن ثدييها اللذين قالت أنهما أرضعا الملك. لكن ذلك كله كان مجهودًا ضائعًا، إذ كان يجب الأذعان وتسليم الملك. وعندما أخذ الملك وسط الحرس إلى مضمار السباق، هتف له جمع صاخب وطالب الناس بعقاب المجرمين، فأوعز له سوسيبيوس الصغير بأن يومئ بالموافقة، ثم أخذه إلى بيته الخاص ليجنبه منظر الفظائع التي توقعها، إذ سرعان ما جر إلى الشارع أجاثوقلس وأجاثوقليا وأمهما وأقاربهما وخدمهما، وقذف بالجميع إلى الجماهير المتعطشة للدماء، فقطعت أجسامهم إربًا إربًا. وهجمت الجماهير على بيت فيلامون ـ قاتل أرسينوي ـ وقتلته هو وابنه الصغير وجرت زوجة عارية إلى المديان الكبير وذبحتها (عام 202/201).

الحرب السورية الخامسة، مصر تفقد جوف سوريا:

وبعد ذلك أقيم تلبولموس وصيًا على الملك، وكان ضابطًا كفؤًا لكنه أثبت سريعًا أنه حاكم ضعيف كل يسكره أحط أنوا المديح. وحين كانت الحرب على أبواب مصر أهمل شئون الدولة، أموالها، تشغل عن مهامها بالمبارزة والشراب، سخط الإسكندريين، وأخذ يتكون ضد حزب بزعامة الصغير، وهو الذي قام بجدارة بأعباء منصب حامل من تلبولموس إلا أنه عزل سوسيبيوس من منصبه. لكنه لم أن عزل هو نفسه، وخلفه في منصبه أريستومنس قيادة الجيوش إلى سقوباس (202/201). وفي ربيع تلك الاضطرابات العنيفة التي وقعت في الإسكندرية على متابعة فتح جوف سوريا "ألحرب السورية الخامسة) الظروف استطاع أنطيوخوس أن يتقدم حتى غزة، لكن لمصر أظهرت مرة أخرى شجاعة جديرة بتقاليدها، إذ أنها مقاومة عنيفة إلى أن أعياها الكفاح فسقطت في يده (شتاء عام 201-200)، بيد أن المقاومة التي أبدتها من جمع جيش واستردادها وطرد أنطيوخوس من نهر الأردن، غير أن أنطيوخوس لم يلبث أن أنزل في موقعة بانيون (Panion) عند المكان الذي يخرج من مؤخرة لبنان الصغير، فانسحب مع من تبقي من فحاصرها أنطيوخوس برًا وبحرًا (صيف عام 200) سقوباس على التسليم (ربيع عام 199)، ثم استرد .. نفوذه على كل فلسطين حتى صحراء سيناء ولم كانت مصر قد فقدت كل جوف سوريا إلى غير رجعة في مركز يسمح له بغزو مصر، لكنه وجه نشاطه ناحية مهام عاجلة.

فيليب يستأنف نشاطه:

وأما فيليب الخامس فإنه في ربيع عام 201 أستأنف نشاطه في بحر أيجة، وعلى شواطئ آسيا الصغرى، إذ يرجح أنه استولى عندئذ على عدد من الجزر المستقلة ثم أخضع ساموس ـ وكانت قاعدة بطلمية هامة ـ وفرض سلطته على تيوس (Teos) وحاصر خيوس، فأفرزع هذا الخطر رودس وأنالوس إلى حد أنهما تآلفا ضد فيليب، مع أنهما كانا إلى ذلك الوقت عدوين. وعند خيوس التقت أساطيل الفريقين في آخر معركة بحرية عظيمة خاضها الأسطول المقدوني، لكنها لم تكن موقفة حاسمة، إذ أن أسطول رودس انتصر على السفن التي كان يتألف منها جناح فيليب الأيسر، في حين أن القتال كان سجالاً بين ميمنة فيليب وأسطول أتالوس. وعندما ابتعد أتالوس عن بقية أسطوله لينقذ إحدى سفنه ويطارد بعض سفن العدو، قطع فيليب عليه خط الرجعة واضطره إلى القرار من المعركة تاركًا سفينته الملكية وبعض سفنه الأخرى غنيمة للعدو. وإذاك ان فيليب قد أحرز هذا النصر الجزئي، فإنه مع ذلك فقد في هذه المعركة عددًا كبيرًا من سفنه ورجاله.

وبعد ذلك بقليل التقى فيليب بأسطول رودس عند لادى (Lade) فانتهز فيليب هذه الفرصة وهزم أسطول عدوته اللدودة، واضطره إلى الانسحاب جنوبًا، واستولى على ميلتوس. وإذ ترك أسطوله يهاجم الجزر التابعة لرودس، انقض على برجام أملاً في مفاجأتها والاستيالء على أتالوس لكن برجام خيبت أمله، فانصرف إلى قاريا حيث استولى على عدة مدن لم تكن ممتلكات مصر هناك من بينها وفي شتاء عام 201-200 عندما أراد العودة إلى مقدونيا، حاصرت برجام ورودس قواته البحرية والبرية في قاربًا. وفي هذه الأثناء استنجدت برجام ورودس بروما ضد هذا العدو المشترك، فقررت روما وقف مقدونيا عند حدها قبل أن يستشري خطرها، وجرت إلى الصراع جانبًا كبيرًا من العالم الإغريقي. وعندما أفلح فيليب، بحيلة ماهرة، في رفع الحصار عن نفسه وقواته في قاربًا (حوالي مارس ـ إبريل عام 200) خف إلىمقدونيا لمواجهة الأخطار التي كانت تحدث بها، فتبعته قوات أتالوس ورودس ووقفت له بالمرصاد في جزيرة أيجينة.

التدخل الروماني:

وقد بدأت من هذا الوقت سلسلة الأحداث الحربية والسياسية، التي تمخضت عن إذلال مقدونيا والدولة السلوقية، أقوى دولتين في العالم الإغريقي عندئذ، وعن إدخالهما أولاً في نطاق نفوذ روما، وبعد ذلك في حظيرة إمبراطوريتها. ويبين أنه لم تمل سياسة روما أول الأمر أية رغبة في بسط رقعة إمبراطوريتها بضم أقاليم في الشرق، وإنما أملاها القلق الذي أثارته فيها سياسة فيليب وأنطيوخوس في الوقت الذي خرجت فيه منتصرة، وإنما منهوكة القوى من الحرب البونية الثانية، فقد كانت روما تخشى ما قد يقدم عليه فيليب وأنطيوخوس بعد تقوية نفسيهما بالاستيلاء على ممتلكات مصر الخارجية.

إذا كان هنيبال قد غزا إيطاليا، فلماذا لا يقدم فيليب (حليف هانيبال السابق) وأنطيوخوس (حليف فيليب الحالي) على غزو روما؟ ألم يعتزم الإسكندر الأكبر ضم الغرب إلى إمبراطوريته العالمية؟ ألم ينضم بوروس بعد ذلك إلى المدن الإغريقية في جنوب إيطاليا ضد روما، فأثبت بذلك أنه يوجد في بلاد الإغريق رجال قادرون على أن يوحدوا ضد روما كل الذين يضيقون بسيادتها في إيطاليا؟ وإلى جانب ذلك كله، فإن قرطجنة خرجت من الحرب اليونية الثانية مهزومة لكنه لم يقتض عليها، وكانت تود دون شك أن تثأر لهزميتها، فهل كان يبعد أن يتحالف معها فيليب؟ لقد كانت كل هذه الأفكار تدور بخلد الرومان، وكانوا لا يأمنون جانب الدول الهلينيسية الشرقية، فقد كانت لها تقاليد حربية جليلة، وكانت مواطن أعظم الاختراعات في فنون القتال، ولم يتخلص الرومان إطلاقًا من هذه المخاوف، إذ أنهم حتى بعد الانتصارات التي أحرزوها على فيليب وأنطيوخوس وبرسيوس كانوا لا يزالون يخشون مقدونيا والدولة السلوقية ويعملون لهما ألف حساب. بل أنه في عهد ميثريداتس الأكبر في القرن الأول، كانت روما لا تزال قلقة على نفسها. ويكفي أن نقرأ أشعار "هورانيوس" لندرك الارتياح العظيم الذي استشعره الرومان عندما انتصروا على كليوبترة في موقعة أقتيوم، ونحس القلق الشديد الذي كان يساورهم من البارثيين، خلفاء الدولة السلوقية في آسيا. لقد كان طبيعيًا إذن أن ينتهز السناتو الفرصة، عقب النصر الروماني في الحرب البونية الثانية، ليشتبك مع فيليب قبل أن يتآلف مع أنطيوخوس ضدها، فقد كانت لدى أنطيوخوس مشاغل أخرى في الشرق عندئذ، في حين أنه كان يؤيد روما ماديًا وأدبيًا جانبًا كبير من العالم الإغريقي وبخاصة رودس ورجام، وكان فيليب قد تحمل خسائر كبيرة في حربه مع رودس وبرجام، وتبعًا لذلك كان لا يجب الانتظار خشية أن يتمكن فيليب من تقوية نفسه.

روما وفيليب، الحرب المقدونية الثانية:

وفي ربيع عام 200 أرسل السناتو بعثة سياسية كانت تتألف من جايوس قلاوديوس نيرون (C. Claudius Nero) ومارقوس أيميليوس لبيدوس (M. Aemilius Lepidus) وجابوس سمبرونيوس نوديتانوس (C. Sempronius Tuditanus). وكانت مهمة هذه البعثة في الظاهر التوفيق بين أنطيوخوس وبطلميوس الخامس استجابة لطلب مصر، لكن غرضها الحقيقي كان إثارة الإضطراب في بلاد الإغريق، وتسليم فيليب انذار روما النهائي، والوقوف على نوايا أنطيوخوس وضمان حياده في النزاع بين فيليب وروما.

وقد وصل الصفراء الرومان إلى بلاد الإغريق عقب عودة فيليب إلى مقدونيا بقليل، وأفلجوا في إثارة عدد كبير من المدن الإغريقية ضده، وأبلغوه الإنذار عن طريق قائده نيقانور، وكان عندئذ في أتيقا على رأس التجريدة التي أرسلها فليليب لشد أزر حلفائه الأقارتانيين في تخريب انتقامًا من الأثينيين لإعدامهم شابين من أقارتانيا لم الخاصة بإقامة الطقوس الأليوسية. ولما كان الإنذار الروماني لا مطالبة فيليب بدفع التعويضات الكافية لبرجام فحسب، محاربة أي شعب إغريقي، وكان السفراء الرومان يبذلون قصارى في الهاب عواطف الإغريق ضده، وكان فيليب قد أثار نفسه لاشتراك قواته في تخريب أتيقا، فإن أثينا أعلنت عليه الحرب. علم فيليب بالإنذار الروماني، لم يرعه أي انتباه وسارع إلى الخطوات اللازمة لمواجهة الحرب مع روما. فقد كان أضعف من بحرًا كما أن مقدونيا كانت مكشوفة من الناحية الشرقية، ولذلك تأمين هذه الجبهة وفي الوقت نفسه المحافظة على خطوط مواصلاته تراقيا والدردنيل مع آسيا الصغرى، حيث ترك قوات لحماية هناك، ومن ثم فإنه قرر الاستيلاء على شاطئ تراقيا وكذلك على الشرقي للدردنيل. وعندما شرع في تنفيذ هذه الخطة رد على أثينا الحرب عليه بإرسال قوات لتخريب أتيقا. وقد استولى فيليب على شاطئ تراقيا (وكان لا يزال ملكًا لمصر) وشبه جزيرتها، وعبر وحاصر أبودوس وهي التي استمات أهلها في الدفاع عنها دون أن في إنقاذها. وقبيل سقوط هذه المدينة قدم إليها لبيدوس لينهي إلى فيليب عن الإنذار الأول واعتدائه على تراقيا وأنيقا استصدر في صيف عام 200 قراراً في قالب أنذار جديد تضمن إلى جانب المطلبين الأولين مطلبين آخرين وهما دفع تعويضات لرودس وعدم المساس بالممتلكات المصرية، وكلفت البعثة الرومانية، وكانت عندئذ في ردوس في طريقها إلى لاشرق، إبلاغ الإنذار شخصيًا إلى فيليب، فأسندت البعثة هذه المهمة إلى لبيدوس، وقد رد فيليبت على لبيدوس بأنه إذا كانت روما مصممة على عدم احترام المعاهدة التي بينهما فإنه سيدفع عن نفسه بحماية الآلهة.

وقد ترتب على ذلك نشوب "الحرب المقدونية الثانية"، وهي التي أحرزت فيها روما انتصاراً سهلاً على فيليب في موقعة قونو سقفالاي (Cynoscephalae) عام 197. واكتسب الرومان تبعًا لذلك مكانة رفيعة في كل أنحاء العالم الهلينيسي، في حين أن فيليب لم يعد في واقع الأمر ملكًا مستقلاً، إذ أن روما استمرت ترقبه بدقة ولا تسمح له باتباع سياسة مستقلة إلا في علاقاته مع الغال والتراقيين والوريا الشمالية. وأما بلاد الإغريق فإن روما أعلنت حريتها واستقلالها في عام 196.

روما وأنطيوخوس:

وبعد تسليم الإنذار النهائي لفيليب أو بعبارة أخرى بعد إعلان الحرب عليه، كان على سفراء روما أن يقوموا بأدق جانب من مهمتهم وهو زيارة أنطيوخوس. ولقد التقوا به بعد بضعة شهور من بدء حصار صيدا، وكان سقوباس قد اعتصم بها بعد هزيمته في موقعة بانيون، على نحو ما مر بنا. وليست لدينا أدلة مباشرة على ما دار بين السفراء الرومان وأنطيوخوس، لكنه يمكن استنتاج ذلك من سير الحوادث التي تبعت تلك المقابلة. ولا جدال في أن قصد السفراء الظاهر كان محاولة التوفيق بين أنطيوخوس وبطلميوس، ولا في أن غرضهم الحقيقي كان التعرف على نواياه إزاء الصراع المقبل بين روما وفيليب، ومحاولة إقناعه بالوقوف على الحياد في هذا الصراع المقبل بين روما وفيليبت و محاولة إقناعه بالوقوف على الحياد في هذا الصراع. وأما التوفيق بين أنطيوخوس وبطلميوس فأغلب الظن أنه لم يدر يخلدهم أن يصروا عليه لا خوفًا من أن يضايق ذلك أنطيوخوس، وأنا لأنه كان في صالح روما استمرار الحرب بينه وبين مصر فلا يجد فرصة للانضمام إلى فيليب. ولذلك يبدو أن السفراء أكدوا لأنطيوخوس حسن نوايا السناتو نحوه، وأفهموه أنه مهما يحزن السناتو استهداف بطلميوس، حليف روما، للمخاطر، فإن السناتو لن يعوق سبيل أنطيوخوس. ويبدو كذلك أن أنطيخوس لم يدخر وسعًا في إظهار صداقته لوما، لأنه أبدى ارتياحه لإنشاء علاقات مع الجمهورية الرومانية ورغبته في إرسال بعثة دبلوماسية إليها، لكنه لم يعد السفر بشيء فيما يتعلق بمسألة الحياد في خلال الحرب بين روما فيليب، وذلك لتقديره أن موقفه الغامض كان يثير قلق روما، وأن هذا القلق كان يضمن له أكثر من كل وعود السفراء حرية العمل في الشرق كما يشاء، فتركه السفراء قلقين غير واثقين من نواياه. وعلى الرغم من دهائهم، يدركوا ارتياحه من أن روما بمحاربة فيليب كانت تعمل على من حليف خطر، ولذلك استمر يقض مضاجع رجال السناتو خوفهم من قدوم أنطيوخوس لمساعدة فيليب.

وبعد ذلك عرج السفراء على الإسكندرية، حيث كان الناس يتهمون على معرفة نتيجة محاولة التوفيق بين مصر وأنطيوخوس. ولعل السفراء تخلصوا من هذا الموقف بالتعبير عن أسفهم لفشلهم في محاولتهم بسبب عناد أنطيوخوس. وقد اخترعت فيما بعد أسرة لبيدوس أسطورة أنه بقى في الإسكندرية ليحمي بطلميوس باسم روما. والحقيقة هي أن روما تركت مصر تلقي مصيرها، لأنها إذا كانت قد أمرت فيليب الممتلكات المصرية، فإنها لم تتخذ أي إجراء لمنع أنطيوخوس من أن يفعل في تلك الممتلكات ما يشاء.

نشاط أنطيوخوس في آسيا الصغرى وتراقيا:

وقد مر بنا أن أنطيوخوس تابع فتوحاته في جوف سوريا فلم 198 حتى كان قد استولى على كل ذلك الإقليم وغدًا في مركز يسمح له بغزو مصر، لكنه وجه نشاطه ناحية أخرى فقد أدرك أن هزيمة فيليب أصبحت محققة، ولذلك كان يجب أن يستعيد ممتلكاته الوراثية في آسيا الصغرى وفي تراقيا وهي الممتلكات التي كا ن بعضه وقع في قبضة مصر والبعض الآخر في قبضة مقدونيا، وكان يجب القيام بذلك قبل أن روما من الحرب المقدونية وتقف في سبيله. وحين كان سفراؤه يؤكدون لوما صداقته نحوها كان يجد في خلال شتاء 198-197 في إعداد حملة كبيرة. وفي الربيع التالي أستولى على الممتلكات البطلمية على شواطئ قيليقيا ولوقيا وقاريا، لكنه عندما كان يحاصر قوراقسيون (Korakesion) في بامفوليا وفدت عليه بعثة من رودس بإيحاء من روما دون شك. ذلك أن أعداء فيليب جميعًا، وفي مقدمتهم روما، كانوا يرقبون بجزع، فقد كانوا يظنون أنه لم يزحف غربًا إلا لمساعدة فيليب، ولذلك أبلغته رودس بكل احترام أنها لا تستطيع السماح له بالزحف فيما وراء ذلك. ولما كانت رودس لا تميل إلى الاشتباك معه بسبب صوالحها الثمينة في إمبراطوريته، وكان هو بدوره لا يود الاشتباك مع رودس لعلمه بأن أساطيل روما وبرجام ستؤيدها دون شك، فإن الطرفين كانا يحرصان على التفاهم ولذلك دخلا في مفاوضات لتسوية الأمر وديًا. وعندما وصلت أنباء هزيمة فيليب، لم تعد رودس ترى داعيًا للوقوف في سبيل أنطيوخوس، ومن ناحية أخرى رأى أنطيوخوس أن من الحكمة إظهار احترامه رودس لكي يستبقى صداقتها، فاتفقا على أن يسترد ممتلكاته بشرط ألا يعتدي على موندوس (Myndos) وهاليقارناسوس وساموس فتركها تحت إشراف رودس، وبشرط أن يحترم أيضاً ممتلكات برجان الوراثية. وبعد الاتفاق مع رودس، استولى على أفسوس وعلى كل المدن تقريبًا فيما بين قاربا والدردنيل، غير أن أزمير ولامباقوس (Lampscos) رفضتا الأذعان له فحاصرهما ولذلك استنجدنا بروما. وقبل الشتاء استولى على مادوتوس (Madytos) وستوس وكل شبه جزيرة غاليبولي وشاطئ تراقيا. وإذا كان هذا في نظر أنطيوخوس آخر فتوحاته غربًا، لأنه بذلك استرد آخر جزء من إرثه، فإن الرومان كانوا يرون في اتسيلائه على تراقيا المرحلة الأولى لطردهم من بلاد الإغريق، وهي التي أصبحوا يعتبرونها منطقة نفوذ ودرع أمان لهم، ولذلك حاولوا إقناعه بالانسحاب ولكن دون جدوى. ولم يكن أنطيوخوس في الأصل يضمن سوءًا للرومان، غير أن رغبته في الاحتفاظ بشاطئ تراقيا وإصرار الرومان على نزوله عن هذا الشاطئ، دفعاه إلى التورط ضد روما بتعاونه مع أبرز العناصر الإغريقية المناهضة لها، أي مع الأيتوليين. وكان الأيتوليون حلفاء روما في الحربين المقدونيتين الأولى والثانية، لكنهم نقموا على روما لإدراكهم أنها بعد انتصارها على فيليب غدت صاحبة الكلمة العليا في بلاد الإغريق.

مصر تفقد ممتلكاتها دون أن تحرك ساكنًا:

وقد كان يتملكنا العجب حقًا من أن مصر لم تحرك ساكنًا إزاء ضياع ممتلكاتها الخارجية، لو لم نعرف أنها كانت فريسة للثورات القومية التي دامت طوال هذه الأحداث الخطيرة. وإلى جانب ذلك يبدو لنا أن مركز الحكومة لم يكن وطيد الدعائم في الإسكندرية نفسها إذ أن سقوباس دبر مؤامرة لقلب الحكومة، لكن أريستومنس الوصي على الملك كان أسرع منه وأعدمه هو وأفراد أسرته وأعوانه. وبعد هذه الأزمة رأى أريستومنس أنه من الحكمة إنهاء الوصاية التي كان يتولاها على الملك، لأنها كانت مصدر متابع دائمة بسبب ما تثيره من الأطماع في الشخصيات الكبيرة. وتبعًا لذلك أعلن أن الملك، وكان إذ ذاك في الثالثة أو لارابعة عشرة من عمره، قد بلغ سن الرشد. ويغلب على الظن أن الملك قد توج في منف عام 197 على نهج الفراعنة القدماء يوم عيد ارتقائه العرش، أي يوم 28 من نوفمبر. وعلى كل حال فإن القرار الذي أصدره الكهنة في العام التالي وحفظه لنا حجر رشيد المشهور قد عنى بتسجيل تتويج الملك وفقًا للتقاليد المصرية القديمة.

مصر تحاول التفاهم مع أنطيوخوس:

ولعل الباعث على حركة سقوباس الفاشلة كان الاستياء من سياسة أرستومنس، إذ يبين أنه إزاء الأخطار التي كانت تتهدد مصر نفسها من ناحية أنطيوخوس بعد استيلائه على جوف سوريا، وإزاء ضياع كل أمل لمصر في تدخل روما بينها وبين أنطيوخوس، رأى أريستومنس أنه لم يعد هناك أمل لإنقاذ مصر نفسها إلا بحسن التفاهم مع أنطيوخوس، فأخذ يسعى منذ عام 198 إلى عقد الصلح معه على أساس زواج بطلميوس الخامس أبيفانس من كليوبترة ابنة أنطيوخوس، وتنازل مصر لأنطيوخوس عن ممتلكاتها الخارجية التي فقدتها لأنطيوخوس وفيليب. لكننا لا نأخذ بما يذهب إليه سان جيروم من أن معاهدة الصلح عقدت في عام 198، لأنه لم يكن في عرض مصر ما يغرى أنطيوخوس عندئذ على المبادرة إلى قبوله، فقد كان العرض ينطوي على تأمين مصر دون مقابل، إذ أنه قبل بدء المفاوضات كان أنطيوخوس قد استولى على جوف سوريا، وفي أثناء المفاوضات كان يستعيد ممتلكاته الوراثية في آسيا الصغرى وتراقيا، وسنرى بعد قليل أنه كان يتحين الفرص للاستيلاء على مصر نفسها. وإذا كنا نرجح أن أنطيوخوس لم يبادر إلى عقد معاهدة الصلح مع مصر في عام 198، فإننا نرجح أيضاً أنه رأى من حسن السياسة ألا يرفض عروض مصر وأن يستمهل أريستومنس حتى يفرغ من استعادة ممتلكاته الوراثية.

وفي تلك الأثناء كانت روما قد تخلصت من فيليب بهزيمته وأخذت فتوحات أطيوخوس تزعجها ولاسيما بعد ووصله إلى أوروبا، فأجمع السناتو رأيه على القضاء على هذا الخطر الجديد، عندما كانت علاقات روما مع الإغريق لا تزال طيبة، وعندما كان فيليب لايزال أضعف من أن يتعاون معه.

روما توجه إنذارًا إلى أنطيوخوس:

وتبعًا لذلك فإن روما أعلنت حرية بلاد الإغريق في عام 196 في خلال الألعاب النيمية، وأبلغت سفرًا أنطيوخوس أنها تطلب إلى مولاهم أن يبتعد عن المدن الإغريقية المستقلة في أوروبا وفي آسيا، وأن يعيد كل ما أخذه من ممتلكات فيليب الخامس وبطلميوس الخامس، وألا يشخص إلى أوروبا على رأس جيش، وأنها متنفذ بعثة د بلوماسية إلى أنطيوخوس. وعندما التقى السفراء الرومان بأنطيوخوس في لوسيماخيا أبلغه لوقيوس قورنليوس لنتولوس المطالب الرومانية السالفة الذكر، فرد عليه أنطيوخوس بجزم قائلاً: أنه لا يفهم معنى لتدخل روما في شئون آسيا فهو لم يتدخل في شئون إيطاليا، وأنه إذا كانت المدن الإغريقية في آسيا تريد الظفر بحريتها فيجب ألا تعتمد على تدخل روما، بل يجب أن تلجأ إلى كرمه وعطفه. وأما عن أوربا فإنه لم يأت إليها إلا ليسترد إرثه في غاليبولي وشاطئ تراقيا، وأنه لا يرى أي خطر على روما في إعادة بناء لوسيماخيا فهو لم يستهدف هناك إلا إعداد مسكن ملكي لابنه الثاني سلوقس. وأما عن الخلافات التي بينه وبين بطلميوس فإنها في طريق التسوية، ثم أذهل الرومان بقوله أن أسرتي البطالمة والسلوقيين على وشك الارتباط برباط المصاهرة.

وقد أوقف هذه المباحثات وصول نبأ كاذب فحواه أن بطلميوس الخامس قد توفي، فأبحر أنطيوخوس في الحال قاصدًا الإسكندرية للاستيلاء على عرشها الشاغرة، لكنه علم في لوقيا أن أبيفانس كان لا يزال حيًا. ويبدو أن هذه الشائعة الكاذبة نشأت عن الاضطراب الذي ترتب على مؤامرة سقوباس. ويقال أن أ،طيوخوس حاول عندئذ الاستيلاء على قبرص، لكن أنواء البحر حطمت جانبًا من أسطوله عند شاطئ قيليقيا وأرغمته على العودة إلى سلوقية. وقد قضى شتاء عام 196/195 في أنطاكية، حيث زوج ابنته لاولاديقي إلى ابنه الأكبر وشريكه في الملك، وهو الذي توفي في عام 192.

أنطيوخوس يعقد معاهدة الصلح مع مصر:

ولما لم يكن في نية أنطيوخوس الأذعان لروما، فإنه قرر تقوية نفسه بكسب ود كل جيرانه، ولذلك وافق أخيراً على عقد معاهدة الصلح مع مصر (عام 195) على الأسس السالفة الذكر ـ وإن كان زواج بطلميوس الخامس من كليوبترة لم يتم إلا فيما بعد ـ وزوج ابنة أخرى إلى أرياراتس الرابع ملك قابادوقيا، وعرض على يومنيس ملك برجام الزواج من ابنة ثالثة، لكن يومنيس رفض هذه المصاهرة خوفًا من اغضاب روما. وفضلاً عن ذلك فإن أنطيوخوس تحالف مع الغال. وفي عام 194 عاد إلى تراقيا حيث تابع فتوحاته بالاستيلاء على أبنوس ومارونية، وكانتا فيما مضى ملكًا لمصر. وفي شتاء عام 194/193 أنفذ بعثة دبلوماسية إلى روما للوقوف على حقيقة نواياها نحوه.

زواج بطلميوس الخامص وكليوبترة الأولى:

وفي هذا الشتا احتفل في رفح بزواج بطلميوس من كليوبترة. ويحدثنا يوسف ,ابيانوس بأن هدية عرس كليوبترة لزوجها كانت "جوف سوريا". ويضيف يوسف إلى ذلك أن الملكين (أنطيوخوس وبطلميوس) كانا يقتسمان دخل ذلك الإقليم، فإننا نرجح أن الهدية لم تكن أكثر من دخل ذلك الإقليم، ولاسيما أن بوليبيوس يحدثنا في وضوح لا لبس فيه ولا غموض بأنه منذ موقعة بانيو حتى عام 172 كان ذلك الإقليم خاضعًا على الدوام لملك سوريا، وأن أنطيوخوس الرابع نفى وجود معاهدة تنص على منح مصر ملكية ذلك الإقليم، ولا يبعد أن المفاوضين البطلميين كانوا يطالبون باسترداد مصر ملكية ذلك الإقليم لقاء تنازلها عن ممتلكاتها الأخرى، لكن نصوص المعاهدة ـ وهي لم تصل إلينا ـ صيغت بحيث كفلت أن تكون هدية كليوبترة لزوجها دخل "جوف سوريا" دون أية إشارة إلى ملكية ذلك الإقليم. ولما كان السلوقيون يحتلون فعلاً ذلك الإقليم، وكان في وسعهم تفسير المعاهدة على نحو ما يرتضون حين يجد الجد، وكانوا يريدون في ذلك الوقت استرضاء مصر للإفادة منها في حالة الاشتباك مع روما في حرب، فلا يبعد أنهم أدخلوا في روع المفاوضين البطلميين أ، حصول مصر على دخل "جوف سوريا" كان يستتبع ضمنًا حصولها على ملكيته أيضاً، وأنه إزاء لهفة أولئلك المفاوضين على عقد الصلح لم يصروا على النص صراحة على نقل ملكية ذلك الإقليم إلى دولة البطالمة.
ولعل أن ما يرويه يوسف وأبيانوس ليس إلا ترديدًا لوجهة النظر التي أعرب عنها الساسة البطلميون عند المطالبة بملكية ذلك الإقليم عقب وفاة كليوبترة وكذلك عند قيام أنخطيوخوس الرابع بغزو مصر، على نحو ما سيجئ ذكره فيما بعد.

مصر تتقرب إلى روما:

وإذا كان أ،طيوخوس يأمل أن تساعده مصر في محاربة روما فإن مصر خيبت آماله، بل أنها بدلاً من الوقوف على الحياد في هذا الصراع انحازت إلى جانب الرومان. وسبب هذا التحول في السياسة البطلمية هو أن أريستومنس الذي كان يوجه السياسة المصرية ويناصر مصادقة أنطيوخوس قد خلفه في منصبه بولوقرانس، وكان قد قام بدور هام في معركة رفح وحكم قبرص مدة طويلة، ويجتح إلى التقرب إلى روما. ويحدثنا ديودوروس بأن أريستومنس أدار دفة البلاد بحكمة، وأنه في البداية كان بطلميوس يحبه كأبيه ولا يفعل شيئًا دون استشارته ولكن الملك لم يلبث أن أفسدت المداهنة وكره أريستومنس إلى حد أنه أرغمه على النتحار. ويروي بلوتاريخ أن أريستومنس لقى حتفه لأنه ذات يوم هز مولاه ليوقظه من سنة من النوم أخذته حينما كانت بعثة ديلوماسية ماثلة أمامه، فقد استغل المتملقون هذا الحادث في إستثارة الملك ضد أريستومنس إلى حد أنه أرسل إليه كأسًا من السم وأمره بتجرعها.

ويلاحظ بولييوس أنه عندما تقدمت السن بيولوقراتس أطلق لشهواته العنان وانغمس في حمأة الرذيلة، فلا عجب أن كان تأثيره سيئًا على الملك الشاب الذي يحدثنا ديودوروس بأنه بعد وفاة أريستومنس ازدادت قسوته باطراد فكرهه المصريون حتى تعرض عرشه للزوال، وبأنه استبدل بسياسة أريستومنس الحكيمة الوقورة سياسة ذليلة مستكينة أملاً في الفوز برضاء روما لتعيد إلى مصر ممتركاتها السابقة.

لكن هذه الآمال جميعًا إنهارت نتيجة للحر التي شنتها روما في العام التالي على أنطيوخوس، وانتهت بهزيمة هذا الملك في موقعة ماجنسيا (Magnesia) عام 189 شر هزيمة، ومن ثم فإن سطوته تلاشت بعد حكم مجيد، وطردت الدولة السلوقية من العالم الإغريقي، في حين أن روما اكتسبت احترام الإغريق في آسيا الصغرى، بل بسطت نوفذها على كل الأناضول بما في ذلك جالاتيا وبيثونيا، وأصبحت بونتوس وقابادوقيا وإلى حد ما أرمينيا مهددة بالخوضع لروما.

ووفقًا لما يرويه المؤرخ الروماني تيتوس ليفيوس (T. Livius)، فإنه عندما غزا أ،طيوخوس بلاد الإغريق في خريف عام 192، عرضت بعثة بطلمية على روما مساعدة مالية كبيرة من أجل متابعة هذه الحرب، لكن روما رفضت هذه المساعدة. وفي عام 191 عندما طرد أنطيوخوس من بلاد الإغريق سارعت بعثة بطلمية أخرى إلى تقديم فروض التهاني إلى السناتو، وحثه على تعقب أنطيوخوس في آسيا، ووضع كل موارد مصر تحت تصرف روما لتحقيق هذا الغرض، لكن روما رفضت مرة ثانية مساعدة مصر.

معاهدة أباميا، روما وسياسة توازن القوى:

ويدل ذلك كله على ثلاثة أمور: أولاً، مقدار سخط السناتو على مصر لتفاهمهما منذ عهد قريب مع أنطيوخوس في الوقت الذي كانت روما تؤاخذه فيه على اعتدائه على الممتلكات المصرية. وثانيًا، تناسى روما أنها لم تنصد لأنطيوخوس قبل فراغها من الحرب المقدونية الثانية، بل أنها قبل هذه الحرب أطلقت يد أنطيوخوس في الممتلكات المصرية مما حمل مصر على التفاهم مع عدوها. وثالثاً، فشل سياسة التقرب إلى روما وهي السياسة التي أتبعها بولوفرانس. ولا أدل على ذلك من أن روما حرمت مصر مممتلكاتها عند تقسيم أسلاب الحرب بعد هزيمة أنطيوخوس في موقعة ماجنسيا. وبيان ذلك أنه بمقتضى معاهدة أباميا (Apamea) في عام 188 حرمت روما أنطيوخوس كل ممتلكاته شمالي وغربي الطوروس وحررت المدن الإغريقية التي كانت خاضعة له، وقسمت باقي ممتلكاته في آسيا الصغرى بين رودس وبرجام. وقد حصلت رودس على لوقيا (ما عدا تلمسوس التي أعطيت لبرجام) وقاريا جنوبي نهر المايندر (Maeander) وحصلت برجام على كل الممتلكات السلوقية شمالي الطوروس ونهر المايندر وكذلك على غاليبولي ولوسيماخيا والمنطقة المجاورة لها. وقد احتفظ أنطيوخوس بالولايتين البحريتين (قيلقيا الغربية وجوف سوريا) اللتين أنتزعهما من بطلميوس. وأما دولة البطالمة فإنها لم تجن من وراء سياستها إلا الخزي والعار، فهي لم تسترد شيئًا من ممتلكاتها المسلوبة ولم تبق لها من إمبراطوريتها إلا قبرص وقورينايئة. وأمام دولة البطالمة الواهنة كونت الدولة السلوقية، بعد أن قلمت أظافرها وغدت دولة آسيوية بحتًا، قوة معادلة. ومما يجدر بالملحاظة هنا أن روما حين أضعفت الدولة السلوقية زادت في قوة دولة برجام ببسط رقعة ممتلكاتها، مضحية في سبيل ذلك بقد ك بير من الحرية الإغريقية مع أنها كانت قد نصبت نفسها للدفاع عنها ضد أنطيوخوس. وليس لمثل هذا الاهتمام بأمر برجام تفسير إلا رغبه روما في أن تجعل من ربجام عميلة قوية شديدة اليأس تقف سدًا منيعًا يفصل الدولة السلوقية عن مقدونيا ويحول دون توحيد جهودهما للإنقضاض على إيطاليا.

ولا شك في أن نجاح السياسة التي اتبعتها روما في كل مكان في الشرق، وانطوت على التوازن بين القوى في التنافس فيما بينها وفي الخضوع لها نفسها، هو الذي مهد لروما فتحوتها هناك. ولقد غيرت المعاهدة أباميا معالم الشرق الهلينيسي وذلك بأن روما أصبحت صاحبة الكلمة العليا في شرق البحر المتوسط، ولم تعد توجد في بلاد الإغريق. دولة واحدة مستقلة استقلالاً تامًا عنها، ومنذ ذلك الوقت كانت روما تتدخل في شئون الشرق باستمرار، إذ أن كل مختصم أضعف من خصمه، وكل شخص وقع به حيف كان يلتجأ إلى روما، فكان مندوبو روما يسافرون شرقًا على الدوام. وفي المدن كانت الديمقراطيات التي تميل إلى الحرية ولو في تصريف شئونها الداخلية تتطلع إلى مقدونيا، في حين أن الارستقراطيات كانت لا تتوانى عن الاستجابة إلى طلبات روما. وعندما أصبحت روما على هذا النحو عاملاً حاسمًا نشيطًا في سياسة العالم الهلينيسي تغير تمامًا مظهر هذا العالم، فلم يعد وحدة سياسية كما كان، لأنه في القرن الثالث، على لارغم من الحروب والأحفاد، كان هذا العالم يكون وحدة واحدة في السياسة وفي الحضارة. وإذا كانت لا تزال توجد علاقات دبلوماسية بين الممالك والمدن المختلفة، وكانت الأسر المالكة لا تزال تتتخذ من المصاهرات وسيلة لتنفيذ مآربها السياسية، فإنه لم يعد لذلك كله إلا أهمية قليلة. وكانت روما تستخدم عملاءها، وبخاصة برجام التي عرفنا كيف استعت اتساعًأ كبيرًا بفضلها، لترقب هذه العلاقات وتمنع كل تقرب حقيقي ممكن وبخاصة بين مقدونيا والدولة السلوقية. وقد أصبح العالم الهلينيسي ينقسم ثلاث مجموعات لا توجد بينها علاقات مباشرة، وهذه المجموعات هي أولاً مقدونيا وبلاد الإغريق، وثانيًا آسيا الصغرى، وثالثًا الدولتان البطلمية والسلوقية.

مصر تحاول اتباع سياسية مستقلة عن روما:

وإذا كان بطلميوس أبيفانس قد شغل بالثورات القومية التي خفضت قواه إلى أن أخضعت هذه الثورات مؤقتًا في عام 183، فإنه مع ذلك عندما علم أن أنطيوخوس المخيف قد توفي في عام 187 وخلفه على العرش ابنه الضعيف سلوقس الرابع، رأى في ذلك فرصة لاسترداد جوف سوريا. ولما كان روما قد خيبت آمال مصر منذ عهد قريب ولا يمكن أن توافق على مثل هذا الشمروع، فإن مصر قررت اتباع سياسة مستقلة عن روما. وتباع لذلك فإنها أرسلت خصيًا يدعى أريستونفوس (Aristoncos) إلى بلاد الإغريق لتجنيد فرق جديدة من المرتزقة. وحاولت في عامي 185 و183 تجديد تحالفها مع العصبة الآخية، وكانت حليفة روما لكنها كانت حليفة غير مطيعة وتشارك كل الإغريق تقريبًأ في العواطف العدائية للرومان التي أصبحت تجيش في صدورهم. وينهض هذا الاتصال بالعصبة الآخية دليلاً على أ، بلاط الإسكندرية كان يحاول أحياء سياسيته التقليدية وكانت تنطوي على القيام بدور نصير الحرية الإغريقية. بيد أن وفاة أبيفانس في عام 180 قضت على المفاوضات مع العصبة الآخية وتبعًا لذلك على مشروعات الإسكندرية على الأقل مؤقتًا، فلم تجد روما ضرورة لإفهام مصر أنها هي وحدها الفيصل في مسألة الحرية الإغريقية.

صفات بطلميوس الخامس:

وترينا تصاوير أبيفانس على نقوده ملامح بها نعومة يشوبها شيء من الضعف، ربما كان سبب موته المبكر في زهرة شبابه، هذا إذا لم يكن سببه السم على نحو ما يزعم البعض، لكن هذه النعومة العليلة لا تتفق مع أوردة بوليبيوس عن مهارته في الصيد وبراعته في ركوب الخيل ودرايته في استخدام الأسلحة، فكل هذا لا يتوافر إلا لمن كان قوي البنية بحيث يتيسر له التدريب على كل هذه الفنون وممارستها بوفرة تمكنه من التبوغ فيها.

وقبل الحرب العالمية الثانية كان يوجد في متحف تابولي تمثال نصفي يعتقد بعض علماء الآثار أنه تمثال هذا الملك، وهذا التمثال أكثر اتفاقاً مع الخلق العنيف الوحشي الذي يعزي إلى هذا الملك المحاتل، الذي تغلب فيه حب الانتقام على كل نزعة شريفة. ذلك أنه عندما سلم إليه زعماء الثورة المصريون، بعد أن أمنهم على حياتهم، شد وثائقهم إلى عجرته الحربية وجرهم وراءه عارين في الشوارع ثم شوههم وأعدمهم، فلا عجب أن قسوته الوحشية أثارت عليه كراهية رعاياه.

تبعة ضياع الإمبراطورية البطيمية:

ومن الذي يجب أن يتحمل تبعة ضياع الإمبراطورية البطلمية في عهد بطلميوس الإله أبيفانس؟ لاشك في أن البطالمة الأوائل يجب أن يتحملوا جانبًا كبيرًأ من هذه التبعة، إذ أن السياسة الداخلية الظالمة التي اتبعوها مع المصريين هي التي حدث بهؤلاء التاعسين إلى انتهاز فرصة ضعف السلطة المركزية للقيام بتلك الثورات الجامحة، التي شغلت الحكومة عن الدفاع عن تلك الإمبراطورية. ويجب أن يتحمل فيلادلفوس نصيب الأسد في هذه السياسة الداخلية البغيضة، فهو صاحب ذلك النظام المالي الكريه الذي كان له أبلغ الأثر في نفوس المصريين، على نحو ما سنرى، وتقع على عاتق بطلميوس الأول تبعة مزدوجة، فهو الذي وضع أساس السياسة الداخلية وهو أيضاً المسئول عن "المشكلة السورية"، التي نجمت عن أنانيته في السياسة الخارجية وتمخضت عنها تلك الحروب الشعواء بين السلوقيين والبطالمة. ويجب أن يتحمل جانبًا من هذه التبعة ذلكالملك العابث بطلميوس الرابع، الذي شغله مجونه فيما شغله عن متابعة سياسة خارجية حازمة، والذي أورث طفله حاشية فاسقة وضيعة لا تعني إلا بإشباع أطماعها. وأخيراً لقد لعبت يد القدر دوراً خطيراً، إذ أنه في الوقت الذي هرت فيه على مسرح السياسة في العالم الهلينيسي ثلاث قوى فتية كانت اثنتان منها تتوثب للانقضاض على ممتلكات مصر الخارجية، توفي بطلميوس الرابع تاركًا ملكه المهدد لطفل صغير، تكالب ذوو الأطماع على الفوز بالوصاية عليه والاستئثار بالسلطة دون غيرهم، ضاربين بالمصلحة العامة عرض الحائط.

منقول

الاستاذ
25-08-2008, 01:43 AM
بطليموس السادس والسابع والثامن


العالم الهلينيسي بعد أباميا:
برجام ورودس:

ولنلق الآن نظرة عابرة على حالة العالم الهلينيسي منذ معاهدة أباميا (عام 188) لتتيسر لنا متابعة تاريخ مصر في خلال هذه الفترة، لأن هذه المعاهدة غيرت حال عالم الحوض الشرقي للبحر المتوسط بوجه خاص، وذلك نتيجة لما قضت به من أضعاف قوة دولتي البطالمة والسلوقيين وزيادة قوة دولتي برجام ورودس .

وكان يو منيس الثاني ـ خليفة أتالوس على عرش برجام منذ عام 197 ـ أكثر حلفاء روما تحريضًا لها على محاربة أنطيوخوس الثالث فقد كان طبيعيًا أن تخشى برجام إعادة بناء الإمبراطورية السلوقية على النحو الذي كان يحلم به أنطيوخوس الثالث، فلا عجب أن روما كافأت حليفها على نشاطه ضد خصمها بتوطيد دعائم قوته بمقتضى معاهدة أباميا على نحو ما مر بنا. لكنه كان يحد من سلطة يومنيس قبل كل شيء تلك الترتيبات التي نظمت بها روما عندئذ مصير المدن الإغريفية في آسيا الصغرى، إذ أن كل المدن التي كانت في الماضي تدفع الجزية لأنطيوخوس لكنها بقيت وفية لروما أعفيت من دفع الجزية ليومنيس، وأما المدن التي خرجت على المحالفة الرومانية وانضمت إلى أنطيوخوس في الحرب، فإنه كان عليها أن تدفع لومنيس ما كانت تدفعه لأنطيوخوس. وقضت روما أيضاً بأن كل المدن التي كانت تدفع الجزية لأنالوس يجب أن تدفع الجزية نفسها ليومنيس. ومن ناحية أخرى كانت توازن قوة مملكة برجام قوة الممالك المنافسة لها، وهي المملكة السلوقية نفسها وقابادوقيا وبونتوس وبيثونيا في آسيا، ومقدونيا في أوربا.

وقد كانت برجام، بوصفها عميلة روما، مكلفة، في السنين الأولى وقابادوقيا ووضع حد لأطماعها، لكن برجام لم تلبث أن فقدت مكانتها باعتبارها الفيصل في منازعات آسيا الصغرى.

وإذا كانت برجام قد ارتضت لنفسها أن تقوم بدور عميل روما، فإن رودس برغم ما أفادته من معاهدة أباميا بفضل لوما، اتخذت بوجه عام إزاء روما موقف الصديق المستقل وحرصت على عدم توريط نفسها أو أصدقائها في مشاكل تستوجب تدخل روما.

وقد كانت نقطة التحول في علاقة روما بحليفتيها المخلصتين في بحر أيجة وآسيا الصغرى (وهما رودس وبرجام) "الحرب المقدونية الثالثة"، (171-168) وهي التي أظهر فيها الإغريق قاطبة عطفهم على برسيوس ملك مقدونيا في صراعه ضد روما، مع أن الإغريق قاطبة عطفهم على برسيوس ملك مقدونيا في صراعه ضد روما، مع أن الإغريق كانوا يتعاونو رسميًا مع روما ضد مقدونيا، وتبعًا لذلك غيرت روما علاقتها مع حلفائها وسائر الإغريق.
وكانت بعض تصرفات رودس وبرجام في أثناء هذه الحرب قد أثارت شكوك روما في نواياهما، ولا سيما أنهما توسطتا لإنهاء الحرب لا حين كانت قوات روما تقف عاجزة أمام برسيوس وإنما حين كانت روما على وشك أن تسحق غريمها. وإزاء ذلك ما أن فرغت روما من أمر مقدونيا حتى حرمت رودس ممتلكاتها في آسيا الصغرى وجعلت ديلوس ميناء حرًا. وقد ترتب على ذلك أن رودس تحملت خسائر مادية فادحة، وفقدت سيادتها التجارية في بحر أيجة، مما أفضى إلى ترك هذا البحر تحت رحمة القراصنة. ولم تعد روما تسمح لبرجام بلعب الدور الأول الذي اعتادته في سياسة آسيا الصغرى. وحين اشتبك يومني الثاني مع الغال أصحاب جالانيا، لم تكتف روما بالامتناع عن مساعدته، بل أنها كانت تشجع الغال ضده. وفي عام 133 طرأ تغير هام على الحالة السياسية في آسيا الصغرى، عندما توفي أتالوس الثالث ملك برجام وأورث روما مملكته. ومع ذلك فإن كيان الدول القليلة، التي كانت مستقلة ولم تتدخل فيها روما بقوة السلاح، لم يطرأ عليه في خلال مدة طويلة إلا تغير طفيف، وذلك لأن روما شغلت عن ذلك في القرن الثاني قبل الميلاد بأعدائها في إفريقيا وأسبانيا، ولأن الأزمات الاجتماعية قطعت أوصالها منذ عهد الأخوين جراكوس (Gracchus) حتى صلا (133-88). وبعد ذلك تهددتها قسوة ميشريداتس السادس ملك بونتوس (89-62) الذي ناصبها العداء فجأة. وإزاء هذه المشاكل التي انهمكت فيها روما، كان في وسع مصر وسوريا متابعة تنافسهما القديم إلى أن حل الوقت الذي وضع فيه بعض زعماء الأحزاب الرومانية ضم الشرق إلى الإمبراطورية الرومانية في برامج سياستهم الداخلية. وقد أتت هذه اللحظة لمصر عند وفاة بطلميوس التاسع فيلومتور سوتر (عام 80).

مقـــدونيا:

وقد قدم فيليب الخامس لروما خدمات تعادل خدمات يومنيس الثاني في أهميتها الحاسمة، إذ أنه لو اتحد مع أنطيوخوس والأيتوليين لكان هناك خطر تحول الحرب في بلاد الإغريق إلى نكبة على روما. هذا إلى أنه عندما انسحب أنطيوخوس إلى آسيا الصغرى، وصمم الرومان على تأديبه وأرسلوا إليه جيشًا اجتاز سريعًا شبه جيزرة البلقان، زود فيليب هذا الجيش بالمؤنة والأدلاء. وتبعًا لذلك كله فإن روما كانت تدين لفيليب مثل ما كانت تدين ليومنيس بجانب كبير من نجاحها، ومع ذلك فإنه في حين أن برجام جنت جزاء خدماتها الخير العميم، لم تجن مقدونيا شيئًا بل فقدت إلى الأبد بلاد الإغريق، فكان طبيعيًا أن يشعر فيليب بمرارة نحو الرومان وكذلك نحو يومنيس. ولا يعرف إذا كان فيليب الخامس قد أعد العدة للانتقام غداة الحرب بين روما وأنطيوخوس. لكنه على كل حال لم يكن لسياسته غرض آخر سوى التحرر من ربقة الرومان. وإعادة بناء دولته وقوته الحربية. غير أن عداءه للرومان لم يشخص عنه إلا ازدياد حتفهم عليه وأقدامه على إعدام ابنه دمتريوس، وكان قد أرسله إلى إيطاليا بمثابة رهينة. وعاد من هناك يفيض عطفًا نحو روما. وأما برسيوس الذي رفعه هذا الحادث إلى العرش (عام 178)، فكان يشار آباه كراهية روما مما أدى إلى الحرب المقدونية الثالثة، التي انتهت بانتصار روما في موقعة بودنا (Pydna) (عام 168) وتقسيم مقدونيا إلى أربع جمهوريات تتمتع كل منها باستقلال ذاتي، مع حرمانها حقي التزاوج والتعامل مع بعضها بعضًا. وفرض الرومان على كل جمهورية من هذه الجمهوريات أداء جزية سنوية مائة تالنت. وفضلاً عن ذلك فإن الرومان منعوا استغلال المناجم وأملاك التاج. وعلى هذا النحو لم يبق لمقدونيا سوى ظل الاستقلال. وعندما أحس مغامر يدعى أندريسقوس (Andriscus) بمشاعر الإغريق المعادية للرومان، صمم على استغلال هذه المشاعر لفائدته الخاصة، فجمع قوات في تراقيا وزعم أنه ابن برسيوس وصاحب الحق في عرش أبيه، وأقتحم طريقه إلى مقدونيا في عام 149 وأعاد توحيدها ثانية. وقد ترتب على ذلك نشوب الحرب المقدونية الرابعة التي أحرزت فيها روما نصر ساحقًا قامت بعده بتحويل مقدونيا إلى ولاية رومانية (عام 147).

بلاد الإغريق:

عرفنا كيف أن روما نصبت نفسها حامية حمى الإغريق، وكيف أنها بهذا الوصف حاربت فيليب الخامس وأنطيوخوس الثالث. غير أنها بعدما اكتسبت تهليل أغلب الإغريق أول الأمر، أثارت شكوكهم في نواياهم بانفرادها بتسوية مشاكلهم وبتدخلها في شئون أغلب الدول الإغريقية حيث أسندت مقاليد الحكم إلى أرستقراطيات اختارتها بعناية، وقد كا نت كل من العصبة الأبتولية والعصبة الآخية تعمل على إدماج كل بلاد الإغريق في عصبتها، في حين أن اسبرطة كانت تحاول عبئًا استعادة سيادتها في بلاد البلوبونيز. وأما الأيتوليون فإنهم هزموا مرتين، أحداهما مع أنطيوخوس الثالث، حين استعدوه إلى بلاد الإغريق في عام 192 ولم يقدموا له المساعدة الكافية، والأخرى وحدهم، حين حاولوا مقاومة الرومان بعد هزيمة أنطيوخوس فأنزلوا إلى مصاف اتباع روما (عام 189)، وأما الأخوان فإنهم تابعوا سياستهم الم ستقلة المناهضة للنفوذ الروماني. وكانت عصبتهم قد نجحت بزعامة فيلوبوبمن (Philopoemen) في توحيد دول البلوبونيز تحت لوائها، ولكن بعض هذه الدول كانت ترغب في الانفصال عن هذه العصبة واستعادة حريتها، ومثل ذلك اسبرطة، وكانت قد أرغمت قسراً على الانضمام إلى العصبة. وعندما احتدم الخلاف بين أسبرطة والعصبة وناشدت اسبرطة مساعدة روما وتدخلت روما في المشكلة (189-184)، لم يؤد هذا التدخل إلا إلى ازدياد العلاقات توترًا بين العصبة والرومان، فقد أغضب العصبة تدخل الرومان ورفضت التسوية التي وضعوها، وأغضب الرومان إهمال شأنهم. وبوفاقة فيلوبويمن في عام 128 نشأ في العصبة فريقان، أحدهما مشايع لروما وعلى استعداد لتنفيذ أوامرها، والآخر مناهض لروما ومصمم على الدفاع عن حقوق العصبة وعلى التمتع بحرية التصرف.

وعندما فرغت روما من الحرب المقدونية الثالثة، استدارت لبلاد الإغريق لكي تكافئ أصداءها وتعاقب أعداءها الذين عاونوا برسيوس في هذه الحرب أو أظهروا عطفًا عليه. ذلك أنه في الوريا أعفت روما من الضرائب مدن الوريا التي بقيت على ولائها لها، وأما إمارة جنثيوس (Gentinus) فإن روما قسمتها إلى ثلاث جمهوريات منفصلة عن بعها بعضًا وفرضت عليها الجزية وفضلاً عن ذلك فإن روما استولت على شاطئ دلمانيا حتى نهر نارنتا (Narenta) شمالاً. وإذا كانت روما قد عرفت عندئذ عن إدخال تعديلات جوهرية على وضع المدن في بلاد الإغريق، فإنها صممت على تلقينها درسًا قاسيًا بتطهير هذه المدن من كل خصوم الرومان، أما بإعدامهم وأما بنفيهم وأما ببيعهم في سوق النخاسة، فقد عرفت روما أسماء الكثيرين من خصومها بإستيلائها على أوراق برسيوس، وأطلق السناتو يد البعثة التي أنقذها إلى البلاد الإغريق لوضع الأمور في نصابها بالاشتراك مع باولوس، قاهر برسيوس. وقد أسهم في انتقام روما الرهيب من خصومها تلك العناصر المؤيدة لها، وهي التي استولت على مقاليد الأمور في كل مكان. ونتيجة لما أقدم عليه الرومان وذيولهم إعدم 500 مواطن في أيتوليا بعد محاكمة صورية، ونفي كثيرون من الأيتولين وصودرت أملاكهم. وفي أقارنانيا وأبيروس وبويوتيا وضعت أساء أبرز المواطنين على القائمة السوداء، وأمروا بالذهاب إلى روما لمحاكمتهم. ولم تقف نكبة أبيروس عند هذا الحد، ذلك أنه في عام 167 ـ بناء على أمر السناتو بنهب ممتلكات مواطني أبيروس غير الموالين لروما ـ اجتاح باولوس هذا الإقليم وأوسعه سلبًا ونهبًا وألقى القبض على 15000 مواطن وأرسلهم إلى روما ليباعوا في سوق النخاسة.

وبرغم أن الآخيين لم يظهروا في أثناء الحرب مع برسيوس أي عداء سافر، وأنه لم يرد ذكر اسم أحد من زعمائهم في أوراق هذا الملك، فإن فاليقراتس (Callicrates) ـ زعيم العصبة الغادر ـ أفهم البعثة الرومانية أن الكثيرين من مواطنيه يضمرون سوءًا لروما. وتبعًا لذلك نقلت البعثة ألفًا من صفوة الإغريق إلى إيطاليا بحجة أعطائهم الفرصة لإثبات براءتهم أمام السناتو، ولكن في الواقع بقصد استبقائهم رهائن ضمانًا لحسن سلوك العصبة سمتقبلاً. وقد كان من بين هؤلاء الرهائن المؤرخ الشهير بوليبوس، ولحسن الحظ أنه لقى معاملة طيبة بفضل الصلات التي أنشأها مع بعض الأسر ذات الشأن في روما. ولكن 700 من رفاقه قضوا نحبهم هناك من جراء أسرهم، ولم يعد باقي الرهائن إلى بلاد الإغريق إلا بعد ستة عشر عامًا.

وقد كان طبيعيًا أن ارتكاب روما هذه الفظائع البشعة جللها بالعار في نظر الكثيرين من الإغريق وملأ قلوبهم كراهية لها ونقمة عليها، وجعلهم يتوقون إلى التخلص من سيطرتها. وقد بلغت مشاعر الإغريق المعادية للرومان ذروتها في العصبة الآخية. ولم يكن من شأن الإفراج عمن بقوا على قيد الحياة من الرهائن والسماح لهم بالعودة إلى وطنهم في عام 151 أنه خفف من شعور الآخيين بالمرارة، وكانوا تحت رحمة الحزب المشايع لروما بزعامة فليقراتس البغيض إليهم بغضًا شديدًا. وعندما توفي فاليقرانس في عام 150 وبذلك زال أكبر قيد كان يكبل أعداء الرومان، انفجر مرجل غضب الآخيين ورأوا في انشغال روما بحروبها في أسبانيا وإفريقيا ومقدونيا فرصة للانتقام من اسبرطة جراء انفصالها عن العصبة الأخية بإرغامها عنوة في عام 149 على العودة إلى حظيرة العبة وتجاهلت العصبة ما أمرها به السناتو عام 148 من أن تحرر اسبرطة وكذلك قورنثة وأرجوس. مع أن هاتين المدينتين لم تنشدا ذلك، وأخذت تستعد للحرب مدركة تمامًا أنها لن تلقى أية شفقة أو رحمة من الرومان. وفي قورنثة، حيث كان الشعور العدائي للرومان جارفًا جدًا، وقع اعتداء على المبعوثين الرومان الذين ذهبوا إلى هذه المدينة لإبلاغها قرار السناتو بفصلها عن العصبة الآخية.

وفي عام 146 مضت العصبة الآخية في تحديها سلطة الرومان إلى حد أنها اجترأت على اجتياح بلاد الإغريق الوسطى، حيث انضمت إلى جيشها قوات من برويوتيا ويوبويا، ولكن الرومان لم يلبثوا أن أنزلوا بالإغريق هزيمة فصالة بعد استبسالهم في القتال ضد قوات تفوقهم عدة وعددًا (عام 146).

وعندئذ قرر السناتو أن يعاقب قورنثة على اعتداها على السفراء الرومان، وأن يجعل منها عظة وعبرة لبلاد الإغريق جميعًا، فأمر بنقل كنوزها إلى روما، وتسوية مبانيها بالأرض واشعال النار فيها، وبيع من بقى على قيد الحياة من مواطنيها عبيدًا في سوق النخاسة. ويحيط الغموض بتفاصيل التسوية التي قضى بها السناتو عندئذ، غير انه يبدو أنه إذا كا ن الرومان لم يحولوا بلاد الإغريق إذ ذاك إلى ولاية رومانية يتولون إدارة حكمها مباشرة، فإنهم اتخذوا من الإجراءات ما يكفل استتباب الأمر لهم في أرجائها. ذلك أنهم وضعوا بلاد الإغريق تحت إشراف حاكم ولاية مقدونيا وخوله الصلاحيات للفصل في المنازعات، والحفاظ على النظام والأمن، ومعاقبة المناهضين للرومان عقاباً شديدًا لا هوادة فيه. وفضلاً عن ذلك فإن الرومان حلوا عصبات الآخيين والبوبوتين والفوقابين، وفرضوا لجزية على المدن التي أسهمت في مناصبتهم العداء، وأسندوا الحكم إلى الطبقات الثرية في أغلب المدن، وحظروا التعامل بين مختلف المدن. بيد أنه لم تنقض بضع سنين حتى أزيل الحظر على تبادل التجارة بين المدن الإغريقية، وأعيد تكوين العصابات وإنما على أساس اجتماعي وديني فقط. وأما استقلال الإغريق وحريتهم ودورهم في السياسة الدولية، فإن ذلك كله غدا من سمات عهد ولي وأنقضى إلى غير رجعة.

الدولة السلوقية:

وعقب معاهدة أباميا مباشرة، وجهت روما قدراً كبيراً من اهتمامها إلى بلاد الإغريق ومقدونيا وبحر أيجة وآسيا الصغرى من أجل ضمان سلامتها والحصول على موارد طائلة. وفي تلك الأثناء يبدو أن روما كانت أقل اهتمامًا بشئون الدولتين السلوقية والبطلمية لاعتقادها أنهما كلتيهما وقد أقصيت عن العالم الإغريقي لم تعودا تقلقان بالها، ومن ثم فإنها رأت أن تدعها لمشاغلهما ومنازعاتها. لكن روما لم تلبث أن استبدلت بهذه السياسة سياسة نشيطة تنطوي على التدخل باستمرار في شئونهما، وإثارة الاضطرابات بين ظهرانيهما تمهيدًا لانحلالهما. ولعل سبب هذا التغير في سياسة روما كان العداء الذي أظهره الإغريق في خلال الحرب المقدونية الثالثة فتملك روما الفزع من احتمال انتعاش الشرق الهلينيسي ثانية، مع أنه بعد موقعة ماجنسيا كانت الدولة السلوقية أضعف من أن تبدأ سياسة انتقامية ضد روما. هذا إلى أن أنطيوخوس الثالث في آخر عهده، وخليفته سلوقس الرابع (187-175)، ومن بعده أنطيوخوس الرابع، (185-163)، كانوا مصممين على أن يقصروا نشاطهم على الشرق، وكذلك على أن يحترموا شروط معاهدة أباميا. وكان كل ما يرجو أنطيوخوس الثالث وخلفاؤه أن يقوموا به في الشرق هو دعم إمبراطوريتتهم، بحيث تكون لديها قوة كافية لمقاومة أي أعتداء من جانب الرومان على شروط المعاهدة، أو بعبارة أخرى لمقاومة أية محاولة من جانب ربوما للتدخل في شئونهم وشئون مصر الداخلية. بيد أن تحقيق هذا الهدف كان يتطلب جهدًا كبيرًا، في حين أن عدة عوامل داخلية وخارجية كانت قد أخذت تتهدد وحدة الدولة السلوقية وتحد من قواتها.

وكانت في مقدمة العوامل الداخلية الهامة ظروف ارتقاء أنطيوخوس الرابع العر. فقد كانت لها نتائج خطيرة على نحو ما سنرى فيما بعد، ذلك أنه عندما قتل سلوقس الرابع في عام 175 ترك وراءه ابنين وهما: دمتريوس، وأخوه الأصغر أطيوخوس. ولما كان دمتريوس رهينة في روما (حيث أرسله أبوه ليحل مكان عممه أنطيوخوس الرابع، بعد أن قضى ثلاثة عشر عامًا في روما رهينة لديها منذ معاهدة أباميا)، فإن الوزير قضى ثلاثة عشر عامًا في روما رهينة لديها منذ معاهدة أباميا)، فإن الوزير هليودوروس (Helidoioros) ، الذي دبر مقتل سلوقس، أقام أنطيوخوس الصغير ملكًا تحت وصايته. وبعد أن غادر أنطيوخوس الرابع روما ذهب إلى أثينا، حيث أتاه نبأ مصرع أخيه، فخف إلى سوريا، وقضى على هليودوروس وأقام نفسه على العرش وأشرك معه ابن أخيه الأصغر (أنطيوخوس الخامس). وقد شعر دمتريوس، الابن الأكبر والوريث الشرعي، بأنه سلب حقوقه، لكنه لم ينزل عنها بالرغم من أنه لم تهكن لديه إذ ذاك وسيلة لاستردادها.

ومن العوامل الداخلية أيضاً انتعاش الروح القومي بين الرعاية الشرقيين لدولة السلوقيين، وهم العرب والإيرانيون واليهود. وقد كان اليهود بنوع خاص مصدر جانب كبير من متاعب أنطيوخوس الرابع أبيفانس، فهم لم يغتفروا له رغبته في صبغهم بالصبغة الإغريقية. غير أنه كانت من بينهم فئة تميل إلى هذه الحضارة ويتزعمهما الكان الأكبر يأسون (Jason)، لكن هيئة الكهنوت العليا كانت تعج بالدساسين الذين يناهضون الكاهن الأكبر فامتزج بهذه المنازعات الشخصية صراع ديني عنيف بين دعاة الحضارة الإغريقية ودعاة التمسك الدقيق بالتقاليد باليهودية. وبطبيعة الحال كان الملك يؤيد الفريق الأول، ولذلك لعب اليهود دورًا هامًا في النضال الذي شتت شمل دولة السلوقيين. وأما الأخطار الخارجية فإنها كانت كثيرة، وكان في مقدمتها الخطر الروماني الذي نفث سمومه لاستغلال كافة متاعب هذه الدولة، إلى أن تمكن آخر الأمر من القضاء عليها. وإلى جانب ذلك كانت بارئيا وأرمينيًا في الشمال، وقبائل النبط في الجنوب تزداد قوة باطراد، وتنحين الفرص للانقضاض على الدولة السلوقية التي كانت سيدتها في الماضي.

دولة البطالمة:

http://history.egypt.com/images/history/ptlimos6.jpg

بطليموس السادس


وللمرة الثانية من خلال رابع قرن ارتقى عرش مصر صبي صغير. ذلك أن بطلميوس الخامس ترك وراءه ولدين وبنتًا، كان أكبرهم جميعًا بطلميوس السادس فيلومنور، وكان عندئذ في حوالي السابعة من عمره. فتوات الوصاية عليه أمه كليوبترة الأولى، وبفضلها بقيت علاقات مصر مع الدولة سلوقية ودية في خلال مدة وصايتها. ومع ذلك فإنها رفضت أن تدع أخاها سلوقس الرابع بجرها إلى محالفة ضد يومنيس الثاني صديق الرومان. ولم تعمر وصاية كليوبترة طويلاً، إذ يرجح أنها توفيت بين 8 من إبريل و27 من نوفمبر عام 176. وعندئذ وقع الملك الصغير تحت وصاية شرعية أو غير شرعية تولاها شخصان من ذوي الحظوة كانا في خدمة البلاط، وهما مربية الخصي يولايوس (Eulaeos) والعبد السوري لنايوُس (Lanaeos). ويقال أن هذين الشخصين أظهرا أبعد درجات الرعونة حين كان يجب على العكس اتباع سياسة متزنة حكيمة.

وقد كان في بلاط الإسكندرية منذ عهد بطلميوس الخامس حزب يريد الحرب مع الدولة السلوقية، لأنه لم يستطع تعزية نفسه عن فقد جوف سوريا. وبتأثير هذا الحزب بدأت المفاوضات مع العصبة الآخية في عامي 185 و183 للحصول على مساعدتها لتحقيق هذا الشمروع، لكن هذه المفاوضات لم تنته إلى شيء على نحو ما عرفنا. وعندما آلت الوصاياة إلى يلالايوس ولنايوس، اعتنقا سياسة حزب الحرب مع الدولة السلوقية لاسترداد جوف سوريا. وذلك لأنه بعد وفاة كليوبترة الأولى بدد أخوها أنطونيوس الرابع كل فرص السلام برفضه الاستمرار في دفع دخل هذا الإقليم لمصر (وكان هذا الدخل صداق كليوبترة على نحو ما مر بنا)، وبنية وجود أية معاهدة تعطى مصر ملكية هذا الإقليم. وقد وجدت مناورات الوصيين الدبلوماسية الحالة ملائمة لها لدى يهود "أرض الميعاد" أو "يهوذا" (Judaea)، حيث أظهر البعض أسفهم على ضياع سيطرة البطالمة.

ولما كان دعاه الحضارة الإغريقية في "يهوذا" يعتمدون على تأييد أنطيوخوس الرابع، فإنه كان يتعين على الإسكندرية تأييد الفريق الآخر وكان يدعي "حرب القديسيين". وفي الواقع كانت هناك علاقات بين بين المقدس ويهود الإسكندرية، وكان يجب أن تتفق سياسة البطالمة في سوريا مع السياسة التي يتبعونها إزاء اليهود في مصر. ومن ناحية أخرى كان أنطيوخوس الرابع يريد توطيد دعائم دولته ليصبح في وسعه أن يصمد حتى أمام الرومان، ولعله أراد أن يستغل مشاغل روما في مقدونيا، وما عرف عن بلاط الإسكندرية من العجز ليستولى على مصر ويضع السناتو أمام الأمر الواقع قبل أن يفرغ من مقدونيا وينم عن نوايا أنطيوخوس العدوانية الموقف الذي اتخذه حيال حقوق مصر على جوف سوريا، والجيش الكبير الذي أعده وغزا به مصر. وإزاء ذلك لا يمكن لوم الوصيين على تسلحهما لاستعادة جوف سوريا. وكان أهم جزء في الإمبراطورية البطلمية.
يبدو إذن أن الطرفين كانا يرغبان في الحرب، لكن القدماء أنفسهم لم تفقوا على أي الطرفين تسبب فيها، إذ بينما تعتقد المصادر الإغريقية أن الوصيين هما اللذان أثارا الحرب، فإن المصادر اليهودية المعروفة بعدائها لأنطيوخوس تحمله تعبة هذه الحرب، ولذلك يميل المؤرخون الحديثون إلى الرأي الأول. لكننا لا نستطيع قبول هذا الرأي لأنتم حتى إذا سلمنا جدلاً بأن الوصيين هما اللذان بدأ الاستعداد للحرب. وبأن قيام أنطيوخوس ببناء قواته لم يكن إلا لدرء خطر هجوم بطئ على سرويا، فإنه لابد من التسليم بأن موقف أنطيوخوس حيال حقوق مصر على جوف سوريا هو الذي حفز الوصيين على التسلح، ومجرى الحرب يقطع بأن هذا التسلح كان قاصراً لا يبرر سواء بناء أنطيوخوس ذلك الجيش الكبير الذي غزا به مصر أم قيامه بهذا الغزو لو لم تكن لديه نية مبيتة على الاستيلاء على مصر. ومعنى ذلك أن قرائن الأحوال فضلاً عن اتفاق رواية المؤرخ الروماني ليفيوس مع الرواية اليهويدة تجعل الرأي الثاني أدنى إلى الصواب، ولعل أن الرأي الأول ليس إلا رجع الصدى للدعاية التي روجها أنطيوخوس تبريرًا لعدوانه.

ويحدثنا الكتاب الثاني من تاريخ المكايين بأن أنطيوخوس الرابع أرسل أبولونيوس إلى مصر بمناسبة بروتوقليسيا (Protoklesia) بطلميوس السادس. ولما كانت كلمة بروتوقليسيا مرادفة في المعنى لكلمة أناقليتيريا (Anakleteria) وهي التي تستعمل للتعبير عن الاحتفال ببلوغ الملوك سن الرشد، فإن المرجح أن أنطيوخوس، وقد أراد الوقوف على مدى استعدادات مصر الحربية ونواياها نحوه، أنقذ إليها أبولونيوس لجمع المعلومات اللازمة بحجة تمثيله في حفل بلوغ ابن أخته سن الرشد.

ويحدثنا بوليبيوس بأنه عندما علمت العصبة الآخية (عام 170) بالاحتفال "ببلوغ الملك بطلميوس سن الرشد" أرسلت مبعوثين لتجديد أواصر الصداقة بين العصبةومصر. وبأن هذين المبعوثين كانا في الإسكندرية حين غزا أنطيوخوس الرابع مصر وتدخلا مع غيرهما من سفراء الدول الإغريقية لحسم النزاع بين مصر وأنطيوخوس.

ومتى كان الاحتفال ببلوغ بطلميوس السادس فيلومتور سن الرشد؟ أننا (أولاً) نتبين من وثيقتين من عام 174/173 أن أخت الملك كليوبترة الثانية قد أشركت معه في العبادة، وأن الأثنين أصبحا يعرفان سويًا باسم الإلهين فيلومتورس، مما يدل دلالة قاطعة على أنهما كان قد تزوجا قبل ذلك.
وبديهي ألا يتزوج الملك قبل بولغه سن الرشد، بل المعقول أن يأتي الزواج بعد ذلك لكن هذا لا يستتبع حتمًا مرور وقت طويل بين بلوغ الملك رشده وزواجه والواقع أن القرائن توحي بأنه لم ينقض وقت طويل بين هذين الحدثين. وأننا (ثانيًا) نلاحظ أنه في ذلك العام ذاته بلغ الملك الثالثة أو الرابعة عشرة من عمره. وقد سبق إعلان بلوغ أبيه سن الرشد في مثل هذه السن. وفضلاً عن ذلك فإن الرابعة عشرة كانت السن التي تعتبرها قوانين البطالمة سن بلوغ الرشد السياسي. وإننا (ثالثًا) نعرف أنه في عام 173 أرسل السناتو بعثة إلى الإسكندرية لتجديد عهود الصداقة مع مصر. ويبدو من المرجح أن ذلك كان بمناسبة إقامة حفل بلوغ الملك سن الرشد حوالي ذلك الوقت. وإزاء هذه الاعتبارات جميعًا نرجح أن ذلك الحفل وكذلك حفل زواج الملك من أخته أقيما في عام 174/173، ونرى أنه لا يمكن قبول رواية بوليبيوس سالفة الذكر إلا إذا كانت الصعبة الآخية قد تمهلت طويلاً قبل إرسال بعثتها السياسية إلى الإسكندرية، وهذا احتمال بعيد، أو إذا كان الحفل المشار إليه خاصًا ببطلميوس الصغير، الأخ الأصغر لفيلومتور الذي نادى به الإسكندريون ملكًا في اثناء الحرب على نحو ما سنرى، وليس حفل بطلميوس فيلومتور.

الحرب السورية السادسة:

ويبدو أنه بعد الاحتفال ببلوغ فيلومتور سن الرشد وبزواجه من أخته كيلوبترة الثانية احتفل برسامته في منف فرعونا. ولما كانت روما على وشك الدخول في الحرب المقدونية الثالثة، فإنها أوفدت في عام 172 بعثة إلى فيلومتور وأ،طبوخوس للاطمئنان إلى موقفها في أثناء هذه الحرب. وقد أكد الملكان للسفراء الرومان أنهما سيبقيان على وفائهما لروما.

وعندما اصبحت الحرب السورية السادسة وشيكة الوقوع أو كانت قد بدات فعلاً. أوفد كل من الطرفين المتنازعين بعثة دبلوماسية إلى روما لإلقاء تبعة الحرب على الطرف الآخر، فعهد السناتو إلى كوينتوس ماقيوس فيليبوس (Marcius Philipus) يبحث هذه المسألة، والفصل في النزاع بين الطرفين. لكن الدلائل تشير إلى أنه لم تكن في نية روما تسوية هذا النزاع، فقد رأينا كيف أنها قبل اشتباكها مع مقدونيا كانت تخشى فوز غريمتها بمساعدة مصر وسوريا، فعنيت بتوكيد صداقتها لهاتين الدولتين وضمان وفائهما لها عندما تقع الحرب بينها وبين مقدونيا. وعندما نشبت في عام 171 "الحرب المقدونية الثالثة" التي لم تنته في عام 168 إلا بعد أن ساورت روما الشكوك من أمر انتصارها، لابد من أن تكون روما قد استخدمت كل دهائها السياسي في تغذية الحرب مصر وسوريا لنفس على هذا النحو عدم تدخلها في الحرب المقدونية.

أنطيوخوس الرابع ينجح في غزو مصر:

وعندما ترك يولايوس "مشمطه وزجاجات عطوره" وهجر لنايوس "دفتر حسابه" وذهبا إلى القتال، كان أنطيوخوس قد زحف بدوره، والتقى بالجيش البطلمي، قبل أن يعبر الصحراء التي تفصل بين مصر وفلسطين، وهزمه عند تل قاسيون (Casion) واستولى على بلوزيون ث تقدم إلى منف. وهكذا نجح فيما أخفق فيه برديقاس وأنتيجونوس الأعور وأنطيوخوس الأكبر، إذ أنه لم يفلح أي قائد وافد من سوريا في غزو مصر منذ الإسكندر الأكبر، أي منذ مدة تزيد على قرن ونصف قرن. ونوحي عبارات يوليبيوس وديودوروس بأن أنطيوخوس الرابع استولى على بلوزيون بالخديعة. ويبدو أنه عقب الهزيمة التي حلت بالجيش البطلمي بادر يولايوس ولنايوس بالهرب إلى الإسكندرية. ويحدثنا يوليبيوس بأن الخصى بولايوس حرض فليومتور على أخذ كنوزه وهجر مملكته والفرار إلى ساموتراقيا. وإزاء ما أثبته فيلومتور فيما يعد من الشجاعة، فإن يوليبيوس يلقى تبعة هذا التصرف الذي يتسم بالجبن على يولاويوس دون أن يتهمه بالخيانة أو التآمر مع أنطيوخوس. وعلى كل حال لا شك في أن هذا التصرف كان في صالح أنطيوخوس سواء أكان بينه وبين بولايوس اتفاق سابق أم لا. ولا نسمع شيئًا بعد ذلك عن يولايوس ولنايوس، ولعل الإسكندريين عندما علموا بكل ما حدث أجهزوا عليهما وأقاموا فومانوس (Comanos) وقينياس (Cineas) وصيين مكانهما.

وإذا كان أكثر المؤرخين يرون أنه عندما كان فيلومتور يحاول الهرب إلى ساموتراقيا. ألقى القبض عليه وأعيد أسيراً إلى بلوزيون. فإن الأبحاث التي قام بها أوتو (Otto) تدعو إلى التشكك في صحة هذا الرأي. ويرى هذا المؤرخ أن فيلومتور لم يؤخذ أسيرًا، وإنما استدعى من ساموتراقيا لعقد معاهدة مع أنطيوخوس، لكنه في أثناء مفاوضته مع خاله خدعه هذا الرجل الطموح وإبقاء في منف، وأرغمه على قبول شروط الصلح، وكانت تتضمن الاعتراف بحماية أنطيوخوس. ويؤيد ما ذهبنا إليه من أن مصر لم تكن البادئة بالعدوان ما توصل إليه أوتو من أن الوصيين نصحًا فيلومتور بالهرب قبل بداية الحرب، وما مر بنا من أن أول لقاء بين الج يشين السلوقي والبطلمي كان عند تل قاسيون.

الإسكندريوس ينادون باخ فيلومتور الأصغر ملكًا:

إزاء ذلك نادى الإسكندريون بأخ فيلومتور الأصغر ملكًا، وهو الذي عرف فيما بعد باسم بطلميوس الثامن يورجتيس الثاني.

ولم يعد اليوم مجال للشك في أن أنطيوخوي توج نفسه فرعونًا في منف، لكنه لا يعرف عن يقين إذا كان ذلك قد حدث في خلال حملتته الأولى أو الثانية، وإن كان الأرجح أنه توج في خلال الحملة الثانية.

أنطيوخوس يحاصر الإسكندرية:

ومن منف زحف أنطيوخوس على العاصمة، زاعمًا أنه يؤيد حقوق الملك الشرعي فيلومتور، لكن قومانوس (Comanos) وقينياس (Cineas) أعدا العدة للدفاع عن العاصمة، حيث تصادف عندئذ وجود عدد من السفراء والبعوث الدينية من المدن الإغريقية. ذلك أن العصبة الآخية كانت قد أرسلت إلى الإسكندرية بعض سفرائها لتجديد محالفتها مع مصر، ودعوتها للاشتراك في الحفلات التي ستقام في سيقوون. وكانت أثينا قد أرسلت بعض سفائها لتقديم بعض الهدايا لملك مصر، وإعلان موعد الحفلات الأثينية الجامعة، ودعوة مصر إلى حفلات الطقوس الأليوسية. وكان يوجد هناك أيضاً سفراء من قبل ميلتوس وقلاتزومني (Claromnnae) واستقر الرأي على إيفاد كل أولئك السفراء ومعهم تلبولموس وبطلميوس وأرسل أسطولاً للإستيلاء على قبرص. وما كاد الإخوان يعرفان أن أنطيوخوس صمم على غزو مصر ثانية حتى أنقذا في شتاء عام 169 بعثة تنشد دون طائل مساعدة من سيقوون والعصبة الآخية. وإزاء فشل هذا المسعى التجأ الأخوان إلى روما، إذ بدا أن كل شيء كان ينذر بأن مصر ستغلب على أمرها، ولا سيما أن بطلميوس ما قرون (Mecron) حاكم قبرص، بعد مقاومة ضعيفة، سمح لقوات أنطيوخوس بدخول هذه الجزيرة، وكانت مفتاح مصر الشمالي. وحين كان أ،طيوخوس في طريقه إلى بلوزيون، التقى بالسفراء الذين أوفدهم إليه فيلومتور لشكره على استعادته عرشه بفضله، والاستفسار عما يطلبه لقاء خدماته بدلاً من فرض ذلك بالقوة. فأجاب أنطيوخوس بأنه لن يسحب أسطوله أو جيشه إلا إذا أعطى قبرص وبلوزيون والإقليم المجاور لفرع النيل البلوزي، وحدد مهلة للاستجابة إلى مثل هذه المطالب، فإن جيش أنطيوخوس زحف للمرة الثانية من الحدود إلى منف ومنها إلى الإسكندرية. وتحدثنا المصادر القديمة بأنه في أثناء هذه الحملة وكذلك في الحملة السابقة ارتكب الغزاة الكثير من أعمال السلب والنهب والتخريب.

روما ترغم أنطيوخوس على الانسحاب:

وحين استصرخت مصر روما، قرر السناتو إيفاد بعثة تتألف من جايوس يوبيليوس لإيناس (Laenas) وجابوس دقيميوس (Decimius) وجابوس هو ستيليوس لننهي إلى أنطيوخوس والأخوين أن الاستمرار في الحرب سيفضي إلى الاشتباك مع روما. ولما كانت روما لا تعتزم الاشتباك في مخاطرة جديدة قبل الفراغ من "الحرب المقدونية الثالثة"، فإن البعثة الرومانية تمهلت في الوصول إلى مصر حتى أتاها نبأ إنتهاء تلك الحرب. وفي ضاحية اليوسيس (Eleusis) خارج أسوار العاصمة، حدثت المقابلة الم شهورة بين أنطيوخوس وجابوس بوبيليوس لإيناس السفير الروماني. ولما كانت روما قد خرجت منتصرة من "الحرب المقدونية الثالثة" منذ برهة وجيزة (22 من يونية عام 168)، فإنه أصبح في وسعها أن تتفرغ لأنطيوخوس حياهم الملك ومد يده لمصافحة بوبيليوس، لكن هذا السفير بدلاً من أن يضع يده في يد الملك وضع الرسالة التي حوت قرار السناتو وطلب إليه أن يقرأها قبل كلش يء، فاطلع عليها الملك وأبلغه بأنه سيتدبر الأمر مع رفاقه. فلم يكن من السفير الروماني، وكان يمسك عصا قدت من غصن كرمه، إلا أنه خط بهذه العصا دائرة حول موطئ قدمي أ،طيوخوس، وطلب إليه أن يفصح عما يريد قبل أن يخطو خارج تلك الدائرة. فأخذ الملك بهذا المسلك الغرب الجرئ، وتردد لحظة، ثم أعلن أنه سيلبي طلب الرومان. وعندئذ هز بوبيليوس ورفيقاه يد الملك وحيوه تحية ودية. وقد كانت رسالة السناتو تنطوي على أمر أنطيوخوس بالانسحاب من مصر وقبرص، وصدع أنطيوخوس للأمر وانسحب من مصر فورًا. وبعد أن استحث بوبيليوس فيلومتور وأخاه الصغير على استمرار الوفاق بينهما وأمرهما بإرسال بولواراتوس (Polyaratos) إلى روما، أبحر إلى قبرص لطرد قوات أنطيوخوس منها.

وقد أقدمت روما على اتخاذ هذا الإجراء إزاء أنطيوخوس لأنه لم يكن في وسعها السماح لإمبراطورية السلوقيين بالاتساع بحيث تضم مصر بين جوانحها، فقد كان ذلك الاتساع يهدد مركز روما في شرق البحر المتوسط، ويقضي على سياسة توازن القوى التي كانت روما قد اتبعتها هناك. وفي الواقع لم تقض روما على أنطيوخوس الثالث لكي تسمح الآن لأبنه بالاستيلاء على دولة البطالمة، ولذلك فإنه يتضح جليًا أن روما لم تنقذ مصر حيًا في هذه الحليفة، وإنما إشفاقًا على نفسها من قوة أنطيوخوس.

وأما أنطيوخوس، وقد أضاع فرصة مساعدة مقدونيا على قهر روما في الوقت المناسب، فإنه لميسعه إلا أن يحتمل الإهانة ويذعن صاغرًا لأوامر روما، لأنه كان من الحق أن يشتبك مع روما بعد انتصارها في مقدونيا وقبل استطاعته ضم مصر إليه.

ويبدو أن هذه اللطمة العنيفة قد أذهلت أنطيوخوس إلى حد أنه استباح ما تبقى له من كرامة، فقد أرسل بعثة إلى روما لإبلاغها بأنه أطاع أوامر سفرائها كما لو كانت صادرة من الآلهة، وبأنه كان يرحب بمساعدتها على قهر مقدونيا لو أنها طلبت إليه ذلك. ويحدثنا ليفيوس بأن هذه البعثة التقت في روما بالبعثة التي أرسلها ملوك مصر للإعراب عن شكرهم على الخدمة التي أسدتها إليهم. وينوه بوشيه لكلرك بالفارق بين خلق كل من أنطيوخوس وفيلومتور، إذ أنه بينما أطاع الأول أوامر روما ثم شفع ذلك بالتبرع بامتهان كرامته عند أعتابها، ترى أن الثاني عندما أمره بوبيليوس بتسليم بولواراتوس الرودسي ـ وكان يناصر مقدونيا ومحتميًا في مصر ـ لم يذعن لهذا الطلب واكتفى بإعادة بولواراتوس إلى وطنه.

هدف أنطيوخوس من محاولة فتح مصر:

ويذكر الكتاب الأول من تاريخ المكابيين أن أنطيوخوس الرابع كان يريد الاستيلاء على مصر لضمها إلى مملكته. لكن بوشيه لكلرك يستبعد ذلك لأن الرومان كانوا لا يسمحون به، ويرى أن هدف أنطيوخوس كان وضع مصر تحت حمايته، واستنزاف مواردها، والقيام بدور الوصي على ملكها الصبي وحكمها باسمه، وتصفية الخلافات القائمة بين أسرتي البطالمة والسلوقيين، ولاسيما فيما يخص جوف سوريا لصالحه.

ونحن نرى أنه إذا كانت روما لا توافق على ضم مصر إلى الدولة السلوقية، فإنها كانت لا توافق أيضاً على وضعها تحت حماية تلك الدولة ولا على وضع فيلومتور تحت وصاية أنطيوخوس. وإذا كان أنطيوخوس لم يستهدف الاستيلاء على مصر وضمها إلى مملكته فيم نفسر أنه غزاها مرتين وتوج نفسه فرعونًا في منف، وسك عملة جديدة في مصر وفي قبرص تحمل اسمه وصرته؟

ويجب أن نلاحظ أولاً أنه في أثناء الحملتين اللتين قادهما أنطيوخوس ضد مصر كان الرومان مشتبكين في الحرب المقدونية الثالثة، وكان من الجائز أن يخرجوا منها مقهورين. وثانياً أنه في أثناء الحرب المقودونية الثالثة عرضت مقدونيا على أنطيوخوس محالفتها، لكنه رفض التورط في مثل هذه المحالفة، ولعله كان يتوقع جزاء هذا الوفاء لروما أن تغض الطرف عن استيلائه على مصر، ولاسيما أنه كان يأمل في أن يحقق ذلك ويواجهها بالأمر الواقع قبل فراغها من الحرب المقدونية الثالثة. ولولا الاضطرابات التي وقعت في فلسطين واضطرته إلى الانسحاب من مصر في عام 170 والبقاء بعيدًا عنها حتى عام 168 لتحقق له ما يريد.

ولابد من أن تكون روما قد رحبت بوجود ملكين على عرش دولة البطالمة، إذ أن ذلك كان نذيرًا بوقوع منازعات بينهما تقطع أوصال هذه الدولة. وقد تجنبت دولة البطالمة حتى وفاة أبيفانس هذا الداء الذي كان شائعاً في الممالك الشرقية، وأضنى الإمبراطورية السلوقية منذ القرن الثالث. وسنرى الآن أن هذا الداء سيحالف الثورات القومية طوال القرن الثاني، ويتكاتف معها في القضاء على سطوة الدولة البطلمية ونضوب معين البلاد. ويم تستفد إلا روما من تلك المنازعات الأسرية، التي لعبت فيها الأميرات دورًا كبيرًا. ولو أن فيلومتور اقتفى أثر فلادلفوس وفيلو باتور وقتل أخاه، لاستبقى وحدة أسرته مدة أطول من ذلك، لكن فيلومتور، في رأي معاصره المؤرخ بويبيوس وكذلك في رأي مؤرخين كثيرين، كان يتمتع بأخلاق كريمة لم ينعم بمثلها أحد غيره من أفراد أسرة البطالمة. وقد محت شجاعته في ميادين القتال ذكرى هروبه إلى ساموتراقيا، الذي لم يوح به ضعفه الشخصي، وإنما دفعته إليه على الأصح نصيحة وصي باطل. وأما الأخ "بطلميوس الصغير"، الذي اتخذ فيما بعد لقب الإله يورجتيس أي الخير، فإنه كان يتمتع بهبات الملك، لكنه كان عنيفًا دمويًا لم يعرف وخز الضمير، ولم يكن حكمه سوى سلسلة من الجرائم التي أعطاها أحيانًا مسحة من رقة الأديب المتهتك. وقد أصبح شكله قبيحًا بمرور الزمن، فقد صور لنا ثقيل الوزن من الشحم وتلك البدانة، التي كانت منذ فيلادلفوس وماجاس أحد عيوب أسرة البطالمة. وإذا كان في عام 168 لا يزال صغيرًا، وصاحب المكانة الأولى في قلوب الإسكندريين، فإنه أصبح فيما بعد في نظرهم "فوسقون" (Physcon) أي البطين، وقاقرجتيس (Kakergetes) أي "الشرير".

ثورة ديونوسيوس بتوسرابيس:

وقد اشترك في الملك نحوًا من خمسة أعوام ثلاثة ملوك هم: الأخوان، والملكة كليوبترة الثانية زوجة أكبرهما وشقيقة الاثنين، وحمل الثلاثة سويًا لقب "الآلهة فيلومتورس". ولم تتصف هذه الفترة بالهدوء والسكينة، ذلك أنه حوالي عام 162/164 أزعج الملوك الثلاثة ثورة اشعل لهيبها ديونوسيوس بتوسراييس (Dionysios Petoserapis) وكان مصريًا من أفراد الحاشية الملكية يشتهر بشجاعته. وقد تظاهر ديونوسيوس بتأييد بطلميوس الصغير، لكنه في الحقيقة عزم على التخلص من الأخ الأكبر باستغلال محبة الأصغر في الإسكندرية، ثم على التخلص من الأصغر باستنفار وطنية المصريين ضده. وتبعًا لذلك ادعى أن الأكبر حرض على قتل أخيه، ونشر بين عامة الإسكندريين شائعة فحواها أن مؤامرة دبرت لاغتيال بطلميوس الصغير، فتجمعت الجماهير في مضمار السباق، ووصل هيجانها إلى حد أنها قررت قتل الأخ الأكبر ليستقل الأصغر بالملك.
وبلغ خبر الفتنة إلى القصر، فاستدعى أكبر الملكين أخاه، ودافع عن نفسه وهو يذرف الدمع، ورجاه ألا يصدق الشخص الذي كان يزدري شبابهما، ويريد اغتصاب الملك لنفسه، وطلب إليه أن يستولى على الملك والسطلة بمفرده، إذا كانت لا تزال في نفسه الحائرة بقية من الخوف. وهكذا أزال الأخ الأكبر مخاوف أخيه، واتخذ كلاهما شارات الملك، وظهرا أمام الجماهير ليثبتا على هذا النحو ما بينهما من وئام ووفاق.

وعندما فشل ديونوسيوس فيما دبره، أخذ يستحث الجنود المصريين على الاشتراك في الثورة ثم انسحب إلى ضاحية اليوسيس حيث جمع حوالي 4000 منهم، لكن فيلومتور زحف ضدهم وأنزل بهم هزيمة بددت شملهم. غير أن ديونوسيوس أفلت سابحًا عبر النيل واحتمى لدى المصريين، وبسبب مكانته بينهم أفلح في اتثارة الجماهير، وسرعان ما تجمع حوله عدد كبير من الأتباع. ولما كانت تلك الشذرة من كتاب ديودوروس تنتهي عند هذا الحد، فإننا لا نعرف مصير ديونوسيوس وأعوانه، لكن شذرة أخرى من هذا الكتاب تحدثنا عن "ثورة جديدة في إقليم طيبة"، قد تكون متصلة بالثورة التي بدأها ديونوسيوس وعلى كل حال فإن فيلومتور قمع ذلك الإقليم بسهولة فيما عدا مدينة بانوبوليس (أخميم) الحصينة التي تجمع فيها أنشط عناصر الثوار، إذ أنها لا تخضع إلا بعد حصار شاق، ثم عاد فيلومتور مظرفرًا إلى الإسكندرية.

بطلميوس الصغير يثير الإسكندريين ضد أخيه:

وإذا كان بطلميوس الصغير بريئًا من الإسهام في الاضطراب الذي أثاره ديونوسيوس، فإنه لم يلبث أن آثار الإسكندريين ضد أخيه إلى حد أنهم أرغموه على القرار من الإسكندرية في أواخر عام 164. وهكذا انتهت فترة الحكم المشترك، وولى فيلومتور وجهه إلى روما، وكانت ملاذ الملوك المخلوعين. ويحدثنا ديودوروس بأن فيلومتور ذهب إلى روما سيرًا على الأقدام من الميناء الذي نزل فيه، مرتديًا ملابس مسافر عادي، ولا يتبعه إلا خصى واحد وثلاثة عبيد.

وعندما ذهب للقائه على بعد عشرين ميلاً من روما دمستريوس بن سلوقس (وقد مر بنا أنه كان رهينة في روما) وعرض عليهملابس ملكية وفرسًا مطهمة رفض ذلك، وذهب للإقامة في مسكن حقير عند رسام كان قد عرفه في الإسكندرية. ولاشك في أن هذا التواضع قد صادف هوى من أعضاء السناتو، فأحسنواوفادة فيلومتور. لكنهم وقد وجدوا في هذا النزاع فرصة مواتية لتنفيذ سياسة روما الأنانية، سياسة فرق تسد، بتقسيمهم دولة البطالمة ذاتها بدلاً من مجرد تقسيم السلطة الملكية، لم يفصحوا له عن نواياهم وإنما يبدو أنهم نصحوه بالذهاب إلى قبرص وانتظار ما تسفر عنه جهود البعثة التي قرروا إرسالها إلى الإسكندرية لحل المشكلة. ويبدو أن التعليمات التي أعطيت للبعثة لم تكن تقضي حتمًا بأن يكون الحل على أساس التقسيم وإنما وفقًا للظروف التي تصادفها هناك، إذ أنه لم يكن ثمة ما يقتضي روما استخدام القوة في حل هذه المشكلة. ولم يدم انتظار فيلومتور في قبرص طويلاً، ذلك أن الإسكندريين وقد خبروا حكم بطلميوس الصغير وحده بضعة شهور، ضاقوا ذرعًا بطغيانه وحبه لسفك الدماء، فتحولت محبتهم له إلى كراهية شديدة، واستدعوا فيلومتور من قبرص بين أول إبريل و29 من مايو سنة 163.

روما تتدخل تقسم الدولة بين الأخوين:

وعندئذ تدخلت البعثة الرومانية لا لمساعدة فيولمتور وإنما لمنعه من حتى ثمار انتصاره كاملة ولحماية بطلميوس الصغير. وينهض دليلاً على ذلك أن البعثة أفضت إلى السناتو فيما بعد أن بطلميوس الصغير يدين لها بقورينايئة بل بحياته، إذ بلغ إذ ذاك عداء الشعب وكرايهته له أقصى حد، وبأنه لم يتوقع ولم يطلب أن يمنح عرش قورينايئة، ولذلك فإنه عندما منحه تهلل وجهه وتبادل القسم مع أخيه على احترام هذا التفاق. فقد عقد اتفاق بين الأخوين في عام 163 تقرر بمقتضاه تقسيم المملكة بينهما بحيث تكون مصر وقبرص نصيب فليومتور، وقورينايئة نصيب بطلميوس الصغير. وهكذا تحت ستار التوفيق بين الأخوين، أفضت سياسة روما إلى تفكيك عري دولة البطالمة ونسخ نتائج أعمال البطالمة الأوائل.

بطلميوس الصغير يستصرخ روما ليحصل على قبرص:

ولم يكن فيلومتور يرجو أكثر من أن يحكم في هدوء. ولتسكين خواطر الشعب أصدر في 27 من أغسطس عام 163 قراراً بالعفو عن كل الجرائم التي ارتكبت منذ ارتقائه العرش حتى هذا التاريخ. بيد أن أطماع أخيه في الحصول على قبرص لم تنقطع عن إقلاق باله منذ عام 154.
ولو أن روما كانت مستعدة لاحترام اتفاقية عام 163، التي أمرت هي بها، مثل استعداد فيلومتور لاحترامها، لما كان هناك مجال لهذه المتاعب. غير أن الرومان لم يقصدوا بتلك الاتفاقية إلا استمرار النزاع، فتسنح الفرصة أو الفرص لتدخل روما، وقيامها في مصر بدور الحكم الذي كانت تقوم به في غير ذلك من أنحاء العالم الإغريقي، وذلك بفضل سياستها التي أحبكت مناوراتها. وفي عام 162 حج بطلميوس الصغير إلى روما يطالب بضم قبرص إلى قورينايئة، وبرغم دفاع رسول فيلومتور، فإن روما، لتضعف مصر وتسجيب كعادتها إلىطلب المستجير بها، قررت ضم قبرص إلى قورينايئة، وعدت إلى اثنين من أعضاء السناتو بالتوفيق بين الأخوين وإقامة بطلميوس الصغير ملكًا على قبرص دون استخدام القوة.
ويبدو أن السناتو لم يمل إلى استخدام القوة لتنفيذ هذا القرار أملاً في أذعان فيلومتور وديًا، غير أن فيلومتور أحسن استقبال البعثة الرومانية واستبقاها في ضيافته وقتًا طويلاً إلا أنه تمسك باتفاقية عام 163. وفي تلك الأثناء كان بطلميوس الصغير قد وصل إلى أبيس، غربي مرسى مطروح، ومعه قوة تتألف من حوالي 2000 جندي استأجرهم في كريت، وحين كان ينتظر نتيجة مسعى البعثة الرومانية لدى أخيه تألبت عليه قورينايئة في ثورة جامحة، فبدلاً من أن يضم قبرص شغل باستعادة مملكته في قورينايئة.
وهكذا استبقى فيلومتور قرص، لكنه فقد عطف روما، بدليل أنها قررت إبلاغه بأنه لم يعد حليف الشعب الروماني. ولا نعرف مجرى الحوادث في خلال السنواتت الثماني التي أعقبت ذلك، وإن كان من المحتمل أن الشقاق بين الأخوين لم ينقطع. وفي عام 156/155 أوشكت قبرص أن تقع في قبضة دمتريوس الأول وهو الذي عرفنا أنه كان رهينة في روما لكنه فر منها وأصبح ملك سوريا في عام 163، إذ أن أرخياس (Archias) حاكم قبرص البطلمي اتفق على تسلميها إلى دمتريوس، لكن فيلومتور تحرك في الوقت المناسب فلم سع أرخياس إلا أن ينتحر.
وإذاكان هذا الحادث قد أثار يقظة فيلومتور، فإنه أيضًا حرك أطماع بطلميوس الصغير، فحج ثانية إلى روما في عام 154، واتهم أخاه بمحاولة اغتياله. وعبثًا حاول سفيرًا فيلومتور تفنيد هذه التهمة الباطلة، إذ أن السناتو رفض الاستماع إلى دفاعهما وأمرهما بمغادرة روما فورًا وقبل مزاعم بطلميوس الصغير، وعهد إلى لجنة خماسية من أعضائه ـ على رأسها جنايوس مرولا ولوقيوس ثرموس ـ بموافقة بطلميوس الصغير وإقامته ملكًا على قبرص، وأذن لحلفاء روما في شرق البحر المتوسط بمساعدة ملك قورينايئة في فتح قبرص.

ويمكننا أن نفهم بجلاء سر تعجل السناتو في تصديق مزاعم بطمليوس الصغير من نقش على نصب من المرمر عثر عليه حديثًا في قوريني ذلك أن هذا النقش عبارة عن وصية لبطلميوس الصغير يرجع تاريخها إلى عام 155، أي قبل رحيله إلى روما للمرة الثانية. ويتحدث الملك في النقش عن "المؤامرة الفاحشة" التي كان مقرراً أن يذهب ضحيتها، ويوصى، إذا لم يعقبه وارث ذكر، بقورينايئة للرومان "الذين لم يكف ويوصى، إذا لم يعقبه وارث ذكر، بقورينايئة للرومان "الذين لم يكف عن الاحتفاظ بصداقتهم ومحالفتهم" ويضعها بين أيديهم كما لو كانت في حرز أمين. وشهود هذه الوصية الغريبة، التي يصعب إدخال نصوصها في نطاق النظم القانونية المعروفة، هم الإله الروماني الأكبر "يوبيتر قابيتولينوس" (Jupiter Capitolinus) والآلهة العظمى وهليوس وأبولو مؤسس قوريني". وهكذا ضرب بطلميوس الصغير مثلاً احتذى حذوه في عام 133 أثالوس الثالث ملك برجام، وفي عام 96 بطلميوس أبيرن (Apion) صاحب قورينايئة، وفي عام 75/74 نيقومدس الرابع ملك بيثونيا.

فيلومتور يهزم أخاه الصغير في قبرص:

وقد حدث أن حلفاء روما في شرقي البحر المتوسط لم يتحركوا لتأييد أطماع بطلميوس الصغير، وأن أهل قبرص لم يعطفوا على طاغية قورينايئة تابع روما، بل أن روما نفسها لم تقدم له مساعدة فعالة، في حين أن فيلومتور استطاع تنظيم الدفاع عن قبرص، ولذلك اضطر بطلميوس الصغير إلى العتماد على موارده فقط. وعندما نزل إلى قبرص بادره فيلومتور بضربات خاطفة واصطره إلى التسليم، لكنه كان كريمًا إذ أنه عفا عنه وسمح له بالعودة إلى قورينايئة وأغدق عليه الكثير من الهدايا ووعدهبتزويج ابنته (عام 154). وكان هذا الزواج يتيح الفرصة لأبطال نتائج الوصية المشئومة، دون إيجاد سبيل لروما للاحتجاج على ذلك. وكيف كانت روما تنوي التصرف إزاء ذلك؟ لقد كانت فكرة إرسال حملة ضدفيلومتور من العسير تنفيذها، بسبب ثورة لوسيتانيا (Lusitania) وقلتيبريا (Celtiberia) على روما، والحرب البونية الثالثة التي كانت وشيكة الوقوع، وبوادر الحرب مع الآخيين. ويضاف إلى ذلك أنه لم يسكن لبطلميوس الصغير أصدقاء فقط في السناتو، بل كان له فيه أيضاً أعداء شديد والمراس مثل مارقوس بورقيوس قاتو (M. Poreius Cato). وإزاء مشاغل روما الخارجية الكثيرة، نجح قاتو في إقناع السناتو بعدم اتخاذ أي إجراء ضد فيلومتور، فقد دافع عن الملك "الممتاز المحسن الكريم"، وهاجم بعنف أصدقاء ملك قورينايئة وبخاصة ثرموس (عام 153). وهكذا تمت الغلبة لفيلومتور، ولم يعد أخوه يطالبه بقبرص ثانية.

وإزاء ما عرفناه من تصرفات فيلومتور الكريمة، وما وصفه به بوليبيوس من الرقة والطيبة، نعتقد أن بوشيه لكلرك على حق في أن بطلميوس السادس كان ذلك "الملك بطلميوس" الذي وصفه أحد النقوش بأنه رجل فاضل صالح يفوق الرجال جميعًا في رقة حاشيته وأهدى رفاقه الذين حاروا معه في قبرص تاجاً من الذهب باسمه في معبد ديلوس.

فيلومتور يشرك معه ابنه الأكبر بوباتور:

وفي عام 153/152 أشرك فيلومتور معه في الملك ابنه الأكبر يوباتور (Eupator) وهو الذي يبدو أنه كان يقيم في قبرص بوصفه نائب الملك هناك، لكنه لم يلبث أن توفي في شرخ الشباب (حوالي عام 150)، ومع ذلك فإن اسمه مثبت في القوائم المتأخرة التي تحتوي على أسماء البطالمة المؤلهين الذين قرنوا مع الإسكندر في العبادة الرسمية.

متاعب الدولة السلوقية:

ولم يلبث مجرى الحوادث في سوريا أن أعطى فيلومتور فرصة الانتقام للاهانات التي لحقت به في بداية حكمه، إذ أن الدولة السلوقية ضعفت ضعفًا شديدًا منذ الوقت الذي كانت فيه جيوشهم تهدد الإسكندرية. ومن اليسير أن نفسر كيف أن أنطيوخوس الرابع لم يحاول الإفادة من العداء الذي استعر بين فيلومتور وبطلميوس الصغير، فمن ناحية كانت روما لا يمكن أن تسمح له بذلك، ومن ناحية أخرى كان هو نفسه منهمكًا عندئذ في اضطهاد اليهود ومحاربة البارثيين. وبيان ذلك أنه عند عودته من مصر ظن أنه كان في وسعه الانتهاء من مشكلة اليهود بصبغهم عنوة بالصبغة الإغريقية، وبالقضاء على نفوذ اليهود المتعصبين ولاسيما أنهم كانوا يمالئون أسرة البطالمة، وبإسناد مقاليد الأمور في "يهودا" إلى دعاة الهلينية منهم. فألغى إقامة الطقوس الدينية اليهودية في بيت المقدس واستبدل الإله زيوس أولومبيوس (Zeus Ogympios) بالإله "يهوه" في معبده هناك، وأقام مذبحًا إغريقيًا "وزر الأوزار" على المذبح المقدسي في فناء ذلك المعبد، وحول معبد يهوه على جبل الطور (Gerizim) ـ وكان معبد السامريين ـ إلى معبد للإله زيوس جزنيوس (Zeus Xenios) وحرم الختان، والامتناع عن أكل لحم الخنزير. لكن سياسة أنطيوخوس التي كانت تستهدف جعل الحضارة الإغريقية رابطة للوحدة بين أجزاء دولته المتنافرة صادفت مقاومة عنيفة من آليهود، إذ أن الأعمال التي ارتكبها ضدهم أثارت ثائرة فريق كبير منهم بزعامة المكايين متاتيا وأبنائه من أسرة هاسمونايوس (Hasmonaeos). وحين كان أطيوخوس يزحفه شرقًا ضد البارثيين، هزم يهوذا المسكابي (Judas Maccabaeos) جيشًا ملكياً مما حدا بلوسياس (Lysias)، وكان أنطيوخوس قد أقامه وصيًا ليرعى شئون الدولة في أثناء غيبته، إلى القيام بحملة استطلاعية في "يهوذا" أقنعته بحكمة اتباع سياسة وسط أساسها: وقف اضطهاد القديسين، والسماح لهم بالمعيشة في بيت المقدس جنبًا إلى جنب دعاة الهلينية، وإعادة معبد بيت المقدس إلى يهوه، ولكن مع إبقاء منلاوس، زعيم اليهود المتأغرقين، كاهنًا أكبر (عام 164).

وفي العام التالي توفي أنطيوخوس في أصفهان (جاباي Gabae) فخلفه ابنه الصبي أنطيوخوس الخامس. وعندئذ تنازع على السلطان الوصي وسياس ورجل من حاشية الملك المتوفي يدعى فيليب، كان الملك الراحل قد أتمنه على ابنه وهو طريح فراش الموت، لكن الغلبة كانت للوسياس ففر فيليب إلى مصر. وفي خلال ذلك كانت الحرب مستمرة في "يهوذا" بين دعاة الهلينية وحزب القديسين، فاضطر لوسياس إلى التدخل فيها (عام 162)، لكنه بعد انتصاره عند "بيت زكريا" لم يمس حرية اليهود الدينية واكتفى بهدم القلعة، التي أقامها القديسون لمجابهة المعقل الملكي، وكان مأوى دعاة الهلينية. وبعد عزل منلاوس عين في منصبه رجل آخر من دعاة الهلينية يدعى الياقيم (Alkimos).

وقد صادفت هذه الفوضى هوى من روما لتصطاد كعادتها في الماء العكر، وكانت لا تزال محتفظة لديها بدمتريوس الابن الأكبر لسلوقس الرابع، الذي استمع لمشورة بوليبيوس واجرأ على الهرب من روما في عام 163، وجاء ليحكم سوريا برغم أنف الجمهورية الرومانية. إذ أنه سرعان ما أوعز بقتل أنطيوخوس الخامس واسترد في عام 162 العرش الذي كان عمه أنطيوخوس الرابع (175-173) قد حرمه أياه، وبذلك آل إليه إرثه بعد ثلاثة عشر عامًا، لكن روما عملت على مضايقته باعترافها باستقلال تيمارخوس، حاكم ميديا الذي ثار عليه، وكذلك باستقلال اليهود، وإن كانت روما لم تعتز تأييد أحد من هؤلاء الأصدقاء الجدد بقوة السلاح. وفي "يهوذا" خلع الياقيم لكن جيشًا ملكيًا أعاده إلى منصبه ثانية. غير أن النزاع لم يلبث أن تجد بين فريقي اليهود مما اضطر الحكومة السلوقية آخر الأمر إلي إيفاد جيش بقيادة باكخيديس (Bacchides) الذي أحرز في إبريل عام 160 انتصاراً حاسمًا على يهوذا المكابي. ومع ذلك فإن حرية اليهود الدينية احترست، إلا أنه في الوقت نفسه استبقى الياقيم في منصبه.

وعندما فشل باكخيديس في مطاردة السمونيين عبر الأردن في عام 157/156، قرر التفاهم معهم والسماح ليوناتان (Jonathan)، الذي غدا رأس هذه الأسرة منذ مقتل يهوذا في عام 160، بالإقامة في إمارة اليهود (يهوذا) حيث أخذ نفوذه يزداد رويدًا رويدًا إلى أن أصبحت هذه الإمارة إمارة مستقلة استقلالاً فعليًا تحت أمرته بوصفه الكان الأكبر.
وكانت مصر في خلال ذلك نرحب بكل الناقمين على ملك سوريا، فقد أوى إليها فيليب كما ذكرنا، وأوى إليها أيضاً في عام 160 أونياس الرابع (Onias)، وكان كاهنًا أكبر قبل ياسون وزعم أ،ه ظلم بإقامة الياقيم في هذا المنصب، فمنحه فيلومتور في إقليم ليونتوبوليس (Leontopolis) أرضًا ليقيم علها معبدًا يهوديًا يكون "نموذجًا صغيرًا" لمعبد بيت المقدس، وفي عام 155 رأينا كيف أن دمتريوس حاول الاستيلاء على قبرص. لكنه أصبح غير محبوب بين رعاياه أو على الأقل في عاصمته، فقد أخذوا عليه عزلته في قبرص، لكنه أصبح غير محبوب بين رعاياه أو على الأقل في عاصمته. فقد أخذوا عليه عزلته في قصره وميله إلى ادمان الشراب. وهنالك خلقت برجام شخصًا يطالب بعرش سوريا، كان يدعى بالاس (Balas) لكنه اتخذ اسم الإسكندر، وقيل أنه كان ابن أ،طيوخوس الرابع. وقد رحبت روما بهذا المناوئ لدمترويوس واعترفت به في شتاء عام 153/152 ملكًا شرعيًا لسوريا، وبادر فيلومتور إلى التحالف معه.

فيلومتور يحاول الثائر لنفسه من السلوقيين:

ولا أدل على المكانة التي اكتسبتها أسرة هاسونايوس من التنافس في المداهنة بين دمتريوس وبالاس للتقرب إلى يوناتان، وهو الذي اكتسبه بالاس إلى جانبه بصفة قاطعة بالمناداة به كاهنًا أكبر في بيت المقدس في أكتوبر عام 152. وقد أسهم في انتصار بالاس على دمتريوس جيش بطلمي بقيادة جالايستيس (Galaestes) ولقى دمتريوس حتفه في مديان القتال (صيف عام 150)، وبذلك آل إلى بالاس عرش الدولة السلوقية (سوريا وبابل). وفي عكا (بطلوميس) تزوج بالاس من كليوبترا ثيا (Thea) ابنة فيلومتور (عام 150-149)، وظهر يوناتان في حفل الزواج بالرداء القرمزي ، وكان رداء "الأصدقاء من المرتبة الأولى"، ونصب قائدًا وحاكم إمارة اليهود، فكان ذلك انتصاراً لليهود المناهضين للهلينية بوجه عام وأسرة هاسمونايوس بوجه خاص.

وسرعان ما أثبت بالاس أنه لم يكن جديرًا بالعرش الذي وقع في قبضته، فقد كان رجلاً تافهًا انصرف إلى العبث، وترك تصريف شئون الدولة في قبضة وزيره أمونيوس (Ammonis). فلا عجب أن رأينا الدولة تنحل رويدًا رويدًا، ورأينا مدنها الإغريقية تتصرف كما لو كانت دولاً مستقلة. وفي ربيع عام 147 عرف أن دمتريوس بن دمتريوس الأول نزل في شمال سوريا أو قيليقيا مع جيش من مرتزقة كريت على رأسه لاسثنيس (Lasthenes)، غير أنه لما كان دمتيوس الصغير صبيًا لا تزيد سنه على الرابعة عشرة، فلابد من أن لاسثنيس هو الذي كان القائد الحقيقي لهذه الحملة. وحين كان بالاس يولى وجهه شطر الشمال للدفاع عن أنطاكية ضد الملك الشرعي، انتصر يوناتان على أبولونيوس حاكم جوف سوريا، وكان قد أعلن تأييده لدمتريوس الثاني، واستولى يوناتان على يافا وأشدود (Azotos) وعقلان. وعندما علم بالاس بما أصابه يوناتان من النجاح، رفعه إلى مرتبة "قريب الملك" وكانت أرفع مراتب الدولة، ومنحه مدينة عكير (أكرون، Ekron) ملكًا خاصًا له.

وقد خف فيلومتور إلى سوريا على رأس جيش وأسطول، واستقبلته مدن فلسطين وفينيقيا استقبالاً رائعًا أزعج أنطاكيا. وتختلف المصادر القديمة حول نوايا فيلومتور وغرضه من هذه الحملة، فيذكر ديودوروس أن نيته كانت في الأصل مساعدة بالاس زوج ابنته ضد دمتريوس الثاني. ويروي الكتاب الأول من تاريخ المكابيين أن فيومتور جاء بحجة مساعدة بالاس لكنه خانه وانضم إلى دمتريوس. أما لامؤرخ يوس فيحدثنا بأن فيلومتور كان صادق الرغبة في مساعدة بالاس لكنه أغضبه عدم معاقبة أمونيوس على تدبيره محاولة لإغتياله، فانحاز إلى جانب دمتريوس. وإزاء ما نعرفه عن خلق فيلومتور يصعب علينا اتهامه بالخداع واختلاق المزاعم ونعتقد أنه جاء لمساعدة بالاس، ولعله كان يأمل في الفوز نظير ذلك بجوف سوريا.
ويبدو أن حسن استقبال المدن السورية لفيلومتور أفزع أمونيوس وبالاس، وكانا رجلين مخاطرين لا خلق ولا مبادئ لهما، فتصورا أن فيلومتور على شاكلتهما وأنه قد ينتهز الفرصة ويستولى على سوريا كلها ولذلك دبرا اغتياله. وأما فيلومتور فإنه، بحكم ما فطر عليه من الطيبة، لم يدر بخلده اشتراك بالاس في هذا التدبير وعزاه إلى أمونيوس وطلب إلى بالاس تسليمه إليه. وعندما رفض بالاس هذا الطلب، اعتبر فيلومتور ذلك دليلاً على اشتراكه هو أيضاً في المؤامرة. ولذلك فإنه عندما قتل الأنطاكيون أمونيوس لم ير فيلومتر في ذلك ترضية كافية ونقض يده من محالفة بالاس، وانضم إلى ج ابن دمتريوس الثاني وأعداء إياه بعرش سوريا وبابل ويد ابنته كليوبترا ثيا، زوجة بالاس، لقاء النزول لمصر عن جوف سوريا.

وعندما عرض أطاكية العرش على فيلومتور، رفض أن يضم الدولة السلوقية إلى مصر خشية الاشتباك مع روما بسبب ذلك، وأقنع الأهالي بقبول دمتيوس الثاني ملكًا. وفي تلك الأثناء كان بالاس قد هرب إلى قليقيا حيث جمع جيشاً وزحف على شمال سوريا، وهناك التقى بقوات فيلومتور ودمتريوس على ضفاف نهر أوينوباراس (Oemoparas). قد هزم بالاس في هذه المعركة وفر للاحتماء عند أحد شيوخ العرب في الإقليم المجاور، وأصيب فيلومتور بجرح مميت في ميدان القتال (صيف عام 145).

ويروي المؤرخ يوسف أن جواد فيلومتور، وقد أخافته زمزمة قيل، ألقاه على الأرض حيث أحاط به أعداؤه وأصابوه بطعناتهم، وقضى أربعة أيام وهو في النزع الأخير، ولم يسترد وعليه في اليوم الرابع إلا "ليمتع نفسه برؤية رأس عدوه بالاس"، وكان محتميًا بين الأعراب، إذ أن الشيخ زبيل (Zabeil) أرسل هذه الغنيمة المروعة إلى فيلومتور ولا شك في أن الإغريق كانوا يحبون الانتقام، لكنه يصعب علينا أن نصدق أن فيلومتور أحس ذلك الإحساس الوحشي، الذي بدا طبيعيًا للكاتب اليهودي. وقد سبق أن أشرنا إلى ما كتبه بوليبيوس عن خلق فيلومتور من أنه "كان أكثر كافة الملوك الذين عاشوا قبله وداعة وطيبة. وإليك دليلاً بينًا: ذلك أنه لم يقض بموت أحد من أصدقائه بسبب تهمة وجهت إليه. وأعتقد تمامًا أنه لم يمت بأمر منه أي إسكندري".

وقد كانت النتيجة المباشرة لوفاة فيلومتور أن دمتريوس اعتبر نزوله لمصر عن جوف سوريا كأنه لم يكن، وأنه لم تعد تحت أمره مصر عندئذ قوات كافية، إذ أن فيلومتور كان قد أخذ معه إلى سوريا الجانب الأكبر من القوات البطلمية، وانتهز دمتريوس فرصة مقتله وأرغم هذه القوات على الانضمام إلى جيشه أو الانسحاب إلى مصر كيفما اتفق.

ومن سخرية القدر أن عهد أكثر ملوك البطالمة وداعة وطيبة كان طامة كبى على دولة البطالمة. ذلك أنه في عهد فيلومتور نكبت دولة البطالمة بغزوتي أنطيوخوس الرابع، مما أفضى إلى بداية النزاع الأسرى في دولة البطالمة، وإلى إتاحة الفرصة أمام روما لتقوم بدور حامية مصر وكذلك بدور الفيصل في النزاع الأسرى، واستغلال ذلك لتحقيق أهدافها. وسنرى بعد قليل أن تبديد قوات مصر في مغامرة فيلومتور السورية ترك أرملته كليوبترا الثانية ووليى عهده الطفل أضعف من الوقوف في وجه بطلميوس ملك قورينايئة، عميل روما وربيبها، مما أفضى مآس هزت كيان الدولة وأسهمت إلى حد كبير في انحلالها وفي تغلغل النفوذ الروماني في مصر.

نيوس فيلوباتور سابع البطالمة:

ويبدو أن يلومتور أنجب ابنين كان أكبرهما يوباتور (Eupator) وقد عرفنا أنه أشرك مع أبيه في الحكم منذ عام 153/152 إلى حين وفاته في عام 150. وأما أصغرهما فيرجح أ،ه كان نيوس فيلوباتور (Neos Phitoator)، ويدل نقش عثر عليه في الفيوم على أنه أشرك مع أبيه في الحكم قبل وفاة الأب بوقت قصير، إذ أن هذا النقش مؤرخ بهذه العبارة "28 من شهر أبيب في العام 36 الذي هو أيضًا العام الأول" (=21 من أغسطس عام 145). وإذا كنا نرتب على ذلك اعتبار نيوس فيلوباتور سابع البطالمة، فإنه يصعب أن نستخلص من هذا النقش أن فيلومتور كان لا يزال على قيد الحياة في هذا التاريخ، فقد عرفنا أنه توفي في سوريا في صيف عام 145، ومن الجائز أنه عند إعداد هذا النقش توفي في سوريا في صيف عام 145، ومن الجائز أنه عند إعداد هذا النقش كان قد توفي لكن نبأ وفاته لم يكن قد وصل بعد إلى الفيوم.

وعندما توفي فيلومتور، ترك أبنه نيوس فيلوباتور تحت وصاية كليوبترة الثانية. ولم يكن هناك أمل في بقاء هذا الطفل على عرش مصر، إذ أن بطلميوس ملك قورينايئة، عنه وخاله في الوقت نفسه، كان يتطلع بفارغ الصبر إلى الفرصة التي يستطيع فيها ارتقاء عرش مصر، ولاسيما أنه كان له أشياع في الإسكندرية وأصدقاء في روما، وأما ك ليوبترا الثانية، أرملة فيلومتور وشقيقته بطلميوس ملك قورينايئة، فإنها كانت فيما يبدو تعتمد على تأييد أرستقراطية الإسكندرية، وكذلك على يهودها، وقد ازداد نفوذهم في مصر منذ أن فاز يهود فلسطين بحكم أنفسهم، واكتسبوا أهمية كبيرة في السياسة لاسورية. فلا عجب أن عرفنا أنه كان يقود ما تحت أمرة كليوباترا من الجنود قائدان يهوديان هما أونياس ودوسيثيوس (Dositheos) لكن هذا التصرف من ناحية كليوباترا أفقدها عطف الكثيرين في الإسكندرية. وقد زاد مركز كليوباترا حرجًا أنه لم يكن لديها عندئذ قوات كافية لشد أزرها، بسبب ما حدث في سوريا عقب وفاة فيلومتور على نحو ما عرفنا.

بطلميوس ملك قورينايئة يرتقى عرش مصر:

وإذا كنا نعرف أن الإسكندرية كانت منقسمة إذ ذاك فريقين: أحدهما يتألف من الأرستقراطية واليهود ويناصر كليوبترة وابنها، والآخر يتألف من عامة الشعب ويناصر بطلميوس ملك قورينايئة، بسبب كراهية هذا الفريق للاستقراطية واليهود، وكذلك بسبب رغبته في إعادة توحيد الدولة، فإنه يتعذر علينا، نتيجة لما لدينا من المعلومات الطفيفة، أن تبين بوضوح مجرى الحوادث التي أفضت إلى ارتقاء بطلميوس ملك قورينايئة عرش مصر. ويتحدث المؤرخ يوسف عن نشوب حرب أهلية في الإسكندرية، وعن وصول النبيل الروماني لوقيوس مينوقيوس ثرموس إلى العصامة البطلمية في اللحظة التي أحضر فيها أونياس إلى تلك المدينة جيشًا صغيرًا لمقاومة بطلميوس ملك قورينايئة، وهو الذي عندما علم بوفاة فيلومتور زحف على مصر لعزل كليوبترا وابنها واغتصاب العرش. وأما يوستينوس فإنه يتحدث عن ذهاب بعثة من الإسكندرية إلى قورينايئة لتعرض تاج مصر ويد كليوبترا على بطلميوس. فتربع على عرش مصر دون قتال. وما الذي يمكن استخلاصه من ذلك كله؟ يبدو أن عقب وفاة فيلومتور انقسمت الإسكندرية فريقين على نحو ما أسلفنا، وأن الخلاف بين هذين الفريقين أفضى إلى تطاحنهما، وأنه في أثناء هذا التطاحن وصل ثرموس المعروف بمناصرته لبطلميوس ملك قورينايئة منذ خلافه مع فيلومتور. ولما كنا نستبعد مجئ ثرموس إلى الإسكندرية عندئذ صدفة، فإننا نرجح أنه ما كادت روما تعلم بما في الإسكندرية من خلاف حول ولاية العرش حتى اعتزمت أمراً أنفذت مبعوثها لتنفيذه تحت ستار التوفيق بين الأخوين، كليوبترا وبطلميوس، ففي تلك اللحظة كان في وسع الرومان، وقد تخلصوا من كل ما كان يمكن أن يقلق بالهم من ناحية قرطجنة أو الآخيين، أن يوجهو عنايتهم إلى شئون مصر.

ويبدو أن ثرموس جسم لكليوبترا خطورة مركزها يسبب افتقارها إلى وقات كافية في الوقت الذي يناوئها فيه عامة الشعب ويزحف ضدها ملك قورينايئة، وأوضح لها أنه ق د يترتب على ذلك أن تفقد هي وابنها كل شيء، واقترح حلاً وسطًا لحسم النزاع وهو أن تتزوج أخاها ملك قورينايئة وأن يحكما سويًا بالاشتراك مع ابنها من فيلومتور. وإزاء موافقة كليوبترة والفريقين المتطاحنين على هذا الحل، ذهبت بعثة لإبلاغه إلى ملك قورينايئة فرحب به وارتقى عرش مصر دون قتال.

وقد يثير الشك في صحة الدور الذي رجحنا قيام روما به في هذه الأزمة أن حلها على هذا النحو أفضى إلى إعادة توحيد دولة البطالمة، وهو حل يجافى السياسة (سياسة فرق تسد) التي دأبت روما على اتباعها لخدمة صوالحها، وسبق أن نفذتها في دولة الطبالمة باتفاقية عام 163، وهو الاتفاقية التي أمرت بها روما وقضت بتقسيم دولة البطالمة. ونحن نرى أولاًن أن الهدف الأساسي لهذه السياسة كانت تهيئة الأسباب لنشر نفوذ روما وتغلغله، مما كان يتتبع تنوع الأساليب وفقًا لما تقتضيه الظروف. ونرى ثانيًا أنه من الوجهة النظرية كانت حقًا سياسة فرق تسد تقضي بوجوب استمرار فصل قورينايئة عن مصر، بيد أنه من الوجهة العملية لم يكن في توحيد مصر وقورينايئة وإقامة ملك قورينايئة على الاثنتين معا أي على هذه السياسة. ذلك أن الملك الطفل ابن بطلميوس السادس كان الوريث الشرعي لعرش مصر، وإذا سارت الأمور في مجراها الطبيعي واحتفظ بالعرش بعد أبيه فإنه لن يدين بأي فضل لروما، وقد يثبت أنه يشابه أبااه وهو الذي تحدى روما واجترأ على عدم الإذعان لمشيئتها. في حين أن حصول ملك قورينايئة على عرش مصر، وهو الذي لم يكن له حق فيه سيجعله مدينًا لروما ما بقى عليه. هذا إلى أنه وقد أثبت فعلاً سواء في مصر أم في قورينايئة أنه ملك متعسف شديد البطش أثارت تصرفاته نقمة رعاياه عليه، فإنه كان لا يمكن أن تنعم الدولة الموحدة في عهده بالهدوء والاستقرار، ولاسيما أن الاتفاق بين هذا الملك وكليوبترا الثانية على إعادة توحيد دولة البطالمة كان يحمل في طياته بذور الخلاف. ذلك أنه لم يكن هناك مفر من وقوع اضطرابات شديدة في الدولة الموحدة نتيجة لأحد أمرين: وأحدهما هو أن يبادر ملك قورينايئة إلى التخلص من الملك الطفل وعندئذ لن ينجو من نقمة أمه. والأمر الآخر هو أن الملك الطفل عندما يكبر لن يغفل ما حدث من الإفتئات على حقوقه. وهكذا لم يكن من شأن إعادة توحيد دولة البطالمة في مثل هذه الظروف أن تتهيأ لها أسباب النهوض والقوة، بل على العكس أسباب الضعف والاضطراب والأذعان لروما.

وعندما ارتقى بطلميوس ملك قورينايئة عرش مصر في شهر سبتمبر عام 45 اتخذ اللقب الإلهي الذي كان يحمله ذلك الملك المحبوب بطلميوس الثالث، وهكذا أصبح ثامن البطالمة يعرف باسم يورجتيس الثاني. ولم يعتبر هذا الملك عام 145 أول سنى حكمه وإنما اعتبره عامه الخامس والعشرين على أساس أن حكمه بدأ منذ المناداة به ملكًا على مصر للمرة الأولى في عام 170.

مآسي العهد الجديد:

ويحدثنا يوستينوس بأن يورجتس قتل ابن أخيه نيوس فيلوباتور ويضفي على هذه الجريمة صبغة مسرحية، فهو يروي أن هذا الطفل قتل في أحضان أمه ليلة الزفاف، على نحو ما روى من قبل أن بطلميوس الصاعقة قتل ابني أرسينوى الثانية وهما في أحضانها ليلة زفافه إليها. وإذا كان الشك يرقى إلى ملابسات هذه الجريمة، نفسها. وهكذا بدأت سلسلة من المآسي لطخت هذا الحكم المخيف بالدماء. وقد يبدو غريبًا أن تقبل كليوبترا بعد ذلك معاشرة قاتل ابنها، فهل دفعها إلى ذلك الخوف أم على الأرجح رغبتها في البقاء ملكة بأي ثمن؟ وإذا ما عرفنا ما كان من أمر ابنتها كليوبترا ثيا ملكة سوريا وهي التي تغلب حب السلطة فيها على كل عاطفة إنسانية، إذ أنها دبرت مقتل أحد أبنائها وحاولت قتل ابنها الآخر، عندما وفقا في سبيل أطماعها ـ إذا عرفنا ما كان من أمر الابنة فإننا لا ندهش لماكان من أمر الأم، فهي على الأقل لم تقتل ابنها ولم تفعل أكثر من معاشرة قاتل هذا الابن، وهو أمر أهون بكثير من أمر ابنتها. وعلى كل حال فإنه لم يكن من شأن هذه الجريمة المروعة دعم العلاقات بين الكليوبترا الثانية وزوجها السفاح.

وقد كانت المأساة الثانية اضطهاد اليهود، جزاء مساعدتهم فيلومتور وكليوبترا الثانية ضده. ويحدثنا المؤرخ اليهودي يوسف بأن يورجتيس الثاني أراد أن تطأ الفيلة بأقدامها جمعًا حاشدًا من اليهود، لكن الفيلة ارتدت بدلاً من ذلك على رجال الملك، إلا أنه ينقص من قيمة هذه القصة أن الكتاب الثالث من تاريخ المكابيين يعزوها إلى بطلميوس الرابع. ويقول المؤرخ يوسف أن يروجتيس الثاني عدل عن رغبته في الانتقام من اليهود خوفًا من عقاب السماء واستجابة إلى توسلات حظيته ـ ويطلق عليها البعض اسم أثاقي (Ithake) والبعض الآخر اسم أيريني (Eirene) ـ وأن هذا هو منشأ الحفل المشهور الذي كان يهود الإسكندرية يقيمونه كل عام احتفالاً بذكرى نجاتهم من الهلاك. وهنا أيضاً إذا كان الشك يرقى إلى ملابسات اضطهاد يورجتيس الثاني لليهود اضطهادًا بشعاً بمجرد استعادته عرش مصر فإنه لاشك في وقوع مثل هذا الاضطهاد. ذلك أن يوستينوس يحدثنا بأن هذا الملك بادر إلى صب جام غضبه على مناصري ابن أخيه وأخته، وأننا عرفنا أن ارستقراطية الإسكندرية واليهود كانوا يناصرون كليوبترا الثانية وابنها. ولما كان عامة الإسكندرية يكرهون اليهود كراهية شديدة، فإنه كان طبيعياً أن يبدأ الملك السفاح بالانتقام من اليهود انتقاماً مروعًا.

ولم تقف أعمال يورجتيس الثاني عند حد اضطهاد اليهود، إذ أنه أطلق لنفسه الشريرة العنان في قتل كل الذين كان يتشكك في إخلاصهم له، ويبدو أنه قسا بوجه خاص على علماء الإسكندرية وفنانيها، لأن الكثيرين منهم كانوا يعطفون على فيلومتور فاعتبرهم يورجتيس أعداءه. ويحدثنا أثينايوس بأنه نتيجة لذلك تشرد في أنحاء العالم الإغريقي الكثيرون من علماء معهد الإسكندرية وفناني هذه العاصمة، فبعثوا نهضة علمية في كل الأماكن التي فروا إليها. وليس معنى ذلك أن يورجيتس الثاني كان معاديًا للثقافة الإغريقية، فقد كان هو نفسه يطمع في مكانه بين المؤلفين الإغريق، وخلف كتاباً لذركيات مختلفة ذكر فيها، بين أشياء أخرى، الصفات الغريبة في خاله أنطيوخوس الرابع.

وبهذه المجازر والاضطهادات خيل إلى يورجتيس الثاني أنه قد دعم مركزه في الإسكندرية، لكنه لعل الأصح أنه ملأ قلوب الناس كراهية له وحقدًا عليه وكذلك فزعًا منه. وفي عام 144 رسم يورجتيس الثاني فرعونًا في منف، وأنجبت له كليوبترة الثانية في خلال حفلات التتويج المصرية ابنًا سمى ممفيتيس (Memphites). ولما كانت لا تقل عن أمها طموحًا وقسوة، وأشركها معهما في الملك، إذ أنه منذ عام 141 على الأقل كانت تذكر في ديباجة الوثائق عبارة "الملك والملكة الأخت والملكة الزوجة".

وهذا معناه أنه إذا كان يورجتيس قد اجترأ على اتخاذ زوجة جديدة، فإن الجراءة لم تبلغ به إلى طلاق كليوبترا الثانية، لأن طلاقها كان يستتبع عزلها. فهل كان أحجامه عن ذلك يرجع إلى الخوف من إثارة أنصار كليوبترا لأنهم كانوا كثرة، أم إلى أن روما كانت تصر على اشتراكها في الحكم ضمانًا لعدم الاستقرار في الدولة؟ لعل أن الاحتمال الثاني كان الدافع، لأ،ه لو صح أن الاحتمال الأول كان الدافع لما سكتت كليوبترا على الضيم والإهانة. وأنه لمن المحتمل أن أنصار كليوبترا إذا لم يكونوا أصحاب الكثرة فإنهم لم يكونوا كذلك قلة قليلة، ومع ذلك فإن الخوف من بطش الملك وقوته شل حركتهم وإن لم يحل دون ازدياد كراهيتهم له واشمئزازهم منه لجرائمه وتزوجه كليوبترا الثالثة. وقد دفع هذا الحادث المنفيين إلى الالتفاف حول جالايستيس (قائد الجيش في عهد فيلومتور) وكان بعد أن حرمه يورجتيس ألقابه ومنصبه قد التجأ إلى بلاد الإغريق حيث أدعى أن فيلومتور كان قد عهد إليه برعاية أمير صغير كان ابنًا شرعيًا لكليوبترا الثانية من فيلومتور. وقد استغل جالايستيس زواج بورجتيس من كليوبترا الثانية من فيلومتور. وقد استغل جالايستيس زواج بورجتيس من كيلوبترا الثالثة ليشير عواطف الإسكندريين ضده. وحين شعر الجنود المرتزقة بأنهم قد غدوا أهم سند ليورجتيس، ازدادوا وقاحة وجشعًا، وعندما عجزت الخزانة الملكية ذات مرة عن دفع مرتباتهم هددوا بالانضمام إلى جالايستيس، ولم ينقذ الموقف إلا أن القائد هيراكس دفع رواتب الجنود من جيبه الخاص (عام 140). ولا نسمع شيئًا بعد ذلك عن جالايستيس ولا عن الأمير المزعوم.

سقيبيو أيميليانوس في مصر :
وقد استمر الوفاق على الأقل في الظاهرة بين يورجتيس الثاني وكليوبترا الثانية. وكانت هذه هي الحال التي وجدها سفيبيو أيميليانوس (Scipio Aemilianus) في الإسكندرية في عام 136، عندما جاءها على رأس بعثة أنفذها السناتو لدراسة أحوال الدول الحليفة في الشرق. وقد استقبل سقيبيو ورفاقه بحفاوة بالغة، واستمتع الإسكندريون أيما استمتاع برؤية ملكهم الضخم في ملابسه الشفافة يتصبب عرقًا وتنتفخ أوداجه وهو يحاول اللحاق بضيوفه الرومان الذين تملكتهم رغبة خبيثة في المشي من الميناء إلى القصر. ويروي أن سقيبيو مال نحو الفيلسوف بانايتيوس وأسر في أذنه: "سرعان ما أفاد الإسكندريون من رحلتنا، فهم يدينون لنا برؤثة ملكه يمشي على قدميه".

ويحدثنا ديودوريوس بأن يورجتيس أقام للسفراء الرومان مآدب فاخرة، وبأنه عند طوافهم بالقصر عرض أمامهم كنوز الخزانة الملكية، لكنه لم يأكلوا إلا ما يسد رمقهم وأغضوا الطرف عن الكنوز، لاحتقارهم مظاهر الترف بوصفها مفسدة للجسم ولاروح معًا. وقد أولى السفراء عناية كبيرة إلى ما كان يستحق منهم ذلك، إذ أنه درسوا عن كتب موقع الإسكندرية وأ÷ميتها وخصائص فنارها، وركبوا النيل مصعدين حتى منف، فلمسوا خصوبة التربة وعرفوا فائدة فيضان النيل، وشهدوا آلاف البلاد التي تزدحم بأعداد غفيرة من الأهالي، ووقفوا على قوة مركز مصر وما توافر لها من أسباب المنعة والسؤدد، واستخلصوا من ذلك كله أنه من الممكن أن تصبح مصر دولة عظمى لو أتيح لها حاكم جدير بها. وبعد أن أتموا زيارتهم برحوا مصر إلى قبرص ومنها إلى سوريا.

وإذا كان يورجتيس قد عمل على كسب ود المصريين بما أظهره لرجال الدين المصريين من عطف ورعاية، فإن كراهية الإسنكدرية له قد ازدادت لأن زيارة البعثة الرومانية للإسكندرية أشعرت تلك المدينة الفخورة بأن ملكها لاكريه يعتمد على التأييد الأجنبي للاحتفاظ بعرضه، ولأنه ما كادت تلك البعثة تبرح الإسكندرية حتى استأنف يورجتيس حياته العباثة.

نشوب الثورة وفرار الملك:

وأخيراً اندلع لهيب تلك الثورة التي كانت متوقعة منذ أمد طويل. ويحدثنا ديودوروس بأن هذه الثورة نشبت بعد انقضاء خمسة عشر عامًا على وفاة فيلومتور (131ق.م.)، بينما يروي ليفيوس وأوروسيوس أن الثورة وقعت في أثناء قنصلية مارقوس بربرنا (عام 130 ق.م). ويؤيد رواية ديودوروس أن بردية من الفيوم من عام 131 تتحدث عن دعوة اثنين من المزارعين المصريين للخدمة في الجيش وقت المحصول، مما يوحى بأنه في 131 نشبت الثورة وفر الملك من مصر ثم عاد لاسترداد عرشه بالقوة. وفضلاً عن ذلك فإنه جاء في بردية من قرقيوسيريس من عام 114/113 نشبت الثورة وفر الملك من مصر ثم عاد لاسترداد عرشه بالقوة. وفضلاً عن ذلك فإنه جاء في بردية من قرقيوسيريس من عام 114/113 العبارة التالية: "حتى العام التاسع والثلاثين (من حكم يورجتيس الثاني = عام 131) قبل زمن الثورة". وإذا كنا نجد قطعتين من الأوستراقا من طيبة مؤرختين بسنى حكم يورجتيس وأحداهما من مايو عام 131 والأ×رى من 3 يونية عام 131، فإنه لا يبعد أن يكون قد حدث قبل ذلك بقليل نشوب الثورة وهروب الملك من الإسكندرية إلى قبرص، إذ يجب أن ندخل في حسابنا المدة اللازمة لوصول نبأ الحادث إلى طيبة.

وإزاء ذلك كله لا نستطيع الأخذ بما تذهب إليه الآنسة بريو، ونؤيد الرأي الذي نادى به لاكير (Laqueur) وبوشيه لكلرك منذ أمد طويل ويدعو إليه اليوم أوتو وبنجتسون، وفحواه نشوب الثورة وهروب يورجتيس في عام 131.

ويبدو أن يورجتيس أراد أخماد الثورة في مهدها بعمل يلقي الرعب في قلوب الإسكندريين، غذ يروي أنه في أحد الأيام حاصر جنوده الجو منازيوم وكان غاصًا بالشبان، وأشعلوا النار في المبنى وقتلوا كل من حاول الفرار من ذلك الأتون الملتهب. وكان لهذه الجريمة المنكرة أبلغ الأثر في نفوس الإسكندريين، فقد بلغ هياجهم إلى حد أنهم فرروا أحراق ذلك الوحش في وكره، غير أنه كان أفطن من أن ينتظر حتى يلقى جزاءه. إذ أنه عندما علم بما اعتزمه الإسكندريون فر سرًا، وتبعنا لذلك فإنه عندما أشعلت النار في القصر الملكي كان الملك في طريقه إلى قبرص ومعه كليوبترا الثالثة وأولاده منها وكذلك ممفيتيس، وكان ابنه من كليوباترا الثانية.

وإزاء ذلك اعتبر الإسكندريون الملك الهارب متنازلاً عن عرشه ونادوا بكليوبترا ملكة. وتمشيًا مع العرف والتقاليد كان يجب أن يشرك مع كليوبترا الثانية شخص من نسل البطالمة يصلح لأن يكون زوجًا لها ولو من الناحية الشكلية، ليستوى على العرش زوج من ملوك البطالمة المؤلهين. وبعد استبعاد يورجتيس وابنتيه من كليوبترا الثالثة، لم يبق إلا ابنه الأكبر من حظيته أيريني، ويظن أنه كان نائب الملك في قورينايئة، لكن يورجتيس خيب على الإسكندريين تدبيرهم بالمبادرة إلى استدعائه إلى قبرص والإجهاز عليه. وقد أحفظت هذه الجريمة الجديدة قلوب الإسكندريين، فقلبوا تماثيل يروجتيس. وتحدثنا مصادرنا الفقيرة بأن استشاط غضبًا من هذا العمل، وقتل ممفيتيس في سورة من الجنون، بل قطعة أربا، وأرسل أشلاءه إلى أمه كليوبترا الثانية هدية في يوم عيد ميلادها، رغبة منه في الانتقام منها لاعتقاده أنها هي التي دفعت الأهالي على ما أقدموا عليه.

وعندما فر يوجتيس وكليوبترا الثالثة إلى قبرص وانفردت كبيوبترا الثانية بالملك، اعبترت ذلك العام بداية لحكمها على انفراد. ويبدوا أن هذا الحكم دام عامين حملت الملكة أثناءهما لقب "الألهة فيلومتور سوتيرا" (Soteira) وقد اعتبر لاكير عام 133/131 العام الأول من حكم كليوبترا الثانية استنادًا إلى وثيقتين أحداهما من طيبة والأخرى من قرقيوسيريس. ويؤيد فيلكن هذا الرأي بما جاء ببردية في اللوفر وبأحدى قطع الأوستراقا من الفنتين، فهو يجد في بردية اللوفر أن العام التاسع والثلاثين من حكم يوجتيس يوافق العام الأول من حكم كليوبترا الثانية، ويرى في قطعة الأوستراقا تأييدًا لذلك فقد جاء فيها أن العام الأربعين يوافق العام الثاني. وفي ضوء ما نعرفه وسيأتي ذكره من كليوبترا الثانية فرت من مصر في عام 129، لعل الأرجح أن العام الأول لحكمها بممفردها كان عام 131/130 والعام الثاني عام 130/129.

عودة يورجتيس إلى مصر:

وقد مر بنا أن بردية الفيوم التي ترجع إلى عام 131 وتتحدث عن دعوة اثنين من المزارعين للخدمة العسكرية توحي بأنه في ذلك العام نشبت الثورة وهرب الملك ثم عاد لاستعادة عرشه بالقوة. ويؤيد أن غيبة يوجتيس في قبرص لم تطل عقد زواج ديموتيقي، مسجل في معبد أنوبيس بمنف بتاريخ 30 من أكتوبر عام 131. ذلك أن هذا العقد مؤرخ يسنى حكم يوجتيس ويظهر فيه لأول مرة كاهن جديد يدعى المهر المقدس (Hieros Polos) كاهن الآلهة العظمى إيزيس أم الآلهة. والرأي السائد اليوم هو أن الآلهة العظمى إيزيس أم الآلهة كانت كليوبترا الثالثة، وأن يوجتيس أنشأ لها هذه العبادة الجديدة ردًا اللقب الإلهي الذي اتخذته كليوبترا الثانية. ولا يمكن أن تكون العبادة الجديدة قد أنشئت في أثناء غيبة الملك عن البلاد، ولذلك فإن إنشاء هذه العبادة والتاريخ بمعنى حكم بورجتيس بعد قراره إلى قبرص ينهضان دليلاً على عودته إلى مصر وسيطرته على منف. وذلك في حين أن كليوبترا الثانية كانت لا تزال تسيطر على الإسكندرية وأنحاء كثيرة في مصر، مما يفسر تأريخ بعض الوثائق بسنى حكمها المنفرد وتأريخ البعض الآخر بسنى حكم يورجتيس، واستمرار هذين التأريخين حتى قرار كليوبترا الثانية من مصر.

وقد صحب النضال بين بوجتيس وكليوبترا اضطرابات كانت مزيجًا من النزاع الأسري والثورة القومية، وقد أطلق الإغريق على هذه الاضطرابات وصفًا (Amixia) فهم منه أنه في ههذ الظروف تقطعت أوصال البلاد وشاعت الفرقة والقطيعة بين مختلف أجزائها ولا سيما في الوجه القبلي، حيث كانت المدن والقرى تحارب بعضها بعضًا. وقد كان يؤيد كليوبترا الثانية الإسكندرية أو على الأقل الإغريق واليهود وجانب من الجيش، في حين أنه كان يناصر يورجتيس بقية الجيش وكثيرًا من المصريين بزعامة بعض رجال الجيش.

وفي شهر كيهك عام 40 (25 من يناير 130) كتب جندي إغريقي يدعى استلاداس (Esthladas) إلى والديه في مدينة باثوريس (Pathyris قرب الجبلين بين أرمن وأسنا) وكانت موالية ليورجتيس الثاني، يقول أنه كان على وشك الزحف مع بعض الفرق الموالية للملك ضد هرمونثيس (أرمنت)، وكانت تناصر كليوبترا الثانية؛ وأن أنباء قد وصلت فحواها أن باوس (Paos) حاكم منطقة طيبة سيأتي في الشهر القادم (شهر طوبة) "على رأس قوات كافية للقضاء على أهل هرمونثيس ومعاملتهم معاملة الثوار". ومع ذلك فإنه يبدو أنه في أكتوبر عام 130 كانت هرمونثيس لا تزال في قبضة أنصار الم لكة. وقد كانت كوم أومبو وكذلك طيبة من بين المدن التي شقت عصا الطاعة على يورجتس، لكن القرائن تشير إلى أن يورجتيس استرد في أثناء العامين 130 و129 أكثر أنحاء الوجه القبلي، فقد وصلت إلينا من جهات متعددة في مصر العليا وثائق كثيرة من هذين العامين مؤرخة سنى حكم يورجتيس. ولما كان قد وصلنا من محافظة الفيوم نقش ديموتيقي (من عام 130/129) وبردية ديموتيقية (من عام 129/128) مؤرخان بسنى حكم يوجتيس. وكانت بردية إغريقية تحدثنا بأن الملك منح اقطاعات لجنود م صريين هناك في هذين العامين، فإن هذا كله يدل على أن الملك كان قد بسط سيطرته عندئذ على هذه المحافظة أيضًا.

ومع كل الأماكن التي استردها الملك، يبدو أن الإسكندرية، بوصفها أقوى معاقل كليوبترا الثانية فضلاً عن شدة خوف سكانها من انتقام الملك وبطشه بسبب تأييدهم للملكة، قاومت يوجتيس على الأقل حتى عام 127 ق.م. ودليلنا على ذلك أن وثيقة من قروقوديلو بوليس بتار× 9 من يناير عام 127 مؤرخة فعلاً بسنى حكم يورجتيس، لكنه بدلاً من أن ينص فيها على أن كهنة العبادة الرسمية كانوا يقيمون في الإسكندرية، قيل أنهم كانوا في معسكر الملك. ولو أن الملك كان قد استرد عاصمته لكانت قد غدت ثانية بطبيعة الحال مقر كهنة العبادة الرسمية الذين كانت الوثائق تؤرخ بأسمائهم، ولما كان هناك مبرر لأن يكون معسكر الملك مقر أولئك الكهنة على نحو ما نص عليه في هذه الوثيقة. وبالرغم من أن الصيغة المألوفة لم تظهر ثانية في الوثائق التي وصلت إلينا حتى الآن إلا منذ شهر أغسطس عام 126، فإنه يرجح أن الإسكندرية سقطت في يد الملك قبل 8 من أغسطس عام 127، وذلك استنادًا إلى أنه جاء في وثيقة من هذا التاريخ أن كهنة العبادة الرسمية يقيمون في مقرهم المألوف.

وقد جاء في إحدى شذرات كتاب ديودوروس أن بطلميوس الكبير (Presbyteros) أنفذ قائده هجلوخوس (Hegelochos) ضد الإسكندريين وكان على رأسهم مارزواس، وأنه بعد إحراز نصر حاسم عليهم أظهر نحو مارزواس تسامحًا غير منتظر. ثم يمضي ديودوروس فيقول أن الملك بدأ أخيراً يغير سلوكه محاولاً الإقلال من غضب الجماهير عليه بالتصرف تصرفًا إنسانيًا رحيمًا. ويبدو أن الجزء الأخير من شذرة ديودوروس ينطبق على سيرة يورجتيس الثاني أكثر من انطباقه على أي ملك آخر. بيد أنه لما كان الملك الذي تتحدث عنه هذه الفقرة قد وصف بالكبير، وكان ذلك يوحي بأنه لم يوصف على هذا النحو عفوًا وإنما للتفرقة بينه وبين بطلميوس صغير، وكان لا يوجد مبرر لوصف بطليموس يوجتيس الثاني بالكبير على نحو ما جاء في تلك الشذرة، فإن بعض المؤرخين يرى أن بطلميوس الكبير المقصود هنا هو بطلميوس التاسع فيلومتور سوتر.

وإذا كنا نسلم بأنه لا يوجد مبرر لوصف بطلميوس يوجتيس الثاني بالكبير، وبأن هذا الوصف قد يكون أكثر انطباقًا على بطلميوس فيلومتور سوتر، فإننا مع ذلك نرى أن الفقرة كلها لا يمكن أن تنطبق على بطلميوس التاسع، وذلك لأنه إذا كان قد استعاد الإسكندرية بعد أن فقدها لأخيه الأصغر بطلميوس إسكندر الأول، فإنه لم يستعدها نتيجة لانتصار حربي مثل ما فعل يورجتيس الثاني. وفضلاً عن ذلك فإن الملك الأخير هو الذي اتصف بالقسوة المتناهية في معاملة رعيته إلى حد أنها خلعت عليه لقب الشرير وكانت سببًا في طرده. ولعل مرد وصفه بالكبير إلى أن ديودوروس أو أحد المعلقين كان يتكلم في الجزء المفقود الذي يسبق هذه الشذرة عن أحد أبناء الملك ثم عاود الكلام عن الملك نفسه فاقتضى التمييز بينهما إضافة هذه الصفة.

ولا نجد ذكراً آخر لهجلوخوس في الوثائق البطلمية بينما يحدثنا نقش بأن التجار الرومان بالإسكندرية أقاموا في ديلوس تمثالاً لقائد بطلمي يدعى لوخوس (Lochos) ابن قاليميديس (Callimides) "قريب الملك بطلميوس والملكة كليوبترا"، تقديرًا لحسن صنيعه نحوهم عند سقوط الإسكندرية في قبضة يوجتيس. وتحدثنا نقوش أخرى عن لوخوس "قريب" الملك" و"أخيه" الذي يوصف أحيانًا بأنه حاكم منطقة طيبة وأحيانًا بأنه هو يومنياتو جرافوس والحاكم المطلق لمنطقة طيبة. وإزاء ذلك لا نستبعد ما يذهب إليه بوشيه لكلرك من أن هجلوخوس كان لوخوس.
وإذا كانت الإسكندرية لم تسقط في يد يورجتيس الثاني إلا في عام 127، فإنه ليس معنى ذلك أن كليوبترا الثانية كانت لا تزال في الإسكندرية حتى ذلك الوقت. ويبدو أن مركزها أخذ يضعف باطراد منذ عودة يورجتيس إلى مصر، فانتهزت فرصة عودة دمتريوس الثاني، زوج انتها، من بارثيا في عام 129 وأغرته على غزو مصر.

ويحدثنا يوستينوس بأن كليوبترا الثانية عرضت على دمتريوس السيطرة على مصر لقاء تدخله العسكري. ويصعب أن تتصور حدوث هذا التفاهم بين كليوبترا الثانية ودمتريوس لو لم يكن قد تصالح قبل ذلك مع زوجته كليوبترا ثيا واستأنفا الحكم سويًا. ويؤيد ذلك رواية يوستينوس ويوسف ونقود دمتريوس. ومن ثم فإنه يبدو أن كليوبترا ثيا لم تختلف ثانية مع زوجها دمتريوس وتنفصل عنه إلا في عام 126 بعد أن عزمه إسكندر زابيناس.
وقد خف دمتريوس إلى نجدة كليوبترا الثانية ظنا منه أن الفرصة قد سنحن أخيراً لتحقيق الأطماع التي طالما رادوت انطيوخوس الثالث والرابع لكنهما فشلا في تحقيقها. غير أنه لم يستطع التقدم وراء بلوزيون حيث وجد يورجتيس في انتظاره، ورفض جيشه الاشتباك في القتال مما اضطره إلى الانسحاب. ود استغل يورجتيس في انتظاره، ورفض جيشه الاشتباك في القتال مما اضطره إلى الانسحاب. وقد استغل يورجتيس كراهية الجيش لدمتريوس وعمل بنشاط على تأليب رعيته عليه.

وإزاء الفشل الذي منى به دمتريوس تحطمت آمال كليوبترا فولت هاربة في عام 129 إلى سرويا حاملة معها كنوز الدولة معللة نفسها بتكوين جيش يساعدها على استعادة عرشها. ويحدثنا يوستينوس بأن يورجتيس واجه هذا الخطر بإقامة منافس لدمتريوس كان شاباً ابن تارج مصري يدعى بروتارخوس، لكنه زعم أنه ابن اسكندر بالاس واتخذ فعلاً اسم الإسكندر. وقد رحب به أهل أنطاكية وأطلقوا عليه لقب زابيناس (Zabinas) ومعناه العبد المشترى.

وبالرغم من تأييد مصر لزابيناس، فإنه استغرق ثلاثة أعوام ليفوز بالعرش، فقد كان نشاط دمتريوس خارقًا للعادة، لكن الأمر انتهى بهزيمته عند دمشق فحاول الالتجاء إلى عكا، غير أن كليوبترا ثيا أوصت دونه أبواب هذه المدينة، ففر إلى صور حيث لقى حتفه بأمر زوجه السباقة (126 ق.م.). وتزينا نقود زابيناس أن العام الأول من حكمه كان العام الرابع والثمانين بعد المائة (184) من عهد السلوقيين أي الموافق لأكتوبر 129 ـ أكتوبر 128 ق.م.

ويبدو أن يوجتيس صالح كليوبترا الثانية فيما بين 30 من يناير ومن يولية عام 124، إذ أنه لدينا من التاريخ الأول وثيقة مؤرخة بيورجتيس وكليوبترا الثالثة فقط، ولدينا من التاريخ الثاني برديات دبموتيقية نرى فيها لأول مرة منذ عهد الاضطرابات ظهور اسم كليوباترا الثانية في التاريخ جنبًا إلى جنب أسمى يورجتيس وكليوبترا الثالثة.

ولماذا صالح يورجتيس كليوبترا الثانية برغم استتباب الأمر له؟ ربما كان الباعث على ذلك أمرين وأحدهما هو أ، كليوبترا حملت معها كنوز الدولة حين فرت إلى سوريا فاراد استعادة هذه الكنوز. والأمر الآخر هو أنه كان لا يزال لكليوبترا أنصار كثيرون كانت تقع بينهم وبين أنصاره منازعات عنيفة أراد القضاء عليها ونشر الهدوء والسكينة في البلاد. لكن الصلح بين يورجتيس وكليوبترا الثانية لم يقض على العداء بين أنصارهما، لأنه لم يكن من اليسير وضع حد في الحال للصراع الذي كان قائمًا بين الفريقين في أماكن متعددة، وأفضى إلى كثير من العنف والاضطرابات. وتحدثنا وثيقة بردية عن وقوع حرب محلية في عام 123 ق.م. بين مدينة فرقوديلوبوليس (بالقربمن الجبلين) ومدينة هرمونثيس، كما تحدثنا وثيقة بردية أخرى عن وقوع اضطرابات في مديرية طينة في عام 123/121، وعن حدوث فلافل خطيرة في بانويوليس (أخميم) يعد ذلك، بدليل أن هذه المدينة استثنيت من قرار العفو العام، الذي أصدره الملوك الثلاثة في عا م 118 لوضع الأمور في نصابها في كل أنحاء المملكة. ويرى البعض أن هذا القرار يمثل ما اتفق عليه بطلميوس الثامن وكليوبترا الثانية من أجل استتباب الأمن والسلام في البلاد. ذلك أن الإضطراب القائم كان يرجع إلى حد كبير إلى أنه في أثناء فترة النزاع بينهما أعطى كل منها لأنصاره منحًا، وإلى أن كلاً منهما كان لا يعترف بما منحه الآخر، ولذلك فإنه كان هناك كثيرون ممن يشعرون بأ، ملكية الأرض التي في حوزتهم مهددة. وقد كان ذلك أيضاً حال المعابد التي ناصرت أحد الفريقين وحصلت على أرض أو امتيازات من بطلميوس أو كليوبترا. فكان غرض قرار عام 118 محو آثار الخلاف والاعتراف للجميع بحقهم في الاحتفاظ بما يملكون. وهكذا اعتبرف كل ما بطلميوس وكليوبترا بما كان الآخر قد منحه لأنصاره، ليطمئن الناس جميعًا على ممتلكاتهم وتهدأ نفوسهم ويخلدون جميعًا إلى السكينة.

وعندما تصالحت كليوبترا الثانية مع يورجتيس، واستردت مكانتها في الإسكندرية، وبقيت ابنتها كليوبترا ثيا للحفاظ على حقوق أسرة السلوقيين ضد زابيناس، كان طبيعياً بعد القضاء على دمتريوس أن يؤيد يورجتيس ابنة أ×ويه (فيلومتور وكليوبترا الثانية). وبعد أن دبرت كليوبترا ثيا مقتل ابنها الأ:بر سلوقس الخامس، لأنه اتخذ لقب ملك دون استئذانها، أشركت معها في الملك ابنها الآخر أنطيوخوس الثامن جروبوس (Grypos) وهو الذي وعد بأن يسلس لها القياد. ولم يكن من يوؤجتيس الثاني إلا أنه أمد أنطيوخوس بجيش وزوجة كليوبترا تروفاينا (Trypinaena)، وكانت ابنته من كليوبترا الثالثة. وفي عام 123 أستولى أنطيوخوس الثامن على زابيناس وأعدمه. ولا نعرف أن يورجتيس قام بأي عمل في سوريا بعد القضاء علىزابيناس، ولعله قنع بتنصيب ابنته ملكة هناك. وبعد عامين لقيت كليوبترا ثيا حتفها، إذ أنها كانت تريد أن تحركم تحت ستار اسم ابنها، لكنه لم يسلس لها القياد كما وعد، فصميت على أن تدس له السم، إلا أنه كشف عن المكيدة في الوقت المناسب وأرغمها على تجرع السم الذي أعدته له.

سلوك يورجتيس في شيخوخته:

ويبدو أن الشعور الكريم الذي أظهره يورجتيس نحو مارزواس لم يكن نزوة طارئة بل بداية سياسة علمته التجارب المريرة أن يحرص على اتباعها منذ استعادته الإسكندرية في عام 127. فلا عجب أن هيبدو لنا في شيخوخته في ضوء يختلف عما عهدناه فيه، فقد أصبح حاكمًا شديد الحدب على رعيبته، يحرص على تخفيف أعبائهم ويسهر على حمايتهم من جور الموظفين. ولا أدل على ذلك من سلسلة قرارات العفو التي أصدرها في عامي 118 و117. وإذا كان قد اضطهد علماء الإسكندرية في شبابه فإنه كان يعدق عليهم في هولته مرتبات باهظة، ومثل ذلك الفليسوف باتارتوس (Pannretos) وهو الذي حدثنا أثنايوس بأن مرتبه كان أثنى عشر تانتا سنويًا. ويوي استرابون أن يورجتيس تحمل نفقات بعثة خرجت لاستكشاف الهند تحت إشراف الجغرافي يودوكسوس، لكنه عند عودة البعثة استولى على كل ما أحضرته معها من عطور وجواهر.

ونتبين من نقش على أحد جدران معبد أ>فو أنه في 28 من يونية عام 116 ق.م. توفي يورجتيس في الخامسة والسنين تقريبًا، بعد أن خلع عليه جنونه الدموي أسوأ سمعة لصقت بأي ملك من ملوك البطالمة ولم يفلح في محو أثر ذلك ما أنصفت به شيخوخته من المحاسن في سياق الحديث عن السياسة الداخلية كيف أنه يوجد تباين كبير الأثر الذي تتركه فينا حياته، في ضوء ما تصورها النصوص الأدبية القليلة المشوهة التي نعتمد عليها في استخلاص سيرته، والأثر الذي ت تركه فينا الوثائق الإدارية التي وصلت إلينا من عصره. وقد أعقب وفاة بطلميوس الثامن صراع عنيف على السلطة. وإذا كانت كليوبترا الثانية قد نجحت في الاحتفاظ بسلطتها حتى أواخر عام 116 فإنه لم يرد لها ذكر في الوثائق بعد 27 من نوفمبر عام 116، ولا يبعد أن تكون قد ماتت ميتة غير طبيعية حوالي هذا التاريخ. وعلى كل حال فإنه لا سبيل إلى الشك في أنها لم تكن على قيد الحياة بعد عام 116 ق.م.

يورجتيس يورث ابنيه المتاعب:

وقد ختم يورجتيس الثاني حياته المليئة بالأخطاء السياسية بخطأ سياسي جسيم، قد يكون مرده إلى الرغبة في إرضاء زوجة الطموح كليوبترا الثالثة أو في إظهار استمساكه بالمذهب الذي ورثه عن بطلميوس الأول وعمل به طوال حياته وهو المذهب القائل بأن العرش حق لأجدر الناس به وليس لأكبر الأبناء سناء وعلى كل حال فإنه ترك لكيلوبترا الثالثة العرش وكذلك اختيار من تشركه معها من ابنيه الشرعيين. ولم يكتف يورجتيس بأن يوجد على هذا النحو أسباب الفرقة والتنافس بين أبنيه الشرعيين، فقد تسبب ثانية في تقسيم دولة البطالمة بأن أوصى بقورينائية لابنه غير الشرعي بطلميوس أبيون.

بيد أنه لما كانت قد وصلت إلينا من قورينايئة نفوذ تحمل اسم بطلميوس التاسع فيلومتور سوتر وترجع إلى فترة تمتد من عام 116 حتى عام 107، فإنه يبدو أن الإسكندريين ـ وقد كانوا يكرهون تقسيم الدولة ـ رفضوا الاعتراف بحق أبيون في قورينائية بوصفه ابنًا غير شرعي ليورجتيس الثاني، وأنه لم تكن لدى أبيون القوة اللازمة ولا الفرصة المناسبة لتأييد حقه طبقًأ للويلة. ولذلك استقر الرأي أن يحكم أبيون قورينائية على أن يعترف لبطلميوس التاسع بالسيادة.

وهكذا يبدو كان يورجتيس الثاني، الذي أشفاه النزاع الأسري طويلاً ولم يفز بحكم دولة البطالمة الموحدة إلا بعد كفاح مرير، عز عليه أن يهنأ وريثه بحكم دولة موحدة لا يضنيها الانقسام ولا تزعجها الخلافات الأسرية. وسنرى تواً كيف أنه بعد وفاة يورجتيس الثاني وكليوبترا الثانية كان حاكم مصر الحقيقي كليوبترا الثالثة، وهي التي أطلق عليها الإسكندريون لقب قوق (Kokke)، أي الحمراء، وكيف أن أطماعها الجامحة وقسوتها المتناهية تمخضت عن منازعات أسرية مستمرة أسهمت فيها أحداث سوريا.

منقول

الاستاذ
25-08-2008, 01:46 AM
بطليموس التاسع و العاشر و الحادي عشر

بطلميوس التاسع فيلومتور سوتر يرتقي العرش:

وعند وفاة يورجتيس، كان ابنه الأكبر من كليوبترا الثالثة مقيمًا في قبرص، وكان شابًا يناهز الخامسة والعشرين من عمره، وكانت كليوبترا الثالثة تضمر لهذا الابن كراهية عميقة، إذ أن باوسانياس يحدثنا بأن التاريخ لا يعرف حالة أخرى كرهت فيها أم أبنها إلى هذا الحد. فلا عجب أنها كانت تفضل تنصيب أخيه الأصغر، الإسكندر، ملكًا أما لإنها كانت تحبه أكثر منه، وإما لاعتقادها أنه كان أضعف من أن يحد من سلطتها.
لكن الإسكندرييين، وقد أدركوا ما يترتب على عدم احترام القوانين المألوفة لوراثة العرش من بذر بذور الشقاق والنضال، حالوا دون تتويج الإسكندر، وأرغموا كليوبترا على إسناد العرش إلى صاحبه الشرعي، فاضطرت إلى النزول على رغبتهم، وإلى أن تشرك معها ابنها الأكبر بطلميوس التاسع الذي اتخذ اللقب الإلهي فيلومتور سوتر، وأطلق الأهالي عليه لقب لاثورس (Lathyros) ومعناه "حمص". ويبدو أنه عندما ارتقى بطلميوس التاسع عرش مصر، آثر أخوه الذهاب إلى قبرص للإقامة فيها، ولم يمض وقت طويل قبل إقامته حاكمًا على هذه الجزيرة. وبالرغم من أن لقبه الرسمي كان قائد الجزيرة، فإنه فيما يبدو كان يعتبر نفسه ملكًا في الواقع، إذ أنه عندما ارتقى عرش مصر فيما بعد، اعتبر أن حكمه يبدأ من العام الرابع من حكم أخيه بطلميوس التاسع (عام 114-113)، وهو التاريخ الذي يظن أنه عين فيه حاكمًا لقبرص.

ولم يكن ملك مصر الشاب، أول الأمر، في مركز يسمح له بمقاومة إرادة أ/ه، حتى أنها عندما أردات التنكيل به وطلبت إليه أن يطلق ابنتها كليوبترا الرابعة، وكان قد تزوجها في خلال حياة أبيه وبحبها حبًا شديدًا، أذعن لإرادة أمه (عام 115) وتزوج الأخت الصغرى، كليوبترا الخامسة سليني (Selene = القمر). وإزاء ما نعرفه عن طموح كليوبترا الرابعة وشدة مراسها، يبين أن كليوبترا الثالثة لم تنشد بأقصائها عن بطلميوس التاسع تعكير صفو حياته فحسب بل إخضاعه لإرادتها وتجنيب نفسها متاعب كالتي لاقتها أمها على يديها.

وقد أثبتت كليوبترا الرابعة أنها جديرة بسلسلة الملكات اللائيحملن اسم كليوبترا، إذ أنها لم تستسلم لمصيرها بل صمت على قهر أمها كما قهرت كليوبترا الثالثة أمها من قبل فهي لم تلبث أن ذهبت إلى قبرص لتكون لنفسها جيشاً من الجنود المقيمين هناك، لكن مصادرنا لا تساعدنا على معرفة الدور الذي قام به الإسكندر في هذه المسألة، ولا إذا كانت كليوبترا الرابعة قد فاتحته في الزواج منها، والعمل على ارتقاء العرش سويًا بالقوة، كما يفترض بعض المؤرخين الحديثين، إلا أنه يبدو أن الإسكندر أيدها بعض الوقت، ثم لم تلبث أمه أن كسبت وده بتعيينه حاكمًا لقبرص. وعلى كل حال فإن كليوبترا الرابعة لم تقم طويلاً في قبرص بل برحتها إلى سوريا لتعرض يدها وجيشها على أنطيوخوس التاسع قوزيقنوس (Cyzicenos) ابن كليوبترا ثيا من أنطيوخوس السابع صيديتينس، وكان قد طرد من سرويا أخاه أنطيوخوس الثامن جروبوس، ابن كليوبترا ثيا ودمتريوس الثاني، وزوج كليوبترا تروفاينا، الأخت الكبرى لكليوبترا الرابعة.

وبتعًا لذلك فإن الحزب بين الأ×وين أصبحت حربًا بين الأختين أيضاً. وعندما خرج جروبوس من مأواه في أسبندوس وانتصر على أخيه واستولى على أنطاكية، كانت كليوبترا الرابعة في هذه المدينة لكنها فرت إلى معبد أبولو في دفنه. ويقال أن الملك المنتصر كان يعتزم العفو عن شقيقة زوجه، غير أن تروفاينا لم تشارك زوجها هذا العطف على أختها وأمرت بإعدامها (عام 112). و يقال أيضاً أن يدي كليوبترا الرابعة قطعت لانتزاعها من المذبح المقدس الذي تعلقت به، وأنها لفظت نفسه الأخير وهي تستمطر اللعنات على أختها، التي لم تلبث أن لقيت حتفها في العام التالي، عندما وقعت في بضة قوزيقنوس الذي قتلها لتهدئة روح أختها (عام 111). وقد أخذت المملكة السورية في الإنهيار نتيجة لانقسامها بين الأخوين، إذ أن جروبوس كان يحكم سوريا السلوقية وقوزيقنوس جوف سوريا. ووسط انهيار السلطة المركزية، أخذت المدن الإغريقية في سوريا تتصرف باطراد كما لو كانت دولاً مستقلة وتحارب أو تتحالف مع بعضها بعضًا كما يحلو لها، وانفصلت قوماجيني (Commagene) عن الدولة، وأصبحت قيليقيا مأوى للقراصنة، وازدادت قوة النبط وكذلك إمارة اليهود، التي أخذت تتابع فتوحاتها في كنف حاكمها وكاهنها الأكبر هورقانوس (Hyrcanos).

انفجار الصراع في أسرة البطالمة، طرد بطلميوس التاسع ليخلفه العاشر:

وقد أفضت أحداث سوريا إلى انفجار الصراع الكامن في أسرة البطالمة، ذلك أن قوزيقنوس حاول عبثًا طرد جروبوس من دمشق والدفاع عن مدن مملكته من اعتداء اليهود عليها. وعندما حاصر اليهود مدينة ساماريا (Samaria) الإغريقية في أواخر أيام هورقانوس، واستغاثت بقوزيقنوس وهزمه اليهود، ناشد مساعدة بطلميوس التاسع (عام 108) فأرسل إليه جيشًا مكونًا من 6000 رجل، لكنه لم يكن نصيب هذه النجدة سوى الهزيمة، وقتل أحد القائدين اللذين تركهما قوزيقنوس أمام ساماريا، واشترى اليهود خدمة الآخر، واستولوا على المدينة وذبحوا أهليها.

وقد أثار تصرف بطلميوس التاسع غضب كليوبترا الثالثة فصممت على تدبير خطة تؤدي إلى أن يخلع الشعب الملك الذي فرضه هذا الشعب عليها. وذات يوم جرى بعض خصاة القصر في الشوارع منخضبين بالدماء وهم يتصايحون بأن الملك أراد قتل أمه وأنهم جرحوا في أثناء دفاعهم عنها. وقد ألهبت هذه المسرحية عواطف الشعب فسارع إلى القصر للقضاء على ذلك الملك العاق، لكنه تمكن من الهرب بحرًا تاركًا وراءه زوجه وابنيه (عام 107).

وعندئذ استدعت كليوبترا ابنها الإسكندر بطلميوس العاشر وأشركته معها. وإذا كانت آخر وثيقة وصلت إلينا من عهد كليوبترا الثالثة وبطلميوس فيلومتور سوتر مؤرخة في 23 من أكتوبر عام 107، فإن أول وثيقة لدينا من عهد كليوبترا الثالثة وبطلميوس اسكندر الأول ترجع إلى 15 من نوفمبر عام 107، ومن ثم فإن طرد بطلميوس التاسع يكون قد وقع بين هذين التاريخين. وتشير القرائن إلى أن هذا الملك كان قد خلع مرتين قبل ذلك:
أحداهما لمدة بضعة شهور في أواخر عام 110، والآخر لمدة بضعة شهور أيضاً في النصف الأول من عام 108. وقد سارع الرومان إلى الاعتراف بالملك الجديد، ولا شك في أنه كان يسرهم أن يروا الأسر المالكة في شرق البحر المتوسط تسعى إلىح تفها بظلفها.

ولا يفوتنا أن نبين هنا أن كليوبترا قد غضبت من تصرف ابنها لثلاثة أسباب: أولها، هو أنها كانت تميل إلى جروبوس وتكره قوزيقنوس، فهي لم تغفر له زواجه من ابنتها كيلوبترا الرابعة التي خرجت على طاعتها. والسبب الثاني هو أنه كان ليهود بيت المقدس الذين ازدادت قوتهم زيادة كبيرة تأثير على يهود الإسكندرية، ولاشك في أن هؤلاء قد أغضبهم أن يخف بطلميوس التاسع إلى مساعدة قوزيقنوس على بني جلدتهم، ويظهر أن كليوبترا كان تتطلع إلى الاستعانة بيهود الإسكندرية، لتأييدها في الصراع الداخلي، وبيهود بيت المقدس للتدخل في سوريا تدخلاً مثمراً، ولذلك اقتفت كليوبترا سياسة أبويها، فيلومتور وكبيلوبترا الثانية، في التودد إلى اليهود، ولم تتبع سياسة فيلوبانور ويورجتيس الثاني المناهضة "لشعب الله المختار". والسبب الثالث، هو أن أقدام الابن على سياسة تعارضها الأم ينهض دليلاً على إفلاته من قبضتها وتحديه لها تحديًا سافرًا لم يكن في وسعها تجاهله، إلا إذا كانت مستعدة للنزول له عن سلطتها، وهذا أمر لم يدر طبعًا بخلدها.

وقد فر لاثوروس هاربًا إلى قبرص فأرسلت أمه قوة ضده. بيد أنه إذا صح ما يوريه يوستينوس، فإن لاثوروس أبى الاشتراك في حرب سافرة مع أمه، وفضل على ذلك الانسحاب إلى سلوقية قرب مصب نهر العاصي، لكن أمه أبت أن تتركه في سلام وجدرت حملة لطرده من تلك المدينة، ومعلوماتنا عن هذه المطاردة محدودة، فهي مقصورة على ما يرويه ديودوروس من أن الملك الطريد كشف أن أحد أصدقائه كان يتآمر ضده فألقى القبض عليه ولم يعد يعد ذلك يثق في أحد. بيد أننا نعرف أن لاثوروس عاد بعد وقت قصير إلى قبرص وأن أمه اخفقت في طرده من تلك الجزيرة.

دولة اليهود:

وقد أصبحت دولة اليهود، صديقة روما، أقوى جزء في سوريا. إذ أنه في نهاية عهد هورقانوس كان اليهود يملكون كل الإقليم جنوبي الكرمل، فيما عدا مدن الساحل: عكا وعمقلان وغزة ودورًا وستراتونوبورجوس (Stratonopyrgos) وعندما توفي هورقانوس خلفه ابنه أريستوبواوس (Aristobolos) لكنه لم يحكم إلا عامًا واحدًا (104-103)، لأنه قتل أمه وأخاه فقضى عليه وخز الضمير، غير أنه في خلال حكمه القصير أرغم الجليليين بحد السيف على اعتناق اليهودية. وبعد وفاته أقامت أرملته سالومي (أو سالينا) ابنًا آخر لهورقانوس يدعى يانايوس (Jannaios) اسكندر، يبدو الآن محققًا أنه كان أول من اتخذ لقب ملك في دولة اليهود الجديدة. ويمكن تتبع اتجاهين هامين في دولة اليهود منذ أن فازت باستقلالها حتى نهاية حكيم يانايوس اكندر، وهما ابتعاد أسرة هاسمونايوس الحاكمة تدريجيًا عن حزب القديسين، واتساع نطاق هذه الدولة تدريجيًا بالفتوحات. وقد بلغ هذان الاتجاهات ذروتهما في عهد يانايوس، حين امتدت حدود دولة اليهود حتى كادت تطابق حدود مملكة داود.

بطلميوس التاسع والعاشر وكليوبترا الثالثة يحاولون استرداد جوف سوريا:

وعندما حاصر يانايوس إسكندر مدينة عكا، استغاثت هذه المدينة بطلميوس التاسع (عام 104) فرأى هذا الملك الطريد في ذلك فرصة فريدة لدخول مصر ثانية عن طريق سوريا، كما حاولت زوجة الأولى كليوبترا الرابعة من قبل. ولعله رأى في ذلك أيضاً فرصة لاسترداد جوف سوريا. وتبعًا لذلك فإنه خف إلى عكا على رأس جيش جمعه في قبرص، يحدوه الأمل ويشجعه ما أنهاه إليه سفراء عكا من أنه سيلقى عونًا من المدن الإغريقية الساحلية. لكنه في اللحظة التي نزل فيها إلى البر، علم أن عكا قد غيرت رأيها إلى حد أنها رفضت استقباله، إذ أنه في هذه الدولة السلوقية المقطعة الأوصال كانت المدن أو الأمراء دائمًا على استعداد للإستغاثة بقوى جيرانهم البطالمة، لكن هذه القوى كانت لا تكاد تظهر حتى يثير الخوف وسوء الظن أولئك المتغيثين. وقد جرب ذلك فيلومتور ومن بعده بطلميوس التاسع. وعندئذ عمل ذلك الرجل الماهر يانايوس على شراء خدمات بطلميوس التاسع بمبلغ كبير قدره 400تالنت، وحضه على الاستيلاء على إقليم زويلوس (Zoilos) طاغية استراتونوبورجوس لإعطائه لليهود. وفي الواقع استولى بطلميوس على شخص الطاغية، لكنه علم أن يانايوس كان يتفاوض في الوقت نفسه مع كليوبترا الثالثة، فزحف ضد الملك اليهودي وأنزل به عند أسوفون هزيمة فادحة كانت عبارة عن مذبحة مروعة. وتشويها لسمعة بطلميوس نشر اليهود قصة فحواها أنه لكي يبث بطلميوس الرعب في نفوس خصومه أمر بأن تقطع النساء والأطفال إربًا، والتهم الجنود هذه الأشلاء بعد طهيها. ولم يستح المؤرخ اليهودي يوسف أن يردد هذه القصة التي تثير السخيرة. وبعد ذلك استولى بطلميوس عنوة على عكا. وكان طبيعياً أن كليوبترا الثالثة شهرت السلاح ضد أبنها، إذ لابد من أنها فطنت إلى نواياه وأدركت ما قد تجنيه من وراء حملة سوريا، ولذلك فإنها تحالفت مع يانياوس وجروبوس الذي زوجته كليوبترا سليني.

ولما كانت كليوبترا الثالثة قد أودعت الجانب الأكبر من كنوزها ووصيتها وأحفادها في حراسة معبد أسقلبيوس بجزيرة قوس، فإن هذه الاحتياطات تدل على إدراكها أنها بخروجها من مصر هي والملك والجيش والأسطول وترك مصر دون دفاع والإكندريين طليقين من كل قيد، كانت مقدمة على مخاطرة جسورة. ولا شك في أنه لم يدفعها إلى ذلك إلا الأمل في الفوز بجوف سوريا. وقد فطن إلى هدفها أعداؤها وأصدقاؤها جهودهم في صدها ولم يتحمس يانايوس وجروبوس لتحقيق هدفها. وقد طاردت بطلميوس التاسع الجيوش المصرية بقيادة خلقياس (Chelkias) وأنانياس (Ananias) وكذلك الأسطول بقيادة بطلميوس العاشر الإسكندر الأول. لكن وفاة خلقياس أخرت المطاردة وأتاحت لبطلميوس لانوروس فرصة الهرب جنوبًا صوب غزة. ومع ذلك فإن كليوبترا استولت على عدة من المدن الساحلية ووصلت حتى عكا، حيث خف يانايوس لتحية ملكة مصر.

ويروي المؤرخ يوسف أن بعض "الأصدقاء" أو عزوا إلى كليوبترا بخلع يانايوس والاستيلاء على مملكته، لكن أنانياس نصحها بعدم الإقدام على ذلك العمل الذي كان لابد من أن يفقدها صداقة اليهود قاطبة، فأصغت إلى هذه النصيحة وعقدت مع يانايوس محالفه أطلقت يده في تحقيق أطماعه. وفي تلك الأثناء كان لاثوروس قد وصل إلى غزة وعجزت كليوبترا عن ضم هذه المدينة إلى جانبها، فقد كانت غزة خصمًا عنيدًا لليهود ومن يحالفهم. ومن غزة تابع لاثوروس زحفه صوب مصر مؤملاً مفاجأتها قبل عودة جيش كليوبترا إليها، لكن كليوبترا ما كادت تعلم بزحفه حتى أرسلت جانبًا من جيشها بحرًا فبلغ بلوزيون قبل وصول لاثوروس إليها، مما اضطره إلى الانسحاب إلىغ زة حيث قضى الشتاء مع جيشه الصغير. وانتهى الأمر بعودته إلى قبرص، وعودة كليوبترا الثالثة إلى الإسكندرية (حوالي عام102)، بعد شهور طويلة من حرب لم يتنفذ منها إلا اليهود، الذين انقضوا بعد ذلك على المدن التي كانت لا تزال حرة، وهي جادارا (Gadara) في وادي الأردن، وعسقلان وغزة على الشاطئ. وقد تبع الإستيلاء على غزة (عام 96) مذابح مخيفة، ثم عاد بانايوس إلى بيت المقدس بعد أن حول هذا الشاطئ المزدهر إلى صحراء بلقع.

وفاة كليوبترا الثالثة:

ولم تعمر كليوبترا الثالثة طويلاً بعد محاولتها السورية غير المجدية، إذ أنها توفيت فيما بين 14 و26 من أ:توبر سنة 101 ق.م. ذلك أنه ورد ذكر كليوبترا الثالثة بوصفها شريكة بطلميوس إسكندر في وثيقة ترجع إلى التاريخ الأول، في حين أنه منذ التاريخ الثاني أخذت الوثائق تذكر هذا الملك مع برنيقي الثالثة ابنة بطلميوس التاسع. وبوفاة كبيوبترا الثالثة أصبح بطلميوس العاشر إسكندر الأول ملك مصر اسمًا وفعلاً. ولا نكاد نعرف شيئًا عن هذا الملك، الذي يحدثنا معاصره بوسيدونيوس (Posidonios) الرودسي بأنه كان كأبيه "البطين" منتفخًا من الشحم، إلى حد أنه كان يعجز عن المشي إلا إذا سنده خادم من كل جانب لكنه إذا شرب حتى ثمل أظهر رشاقة فائقة في أداء الرقصات الخليعة. ويتهمه يوستنيوس وباوسانياس وأثينايوس بقتل أمه. ويروي لنا يوستينوس كيف أن هذه الجريمة أثارت غضب الإسكندريين على الملك، إلى حد أنهم ثاروا عليه وطردوه من الإسكندرية. ولسنا نعرف عن يقين إذا كانت كليوبترا الثالثة قد ماتت ميتة طبيعية أم أن ابنها عجل بموتها، لكنه من المؤكد أن وفاتها لم يتمخض عنها طرد ابنها، أو على الأقل أن ابنها لم يطرد عقب وفاتها مباشرة، فقد انقضى بين الحادثتين أثنا عشر عامًا تقريبًا. ولا نعرف شيئًا عن أحداث مصر في هذه الفترة، وأما عن سوريا فإنه قضت على جروبوس طعنات وزيره هيراقليون وتزوجت أرملته سليني من منافسه قوزيقنوس (عام 96)، الذي هزمه وقتله سلوقس السادس أين أخيه، إذ أن فرعي هذه الأسر المنكودة كانا في حرب مستمرة. وقد أفاد الرومان من هذا الاضطراب، فضموا قيليقيا بعد أن أصبحت مأوى للقراصنة.

بطلميوس أبيون يورث قورينايئة لروما:

ويبدو أن أبيون قنع بحكم قورينايئة دون الاستقلال بها إلى أن انفجر الصراع بين كليوبترا الثالثة وبطلميوس التاسع، فأعلن أبيسون استقلاله في عام 107 عندما طرد من الإسكندرية بلطميوس التاسع وهو الذي كان أبيون قد تهد بالاعتراف له بالسيادة. ويبدو كذلك أنه لكي يؤمن أبيون استقلاله ويفوز بتأييد روما، اقتفى أثر أبيه في عام 155 فأوصى بقورينايئة لروما من بعده. وتبعًا لذلك فإنه عندما توفي في عام 96 آلت مملكته إلى روما، فكانت قورينايئة أول جزء من إرث البطالمة يقع في قبضة روما، غير أنها لم تباشر في الحال حكم قورينايئة، بل سمحت لمدنها الخمس بأن تتولى بنفسها إدارة، أو على الأصح، سوء إدارة شئونها. وقد اكتفت روما بالاستيلاء على أملاك التاج هناك، وبفرض ضريبة على النبات الطبي سيلفيون (Silphion) وكان محصول قورينايئة الرئيسي. ولم تصبح قورينايئة ولاية رومانية إلا في عام 74 ق.م.

طرد بطلميوس العاشر:

وفي عام 89 ق.م كان بطلميوس العاشر، بسبب سلوكه وخوار عزيمته إزاء ضياع قورينايئة، قد أصبح شخصية كريهة، إلى حد أن الإسكندريين ثاروا عليه، وانضم الجيش إلى الثوار فرأى نجاته في الفرار من البلاد. وعندما استطاع بعد ذلك بقليل استرداد الإسكندرية بمساعدة قوة من المرتزقة، ثار عليه الإسكندريون وطردوه ثانية. فقد انفجر مرجل غضبهم عليه، لأنه سطا على مقبرة الإسكندر الأكبر واستولى على التابوت الذهبي الذي دفن فيه، لكي يتمكن من دفع أجور جيشه الجديد. وقد فر بطلميوس العاشر إلى لوقيا ومعه زوجه الملكة برنيقي الثالثة وابنته، لكنه لم يلبث أن هلك في معركة بحرية وهو يحاول، في رأي البعض، الوصول إلى قبرص، وفي رأي البعض الآخر، استعادة مصر من جديد (عام 88).

بطلميوس التاسع يسترد عرشه:

وبوفاة بطلميوس العاشر خلا الجو لأخيه الأكبر بطلميوس التاسع، الذي اسدعاه الإسكندريون ليتولى ثانية حكم مصر وقبرص. ولما كانت آخر وثيقة مؤرخة باسم بطلميوس إسكندر ترجع إلى 6 من سبتمبر عام 88، وكانت قد وصلت إلينا من منطقة طيبة وثيقة بتاريخ 4 من أ:توبر عام 88 ومؤرخة باسم بطلميوس فيلومتور سوتر، فإن هذا يدل على أنه في خلال الفترة الواقعة بين هذين التاريخين طرد الأول واستعاد الثاني عرشه.

ولما كان بطلميوس التاسع قد بلغ عندئذ الرابعة والخمسين تقريبًا، وكانت لأحداث قد ملأت نفسه مرارة، فإنه للوفاء بمقتضيات التقاليد التي كانت تحتم وجود زوجين على العرش لم يفرك في الزواج من جديد وإنما استدعى من لوقيا ابنته برنيقي الثالثة وهي التي كانت زوجة بطلميوس العاشر، وأشركها معه في الملك وعرفاً سويًا باسم الإلهين فيلادلفوس فيلومتورس سوترس.

وفي الحال أقلق بال بلطميوس التاسع في خلال الفترة الثانية من حكمه ثورات المصريين، فزحف (عام 88) على طيبة، معقل الثورة، واشتبكت قواته معها في حرب دامت ثلاث سنوات وانتهت بتخريبها (عام 85). وفي ذلك الوقت كانت الحرب مستعرة بين روما وميثريدانس يوباتور ملك بونتوس. وكانت سياسة مصر تؤثر السلامة والعافية، فقد كانت تنطوي على الحياد إلى أن تتبين لها نتيجة هذا الصراع العنيف. وكان لسياسة الإسكندرية بعض العذر في ترددهم، فقد كان لا يتيسر لأحد عندئذ أن يتنبأ بالمستقبل، ويعرف أكانت روما أم بونتوس هي التي ستصبح أقوى دولة في الشرق الأوسط. ذلك أنه في عام 88 قهر ميثريدتيس جيشًا رومانيًا في آسيا الصغرى، واستولى على ولاية آسيا الرومانية، وأرسل قوة إلى بلاد الإغريق، حيث ثارت أثينا على روما، ومع ذلك فإن روما كانت لا تزال قوة يخشى بأسها. وفي خلال تقدم ميثريداتس غربًا، استولى على قوس، فوقع في قبضته أحفاد كليوباترا الثالثة والكنوز المصرية، وكانت كليوبترا الثالثة قد أرسلتها إلى هذه الجزيرة مع أحفادها لتكون الكنوز وهؤلاء الشبان في مكان أمين في أثناء حربها مع بطلميوس التاسع. وقد كان هؤلاء الشبان في مكان أمين في أثناء حربها مع بطلميوس التاسع. وقد كان هؤلاء الشبان ابنى بطلميوس التاسع وكذلك ابن بطلميوس العاشر من زوجة لا نعرف من كانت، وإن كان البعض يظن أنها كليوبترا الرابعة إذا صح أنها تزوجت بطلميوس العاشر مدة وجيزة في الفترة بين انفصالها عن بطلميوس التاسع وزواجها من أنطيوخوس التاسع قوزيقنوس، ولكننا نستبعد ذلك لأننا لا نعقل أقدام بطلميوس العاشر على تحدي أمه بالزواج من أخته بعد أن طلقها أخوه الأكبر بأمر الأم. ويفسر بقاء ابن بطلميوس العاشر طوال هذه المدة في جزيرة قوس بعدم اطمئنان أبيه إلى مركزه على عرش مصر في تلك الأثناء ولعل هذا يفسر أيضاً الاحتفاظ بالكنوز المصرية في قوس. وعقب وفاة بطلميوس العاشر، كان ابنه هذا وابنا عمه هم الورثة الشرعيون لعرش مصر بعد بطلميوس التاسع، ولذلك فإنه كان يقلق بال الإسكندرية وقوعهم في قبضة ملك بونتوس.

وعندما تولى النبيل الروماني صلا قيادة الحرب ضد ميثريداتس، وأخذ يضيق الخناق على قوات ميثريداتس في بلاد الإغريق، كان ميثريداتس لا يزال قوة يخشى بأسها، هذا إلى أن مقاليد الأمور في روما لم تلبث أن انتقلت إلى الشعبيين خصوم صلا الذين اعتبروه عدوًا للدولة. ولما كان يتعذر عندئذ التنبؤ سواء بنتيجة الصراع الراهن بين ميثريداتس وصلا أم بنتيجة الصراع المقبل بين صلا وخصومه الرومان، فإن مصر وغيرها من الدولة الموالية لروما كانت لا تميل إلى توريط أنفسها بتقديم مساعدات كبيرة إلى صلا خشية اغضاب ميثريداتس من ناحية والحكومة الرومانية المناهضة لصلا من ناحية أخرى. وتبعًا لذلك فإنه في شتاء عام 87/86، حين كان صلا يحاصر أثينا، وجاء رسوله لوقولوس (Locullus) ى الإسكندرية يطلب إمدادًا من السفن، أحسن بطلميوس التاسع استقباله، لكنه لم يعطه إلا عددًا قليلاً من السفن لتصحبه حتى قبرص (عام 86)، وإن كان قد عرض عليه عدة هدايا لم يقبل منها لوقولوس إلا حجرًا كبيرًا من الزمرد عليه صورة للملك، رأى من الحكمة ألا يرفضه خشية أن يغضب الملك فيوعز بقتله في عرض البحر، مما يشير إلى الفكرة التي كونها المبعوث الروماني عن أخلاف الملك. بيد أن الأثينيين أفاضوا في امتداح بطلميوس التاسع بسبب سخائه في مساعدتهم على إعادة بناء مدينتهم، بعد الأهوال التي أنزلها صلا بأثينا انتقامًا من خروجها على طاعة روما. وقد شهد باوسانياس بعد ذلك بقرنين التمثالين اللذين أقامهما الأثينيون لبطلميوس التاسع فيلومتور سوتر وبرنيقي الثالثة عند مدخل الأوديون (Odeon). وقد توفي هذا الملك في الثانية والستين تقريبًا من عمره، في أواخر عام 81 أو أوائل عام 80 ق.م، وكان يشوبه شيء من الضعف وميل إلى القسوة، لكنه كان بريئًامن الأطماع الجامحة.

مصرع برنيقي الثالثة وبطلميوس الحادي عشر:

وعندما توفي بطلميوس التاسع فيلومتور سوتر دون أن يوجد في مصر من سلالته الشرعية سوى ابنته برنيقي الثالثة، آل الملك إليها بمفردها. ولم يعترض الإسكندريون على ذلك، لأنهم كانوا يحبونها حبًا جمًا، ويخشون تجدد الخلافات الأسرية إذا أثاروا مشكلة حق إمرأة لا زوج ولا وريث لها في التربع على العرش بمفردها، فأثروا الهدوء والسكينة على مراعاة التقاليد مراعاة دقيقة.

ويحدثنا باوسانياس بأن برنيقي كانت الذرية الشرعية الوحيدة التي أنجبت بطلميوس التاسع. ومعنى ذلك أن ابنيه اللذين كانا في قوس، وأصبح أحدهما ملك مصر بطلميوس الثاني عشر والآخر بطلميوس ملك قبرص، لم يكونا شرعيين. لكن يوستينوس يحدثنا بأن بطلميوس التاسع أنجب ولدين من كليوبترا سليني. وفي نقش من قورينايئة ورد ذكر ابن بطلميوس التاسع من كليوباترا سليني. ويحدثنا شيشرون بأن بطلميوس الثاني عشر كان ابنًا شرعيًا لبطلميوس التاسع. وإزاء هذه القرائن نرجح أن ابني بطلميوس التاسع (وهما اللذان كانت كليوبترا الثالثة أرسلتهما إلى قوس حوالي عام 103 محافظة على سلامتهما ثم وقعا في قبضة ميثريداتس) كانا ابنين شرعيين. ويبدو لنا أنهما لو كانا غير شرعيين لما عنى ميثريداتس بأن يخطبهما لابنتيه على نحو ما سنرى، ولما عنيت كليوبترا الثالثة بإرسالهما إلى قوس مع الابن الشرعي لعمهما. وإذا كان من الواضح أنها أرسلت ابن بطلميوس العاشر محافظة على سلامته، فلعل الغرض الظاهر من إرسال ابني بطلميوس التاسع كان أيضًا المحافظة على سلامتهما، لكنه لعل الغرض الحقيقي كان الخوف من أن ينتهز خصومها فرصة تغيبها عن مصر فيتآمروا على إقامة أحدهما ملكًا.

وقد مر بنا أنه عندما استولى ميثريداتس على قوس (عام 88) وقع في قبضته أولئك الشبان الثلاثة، لكن ابن بطلميوس العاشر تمكن من الفرار والانضمام إلى ثلا الذي أخذه معه إلى روما (عام 83). وعندما توفي بطلميوس التاسع. كان صلا قد أصبح دكتاتور روما وسيد العالم الروماني. ولا أدل على مدى ما وصل إليهالنفوذ الروماني في مصر من أنه عندما قرر صلا أن يقيم على عرشها صنيعة له يلوذ بحمايته، وأرسل بعد وفاة بطلميوس التاسع ببضعة شهور بطلميوس إسكندر الثاني، إلى الإسكندرية مزودًا بأمر منه، لم يكن في وسع الإسكندريين مناهضته، فنؤدي بهذا الشاب ملكًا "بطلميوس الحادي عشر إسكندر الثاني" وتزوج برنيقي الثالثة ابنة عمه، وكانت أيضًا زوج أبيه فيما مضى. ولسنا نعرف إذا كان هذا الزواج قد تم بناء على توصية صلا بقصد التوفيق بين فرعي الأسرة، أو أن الإسكندريين هم الذين فرضوه على الملك الجديد، فقد جرت التقاليد بأن يتخذ الملك لنفسه زوجة من الأسرة المالكة، ولم تبق في مصر سيدة من نسل البطالمة الشرعي سوى برنيقي. وفضلاً عن ذلك فإنه وفقًا لأحكام القانون الخاص الإغريقي كان يجب على الوريثة أن تتزوج أفرب أقاربها حفاظًا على الإرث في الأسرة.

ويبدو أن برنيقي لم تعبأ بهذا التغير، لاعتقادها بأنها ستستطيع السيطرة على زوجها الصغير ووضع كل السلطة الفعلية في قبضتها، إذ أنه لم يكن معقولاً ولا مكنًا أن تنزل تلك الملكة طائعة عن السلطة التي تمتعت بها مدة طويلة، لكن بطلميوس الحادي عشر، برغم صغر سنه، كان مصممًا على أن يكون ملكًا اسمًا وفعلاً. ولذلك فإنه سرعان ما ضاق ذرعًا بزوجه وقتلها في اليوم التاسع عشر من زواجه منها، دون أن يدخل في حسابه الإسكندريين الذين أثارهم مقتل ملكتههم المحبوبة إلى حد أنهم انقضوا على القصر في الحال، وجروا الملك منه وقتلوه في الجومنازيوم، فلم يدم حكمه أكثر من تسعة عشر يومًا.

ضياع إمبراطورية البطالمة وتغلغل النفوذ الروماني في مصر:

ويتضح بجلاء مما مر بنا أنه منذ أن فقد البطالمة إمبراطوريتهم على عهد بطلميوس الخامس، اقتصرت سياستهم الخارجية ـ بقدر ما سمحت لهم الثورات القومية والمنازعات الأسرية والسياسة الرومانية ـ على محاولة بلطميوس السادس والتاسع والعاشر وكليوبترا الثالثة استرداد جوف سوريا، لكنهم باءوا بالفشل وفقدوا أيضًا قورينايئة. وقبل فشل بطلميوس السادس في استرداد جوف سوريا، نكب بهوجوم أنطيوخوس الرابع الذي لم ينقذ مصر من براثنه إلا تدخل روما، لا حبًا في استقلال مصر، ومن ثم فإن البطالمة أصبحوا يدينون لروما بعرضهم. ولا أدل على ذلك من اعتماد كل من بطلميوس السادس والثامن على روما لتأييد قضيته في أثناء نزاعهما، فلا عجب أن أفضى ذلك كله إلى ازديايد نفوذ روما في مصر. وينهض دليلاً على هذا النفوذ إقامة بطلميوس الحادي عشر على عرش مصر بأمر صلا.وإذا كانت روما قد انتهزت كل الفرص لتسيطر على السياسة المصرية في الداخل وفي الخارج، فإن مصر كانت لا تزال تحتفظ باستقلالها على الأقل في الظاهر. وعندما وقع الشرق تدريجيًا في قبضة الجمهورية الرومانية، أصبح مصير مصر مثل مصير باقي العالم الهلينيسي متوقفًا على مصير الصراع بين الأحزاب في روما، على نحو ما سنرى.

منقول

الاستاذ
25-08-2008, 01:50 AM
بطلميوس الثاني عشر

استقلال مصر الاسمى في كفة القدر أو في كفة الصراع

بين الأحزاب الرومانية (عام 80 –عام 51 ق.م.)
أزمات روما في بداية القرن الأول:
اجتازت روما أزمات خطيرة جدًا في بداية القرن الأول قبل الميلاد. ذلك أن سياسة الأنانية التي اتبعتها أحفظت قلوب الإيطاليين إلى حد أنهم قاموا بثورة مسلحة ينشدون استقلالهم ، بعد أن فشلوا في تحقيق المساواة التامة في الحقوق السياسية مع الرومان.
ولم تنجح روما في اخضاعهم في عام 88 ، إلا بعد أن اضطرت إلى الأذعان لكل مطالب الإيطاليين التي رفضتها من قبل. وفي العام نفسه شهدت روما اضطرابات دموية بسبب الخراب المالي ونزاع ماريوس وصلا على قيادة الحرب في الشرق. وقد كان يتعين انقاذ الإمبراطورية التي أسستها روما في آسيا الصغرى وبحر أيجة وبلاد الإغريق من ميثريداتس يوباتور ملك بونتوس الذي اجتاح آسيا الصغرى، واستولت قواته على ديلوس وبلاد الإغريق الجنوبية والوسطى .

وعندما حالف النصر صلا في صراعه مع ماريوس، وجه عنايته إلى درء خطر ميثريداتس. وما كاد صلا يخرج إلى بلاد الإغريق لتحقيق هذا الهدف حتى وقعت في روما اضطرابات عنيفة واستولى الشعبيون على مقاليد الأ/ور واعتبروا صلا عدوًا للدولة (عام 88). بيد أن ذلك لم يفت في عضد صلا، فقد تابع الصراع إلى أن تمكن في عام 85 من ارغام ميثريداتس على عقد الصلح ورده إلى حدوده الأولى، ولكن دون القضاء على قواته المعادية، مما كان من شأنه تجدد المتاعب وعدم استقرار الأوضاع في الشرق الأوسط. وساعد على ذلك قيام دولة جديدة قوية هناك. ذلك أن تيجرانس، ملك أرمينيا وحليف مثريداتس، أسس إمبراطورية مترامية الأطراف، إذ أنه بعدما أصبح سيد أرمينيا وأرتوباتنس (Artopatenes) وأوسروينس (Osroenes) وبلاد ما بين النهرين الشمالية وجوف قيليقيا، توغل في سوريا الثمالية ـ حيث اتخذ أحد ولاته أنطاكية مقرًا له (عام 85) ـ واصطدم مع كليوبترا سليني، مطلقة بطلميوس التاسع وأرملة أنطيوخوس الثامن وأنطيوخوس التاسع وأنطيوخوس العاشر على التتابع. لكن هذه الأرملة لم تنزل عن حقوق أبنيها في عرش سوريا بل ولا في عرض مصر. ولم يلق صلا بالا إلى الخطر المتمثل في ازدياد قوة تيجرانس، إذ أنه بعد عقد الصلح مع ميثريداتس، بادر إلى هزيمة القوة التي كانت الحكومة الشعبية المناهضة له قد أرسلتها ضد ميثريداتس وتوجد عندئذ في آسيا الصغرى، ثم عكف على وضع الأمور في نصابها في ولاية آسيا، وعاد إلى إيطاليا حيث تغلب على أعدائه الذين كانوا قد استولوا على السلطة في أثناء غيابه، وأصبح في عام 82 دكتاتور روما وسيد العالم الروماني.


بطلميوس "الزمار" يرتقى العرش:

وعندما آفاق الإسكندريون من سورة غضبهم، وهي التي دفعتهم إلى الثأر لدم ملكتهم المحبوبة برنيقي الثالثة بقتل بطلميوس الحادي عشر اسكندر الثاني، وجدوا أنفسهم في مأزق حرج، لأنه لم تعد لأسرة البطالمة سلالة شرعية إلا كليوبترا سليني ملكة سوريا وابنا بطلميوس التاسع اللذان كانا في قبضة ميثريداتس، ولأنهم بقتل إسكندر الثاني قتلوا صنيعة صلا وتبعًأ لذلك فإنه كان يتعين عليهم شغل العرش الشاغر قبل أن تتدخل روما في هذه المسألة. وفي هذه الأزمة الخطيرة اتجهت أفكار الإسكندريين إلى ابني بطلميوس التاسع وبادروا بإقامة أكبرهما ملكًا على مصر، أصغرهما ملكًا على قبرص. ولقد اتخذ ملك مصر الجديد (بطلميوس الثاني عشر) لقب الإله فيلوباتور فيلادلفوس، لكنه لم يلبث أن أضاف إلى ذلك أيضًا لقب "نيوس ديونوسوس"، أي ديونوسوس الجديد إشارة إلى ديونوسوس الآخر من أفراد أسرة البطالمة، وهو بطلميوس الرابع. ومع ذلك فإن أكثر ألقابه شيوعًا كان لقب أوليتيس أي "الزمار" الذي أطلقه عليه الشعب، وهو لقب يعبر عن أبرز مواهبه. حقًا ق لا يتعارض عزف أية ألة موسيقية مع الأضطلاع بمهام المك، كما أثبت فردريك الأكبر، لكنه يبدو أن بطلميوس الثاني عشر كان مثل بطلميوس الرابع من حيث اللقب الإلهي وكذلك من حيث الاستسلام للملاذ والشهوات.

ويحدثنا شيشرون بأن بطلميوس الثاني عشر كان "صبيًا مقيمًا في سوريا"، عندما استدعى فجأة لارتقاء العرش. فما الذي أحضر ابن أو ابني بطلميوس التاسع إلى سوريا، وكان أغلبها عندئذ في قبضة تيجرانس؟ مر بنا أن تيجرانس كان حليف ميثريداتس، ولا يبعد أنه في حين أن بطلميوس إسكندر الثاني تمكن من الفرار إلى صلا، بقى ابنًا بطلميوس التاسع في بلاط بونتوس حتى عام 80 ق.م. وإذا كان ميثريداتس قد استولى في جزيرة قوس على ابني بطلميوس التاسع، فإنهما يكونان قد أرسلا إلى تلك الجزيرة مع ابن عمهما أما حوالي عام 103، وفي هذه الحالة لا يمكن أن تكون سن أصغرهما في عام 80 أقل من 22 عامًا وبناء على ذلك فإن وصف شيشرون لبطلميوس الثاني عشر بأنه كان صبيًا عندما استدعى لتولي العرش لا يمكن قبوله إلا على محمل المبالغة الخطابية. وأما أن يكون ابنًا بطلميوس التاسع قد أرسلا إلى قوس في تاريخ متأخر عن عام 103 ببضع سنين وفي هذه الحالة يكون وصف شيشرون دقيقًا. وإذا صح ما رجعناه من أن ابني بطلميوس التاسع كانا قد وقعا في قبضة ميثريداتس وعاشا بعد ذلك ردحًا من عمرها في بلاط بونتوس، فإن هذا يفسر قول أبيانوس أن كريتسي ميثريداتس خطبتا لملكي مصر وقبرص.

وليس من المستبعد أنه عندما توفي بطلميوس التاسع في عام 80، رأى ميثريدائس أن ينتهز هذه الفرصة للقضاء على آمال بطلميوس اسكندر الثاني، صنيعة غريمة صلا، بإرسال ابني بطلميوس التاسع إلى مصر، وقيل أن يفتح أمام مضيفيه هذه الآمال، رأى أن يدعم صلته بهما، فخطبهما لابنتيه تمهيدًا لعقد قرانهما إذا كللا بالنجاح في ارتقاء العرش وإذا كان هذان الشابان قد برحا بونتوس إلى مصر علن طريق سوريا، لكنهما علمًا في الطريق بأن بطلميوس الحادي عشر اسكندر الثاني قد سبقهما إلى مصر مما اضطرهما إلى البقاء في سوريا حتى تنجلي الحالة في مصر، فإن هذا يفسر قول شيشرون أن بطلميوس الثاني عشر كان في سوريا عندما استدعى لارتقاء عرش مصر.

وترينا وثيقة ديموتيقية بتاريخ شهر يناير عام 79 أنه كانت لبطميوس الثاني عشر عندئذ زوجة تدعى كليوبترا تروقاينا، وأن الزوجين كانا يحملان سويًا لقب "الإلهين فيلوباتورس فيلادلفوي Thooi Philopatores Philaaelphoi". وإذا كنا لا نعرف من كانت هذه الملكة الجديدة (كليوباترا السادسة)، فإن أرجح الاحتمالات هو أنها كان أخت بطلميوس اوليتيس (الزمار). ومن الغرب أن بطلميوس الزمار أحل حتى شهر مارس عام 76 حفل تتويجه على نهج الطريقة الفرعونية، مع أن ذلك كان يكسب مركزه صبغة شرعية في نظر المصريين، وأنه لم يتوج في منف وأنما في الإسكندرية، وإن كان بشر في فتاح كبير كهنة منف هو الذي قام بتتويجه.

روما ترفض الاعتراف بالملك الجديد:

وبرغم أن بطلميوس الثاني عشر ارتقى عرش مصر بمحض إرادة الإسكندريين ورغبتهم، فإن روما رفضت الاعتراف بالملك الجديد، ومن ثم فإنه نشأت في السياسة الرومانية "مسألة مصرية"، وأصبحت العلاقات دقيقة جدًا بين مصر وروما. وقد سرت في روما عندئذ أنباء خطيرة، فحواها أن بطلميوس الحادي عشر أورث مصر لروما بمقتضى وصيته الأخيرة. وإذا صح أن هذا الملك ترك مثل هذه الوصية ـ مقتفيا في ذلك أثر وصية بطلميوس ملك قورينايئة في عام 155، ووصية أنالوس الثالث ملك برجام في عام 133، ووصية بطلميوس أبيون ملك فورنايئة في عام 96 ـ فإنه من المستبعد أن يكون قد وجد فرصة لعمل هذه الوصية في خلال حكمه القصير، ويرجح أن يكون صلا هو الذي أرغمه على ذلك قبل أن يسمح له بمغادرة روما، ويأمر الإسكندريين بتوليه العرش. بيد أنه لما كان الكلام عن هذه الوصية لم ينقطع طوال عشرين عامًا دون أن يرى أحد نصها على الإطلاق، فإن ذلك يوحى إلينا بأن ب طلميوس الحادي عشر لم يكتب أو يضع توقيعه على مثل هذه الوصية، وبأن الأمر لم يتعد أخذ وعد قاطع منه بإعداد مثل هذه الوصية بعد ارتقاء العرش واستقرار الأمر له، وذلك لتكون الوصية صحيحة بعد ارتقائه العرش واستقرار الأمر له، وذلك لتكون الوصية صحيحة من الوجهة القانونية لكن الظروف لم تمهله لتنفيذ ما وعد به. وإذا صح أن صلا هو الذي ا قتضى هذا الوعد من صنيعته، فإن ذلك يدل على أن دكتاتور روما كان يعتزم إدماج مصر في حظيرة الإمبراطورية الرومانية، لكنه لا صلا ولا حكومة السناتو من بعده خطت أية خطوة لتثأر لمقتل بطلميوس الحادي عشر أو تنفذ وصيته المزعومة.

ولم تنته متاعب بطلميوس الزمار عند حد هذه الوصية المزعومة، إذ أنه في عام 75 جاء إلى روما ابنا أنطيوخوس العاشر وكليوباترا سليني ينشدان المساعدة لاستعادة سوريا من تيجرانس والاعتراف بحقهما في عرش مصر، استنادًا إلى أن أمهما كانت لفترة ملكة مصر، بوصفها ابنة ثامن البطالمة وزوج تاسعهم. لكنه لما كانت روما مشتبكة عندئذ في ثلاثة حروب (مع سرتوريوس، وأسبارتاقوس، وميثريداتس ثانية)، فإنها لم تكن مستعدة لخوض غمار حرب رابعة مع تيجرانس. ومن ناحسة أخرى كانت تفضل أن يكون على عرش مصر ملك ضعيف لم تعترف به، ونستطيع خلعه في أي وقت يتراءى لها ذلك، عن أن تمهد السبيل إلى توحيد المملكتين السورية والمصرية. وعلى الرغم من أنه كان مفهومًا أن السناتو أن يؤيد مطالب الأميرين السوريين، فإنه ترك المسألة معلقة إلى أن نفدذ صبر الأميرين وعادا إلى مأواهما في قيليقيا في عام 73. ولابد من أنه قد أزعج بطلميوس الزمار كذلك أن يرى روما تنفذ في عام 74 الوصية التي تركها بطلميوس أبيون في عام 96، بتحويل قورنايئة عندئذ إلى ولاية رومانية، فخشى بطلميوس الزمار أن يكون ذلك توطئة لتنفيذ وصية بطلميوس الحادي عشر المزعومة.

ولا شك في أنه في خلال هذا الوقت، الذي تحكمت فيه الأطماع الشخصية، وفسدت الذمم، وشاعت الرشوة في روما، حيث كان لكل شيء ثمنه، وكان النبلاء يقبضون على دفة الحكومة الرومانية، رأى النبلاء أنه من الخير لهم ترك المسألة المصرية معلقة، لأنهم كانوا يدركون شدة حرص بطلميوس الزمار على الفوز باعتراف روما، بالرغم من أن هذا الاعتراف كان ينطوي على نوع من الحماية، وأن بطلميوس لن يدخر مالاً لتحقيق أمنيته. ولما كانت ذمم النبلاء الخربة تتسع لكل خبرات مصر على كثرتها، فإن سياسة التسويف والتأجيل كانت تفيض بالخير والبركة على النبلاء الرومان، وفي الوقت نفسه تمنع مصر من الانتعاش واسترداد مكانتها، فتقع لقمة سائغة لهم في أي وقت يريدون الاستيلاء عليها فعلاً.

وقد صدق حدس النبلاء، إذ أن بطلميوس الزمار ـ ذلك الملك الضعيف ـ تكالب على ارضائهم ولم يفز إلا بإزدرائهم. ولكي يحصل على الأموال التي تشبعنهم الرومان، اعتصر رعاياه الذين لم يكن في وسعهم أن يحبوه على الإطلاق. ولا شك في أن عبء الضرائب البطلمية كان يقع قبل كل شيء على كاهل جموع الزراع. لكنه كان لدى الإسكندريين أيضاً من الأسباب ما جعلهم يكرهون هذا الملك، إذ أنهم وقد أحسوا بأن مكانة مدينتهم، بوصف كونها أولى مدن العالم، أصبحت مهددة، أخذوا يغارون من روما ويكرهون بطلميوس الزمار لجشعه وتزلقة الرومان. وهكذا يمكن تفسير تقلبات هذا الحكم المنكود، الذي دام ثلاثين عامًا، وكان مقدمة خالية من المجد للمأساة التي قضت على أسرة البطالمة في العهد التالي.

منح بومبي سلطات استثنائية:

ويبدو أنه في خلال السنوات القليلة التالية لتحويل قورينايئة إلى ولاية رومانية لم يعد أحد في روما يتحدث عن مصر، لكنه كانت تسير قدمًا تلك الأحداث التي جرت روما إلى استكمال فتح العالم، وإلى الحروب الأهلية، وإلى إثارة المسألة المصرية من جديد. ذلك أن الحرب التي شنها نبلاء السناتو في أسبانيا ضد سرتوريوس (Sertorius) ـ وكان أحد زعماء العامة وضاق ذرعًا بفشلهم في مقاومة صلا عند عودته من الشرق فانسحب إلى أسبانيا (عام 83) حيث أخذ يعد العدة للقضاء على حكومة النبلاء (عام 80-71) ـ والاضطرابات التي قطعت أوصال إيطاليا غداة وفاة صلا، والقضاء على ثورة العبيد، دفعت إلى الصف الأول فئة من الرجال كان أشهرهم بومبي الأكبر وليقينيوس قراسوس اللذان خرقا حرمه القواعد الدستورية وتوليا منصب القنصلية لعام 70 رغم أنف السناتو. ولما كان بومبي قد أصبح أعظم القواد الرومان وأقوى شخصية في الجمهورية الرومانية، فإنه منح في عام 67 سلطة استثنائية لقطع دابر القراصنة الذين عاشوا في البحار فسادًا وهددوا مؤنة روما نفسها. وفي عام 66 عهد إلى بومبي بقيادة الحرب الثالثة ضد ميثريداتس، وحين كان الناس يرتجون انتصاره كانوا أيضاً يرهبون عودته، خوفًا من أن يحذو حذو صلا ويقيم ديكتاتورية عسكرية.

حزب الشعب وضم مصر إلى الإمبراطورية الرومانية:

وللقضاء على بومبي إذا سولت له نفسه استغلال انتصاراته في الشرق أحيا قراسوس حزب مايوس القديم، الذي انضمت إليه شخصية قوية كانت لا تزال تتلمس سبيلها إلى الحياة العامة، وهي شخصية يوليوس قيصر. وفي عام 65 تولى قراسوس القنسورية وقيصر الأيديلية، ووضعا نصب أعينهما القيام بالأ‘مال التي تكسبها محبة الجماهير وتضمن لهما نفوذاً كبيرًا في الدولة. وقد كان من أهم مشروعات قراسوس ضم مصر إلى الإمبراطورية الرومانية وتكليف قيصر بالقيام بذلك، وهكذا يضمن الحزب المناوئ لبومبي أن تكون تحت أمرته دولة غنية، يستطيع الدفاع عنها قائد قدير ضد قوات كبيرة، كما أثبت البطالمة الأوائل. ولم تعوز قراسوس الحجج التي تبرر الاستيلاء على مصر فقد كان شائعًا أن بطلميوس الحادي عشر أورث مصر لروما، بمقتضى وصية لم ترتفع فوق مستوى الشبهات إلا أنه لم يثبت بطلانها. ولا غراء الشعب على تنفيذ شروط هذه الوصية المزعومة، كان من اليسير على قراسوس أن يفيض في القول بأن البطالمة كانوا أغنى ملوك عالم البحر الأبيض المتوسط، وبأن قمح مصر الفائض عنها سيتدفق على الأسواق الرومانية. وتبعًا لذلك قدم مشروع قانون بضم مصر إلى الإمبراطورية الرومانية، لكن المشروع رفض بفضل معارضة شيشرون ـ صديق بومبي ـ ومعارضة النبلاء، لا حبًا في مصر، ولا انتصاراً للحرية، وإنما لكي لا يحرموا خيرات مصر التي كانت ولابد من أن تذهب، مادامت الأمور تسير على هذا النحو، إلى خصومهم رجال حزب الشعب. فوقف النبيل قاتولوس (Catulus)، زميل قراسوس في منصب القنسورية، عقبة كأداة في سبيل زميله، واستقال القنوران من وظيفتهما دون القيام بأي عمل من مهامها.

ولم يخرج بطلميوس الزمار من هذه الأزمة لا ليواجه أزمة جديدة، إذ أنه في ديسمبر عام 64 تقدم نقيب العامة رولس (Rullus) بشروع قانون للأراضي، يرمي في ظاهره إلى تخفيف الأزمة الاقتصادية التي يعانيها عامة روما، لكنه يرمي في الحقيقة إلى تقوية حزب الشعب استعدادًا لمواجهة عودة بومبي. وكان المشروع يدور حول إنشاء مستعمرات لعامة روما في الأراضي التي تملكها الدولة في إيطاليا وبخاصة في إقليم قابوا (Capua)، وشراء أراض أخرى إذا لم تكف هذه الأراضي لسد حاجة العامة، على أن يؤخذ المال اللازم لهذا الغرض من بيع جانب من أملاك الدولة التي اكتسبت في الولايات منذ عام 88، وبعهد إلى جلنة مكونة من عشرة أعضاء بتنفيذ هذا المشروع. لكن شيشرون، صديق بومبي، ما كاد يتولى قنصلية عام 63 حتى هاجم هذا المشروع منذ اليوم الأول، فقد أخافه أو تظاهر بالخوف من السلطة التي كانت ستوضع في قبضة لجنة العشرة فيصبح في وسعها أن تتصرف في كافة أقاليم الإمبراطورية، وأكد أن رولوس لم يكن إلا ألعوبة في قبضة شخص قدير، وأن هذا المشروع لم يقصد به إلا مناوءة بومبي والاستيلاء على مصر. وقد قال شيشرون في الخطبة التي ألقاها في السناتو:

"إن ما كانوا يستهدفونه صراحة يسعون إليه الآن خفية وسيقول أعضاء لجنة العشرة ما قاله وما يزال يردده الناس كثيرًا وفي مقدمتهم القنصلان، أنه بمقتضى وصية الملك إسكندر قد أصبحت المملكة المصرية ملكًا للشعب الروماني. وهكذا ستسلمون الإسكندرية إلى أولئلك الرجال أنفسهم الذين يمطمحون إليها الآن بدهاء، في حين أنكم أنكرتموها عليهم عندما كانوا يكافحون من أجلها في وضح النهار". وبعد ذلك ببضعة أيام عدد شيشرون أمام الشعب الأقاليم التي كان يمكن أن تدخل في نطاق نصوص هذا المشروع الفضفاضة، وذكر أن من بين هذه الأقاليم "الإسكندرية ومصر بأجمعها التي يخفونها ويسدلون الستار عليها، وسلمونها لأعضاء لجنة العشرة دون أن يظهر ذلك". وقد وفق شيشرون في مهاجمة هذا المشروع إلى حد أن رولس اضطر إلى سحبه. وهكذا خرج "الزمار" من أزمة تلو أزمة بفضل خصوم الشعبين الرومان، ومع ذلك فإنه لم ينج كلية من الخطر، إذ أن الذين أنقذوه لأغراشهم الخاصة أو لأغراض السياسة الرومانية الداخلية، لم ينزلوا له عن حق روما في مصر ولم يعترفوا به ملكًا شرعيًا. وإذا كان في روما من وقف حائلاً دون ضم مصر إليها، فقد كان فيها أيضًا الذين يعملون جاهدين على تحقيق ذلك. ويدل هذا كله على أن المسألة المصرية كانت مائلة على الدوام في عقول الساسة الرومان، إلى حد أنها أصبحت سلاحًا تتنازع الأحزاب على استغلاله.

وحين كان خصوم بومبي يحاولون على هذا النحو تقوية أنفسهم، كان بومبي يحرز انتصارات باهرة في الشرق. ذلك أنه أنزل بشيريداتس هزيمة فاصلة في عام 66 فر بعدها إلى القوم حيث غدر به ابنه فارناقس (Pharnaces)، وأصبحت مملكة بونتوس وبقية آسيا الصغرى خاضعة لوما. وفي العام التالي أرغم تيجرانس على الارتداد إلى أرمينيا، وفي عام 64 حول بومبي سوريا إلى ولاية رومانية، وفي عام 63 فتح فلسطين. ولما كان بطلميوس الزمار يخشى قسوة بومبي ويريد كسب جانبه، فإنه أرسل فرقة مؤلفة من 8000 فارس لتساعده على فتح فلسطين، ذلك الإقليم الذي كان البطالمة يطالبون به، لكن هذا العمل أوغر صدر الإسكندريين ضد مليكهم، فاستبد به الخوف من جراء ذلك مما حدا به إلى أن ينشد مساعدة بومبي لرد العاصمة إلى صوابها، ولذلك فإنه أمطر بومبي وجيشه بوابل من الهدايا ودعاه إلى زيارة مصر، لكن بومبي قبل الهدايا ورفض الدعوة. ومع ذلك فإن خوف الإسكندريين من تدخل الرومان كان كافيًا لتهدئة روعهم، ولا أدل على خوف الإسكندريين من الاشتباك مع روما مما يرويه ديودوروس، الذي زار مصر حوالي عام 60 ق.م. فهو يؤكد أن الإسكندريين كانوا يبالغون في الحفاوة بكل زائر من إيطاليا.

قيصر يستصدر قانون الاعتراف بيطلميوس الزمار:

وفي ديمسبر عام 62 ما أن وصل بومبي إلى برونديسيوم حتى سرح قواته جميعًا، وذهب إلى روما حيث أظهر استعداده للتفاهم مع السناتو، وكان كل ما يبتغيه بومبي هو المصادقة على النظم التي وضعها للشرق، ومنح جنوده المسرحين إقطاعات زراعية وفقًا للتقليد المألوف. وبدلاً من أن يقدر السناتو مسلك بومبي منذ عودته من الشرق، ويسارع إلى احتضانه واتخاذه سندًا قويًا يدرأ عنه وعن النظام الجمهوري الروماني عاديات المشاغبين والقواد ذوي الأطماع الجامحة، ركب السناتو رأسه واتخذ موقفًا عنتًا إزاء بومبي، وبذلك قذف به في أحضان التحالف مع قراسوس وقيصر. وكانت أولى نتائج هذا التحالف الذي يعرف في التاريخ باسم "الحكومة الثلاثية الأولى" انتخاب قيصر قنصلاً لعام 59 ق. م. وقد كان من بين تشريعات يوليوس قيصر قانون للأراضي قريب الشبه من مشروع قانون رولوس، لكن قيصر كان دائًا في حاجة إلى المال وكان بطلميوس مستعدًا لاقتداء عرشه بأي مبلغ، ولذلك فإنه ابتاع تأييد قيصر بمبلغ كبير قدره 6000 تالنت، أي ما يعادل مليون ونصف مليون جنيه استرليني، فلم يمس القانون الزراعي مصر.

وأخيرًا بفضل قيصر، على نقيض موقفه السابق إزاء هذه المسألة، وعلى الرغم من معارضة النبلاء هذه المرة، صدر قانون خاص بملك الإسكندرية (do rege alexandrino) اعترف بطلميوس الزمار ملكًا، وفي الوقت نفسه صديقًا وحليفًا للشعب الروماني، جزاء ما قدمه من الخدمات للجيش الروماني في آسيا (فبراير عام 59). وتنفيذاً لهذا القانون، عقدت معاهدة تحالف مع مصر ووضعت نسخة منها في سجيلات القابيتول. وهكذا أتت النجاة إلى بطلميوس من الجانب الذي أقض مضاجعة مدة طويلة.

روما تضم قبرص:

ومع ذلك كله وبعد ذلك كله، لم يظفر بطلميوس الزمار بالطمأنينة التي كان ينشدها، إذ أن القانون الذي اعترف بالزمار ملكًا لم يذكر شيئاً عن قبرص، وكان أخوه يحكمها منذ عام 80 ق.م. ولما كان بطلميوس الزمار قد علق مصيره بمصير الصراع الحزبي في روما، وكان ذلك الصراع عنيفًا مضطربًا، فإنه كان من الممكن أن تتمخض الحوادث عن نتائج أبعد مدى مما كان يتوقعه أحد. وفي عام 58 قصد قيصر بلاد الغال تاركًا روما ظاهرًا في كنف حليفية بومبي وقراسوس، وحقيقة في قبضة صنيعته نقيب العامة قلوديوس (Clodius). وكان من بين قوانين قلوديوس قانون تقرر بمقتضاه ضم قبرص إلى روما، ومصادرة أملاك التاج هناك لصالح الخزانة الرومانية لكي تعوض ثورة قبرص روما شيئًا ما عن التضحية التي تحملتها بنزولها عن مصر، وتغطي نفقات قانون شعبي خاص بتوزيع منح من القمح دون مقابل.

ويقال أن فروديوس انتقم لنفسه على هذا النحو من بطلميوس ملك قبرص، لأنه عندما وقع في قبضة القراصنة فدية كافية. ولما كان قاتو من أقوى الحكومة الثلاثية، وكان قيصر قد أوعز إلى قلوديوس بأبعاده عن روما لكي لا يهدم في غيبة قيصر ما بناه في أثناء قنصليته، فإنه لأقصاء قاتو عن روما وتحميله جانبًا من تبعة ضم قبرص، عهد إليه بوصفه أكثر بجال روما نزاهة بإقناع ملك قبرص بالنزول عنها لورما، لقاء اعتراف روما به كاهنًا أكبر لمعبد أفروديتي في بافوس (Paphos) لكن ملك قبرص فضل على ذلك تناول السم. ولم يكن استيلاء روما على قبرص فضل على ذلك تناول السم. ولم يكن استيلاء روما على قبرص إلا عملا من أعمال السطو الظالمة، ليس له أي مبرر إلا غنى هذه البريرة وجشع روما، وإن كان قلوديوس لم تعوزه الحيلة لتبرير هذه الجريمة، إذ أنه اتهم الملك باطلاً بعدائه للرومان وتحالفه مع القراسنة، واستند إلى وصية بطلميوس الحادي عشر التي إذا كان قد أبطل مفعولها، فيما يخص مصر ذاتها، قانون قيصر الذي اعترف بيطلميوس الزمار ملكًا وحليفًا، فإن هذا القانون لم يتضمن أية إشارة إلى قبرص. وبضم قبرص إلى روما بعد قورينايئة لم يبق من دولة البطالمة إلا مصر.

فرار الزمار لاستعداء روما على شعبه:

وضاعت قبرص دون أن يحرك بطلميوس الزمار ساكنًا، مع أنه كان يتعين عليه ألا يدخر وسعًا في الاحتفاظ بهذه الجزيرة، فقد كانت آخر ممتلكات مصر الخارجية وفي حوزتها منذ عهد بطلميوس الأول. وإزاء خوار عزيمة بطلميوس الزمار، وانهماك هذا الملك التافه في إرهاق رعاياه بشتى التكاليف ليدفع الرشوة التي اشترى بها اعتراف روما به ملكًا، تذمرات الإسكندرية تذمرًا شديدًا. ويحدثنا ديون قاسيوس (Dio Cassius) بأن الإسكندريين طلبوا إلى بطلميوس أما أن يسترد قبرص من الرومان وأما أن يقطع علاقاته بمثل هؤلاء الأصدقاء. ولما لم يستطع الملك تهدئة ثائرة الإسكندريين لافتقاره إلى الجنود المرتزقة، فر هاربًا إلى روما حيث انهم رعاياه بأنهم طردوه.

ويتبين من المصادر القديمة أن روما صدقت هذه المزاعم. ومما يجدر بالملاحظة أن رواية بورفوريوس بوجه خاص لا تترك مجالاً للشك في أن الملك برح الإسكندرية بمحض إرادته، وتؤيد ذلك رواية بلوتارخ التي سنعرضها بعد قليل. وعلى كل حال فإنه عندما غادر الملك الإسكندرية في خلال عام 58، لم يذهب إلى روما مباشرة وإنما ذهب أولاً إلى رودس ليستطلع رأي قانو في أمره. ويصف بلوتارخ هذه المقابلة وصفًا مفصلاً لا تنقصه الصراحة، فهو يحدثنا بأن بطلميوس أبلغ قاتو برسوله، على أمل أن يخف الأخير إليه، لكنه اتفق أن قاتو كان عندئذ متوعكًا، ودعا الملك إلى زيارته إذا شاء. وعند مجئ الملك كان قاتو جالسًا على كرسي يزيل ضرورة فلم يتقدم للقائه أو ينهض من مكانه وحيًا الملك كأي زائر عادي ودعاء للجلوس، فضايق بطلميوس مثل هذا اللقاء، وبقى مشدوها من بساطة حال قاتو، وكبريائه وطباعة الحافة. وعندما بدأ الكلام عن شئونه سمع اقتراحات كلها رواية وصراحة، ذلك أن قاتو أظهر له أنه بذهابه لاستعداء روما على رعيته، قد هجر حياة سعيدة ليعرض نفسه للعبودية والمتاعب والرشوة والجشع بين الرومان الأقوياء الذين لا يمكن مصر أن تشبع نهمهم، وأن تحولت كلها ذهبا، ونصحه بأن يمكن مصر أن تشبع نهمهم، وإن تحولت كلها ذهبًا، ونصحه بأن يعود إدراجه ويتفق مع مواطنيه، وأبدى استعداده لمرافقته، والتوفيق بينه وبين رعيته. ويبدو أنه كان لهذه العبارات أثر بين في نفس الملك، فكاد أن يتبع نصيحة قاتو، إلا أن رفاقه حولوه عن هذا السبيل السوي.

ويدل تفكير بطلميوس في العودة إلى مملكته على أن رعيته لم تطرده. ويؤكد تيماجنيس (Timagenes) الإسكندري أن بطلميوس الزمار لم يغادر مصر مكرها وإنما بتأثير ثيوفانيس (Theophanes) صديق بومبي وكان يعمل على إشعال لهيب حرب تنقذ صديقه من سأم الراحة وتضفي عليه مجدًا جديدًا. وإذا كنا لا نستبعد قيام ثيوفانيس بهذا لدور فإننا نرى مع بلوتاريخ أن أخلاق بومبي كانت تسمو عن الاشتراك في مثل هذه المناورات. لكنه إذا كان بطلميوس قد هجر عاصمته تلقائيًا بقصد العودة لاقتحامها عنوة فكيف أنه ترك خلفه كل أسرته في وسط رعيته؟ من الجائز أن بطلميوس لم يخرج من الإسكندرية وقد اختمرت في رأسه تلك الفكرة الطائشة، بل أن ثيوفانيس أغراه أولاً بترك الإسكندرية فترة من الزمن حتى تهدأ ثائرتها، ثم أخذ يزين له فكرة استعداء الرومان على الإسكندريين ليلقنوهم درسًا لا ينسونه فينعم بعد ذلك بالسكينة والهدوء. ويؤيد هذا الاحتمال أن بطلميوس لم يقصد روما مباشرة وإنما ذهب أولاً على رودس ليستطلع رأي كانو، وأنه كاد أن يقتنع بنصيحة ذلك الرجل الحكيم ويعود إدراجه إلى عاصمته لولا تأثير بطانة السوء.

وفي روما أحسن بومبي وفادة بطلميوس الزمار وأنزله في قصره على تل البانوس (Albanus)، وبقى بطلميوس في العاصمة الرومانية، من أواخر عام 58 إلى أواخر عام 57، يعمل بغير كلل على شراء ذمم رجال اسناتو بالرشاوي والوعود لتحقيق بغيته، وقد قيل فيما بعد أنه اشترى ذمم جميع رجال اسناتو. ولما كانت موارد مملكته قد انقطعت عنه، فإن استدان مبالغ كبيرة من الممول الروماني رابيريوس بوستوموس (Rabirius Postumus). وقد استولت الدهشة على الإسكندريين لمبارحة الملك دولته، ولم يستطيعوا اقتفاء أثره بسبب ذهابه إلى رودس.

برنيقي الرابعة وكليوبترا تروفاينا:

ووفقاً لما يرويه ديون قاسيوس لم يعرف الإسكندريون أنه التجأ إلى إيطاليا بل ظنوا أنه توفي ولذلك أقاموا مكانه على العرش ابنته برنيقي الرابعة ويصفها استرابون بأنها كانت أكبر بناته الثلاث وأبنته الشرعية الوحيدة. ويذكر بورفيرريوس أن الإسكندريين لم يقدموا على إقامة خلف لبطلميوس الزمار إلا بعد أن طالبت غيبته في إيطاليا حتى أنهم أصبحوا لا يتوقعون عودته. ولم تحكم برنيقي وحدها بل شاركتها كليوبترا تروفاينا، وبصفها بورفوريوس بأنها كانت أختها، لكن أغلب المحدثين يميلون إلى اعتبارها أمها، وإن كان بعضهم يرى أن كليوبترا تروفاينا الأم توفيت حوالي أواخر عام 69 ق.م. لأنه لم يرد لها ذكر في اوثائق بعد ذلك الوقت، ومن ثم فإن أكثر أولاد بطلميوس الثاني عشر أما يكون قد ولدوا قبل ذلك، وهذا لا يتفق مع ما نعرفه عن أعمارهم، وأما يكونون غير شرعيين، اللهم إلا إذا كان "الزمار" قد تزوج بعد ذلك سيدة لم يرد لها ذكر في الوثائق. لكن هذا غير مقبول لأنه يشير المشكلة نفسها التي يثيرها عدم ذكر كليوبترا تروفاينا بعد عام 69. ونستبعد أيضاً أن أكثر أولاد بطلميوس الثاني عشر كانوا غير شرعيين، لأنهم لو كانوا كذلك لاستغل الرومان هذه الحقيقة أو على الأقل أشاروا إليها في خلال محاولتهم القضاء على أسرة البطالمة من عام 42 إلى عام 30 ق.م. ويضاف إلى ذلك أن بطلميوس الثاني عشر، وقد قاسى الأمرين حتى اعترف الرومان به ملكًا شرعيًا، لابد من أنه كان يدرك ما ستصادفه ذرية غير شرعية من قبل الرومان الذين كانوا منذ مدة طويلة يمهدون السبيل إلى ضم مصر إلى حظيرة الإمبراطورية وكادوا ينفضون عليها في بداية عهده، وتبعًا لذلك فإنه لم ينجب سفاحًا. وأما عدم ذكر كليوباترا تروفاينا الأم في الوثائق بعد عام 69، فهو دليل سلبي قد يقضي عليه الكشف عن وثيقة جديدة أو أكثر. وبالفعل يحدثنا نقش على مدخل معبد ادفو المصري بتاريخ 5 ديسمبر عام 57، عن اتمام المعبد في عهد بطلميوس الثاني عشر "أوزيريس الصغير وزوجة االملكة كبيوبترا تروفاينا". فلو أن كليوباترا كانت قد توفيت أو طلقت منذ عام 69 لما ورد ذكرها في هذا النقش. ورب معترض يقول أن هذا النقش غير دقيق بدليل أن بطلميوس الزمار نفسه لم يكن عندئذ متربعًا على العرش. لكن هذا الاعتراض مردود لأنه إذا جاز القول بأن هذا النقش لا يعبر عن الواقع ولا عن وجهة نظر الإسكندرية، فإنه يجوز القول كذلك بأنه يعبر عن وجهة النظر المصرية، بل هو في الواقع يعبر عن وضع "الزمار" من الناحية القانونية، لأنه إذا جاز القول بأن هذا النقش لا يعبر عن الواقع ولا عن و جهة نظر الإسكندرية، فإنه يجوز القول كذلك بأنه يعبر عن وجهة النظر المصرية، بل هو في الواقع يعبر عن وضع "الزمار" من الناحية القانونية، لأنه إذا كان "الزمار" لا يمارس عندئذ الحكم فعلاً، فإنه كان لا يزال صاحب العرش الشرعي، فهو لم يمت ولم يعزل ولم يخلفه زوجان وفقًا للعرف والتقاليد.
وإزاء ذلك نعتقد أن هذا النقش ينهض دليلاً على أنه إذا كانت الإسكندرية قد اعترفت بابنته وشريكتها، فإن بقية البلاد كانت لا تزال في عام 57 تعترف ببطلميوس وزوجة كليوبترا تروفاينا، وعلى أن تروفاينا كانت لا تزال على قيد الحياة، وهذا يتفق وما يحدثنا به بورفوريوس من أن تروفاينا توفيت بعد عام واحد من حكمها مع برنيقي. والقول بأن أكثر أبناء "الزمار" كانوا غير شرعيين معناه اعتبار كل عبارات استرابون صحيحة، لكننا نلاحظ أنه حين وصف برنيقي بأنها ابنة الزمار الشرعية الوحيدة، قال أن الإسكندريين أقاموها ملكة بمجرد طرد أبيها، أي أنه يعزو إلى الإسكندريين طرد الملك ولا يشير إلى اشتراك أحد مع برنيقي في الحكم، وهذان الأمران ينقصان من قيمة رواية استرابون، فقد رأينا من القرائن ما يرجح أن الإسكندريين لم يطردوا "الزمار"، وعرفنا من بورفوريوس أن برنيقي لم تحكم بمفردها. وتحدثنا بردية غير مؤرخة نشرت حديثًا عن حكم الملكتين. وأما عن قول استرابون بأن برنيقي الرابعة هي وحدها من بين ذرية الزمار التي كانت شرعية، فلعل منشأه أن يكون استرابون قد خلط بينها وبين عمتها برنيقي الثالثة وهي التي استخدم باوسانباس في وصفها هذه العبارة نفسها "البنت الشرعية الوحيدة". ومن المرجح كذلك أن يكون بورفوريوس قد أخطأ وصف كليوبترا تروفاينا شريكة برنيقي الرابعة بأنها أختها، إذ أن أدنى الاحتمالات إلى صحة هو أن هذه السيدة كانت زوجة "الزمار"، وأنها لسبب نجهله لم يرد لها ذكر في الوثائق بين عام 69 وعام 57 ق.م وأما سبب عدم موافقتها لزوجها حين برح الإسكندرية في عام 58، فمن اليسير تفسيره ولا سيما أن ابنته برنيقي وباقي أولاده لم يصحبوه كذلك. ولعل مرد ذلك إلى توقعه العودة سريعًا إلى مملكته، كما مر بنا.

ويحدثنا بورفوريوس بأن تروفاينا توفيت بعد عام واحد من الحكم المشترك، وبأن برنيقي استمرت تحكم بمفردها مدة عامين. وهذا يتفق مع ما يرويه ديون قاسيوس من أن برنيقي حكمت ثلاثة أعوام، بينما تحدثنا إحدى الوثائق البردية بأن غيبة الزمار عن مصر دامت عامين. ولعل سبب الاختلاف بين هذه المصادر يرجع إلى شيء من التجوز في التعبير، لأن هذه الفترة كانت سنتين وبضعة أشهر، فاعتبرها بورفوريوس وديون قاسيوس ثلاث سنوات وكاتب البردية سنتين فقط. وينهض دليلاً على أن مدة حكم برنيقي زادت على سنتين ما جاء في بردية ديموتقية بمتحف اللوفر من أنها "كتبت في العام الثالث من عهد الملكة الموافق للعام الخامس والعشرين من عهد الملك".

وهذه الوثيقة تثير مشكلة جديدة، ذلك أن العام الثالث من عهد برنيقي (56/55) لا بوافق العام الخامس والعشرين وإنما العام السادس والعشرين وإنما العام السادس والعشرين من عهد الزمار، ولعل مرد ذلك إلى خطأ غير مقصود وقع فيه كاتب الوثيقة أو ناشرها. وعلى كل حال فإن هذه الوثيقة تؤيد ما رجحناه من أنه خارج الإسكندرية كان "الزمار" لا يزال يعتبر بعد هروبه ملك مصر الشرعي، وتدل على أن برنيقي لم تعتبر، على الأقل في نظر المصريين، أكثر من شريكة الزمار.

الإسكندريون يرسلون بعثة إلى روما:

وعندما علم الإسكندريون بأن بطلميوس في روما، قرروا إرسال بعثة إلى السناتو تتألف من مائة عضو لتبرر تصرفاتهم، وتدحض مزاعم الملك، وتولى الفيلسوف ديون (Dion) رياسة هذه البعثة. وقد رأى بطلميوس أن الوسيلة المثلى للحيلولة دون سماع الرومان وجهة نظر الإسكندرية أن يحول دون وصول سفرائها إلى روما، فأوعز إلى بعض الأشقياء بقتلهم عند وصولهم، وفعلاً قتل بعضهم في الطريق إلى روما، والبعض الآخر في العاصمة نفسها، واشتريت ذمم بقيتهم. وإذا كان ديون قد ن جا بحياته أول الأمر ودعى للإدلاء بأقواله أمام السناتو، فإن بطلميوس أقنعه بوسائله الخاصة بألا يلبي الدعوة، ثم دبر مقتله في بيت مضيفة لكي يضمن ألا يفتح ديون فاهة على الإطلاق.

الصراع في روما على الفوز بمهمة إعادة الملك:

وقد كان كل من بومبي وقراسوس يتمنى الفوز بمهمة إعادة بطلميوس إلى عرشه، لكن السناتو عهد بهذه المهمة إلى القنصل سبينشر (P. Cornelius Lentulus Spinther) وكان على وشك الذهاب إلى قيليقيا ليتولى حكمها في العام التالي. ولما كان سبينثر هو الذي تولى أمر استدعاء شيشرون من منفاه، فإن شيشرون رد هذا الجميل بتأييد توليه المهمة السالفة الذكر بخطيه رنانة وصلت إلينا بعض فقراتها. وأقضى قتل رسل الإسكندرية إلى سلسلة من المحاكمات والفضائح. ويحدثنا ديون قاسيوس بأنه "أتهم كثيرون لكنه أدين قليلون لأن الرشوة كانت فاشية، ولأن الخوف دفع الشركاء في الجريمة إلى معاونة بعضهم بعضها".

وقد كان بطلميوس يفضل قيام صديقه بومبي بمهمة إعادته إلى عرشه، لكنه كان أيضاً يخشى أن بقاءه في روما ـ وسط ذلك الجو المضطرب الذي كان يسودها عندئذ ـ قد يؤدي لسبب أو آخر إلى حدوث ما يدفع السناتو إلى العدول عن مساعدته على إعادته إلى عرشه ولاسيما أن بعض النبلاء كانوا يعارضون التدخل في هذه المسألة على الإطلاق. وإزاء ذلك كله غادر بطلميوس روما إلى أفوس، تاركًا عميله أمونيوس في روما للسهر على صوالحه وتوزيع الرشاوي، أملاً في تعديل قرار السناتو لصالح بومبي، أو على الأقل قيام سبينثر بتنفيذ قرار السناتو سالف الذكر.
وبرغم أنه كانت قد منحت لبومبي في سبتمبر عام 57 سلطات واعتمادات مالية لا حد لها ضمانًا لإمداد روما بالمؤنة فإنه كان يفضل أن يضم إلى هذه المهمة مهمة إعادة بطلميوس، إذ أنه كانت تواتيه على هذا النحو فرصة أخرى لقيادة جيش روماني، غير أنه لم يجرؤ على أن يذيع علنًا هذه الرغبة التي كانت تختلج في نفسه، واحتفظ بالموقف المبهم الذي اعتاده، تاركًا أصدقاءه يعملون على تحقيق رغبته.

ولم يخف أمونيوس أن مليكيه كان يفضل بومبي، لكنه اصطدم بمعارضة النبلاء وأصدقاء كل من سبينشر وقراسوس. وللرد على مناورات بومبي، لجأ معارضوه إلى حيلة بارعة لأبطال قرار السناتو الخاص بمهمة إعادة بطلميوس إلى عرشه، أو على الأقل لإنقاص قدر هذه المهمة فيزهد فيها بومبي. ذلك أنه عندما حدث في بداية شهر يناير عام 56 أن صاعقة أصابت تمثال بوبيترلاتياريس (Jupiter Latiaris) انتهزت هذه الفرصة لترويج شائعات بأن حدوث ذلك وسط الشتاء نذير سوء من السماء، وتبعًا لذلك فإنه وفقًا لعادة الرومان في مثل هذه الأحوال كان لابد للجنة الخمسة عشر القائمة على حراسة وتفسير كتب الوحي السبولية (Aibyllae) المقدسة عند الرومان من أن نستطلع هذه الكتب بحثًا عن الوسيلة الملائمة لاسترضاء الآلهة. وعند قيام اللجنة بهذه المهمة زعمت أنها وجدت نبوءة هذا نصها: "إذ جاءكم ملك مصر يسأل المعونة فلا ترفضوه صداقتكم، ولكن لا تذهبوا لمساعدته بالقوة وإلا حاقت بكم المتاعب والأخطار".

وقد بادر أحد نقباء العامة إلى مخالفة القواعد المتبعة من عدم إذاعة مثل هذه الأسرار قبل أن تبلغ إلى السناتو ويتخذ قراراً بشأنها وأرغم لجنة الخمسة عشر على إذاعة نص هذه النبوءة. فكان يجب إذن مراعاة شعور الجماهير الديني، غير أن أولئك الذين كانت لهم صوالح في إعادة بطلميوس قالوا أنه لم يحظر سوى استخدام القوة، وأنه يمكن إعادة هذا الملك بالوسائل السلمية. وبقى إذن أن يتقرر من يكون المبعوث الروماني الذي يضطلع بهذه المهمة، أهو سبينثر أم بومبي أم قراسوس؟ لكنه لم تكن لبطلميوس ثقة إلا في بومبي، وقد أوضح ذلك في خطاب عنى نقيب العامة بلاوتيوس (Plautius) بأن يقرأه على لاشعب. وإذا كانت مهمة إعادة بطلميوس قد فقدت كثيراً من أهميتها بعد حظر استخدام القوة، فإنه بقيت الفوائد المادية التي كان يمكن أن يجنيها من يضطلع بهذه المهمة.

وقد احتدمت المناقشة في الجلسات التي عقدها السناتو في الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر من يناير حول ثلاثة افتراحات، كان أحدها ينادي بتنفيذ القرار الذي سبق أن اتخذه السناتو، أي بقيام سبينثر بالمهمة وكان أبرز أنصار هذا الاقتراح هورتنسيوس ولوقولوس وشيشرون. وأما الاقتراح الثاني فإنه كان يدعو إلى إسناد المهمة إلى بومبي الذي تظاهر سواء في أحاديثه الخاصة أم في السناتو بتأييد سبينثر، بينما نشط أصدقاؤه في الترويج لاختياره.

وكان الاقتراح الثالث يدور حول إسناد المهمة إلى ثلاثة مبعوثين بدلاً من مبعوث واحد. وكان قراسوس صاحب هذا الاقتراح وكان هدفه من وراء تقسيم المهمة بين ثلاثة أشخاص جعل بومبي يزهد فيها بعد الإقلال من شأنها إلى هذا الحد. ولم تتفق الآراء إلا على عدم استخدام القوة في إعادة بطلميوس فصدر بذلك قرار من السناتو. وفي السابع عشر من يناير تمكن النبلاء وسط اجتماع انقسمت فيه الآراء من الحصول على قرار من السناتو يحظر إعادة بطلميوس، ولكن ذلك كان دون جدوى، فقد صادر بعض نقباء العامة هذا القرار، وأجلوا المسألة إلى ما بعد شهر فبراير، وكان السناتو يخصص هذا الشهر لاستقبال البعثات الدبلوماسية. وفي أواخر شهر يناير تقدم اثنان من نقباء العامة إلى جميعة القبائل بمشروع قانون يعهد إلى بومبي بإعادة ملك مصر. ولا نعرف كيف حيل دون إقرار هذا القانون، وإن كنا نعرف أنه كان يسود جلسات جمعية القبائل شعب عنيف واضطرابات شديدة، وأن قلوديوس كان يدعو إلى اختيار قراسوس.

وفي اليوم السادس من فبراير، عندما كان بومبي يتحدث مؤيدًا ميلون (Milo)، رئيس العصابات التي واجه النبلاء بها عصابات قلوديوس، عدوهم وعدو بومبي، طغت الضوضاء على صوته. وما كاد بومبي يختتم خطبته حتى وقف قلوديوس، فارتفعت الجلبة من ناحية معارضية ليردوا له التحية بأحسن منها، وانطلقت الألسنة تقذف قلوديوس وأخته المتهتكة قولديا بالشتائم والأشعار الجارحة حتى فارقته شجاعته وضاع صوته وفقد ثقته بنفسه. ووسط هذا الشعب، الذي دام من الساعة السادسة مساءً إلى الساعة الثامنة، سأل قلوديوس أعوانه، وقد تملكه الغضب وشحب لون وجهه، "من الذي يريد هلاك العامة جوعًا؟" فأجابته عصابته "بومبي"، "ومن الذي يريد الذهاب إلى الإسكندرية؟" ـ "بومبي"، "ومن الذي تريدون إرساله إلى هناك؟" ـ "قراسوس" لكن النبلاء استخدموا كل الوسائل للحيلولة دون ذلك. واتخذ السناتو قراراً بألا يعيد أحد أحد بطلميوس، لكن أنصاره من نقباء العامة صادروا هذا القرار.

ويحدثنا ديون قاسيوس عن قانون أصدرته جمعية القبائل في هذا المعنى. لكن شيشرون، وهو الذي نستمد منه أكثر معلوماتنا عن هذه المسألة، لا يذكر شيئًا عن مثل هذا القانون. ولو صح أن جمعية القبائل كانت قد أصدرت هذا القانون لصادره أنصار بطلميوس من نقباء العامة مثل ما صادروا قرار السناتو المماثل. وعلى كل حال فإنه في شهر يولية عام 56 لم يكن قد تم أي شيء في المسألة المصرية.

وفي آخر شهر يولية كتب شيشرون إلى سبنثر ينهي إليه أنه هو وبومبي يريان أن السناتو لم يقرر حرمانه حق إعادة الملك، وأنه إذا ترك الملك في عكا أو في أي مكان آخر قريب، وتوجه إلى الإسكندرية على رأس أسطول وجيش وسيطر عليها ثم دخلها الملك بعد ذلك، فإنه يكون على هذا النحو قد نفذ قرار السناتو لأنه أعاد الملك إلى عرشه واحترام النبوءة السبولية لأنه لم يستخدم القوة في ذلك. وأوضح له أنه وهو وبومبي متفقان على أن تقدير عمله ستوقف على النتيجة النهائية، فإذا حالفه التوفيق فإن الكل سيجمع على أنه تصرف بحكمه وشجاعة، وأما إذا صادفه أدنى فشل فإن أولئك الأشخاص أنفسهم سيصفون تصرفه بالجشع والتهور. وتبعًا لذلك فإنه يجب أن يقدر جيدًا ما لديه من فرص النجاح، وإذا تبين أنه في وسعه الاستيلاء على مصر فإنه يجب ألا يتردد، وأما إذا خامره الشك في نجاح هذه المغامرة، فإنه يجب عدم الإقدام عليها. وقد أثبتت الأيام أنه حين رفض سبينثر الإقدام على تلك المغمرة كان حكيمًا بعيد النظر، لأنه عندما أقدم عليها جاينيوس ونجح فيها لم تهال له روما، وكان شيشرون أول من هاجمه وقذف في وجهه المثل الطيب الذي ضربه سبنثر. ولم تؤد المعارضة الخرفاء التي شنها النبلاء على كل ما من شأنه خدمة صوالح بومبي إلا إلى تقربه ثانية إلى قيصر وقراسوس، وإعادة توكيد أواصر الحكومة الثلاثية الأولى أو بعبارة أدق التحالف الثلاثي الأول (إبريل عام 56)

البحث عن زوج لبرنيقي الرابعة:

وإذا كان الاسكندريون لم يطردوا بطلميوس الزمار، فإنهم في خلال المناورات التي شهدتها روما عملوا على جعل عودته أمرًا متعذرًا، وذلك باختيار ملك آخر يتزوج برنيقي الرابعة ويتولى الدفاع عن مصر. ولما كان لا يستطيع أحد من أخوى برنيقي الاضطلاع بذلك، بسبب صغر سنهما، فإن الاسكندريين اتجهوا إلى أسرة السلوقيين. وقد قبل ذلك أحد ابني كليوباترا سليني، ويحتمل أنه كان أصغر الاثنين اللذين ذهبا إلى روما في عام 75، لكنه توفي في أثناء المفاوضات. وعندئذ اتجه الاسكندريون نحو أحد أحفاد أنطيوخوس الثامن جروبوس، لكن جابينيوس الحاكم الروماني لولاية سوريا حظر عليه مغادرة هذه الولاية.

وأخيرًا عثر الاسكندريون على شخص اسمه سلوقس، كان يدعى أنه من سلالة ملوك سوريا، فاستدعى إلى الإسكندرية حيث تزوجته برنيقي وأشركته معها على العرش، لكنه سرعان ما تبين أنه شخص خشن في مظهره وطباعه إلى حد أن الاسكندريين خلعوا عليه لقب "السماك" (Kybiosaktes). ويحدثنا استرابون بأن برنيقي لم تطق معاشرته إلا بضعة أيام، فلقي حتفه خنقًا. وعندئذ استدعى الاسكندريون شخصًا كان يزعم أنه ابن ميثرايداتس السادس، لكنه كان على الأقل أمام الناس ابن قائد إغريقي خدم هذا الملك وقام بأعمال باهرة في خلال حرب ميثريداتس الأولى (88-85ق.م) وأسند الملك إليه أمر التفاوض مع صلا على الصلح. ولم تلبث الشكوك أن ساورث ميثريداتس حول وجود تفاهم مريب بين قائده وصلا جعلته متساهلاً أكثر مما يجب في المفاوضات التي انتهت بصلح عام 85. وإزاء هذه الشكوك فر القائد إلى روما قبيل بدء حرب ميثريداتس الثانية (عام 83)، وساعد القائد الروماني لوقولوس في أثناء حرب ميثريداتس الثالثة.

وكان زوج برنيقي الجديد يدعى كأبيه الرسمي أرخلاوس (Archelaos) وكان بومبي قد أقام هذا الشاب حاكمًا على قومانا (Comana). ويمضي استرابون فيروي كيف أن هذا الشاب كان في سوريا للاشتراك مع جابينيوس في حملة ضد البارثيين عندما اختفى من هناك فجأة وأقيم ملكًا في الإسكندرية. وأما ديون قاسيوس فيؤكد أن جابينيوس هو الذي سمح لأرخلاوس بالذهاب إلى الإسكندرية ليزداد الموقف تعقيدًا ويرتفع الثمن الذي يدفعه بطلميوس لقاء خدماته. وعلى كل حال فإنه فيما بين 7 من مارس و16 من إبريل عام 56 تزوج أرخلاوس من برنيقي، وتربع على عرش البطالمة.

جابينيوس يعيد الزمار إلى عرشه:

ولما لم يعد لدى بطلميوس الزمار أمل في استرداد عرشه بتأييد السناتو أو بمساعدة سبينثر والي قيليقيا، فإنه أخذ يعقد آماله على جابينيوس حاكم سوريا ووعده بمبلغ ضخم، إذا حقق أمنيته بالقوات التي كانت تحت إمرته.

وقد كان قيام جابينيوس بهذه المهمة ينطوي على مخالفتين خطيرتين، وهما خروجه من ولايته دون تصريح، واشتباكه من تلقاء نفسه في حرب حظر السناتو خوض غمارها، حين قرر عدم استخدام القوة في إعادة بطلميوس. بيد أن جابينيوس استهان بالأخطار التي ستترتب على ارتكاب هاتين المخالفتين بسبب الفوائد التي سيجنيها من إعادة بطلميوس وبسبب تفاهمه مع بومبي واعتماده على تأييده، وكان بومبي قنصلاً في عام 55 وأقوى شخصية في روما عندئذ. وقد انتحل جابينيوس عذرًا لقيامه بتلك المهمة خوفه من أن يعتدي على ولايته أسطول أرخلاوس والقراصنة التي قيل له أن البحر كان يعج بهم، ومن ثم فإنه وجد نفسه في حالة الضرورة القصوى التي ينص القانون عليها وتبيح له التصرف كما يتراءى له.

وقد غزا جابينيوس مصر في ربيع عام 55، ومعه بطلميوس الزمار، وعلى رأس فرسانه الشاب القدير مارقوس أنطونيوس (Marcus Antonius).
وكانت مهمة جابينيوس سهلة إذ أن الحامية اليهودية في بلوزيون سلمت هذه المدينة للجيش الروماني، فزحف بعد ذلك في طابورين على الإسكندرية، حيث حاول أرخلاوس صد الغزاة، لكن أنطونيوس أفلح في تطويقه ومهاجته من الخلف بينما انقض عليه جابينيوس من الأمام فباء بالفشل وخر صريعًا في ميدان القتال. وبعد أن تفانى أنطونيوس في قتال أرخلاوس، بادر بعد مصرعه إلى إكرام مثواه وإقامة جنازة ملكية له.
ولسنا نعرف عن يقين التاريخ الذي استعاد فيه الزمار عرشه، وإن كنا نعرف أن أقدم بردية وصلت إلينا مؤرخة باسمه بعد عودته ترجع إلى 22 من إبريل عام 55ق.م. وإزاء ما وقع في سوريا من اضطرابات في أثناء غياب جابينيوس فإنه لم يتوان في مغادرة مصر تاركًا وراءه حامية يتألف أكثرها من قوات غالية وجرمانية سيتردد ذكرها فيما بعد.

وقد كانت تتملك بطلميوس الزمار رغبتان قاهرتان: وهما الانتقام من ابنته وأنصارها، وامتصاص دماء رعاياه للوفاء بديونه للمرابين الرومان، ولذلك فإنه ما كاد يستعيد عرشه حتى بادر إلى إعدام ابنته وعدة من أنصارها وعدد كبير من الأغنياء ومصادرة أملاكهم.

الزمار يشرك اثنين من أولاده معه في الملك:

ولما كان قد جاء في بردية إغريقية "في الثاني والعشرين من شهر بؤونة في العام السادس والعشرين عهد الملك (الكبير) بطلميوس نيوس ديونوسوس فيلوباتور فيلادلفوس، فإن هذا يوحي بأنه كان لبطلميوس الثاني عشر شريك واحد أو أكثر أصغر منه سنًا، ويتأيد هذا بأننا نجد أن أبناء هذا الملك أو على الأصح اثنين من أبنائه قد ورد ذكرهما معه أولاً: في نصب ديموثيقي، فقد جاء في هذا النصب "في العام الثامن والعشرين من عهد الملوك الأحياء إلى الأبد.. (عام 53)"، وثانياً: في نصب إغريقي، فقد جاء في هذا النصب "باسم الملك بطلميوس الإله نيوس ديونوسوس وأبنائه الآلهة نيوي فيلادلفوي...29 من شهر بشنص في العام التاسع والعشرين (= 31 من مايو عام 52)، وثالثاً: في نقش إغريقي غير مؤرخ من جزيرة فيلة: فقد جاء في هذا النقش "باسم الملك بطلميوس الإله نيوس ديونوسوس فيلوباتور فيلادلفوس وأبنائه...". وإزاء ذلك نرجح أن يكون بطلميوس الثاني عشر – عندما استعاد عرشه وأعدم ابنته برنيقي الرابعة – قد أشرك معه في الملك أكبر أولاده اللذين أوصى بأن يخلفاه على العرش وهما كليوباترا السابعة وبطلميوس الثالث عشر.

تعيين رابيريوس وزيرًا للمالية:

وقد كان أكبر دائني بطلميوس الممول الروماني رابيريوس، وهو الذي بدأ بإقراضه مبلغًا كبيرًا جدًا عندما اشترى من قيصر الاعتراف به "صديقًا وحليفًا" للشعب الروماني في عام 59. ولما كان بطلميوس قد فر من مملكته في العام التالي. فإنه لم تكن لديه فرصة لسداد ذلك الدين. ولكي ينفذ رابيريوس دينه الأول فتح خزائنه أمام بطلميوس ليغترف منها كما يشاء من أجل أن يبتاع ذمة كل من يستطيع مساعدته على استرداد عرشه. وما كاد بطلميوس يسترد عرشه. وما كاد بطلميوس يسترد عرشه حتى بادر رابيريوس إلى الحضور إلى الإسكندرية ليحصل على أمواله وفوائدها وكذلك ليوافي جابينيوس بمكافأة التي دفعته بطلميوس وزيرًا للمالية. وقد استغل رابيريوس مركزه ووجود الحامية الرومانية التي تركها جابينيوس لحماية الملك في اعتصار دافعي الضرائب. وإزاء وجود حامية رومانية في مصر وتربع وزير روماني في دست المالية، لم تكن حال مصر أسوأ مما لو كانت قد ضمت نهائيًا إلى الإمبراطورية الرومانية. وقبل أن ينتهي العام كان رابيريوس قد أثار نقمة الإسكندريين عليه إلى حد أن بطلميوس اضطر إلى أن يسجنه هو وعماله لتهدئة ثائر الاسكندريين وحماية رابيريوس ورجاله من الاعتداء عليهم. ويبدو أن الإسكندريين لم يقنعوا بذلك، وأنهم هددوا باقتحام أبواب السجن، إذ أن رابيريوس – على حد قول محاميه – هرب عاريًا خالي الوفاض بعد أن ظن أكثر من مرة أنه كان قاب قوسين أو أدنى من الهلاك. لكنه لابد من أنه قبل هروبه كان قد استولى على مبالغ كبيرة سربها إلى الخارج – وهذا هو ما قيل على الأقل في روما – ثم اتخذ مما حدث له ذريعة لكي لا يدفع شيئًا لدائنيه أو شركائه.

وقد أثارت إعادة بطلميوس إلى عرشه عدة محاكمات، إذ أنه ما كاد يتأيد في روما نبأ ما قام به جابينيوس، وكان قد حرص على عدم موافاة السناتو بتقرير عن حملته، حتى تلقفه خصومه بالهجوم الشديد، وذهبت أدراج الرياح كل محاولات بومبي وقراسوس لتهدئة الضجة التي أثيرت حول هذا الموضوع.

ولما كان جابينيوس أحد قنصلي عام 58 اللذين كانا قد باعا شيشرون إلى قلوديوس فنفاه دون أن يتيح له فرصة الدفاع عن نفسه، فإن رغبة شيشرون في إرضاء بومبي، صاحب اليد الكبرى في استدعائه من منفاه في عام 57، تلاشت أمام رغبته في الانتقام من جابينيوس، فأطلق لفصاحه العنان في مهاجته. وعندما عاد جابينيوس إلى روما في سبتمبر عام 54 قدم للمحاكمة مرتين، إحداهما بتهمة الخيانة العظمى لخروجه من ولايته وتدخله بالقوة في مصر دون إذن من السناتو أو الجمعية الشعبية، والأخرى بتهمة الرشوة بسبب المبلغ الكبير الذي وعده به بطلميوس. وعندما صدر الحكم بتبرأة جابينيوس من التهمة الأولى، وكانت أشد خطرًا من التهمة الثانية، ملك شيشرون فزع شديد حدا به إلى الإصغاء إلى طلب بومبي والدفاع عن غريمه في المحاكمة الثانية. وأما جابينيوس، فإنه وقد أحس بالطمأنينة، ارتكب خطأ فادحًا آثار عليه نقمة المحلفين في المحاكمة الثانية، ذلك أنه لم يسخ في شراء ذممهم قدر سخائه في شراء ذمم المحلفين في المحاكمة الأولى. وتبعًا لذلك فإنه بالرغم من دفاع شيشرون، ومما شهد به كتابة بومبي وقيصر وبطلميوس، ومما أدلى به سفراء الإسكندرية من أن جابينيوس لم يأخذ شيئًا على الإطلاق، فإنه صدر ضده حكم بالإدانة وبدفع غرامة قدرها 10.000 تالنت، وإزاء عجزه عن الدفع لم يكن له مصير إلا النفي. ولما كان المألوف في مثل هذه القضايا هو دفع ضعف الأموال المبتزة، فإن مقدار الغرامة التي فرضت على جابينيوس يدل على أن مقدار الرشوة التي اتفق عليها مع بطليموس كان 5000 تالنت.

وقد حوكم رابيريوس أيضًا بتهمة حصوله على جانب من رشوة جابينيوس وهي التي مر بنا أنه كلف بتحصيلها. ولاتصال موضوع هذه التهمة بموضوع تهمة الرشوة التي وجهت إلى جابينيوس، فإن قضية رابيريوس نظرت أمام الهيئة ذاتها التي فصلت في قضية جابينيوس. وإذا كان شيشرون قد دافع عن جابينيوس إرضاء لبومبي، فإنه اضطر إلى الدفاع عن رابيريوس إرضاء لقيصر. وليس في مصادرنا شيء عن الحكم الذي صدر في هذه القضية، مما أفضى إلى انقسام آراء المحدثين بصدد ذلك، إذ أن البعض يرجح أنه أدين وفرضت عليه غرامة كبيرة عجز عن دفعها فنفى هو أيضًا، في حين أن البعض الآخر يرجح أنه بريء وعاش في روما مستظلاً برعاية قيصر. غير أننا لا نستبعد أن يكون رابيريوس قد أدين ونفي إلى أن استدعاه قيصر من المنفى فيما بعد مثل ما استدعى جابينيوس.

وأما بطلميوس الزمار فإنه توفي بين 15 من فبراير و22 من مارس عام 51 مكروهًا من شعبه ومحتقرًا من الرومان.

ويحدثنا استرابون بأن كل البطالمة الذين أتوا بعد بطلميوس الثالث كانوا ملوكًا عابثين أفسدتهم الرذائل، وبأن أسوأهم جميعًا كان رابعهم ويورجتيس الثاني وبطلميوس الزمار، وبأن الأخير أضاف إلى عبثه وفجوره ولعًا شديدًا بلعب المزمار، وبأنه كان فخورًا بمواهبه الموسيقية إلى حد أنه كان لا يخجل من الاشتراك في المسابقات الموسيقية التي كان يقيمها في قصره. ويقول أثينايوس أن بطلميوس الزمار لم يكن رجلاً وإنما زمار متلاف استنفد كل الثورة التي ادخرتها مصر منذ عهد بطلميوس الثاني.

وإذا كانت تصرفات هذا الملك تدل على أنه كان شخصًا عابثًا مستهترًا فظًا غليظ القلب، أهلته صفاته الوضيعة ليقوم بدور العبد الذليل الخاضع للرومان، فإن الإنصاف يقتضينا أن نسجل أنه لم يستنفد كل مدخرات مصر في الإنفاق على مباهجه، فقد اضطرته الظروف إلى أن يشتري حقه في الملك من الرومان الذين تقاضوا ثمناً مرتفعًا لقاء ذلك. ولم يلبث بسوء تصرفه ونزقه أن اضطر إلى تبديد جانب كبير آخر من ثروة مصر في استرداد عرشه الذي لم يطرده أحد منه.

منقول