المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلاقات الأمريكية –الأوروبية والأسيوية



البريتور
11-07-2008, 04:58 AM
إن سعي أوروبا الى تفعيل الوحدة السياسية عبر البرلمان الأوروبي ، والوحدة الاقتصادية عبر النقد الموحد (اليورو) ، وتنشيط السوق الأوروبية المشتركة التي تضم حاليا أكثر من 25 دولة ويتم توسيعها الآن ، ليس سوى تعبير وتجسيد لتطلعها عبر هذا التجمع الإقليمي الاقتصادي الكبير لتثبيت دورها وحماية مصالحها، من أية مخاطر محتملة تنتج عن الأحادية الأمريكية المهيمنة من ناحية، ولتكريس دورها كقطب رئيسي مواز للولايات المتحدة على قاعدة ثنائية التحكم بالعالم من ناحية ثانية.

إن هذه التطلعات الأوروبية تتعارض بالضرورة مع الإستراتيجية الأمريكية الراهنة تجاه ما يعرف بـ"الاوراسيا" ، وهي استراتيجية حددت لنفسها هدفا مركزيا أوليا هو كما يقول د.سمير أمين "منع الوحدة الأوروبية ، والأوروآسيوية ، ويعني ذلك بصورة ملموسة وقف التقارب الأوروبي الغربي ، والروسي الصيني ، ذلك هو الكابوس الأمريكي ، إذ لا يمكن الدفاع عن "الجزيرة" الأمريكية إلا إذا بقيت أورآسيا منقسمة الى أنظمة متنافسة. إن الولايات المتحدة ترغب في بناء عالم رأسمالي مندمج ، لكي تبسط هيمنتها بلا حدود على هذا العالم ، لا أن يقاسمها إياه أوروبيون ما زالوا يحتفظون ببعض وسائل هيمنتهم الخاصة هنا وهناك" ، وفي هذا الجانب فإن من المفيد التذكير بكتاب "زبجينيو بريجنسكي" الصادر عام 1998 بعنوان "رقعة الشطرنج" الضخمة "the grand chess board" بما يعني خريطة الصراع العالمي، وفي هذا الكتاب يقوم "بريجنسكي" بإعادة بلورة الفكر‏ ‏الاستراتيجي‏ الأمريكي‏ ‏تجاه‏ ‏الأوراسيا‏ ‏بما‏ ‏يتفق‏ ‏مع‏ ‏المعطيات‏ ‏الجديدة‏ ‏التي‏ ‏نشأت‏ ‏عن‏ ‏تفكك‏ ‏الاتحاد‏ ‏السوفيتي، حيث ‏يؤكد‏ ‏أن‏ ‏الساسة‏ ‏الأمريكيين‏ ‏عليهم‏ ‏أن‏ ‏يتوقعوا‏ ‏تماما‏ -‏كما‏ ‏في‏ ‏لعبة‏ ‏الشطرنج‏- ‏تحركات‏ ‏مضادة‏ ‏من‏ ‏جانب‏ ‏دول‏ ‏أوراسية‏.
وبالتالي‏ ‏فإن‏ ‏الولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏إذا‏ ‏أرادت‏ ‏أن‏ ‏تعوق‏ ‏عملية‏ ‏بناء‏ ‏قوة‏ ‏روسيا‏ ‏كلاعب‏ ‏استراتيجي‏ ‏مؤثر‏ ‏في‏ ‏سياسات‏ ‏الأوراسيا‏, ‏فإن عليها‏ ‏أن‏ ‏تعمل‏ ‏بكل‏ ‏قوة‏ ‏علي‏ ‏حرمان‏ ‏روسيا‏ ‏من‏ ‏ثلاث‏ ‏دول‏ ‏ركائز‏ ‏هي‏: ‏أوكرانيا‏, ‏أوزبكستان‏, ‏أذربيجان‏، أما بالنسبة لما يجب أن تفعله الولايات المتحدة تجاه أوروبا –وفق هذه الاستراتيجية- يقول بريجنسكي بالنص ‏إن‏ ‏توسيع‏ ‏أوروبا‏ ‏وحلف‏ ‏الناتو‏ ‏هو‏ ‏مما‏ ‏يخدم‏ ‏أهداف‏ ‏السياسة‏ ‏الأمريكية‏ ‏علي‏ ‏المديين‏ ‏القصير‏ ‏و ‏الطويل‏. ‏إذ‏ ‏إن‏ ‏أوروبا‏ ‏أكثر‏ ‏اتساعا‏ ‏هو‏ ‏أمر‏ ‏يزيد‏ ‏من‏ ‏طائلة‏ ‏النفوذ‏ ‏الأمريكي‏. ‏فقبول‏ ‏أعضاء‏ ‏جدد‏ ‏من‏ ‏وسط‏ ‏أوروبا‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏جانب‏، ‏سوف‏ ‏يزيد‏ ‏من‏ ‏عدد‏ ‏الدول‏ ‏المؤيدة‏ ‏لأمريكا‏ ‏داخل‏ ‏المجالس‏ ‏الأوروبية‏, ‏ومن‏ ‏جانب‏ ‏آخر‏ ‏سوف‏ ‏يحول‏ ‏دون‏ ‏بناء‏ ‏أوروبي‏ ‏متماسك‏ ‏سياسيا‏ ‏بالقدر‏ ‏الذي‏ ‏يصبح‏ ‏فيه‏ ‏منافسا‏ ‏حقيقيا‏ ‏للولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏في‏ ‏بعض‏ ‏المناطق‏ ‏التي‏ ‏لدي‏ ‏الاتحاد‏ ‏الأوروبي‏ ‏مصالح‏ ‏مهمة‏ ‏فيها‏ ‏كالشرق‏ ‏الأوسط‏ .
‏على أي حال ، ومهما كانت درجة اتفاقنا أو اختلافنا مع تحليل "بريجنسكي" للعلاقة الأوروبية الامريكية، فإننا نؤكد على حقيقة تتجلى في أن التعارضات الاوروبية/الأمريكية مهما اتسعت مساحتها، فإنها لن تتحول الى شكل من اشكال التناقض التناحري الحاد بينهما في هذه المرحلة، وذلك لكونهما معا، أوروبا والولايات المتحدة، يشكلان رأس الهرم في النظام الرأسمالي العالمي رغم تفوق النظام الامريكي الواضح راهنا، بل وهيمنته واستفراده المتوحش بمقدرات شعوب العالم الثالث عموماً، وبلدان وطننا العربي خصوصاً، رغم إدراكنا إلى أن تطبيقات مفهوم المركز الرأسمالي في اطار الصراع العالمي المحتدم بين دول المركز التي تمثل 15% من مجموع دول الكوكب، وبين بقية دول العالم في الأطراف تحتم نوعا من التفاهم (الأوروبي –الأمريكي) الاختياري والمصلحي في معظم الأحيان، وتفاهما اكراهيا في بعض الأحيان الأخرى وفق موازين القوى بينهما ، كمركزين رئيسيين يتحكمان في مقدرات هذا الكوكب، وقد أثبتت الأحداث منذ 11 سبتمبر 2001 الى غزو افغانستان واحتلال العراق ومحاولات الولايات المتحدة تفعيل سيطرتها على هذا الكوكب، الى جانب التأييد المباشر والصريح للعدوان الصهيوني على شعبنا ومحاولاته فرض "خارطة الطريق" و"خطة شارون/أولمرت"، وأخيراً الهجوم البربري الصهيوني (تموز 2006) ضد لبنان العربي وطليعته المقاومة الوطنية بقيادة "حزب الله"، نلاحظ مدى التوافق الأوروبي العام مع تلك السياسات والمواقف الأمريكية في العالم عموما، وتجاه العراق وفلسطين ولبنان خصوصا، يؤكد على ذلك أن دول الاتحاد الأوروبي لم تجرؤ أن تبادر بالدعوة الى عقد المؤتمر الدولي وفق "خارطة الطريق" على أثر تطبيق ما يسمى بالانسحاب من قطاع غزة، والتزمت بالموقف الامريكي/الصهيوني الرافض لكل قرارات الشرعية الدولية والحقوق الفلسطينية. المسألة الأخرى فيما يتعلق بالصراع على النفوذ في الأوراسيا، ترتبط بهدف الولايات المتحدة الذي ينبغي –كما يقول بريجنسكي- ان يكون دائما هو الحفاظ على التعدديات الجيوسياسية في الأوراسيا ‏بكل‏ ‏ما‏ ‏تعنيه‏ ‏من‏ ‏خصوصيات‏ ‏ثقافية‏ ‏وخطوط‏ ‏تماس‏ ‏عقائدي‏, ‏فالحفاظ‏ ‏علي‏ ‏هذه‏ ‏التعدديات‏ -كما يقول بريجنسكي- ‏يمنع‏ ‏نشوء‏ ‏تحالف‏ ‏كيانات‏ ‏معادية‏ ‏للولايات‏ ‏المتحدة‏. ‏من‏ ‏جانب‏ ‏آخر‏, ‏فإن على‏ ‏الولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏أن‏ ‏تبحث‏ ‏عن‏ ‏شركاء‏ ‏استراتيجيين‏ ‏يساعدونها‏ ‏في‏ ‏بناء‏ ‏نظام‏ ‏أمني‏ ‏أوراسي‏-‏أطلنطي‏. ‏وعلي‏ ‏المدى‏ ‏الطويل‏ ‏أي‏ ‏ما‏ ‏يزيد‏ عن‏ ‏عشرين‏ ‏عاما‏, ‏فإن‏ ‏على‏ ‏الولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏بأن‏ ‏تكون‏ ‏مستعدة‏ ‏لتقبل‏ ‏المشاركة‏ ‏في المسئولية‏ ‏والقرار‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بنظام‏ ‏أمني‏ ‏أوراسي‏-‏أطلنطي‏، ‏وهو‏ ‏اعتراف‏ ‏ضمني‏ ‏من‏ بريجنسكي بأن‏ ‏الأوراسيا‏ ‏سوف‏ ‏تشهد‏ في نهاية العقد الثاني من ‏القرن‏ الحادي والعشرين ‏نشوء‏ ‏الأقطاب‏ ‏الجدد‏ ‏للنظام‏ ‏العالمي‏. ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏يفسر‏ ‏هذا‏ ‏الانتشار‏ ‏الأمريكي‏ ‏الاستراتيجي‏ ‏الواسع‏ ‏النطاق‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏عدد‏ ‏كبير‏ ‏من‏ ‏القواعد‏ ‏العسكرية‏‏ ‏في‏ ‏أوروبا‏ ‏وآسيا‏ ‏الوسطي‏ ‏رغم‏ ‏انهيار‏ ‏الاتحاد‏ ‏السوفيتي‏! ‏وما‏ ‏من‏ ‏تفسير‏ ‏لهذا‏ ‏الانتشار‏ ‏الأمريكي‏ ‏الواسع‏ ‏في‏ ‏الأوراسيا‏ ‏-كما يقول د.خالد عبد العظيم- (مجلة السياسة الدولية) سوى‏ ‏الاستباق‏ ‏لما‏ ‏هو‏ ‏قادم‏، ومع موافقتنا على تحليل د.عبد العظيم، الا أننا نرى أن تحليلات بريجنسكي انبنت على قاعدة الاستقرار والنمو الدائم، اذا صح التعبير، لنظام العولمة الراهن، دونما ان يضع "بريجنسكي" في الاعتبار (وهذا من طبيعة المفكرين الرأسماليين) عوامل الصراع المتراكمة وتفجرها في لحظة معينة من التطور اللامتكافئ بين الشعوب المضطهدة من جهة وبين المراكز الرأسمالية من جهة ثانية، ذلك أن حقائق الحياة في وضعها الراهن، وكذلك في مسارها المستقبلي تؤكد على أن هذه الهيمنة الامبراطورية الأمريكية/الأوروبية لن يقدر لها الاستمرار والتواصل، ما يؤكد على ذلك، النهوض المتدرج والعميق في مجابهة العولمة الرأسمالية خاصة في أمريكا اللاتينية، وصعود الحركات اليسارية في العديد من دولها من ناحية وشدة تعمق مظاهر البطالة والافقار في البلدان الفقيرة في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، مع تزايد شدة وبشاعة الانقسام والصراع الطبقي على قاعدة العداء لنظام العولمة الامبريالي وعملائه، ما يجعل من توفر الظروف الموضوعية لمجابهة العولمة أمرا رئيسا على جدول أعمال الحركات الوطنية والقومية اليسارية الثورية في هذا العالم.

أما بالنسبة لدور روسيا والعديد من بلدان أوروبا الشرقية الاشتراكية السابقة التي تسعى اليوم الى إثبات وجودها في هذا العالم المضطرب المحكوم بالأحادية الأمريكية ، خاصة بعد أن عاشت شعوب هذا البلدان أشكالا من المعاناة والحرمان والبؤس في ظل ديمقراطية الليبرالية الجديدة و السوق الحر، فإننا نعتقد أن شعوب هذه البلدان، خاصة الطبقات المتضررة، ستندفع مجدداً للمطالبة بالعودة إلى النظام الاشتراكي في صيغته الجديدة المتطورة، خاصة وأن روسيا لن تستطيع في الظروف الراهنة اللحاق بشروط التطور الاقتصادي والتكنولوجي عبر آليات الرأسمالية ، فذلك أمر لن تسمح به المراكز الرأسمالية المعولمة ، وبالتالي لا مناص أمامها من العودة الى آليات النظام الاشتراكي كمدخل وحيد لاستعادة دورها وتطورها وإثبات وجودها في هذا الكوكب .

المسألة الثانية في هذا الجانب ،فإننا نعتقد، أن الدولة الروسية لا يمكن أن تتخلى عن وعيها المستمر بدورها الكبير و المتميز تاريخياً في إدارة هذا العالم مستذكرة دائماً تراثها القديم ، سواء عبر روسيا "بطرس الأكبر" ، أو تراثها الحديث عبر روسيا "لينين" أو الاتحاد السوفيتي ، و ذلك وفق مفهوم مصالح الدولة الروسية و ليس وفق مفهوم الإمبراطورية الغابر ، و بالتالي يخطئ كثيراً من يتصور أن هذا العملاق النووي الذي يملك إمكانات اقتصادية هائلة ، سيظل صامتاً على كل ما يجري فيه أو من حوله ، و خاصة تلك المتغيرات المتسارعة و الخطيرة في صلب العلاقات الدولية ، و لكن ذلك كله مرهون بالتغيير الجذري للواقع الروسي الراهن الذي يتعرض اليوم لأوضاع اقتصادية-اجتماعية داخلية أكثر سوءا من تلك العوامل الداخلية –البيروقراطية و الطفيلية الضارة التي أوصلت الاتحاد السوفيتي عبر تراكماتها السالبة إلى حد القطع أو نقطة اللاعودة أو الانهيار ، و بالمقابل فإن ما نتابعه اليوم من تراجعات متسارعة في بنية الدولة الروسية ، الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية في إطار هيمنة البديل الرأسمالي المحكوم بسياسات المافيا و الاحتكارات الاقتصادية ، و تراجع الناتج القومي الإجمالي من أكثر من (2) تريليون دولار إلى 432.9 مليار دولار فقط عام 2004 حسب تقرير التنمية الصادر عن البنك الدولي عام 2005 ، سيؤدي كل ذلك إلى مزيد من إضعاف الدور الروسي ، ليس فقط على المستوى الدولي كما جرى بعد انهيار حلف وارسو ، و إنما على المستوى الإقليمي أيضاً بما سيؤخر إعادة إحياء ذلك الدور على الصعيد العالمي دون أن تستطيع كل هذه العوامل إلغاء ذلك الدور ، إن لم تكن حافزاً لتوليده .

بعد كل ما تقدم ، نأتي الى الحديث عن الدور الآسيوي الذي يبرز بقوة اليوم على الصعيد العالمي ، في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية أو ثورة العلم والمعلومات ، وخاصة في كل من الصين واليابان كعملاقين يسعى كل منهما الى تحقيق دور مركزي في العلاقات الدولية الراهنة والمستقبلية .

فالصين الشعبية هي الدولة الأولى من حيث عدد السكان (22% من سكان العالم) ، وتشير كافة المصادر الى أنها تقترب وبشكل سريع من الوصول الى قمة قائمة أكبر الدول الصناعية في العالم ، فالاقتصاد الصيني –بشهادة العديد من الخبراء- هو الاقتصاد الأسرع نموا في العالم خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة ، ويقدر البعض أنه بعد عودة هونج كونج إليها ، فإن الاقتصاد الصيني سيصبح الاقتصاد الثالث في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان ، بل إنه من المتوقع مع حلول عام 2007 أن يرتفع الناتج القومي الصيني ليصل الى أكثر من 2 تريليون دولار حسب الخطة الصينية الهادفة الى مضاعفة الناتج القومي الإجمالي خلال هذه الفترة . وإذا استمر معدل النمو الحالي (حوالي 10% سنويا) فإن الاقتصاد الصيني سيصل إلى مستوى الاقتصاد الأمريكي بحلول عام 2020 ، وهو أمر تدركه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم التي تعتبر الصين عدوا محتملا في المستقبل أكثر بما لا يقاس منه في الحاضر ، خاصة مع التطور في العلاقات السياسية الصينية الروسية ، وتوقيع معاهدة الصداقة المشتركة في تموز 2001 هي الأولى منذ أكثر من خمسين عاما ، والتي عبر عنها الرئيس الصيني السابق "جيانج زيمين" بقوله: "إن هذه المعاهدة تستهدف مواجهة الهيمنة الأمريكية على الساحة الدولية" ، وذلك انسجاما مع ما جاء في تقرير المؤتمر الخامس عشر للحزب الشيوعي الصيني (المنعقد عام 1999) الذي نص على أن "الحرب الباردة ما زالت موجودة ذهنيا ، والهيمنة وسياسات القوة تواصل أن تكون المصدر الرئيسي لتهديد السلام والاستقرار العالميين ، علينا أن نعارض الهيمنة ، ونحمي السلام العالمي ، وعلى حزبنا الشيوعي أن يساعد على فهم العالم ويعمل على تغييره ، ولذلك ينبغي على كل الحزب أن يولي الدراسة جلّ الاهتمام وأن يبدع فيها وأن يفتح نهوضا جديدا في دراسة الماركسية اللينينية وأفكار ماوتسي تونج ونظرية دنغ شياو بينج" ، وأضاف التقرير "إن نظام الدولة بالصين الذي يتميز بالدكتاتورية الديمقراطية الشعبية ونظام حكومتها المتميز بمجلس نواب الشعب هما ثمرة النضالات التي خاضها الشعب وخيار التاريخ ، ولا بد لنا من أن نتمسك بالنظام السياسي الأساسي ، ونحسنه بدلا من استنساخ أي نماذج غربية ، إن هذا يتصف بأهمية حاسمة في التمسك بقيادة الحزب والنظام الاشتراكي وتحقيق الديمقراطية الشعبية" .

إن التقدم الملموس ، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي المدني والعسكري الذي أحرزته الصين الشعبية تحت قيادة الحزب الشيوعي ، أدخل الصين بقوة كشريك أساسي وقطب عالمي فعال كمحور رئيسي في النظام العالمي الراهن في القرن الحادي والعشرين ، سيكون له دورٌ رائدٌ ومميزٌ في تحديد شكل وطبيعة التعددية القطبية القادمة لا محالة ، خاصة وأن هذا الدور سيشكل مدخلا هاما لشعوب العالم الثالث التي ترى في الصين الشعبية الاشتراكية المحور الوحيد في التعددية القطبية القادمة القادر على أن يشكل تحديا حقيقيا للوجه البشع للعولمة الرأسمالية والهيمنة الأمريكية ، من أجل التحرر والعدالة الاجتماعية والاشتراكية والديمقراطية، لكن السؤال الذي لم تتبلور إجابته بوضوح حتى اللحظة: هل ستبقى الصين دولة اشتراكية حقاً في ظل اقتصاد السوق المتبع حالياً، أم أنها ستتحول تدريجياً إلى نظام رأسمالية الدولة تمهيداً لتحولها إلى دولة رأسمالية بمزايا صينية؟ إن هذه المخاوف أو الاحتمالات تستند إلى العديد من المؤشرات والمعطيات التي تؤكد عليها، علاوة على أن حديث القيادة الصينية (في الحزب والحكومة) عن تطبيق قوانين اقتصاد السوق منذ أواخر القرن الماضي، لا يمكن أن يستقيم مع قوانين الاقتصاد الاشتراكي ومناهجه التي بدأت في التراجع والانحسار لحساب القطاع الخاص الذي بات يسيطر على حوالي 60% من الاقتصاد الصيني في إطار الشركات المساهمة التي تجمع بين الرأسماليين وعمال المصانع، وفي كل الأحوال يظل المستقبل مرهوناً بمدى اتساع التناقضات بين القطاع الخاص الصيني من ناحية وبين الحزب الشيوعي وبرامجه من ناحية ثانية.
بالنسبة لليابان التي تحتل اليوم الموقع الثاني في العالم من حيث حجم الناتج القومي الإجمالي ، البالغ (4300) مليار دولار عام 2004 حسب تقرير التنمية الإنسانية (العالمي) لعام 2005 المشار إليه ، واليابان التي بلغ عدد سكانها كما في عام 2004 ، (128) مليون نسمة هي الدولة الثامنة من حيث مقدار دخل الفرد السنوي الذي يبلغ (33731) دولار ، بينما يبلغ دخل الفرد في الولايات المتحدة (37650) دولار وتأتي في المرتبة الخامسة

رغم أن اليابان تأتي في المرتبة الثامنة من ناحية دخل الفرد السنوي، إلا أنها الدولة الأولى من حيث السيولة المالية ، وحجم الاستثمارات الخارجية ، وهي الأولى من حيث "الأصول الوطنية الثابتة التي تبلغ 43.7 تريليون دولار مقابل 36.2 تريليون دولار في الولايات المتحدة ، وهي الدولة الأولى في العالم بالنسبة لتصنيع منتجات الحديد والصلب (رغم أنها تفتقر للمواد الخام) ، وهي الأولى للمكننة الصناعية في العديد من المجالات" .

إن التراكم الاقتصادي وحجم التقدم النوعي والكمي التكنولوجي ، يؤهل اليابان لأن تصبح واحدة من الدول العظمى التي ستسهم في تحديد المعالم المستقبلية للنظام العالمي المعاصر، من حيث تحديد مراكزه وأقطابه أو تعدديته التي لم تتبلور بعد ، دون أن يعني ذلك الإسهام أن الدور الياباني سيشكل تناقضا مع سياسة الولايات المتحدة وتوجهاتها العالمية ، بل سينطلق من رؤيته للمصالح اليابانية والآسيوية الخاصة التي ستظل ترى في الولايات المتحدة حليفا استراتيجيا على صعيد رسم السياسات والعلاقات الدولية في إطار النظام الرأسمالي العالمي ، من موقع المشاركة والندية ، بالمعنى النسبي الذي يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الوضع الياباني ودوره الآسيوي ، وهي علاقة تقترب من الرؤية الأوروبية وتتقاطع معها .

فاليابان اليوم ، تشكل نموذجا اقتصاديا لدول شرق وجنوب شرق آسيا بالذات ، وهي دول باتت تملك اليوم اقتصادا قويا رغم ما تعرضت له من أزمات –ساهمت فيها الولايات المتحدة بصورة مباشرة وغير مباشرة- ، حيث أثبتت أنها ليست فقاقيع مالية يمكن أن تنفجر وتتلاشى تجربتها بسهولة ويسر ، وهي بالتالي تجد في اليابان مثالا وملاذا في آن واحد ، ولذلك كان من الطبيعي أن يلتقوا جميعا في تكتل "الآسيان" المشار إليه سابقا ، إثباتا للقوة الاقتصادية من جهة ، وتمهيدا لدور سياسي آسيوي مركزي في العلاقات الدولية تكون الصين احد اهم اقطابه من جهة أخرى .


منقول