المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حركة التجارة الدولية في ظل العولمة وانعكاسها على الدول النامية



البريتور
11-07-2008, 04:41 AM
وفي ضوء هذه السياسات والشروط المحددة من قبل الصندوق والبنك الدّوليّين من جهة ، ومنظمة التجارة الدولية والشركات المتعددة الجنسية من جهة ثانية ، أصبحت السياسة التجارية للدول المستقلة ، ولأول مرة في التاريخ الاقتصادي للأمم شأنا دوليا أو معولماً ، وليس عملا من أعمال السيادة الوطنية أو القومية الخالصة … فعلى النقيض من كل ما كتبه مفكرو العولمة ، المدافعون عن إجراءات الخصخصة والليبرالية وتحرير التجارة العالمية ، وآثارها الإيجابية على الدول النامية ، فإن النتائج الناجمة عن اندماج البلدان النامية في هذه الإجراءات تشير الى عدد من الحقائق :-
1- بالرغم من ارتفاع حجم التجارة الدولية الى 9.2 تريليون دولار عام 2003 (وهي اليوم في منتصف عام 2006 تقدر بحوالي 10 تريليون دولار سنويا) ، فقد ظل نصيب مجموعة البلاد النامية من التجارة العالمية ثابتا خلال العقود الثلاثة الماضية حول 18% بما في ذلك نصيب الدول المصدرة للنفط ، رغم أن سكان هذه المجموعة من البلاد يشكلون 75% من إجمالي سكان العالم .
2- بالرغم من أن دعاة العولمة والتحرير المالي والتجاري كانوا يزعمون أن البلاد النامية سوف تستفيد من تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة ، إلا أن ذلك لم يحدث ، فقد تبين في العقدين الماضيين أن أكثر من 90% من حركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة تذهب أساسا الى البلدان المتقدمة (الولايات المتحدة-أوروبا-اليابان والصين) . أما بقية البلاد النامية فقد حصلت على أقل من 10% من تلك الحركة ، وفي هذا السياق تشير البيانات الخاصة بالاستثمارات العالمية إلى أنها بلغت عام 2000 ( 1393 ) مليار دولار وقد تراجعت بنسبة 40% عام 2001 على أثر أحداث 11 سبتمبر، وهذه الاستثمارات تركزت بنسبة 90% منها في الدول الصناعية، حيث لم تتجاوز قيمة الاستثمارات الأجنبية التي تدفقت الى الدول النامية 162.1 مليار دولار عام 2002 لم تزد عن حدود هذا الرقم حتى عام 2005 .
3- "ارتفع إجمالي رصيد ديون البلدان النامية بشكل دراماتيكي في العقد الماضي من 603.3 مليار دولار عام 1980 ، الى 2172 مليار دولار عام 1997، ووصلت الى ما يقارب من 2.5 تريليون دولار عام 2004، ومع نمو حجم هذه الديون ارتفعت أسعار الفائدة ومعدل خدمة الدين الذي وصل في بعض هذه البلدان الى ما يزيد عن 100%" .
4-إن عولمة الأسواق المالية وما انطوت عليه من إجراءات للتحرير المالي، كانت ذات آثار هامة وخطيرة على البلاد النامية ، فقد أدت الى إلغاء الحظر على المعاملات التي يشملها حساب رأس المال والحسابات المالية لميزان المدفوعات ... وكذلك فإن هذه الإجراءات عرضت الجهاز المصرفي للأزمات، ولتدفق الأموال القذرة (غسيل الأموال) ، وتعرض البلد لهجمات المضاربين، والى إضعاف السيادة الوطنية في مجال السياسة المالية والنقدية ، وشجعت على هروب واسع لرؤوس الأموال الوطنية للخارج .
5- تراجعت مساهمة الدول النامية ( 146 دولة ) في الناتج المحلي العالمي (البالغ كما في نهاية 2004 [36] تريليون دولار) الى 29 % في مقابل 71% للدول المتقدمة (الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي واليابان)، أما فيما يتعلق في مساهمة دول الشرق الأوسط قد شاركت بحوالي 2% من إجمالي الناتج المحلي العالمي . (انظر جدول الناتج المحلي العالمي) .
يتضح فيما تقدم، أن "البلاد النامية تعاني من وضع غير متكافئ لها في الاقتصاد العالمي، وأن هذا الوضع يتدهور فترة بعد أخرى تحت تأثير سرعة اندفاع قطار العولمة والتحرر المتسارع لاقتصاديات هذه البلاد وإدماجها في الاقتصاد العالمي وإن هذا الدمج والتحول المفاجئ والالتزام المبكر بقواعد العولمة والليبرالية والتحرير الاقتصادي كانت له نتائج سلبية ، وأحيانا مدمرة على اقتصاد البلدان النامية، حيث وضعت الكثير من العقبات في وجه تنميتها، وأفقدتها القدرة على حماية صناعاتها الوطنية ، وأدت الى ارتفاع تكلفة المعرفة والتكنولوجيا ، وتعرضها الى المنافسة غير المتكافئة مع الواردات الأجنبية، واحتمال استيلاء الشركات العملاقة المتعددة الجنسية على المشروعات الوطنية والمجالات الأساسية، مما سيدفع، وذلك هو الأخطر، الى تقليص قدرة البلاد النامية على صياغة وتصميم سياساتها التنموية والتجارية (وغيرها من السياسات) بعد أن انتقلت عملية صنع الكثير من القرارات من مستواها الوطني الى منظمة التجارة العالمية" .
إن هذه التطورات والتراكمات السالبة ، ستؤدي في تقديرنا ، الى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ، وتزايد مساحات الفقر والبطالة والتناقضات الداخلية بكل أنواعها ، في كل بلدان العالم عموما ، وفي البلدان الإفريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينية خصوصا ، وبوتائر عالية لم تشهدها هذه البلدان من قبل ، حيث ستتعاظم الثروات في مقابل تعاظم الفقر واتساعه ، وما ستنتجه هذه الفجوات العميقة من شعور عام لدى هذه الشعوب الفقيرة ، من خوف كبير على مستقبلها ، نتيجة فقدانها القدرة على التحكم والسيطرة على مقدراتها في الظروف الراهنة ، بعد أن فقدت كل مكتسباتها –ضمن الحد الأدنى- التي حصلت عليها تلك الشعوب عبر نضالها في مرحلة الاستقلال وحتى نهاية الستينيات من القرن الماضي ، مما سيدفع بها –دفاعا عن مصالحها الوطنية والمطللبية معا- الى الانتقال من الطابع العفوي لرفضها ، نحو الطابع المنظم ، لكي تمارس عملية التغيير والتجاوز لأنظمتها ، وكسر حلقات التبعية والتخلف في بلادها ، مقدمة لتغيير جوهري في البنية الداخلية لمجتمعاتها ، ستدفع بدورها الى تغيير جوهري أيضا في بنية العلاقات الإقليمية والدولية مؤذنة بعصر جديد من الثنائية أو التعددية في هذا الكوكب ، إذ أن توحش الرأسمالية المعولمة وآثارها على البلدان النامية عبر ممارساتها البشعة ضد مصالح شعوب هذه البلدان ، سيدفع بهذه الشعوب عبر طلائعها المنظمة من المثقفين والرواد والجماهير الشعبية ، الى الإعلان بكل صراحة ووضوح ، بأنه لو لم تكن هناك اشتراكية ، فسيحرص الجميع على السعي لإيجادها والإيمان بنظريتها وبلورة نظامها من أجل العدالة الاجتماعية والديمقراطية ، وتثبيته وحمايته كنتيجة منطقية لظروف الحرمان والذل والاضطهاد والفقر والمرض والمعاناة بكل ألوانها التي تتعرض لها شعوب العالم الفقيرة في ظل العولمة وأدواتها الإمبريالية .
وفي هذا السياق ، فإننا ندرك ، أيضا ، أن عملية التغيير لتجاوز وكسر السيطرة الأمريكية الأحادية لن تتوقف فحسب على بلدان العالم الثالث ، رغم اعتبارنا لهذه البلدان الحلقة المركزية في العملية التغييرية المطلوبة على الصعيد الإقليمي والعالمي ، بل ستمتد عبر أشكال متعددة ، الى البلدان الصناعية المتقدمة في أوروبا واليابان وروسيا ، وبلدان اسكندنافيا والصين وبلدان ما يسمى بالنمور الآسيوية ، وذلك عبر تحولات لن تأخذ طابعا راديكاليا شعبيا أو طبقيا ضد الرأسمالية من حيث المبدأ ، ولكنها بالضرورة ستتخذ موقفا معارضا لجوهر الليبرالية الجديدة وممارساتها الضارة بل والمتوحشة ، سواء على صعيد المكتسبات الداخلية للشرائح الشعبية الفقيرة في هذه البلدان من جهة ، أو على الصعيد الاقتصادي والسياسي الدولي العام، في مواجهة العنجهية والتفرد الأمريكي بمقدرات العالم الذي لا يأخذ بالاعتبار الدور الأوروبي والآسيوي، كشريك حقيقي في العلاقات الدولية الراهنة ، ولذلك لم يكن مستغربا ذلك التحول البسيط لدى الناخب الأوروبي الذي أطاح بالأحزاب اليمينية في ألمانيا ، وبريطانيا ، وفرنسا ، وإيطاليا ، وإسبانيا ، وغيرها من الدول الأوروبية ، ليحل محلها في الحكم ، الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية ، وهو تحول له مدلولاته بالرغم من عدم جذريته ، يؤكد على ذلك عودة بعض الاحزاب اليمينية إلى السلطة كما جرى في ألمانيا نهاية عام 2005،وفي ايطاليا قبل أربعة أعوام، ثم سقوط "برلسكوني" وصعود الاشتراكيين في نيسان 2006 ، فهو اذن ليس تحولا جوهريا ، ولكنه تعبير عن عدم الرضا عن سياسات الليبرالية الجديدة التي دعت الى إلغاء دور الدولة في الاقتصاد ، وإلغاء القطاع العام ، وتخفيض بعض أوجه الدعم المخصصة للشرائح الفقيرة .

إننا ندرك، انتهازية هذه الأحزاب بالنسبة للموقف الجوهري من الاشتراكية –الديمقراطية ، كما ندرك مواقفها اليمينية تجاه القضايا الأساسية التحررية الوطنية والقومية لشعوب العالم عموما ، ولشعبنا العربي الفلسطيني خصوصا ، في صراعنا مع العدو الصهيوني ، حيث لم يرتَقِ الموقف الأوروبي الى مستوى التعارض الجدي مع السياسة الأمريكية-الإسرائيلية في هذا الجانب ، بالرغم من عدم تطابق الموقفين والاختلاف النسبي بينهما ، وهي أشكال تعارضية تعبر عن حجم الخلاف غير الجوهري –في معظمه- بين السياستين الأوروبية والأمريكية ، ولكنها بالمقابل ليست تعارضات شكلية أو بعيدة عن الواقع الأوروبي الذي يتطلع الى دور ذاتي محدد ، يهدف الوصول بالاتحاد الأوروبي الى شكل أرقى تحت مظلة المجموعة الإقليمية الموحدة ، سعيا منه للحصول على دور أكبر في المصالح والسياسات الاقتصادية والتبادل التجاري من جهة ، ودور سياسي أكثر تأثيرا في العلاقات الدولية الراهنة ، وهو أمر نعتقد أن أغلبية الدول الأوروبية تتطلع دائما الى إبرازه للمشاركة في قيادة العالم بصورة ندية على حساب الأحادية الأمريكية ، ودون أي تناقض رئيسي ومباشر معها ، وهو تطلع مشروع وممكن ومطلوب –أوروبيا- في آن واحد ، خاصة وأن دول الاتحاد الأوروبي تدرك أهمية دورها ، خاصة بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة ، بغض النظر عن خضوعها أو معارضتها الشكلية أو توافقها بهذه الدرجة أو تلك مع السياسات الأمريكية راهنا ، وهو دور لن يتحقق بدون مشاركتها الفعلية في إدارة العالم وصنع العلاقات الدولية الجديدة ، تأمينا لمصالحها ودورها المستقبلي كشريك امبريالي الطابع، طالما بقيت أقطار العالم الثالث على ما هي عليه من تبعية وخضوع، دون أن تتجاوز السياسات "المعتدلة" للأحزاب "الاشتراكية الديمقراطية"، كما عبر عنها المفكر البريطاني "انتوني جيدنجز" في كتابه الطريق الثالث كحل وسط بين "التطرف الليبرالي وتوحش العولمة من جهة والتطرف الاشتراكي" من جهة أخرى .

منقول