المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التداعيات القانونية والسياسية لاستقلال كوسوفو



almasry
02-04-2008, 10:39 AM
التداعيات القانونية والسياسية لاستقلال كوسوفو


السفير د. عبد الله الأشعل
مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أستاذ القانون الدولي




أثار إعلان استقلال إقليم كوسوفو يوم 17 فبراير 2008 اهتماما دوليا كبيرا، لما لهذا الإعلان من تداعيات تتعلق بتطبيق قواعد العلاقات الدولية والقانون الدولى الراهن، وبالآثار المترتبة على التسليم بهذه السابقة فى إعلان الاستقلال فى تشجيع أقاليم أخرى فى مختلف أنحاء العالم على المطالبة بالحق نفسه.

يقع إقليم كوسوفو فى جمهورية الصرب، وهى التى كانت تقود الاتحاد اليوغوسلافى الذى ضم إلى جانب الصرب خمس جمهوريات أخري.

ويضم الإقليم نحو مليونى نسمة، منهم أكثر من 90% من المسلمين الألبان الذين عانوا من بطش الصرب، خاصة بعد تفكك الاتحاد اليوغوسلافي.

ورغم توقيع اتفاق دايتون للسلام عام 6991، إلا أن ثوار كوسوفو ظلوا يناهضون السياسة القمعية الصربية، فقررت واشنطن -لاعتبارات ليست واضحة حتى اليوم على الأقل للكاتب -أن تشترك مع 18 عضوا فى الناتو فى عملية قصف جوى لكل أنحاء يوغوسلافيا عام 1999، انتهت بطرد السلطات الصربية من كوسوفو، ووضع كوسوفو تحت الإدارة المدنية للأمم المتحدة والحماية العسكرية لقوات الناتو، وإصدار مجلس الأمن القرار رقم 1244 الذى أكد احترام السيادة والسلامة الإقليمية لجمهورية الصرب.

ونظرا لتنامى مطالب الاستقلال فى الإقليم، فقد عينت الأمم المتحدة رئيس فنلندا السابق رئيسا لبعثتها فى الإقليم، والذى انتهى إلى اقتراح استقلال كوسوفو واستحالة استمرار الإقليم فى إطار الصرب، نظرا لتزايد العداء بين الجانبين.

ولكن الصرب رفضوا الاستقلال رفضا قاطعا خلال المفاوضات التى رعاها الاتحاد الأوروبى بين كوسوفو والصرب، وعرضوا أوسع درجة من درجات الحكم الذاتى، إلا أن الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية الرئيسية ساندت فكرة الاستقلال تحت إشراف دولي Supervised independance.

وهكذا، أعلن برلمان كوسوفو هذا الاستقلال يوم 17 فبراير 2008، وأثار ذلك عاصمة شديدة من الاحتجاج من الصرب وروسيا والصين وعدد من الدول الأوروبية، أهمها إسبانيا ورومانيا.

أثار استقلال كوسوفو الكثير من المسائل والقضايا القانونية والسياسية، ومنها ما يتعلق بقواعد العلاقات الدولية والقانون الدولى الراهنة والانقلاب عليها.

فقد استقرت قواعد العلاقات الدولية والقانون الدولى على أن الدولة هى الوحدة الأساسية فى كل من العلاقات والقانون، ولا تزال كذلك وفقا لنظريةMorgenthau المتعلقة بالقوة والصراع، وكذلك وفق مدرسة أصلت هذه النظرية وهى State centric approach، رغم توافد العديد من اللاعبين الدوليين الآخرين Actors، ربما الأكثر تأثيرا ووزنا من الدول، كالمنظمات الدولية والشركات المتعددة والجنسيات وغيرها.

وقد حرص القانون الدولى على إحاطة الدولة بعدد من الخصائص القانونية تحميها قواعده، وأهمها الحق فى البقاء وعدم انتزاع أقاليم من أرضها رغما عنها، سواء على سبيل الاحتلال أو الانتزاع أو تشجيع الانفصال عنها.

وحظر القانون الدولى التدخل فيما يعد اختصاصا داخليا للدولة، وأهمها حق الدولة فى ألا ينفصل إقليم عنها رغم إرادتها، وأن اعتراف الدول الأخرى بهذا الانفصال يعد عملا عدائيا وتدخلا فى شئونها الداخلية.

ورغم تطور مبدأ التدخل الإنسانى الذى يجمع بين الحرص على الاعتبارات الإنسانية والدوافع السياسية، إلا أن معاملة الدولة لرعاياها أو لجزء منهم، وإن اعتبر جزءا من الاهتمام الدولى، إلا أن الممارسات الحالية تحاول التوفيق بين الاعتبار الدولى والاعتبارات القانونية المتصلة بحق الدولة وسلامتها الإقليمية وسيادتها واستقلالها.

وبينما يسلم المجتمع الدولى بحق الشعوب فى تقرير مصيرها، فإنه يسلم أيضا بمبدأ المحافظة على الدولة وسلامتها.

ولذلك، ساند المجتمع الدولى حق تقرير مصير الشعوب المحتلة والخاضعة للاستعمار، لأن الاستقلال لا يمس حقوق الدول المستعمرة أو المحتلة، ولكن حق تقرير مصير الشعوب ضد الحكام المستبدين لم يتبلور.

وقد حدث خلط عبر تاريخ العلاقات الدولية بين حقوق الشعوب وحقوق الأقليات، والتى أثيرت لدوافع سياسية، حيث تم توظيف مبادئ القانون الدولى فى عملية الإدارة السياسية للسياسات الخارجية.

ولكن عند التفاضل بين حق تقرير المصير وحق الدولة فى البقاء، فإن الحق الأخير هو الذى يرجح، وهذا هو السبب القانونى فى عدم التسليم بحق تقرير المصير لأكراد العراق أو أكراد تركيا، لأن تحقيق ذلك سيؤدى إلى تمزيق الدول التى يعيشون فيها.

ويترتب على هذا التحليل أنه رغم كل ما عاناه أهل كوسوفو من قهر على يد الصرب، ورغم تفرد كوسوفو بخصائصها الذاتية المتميزة عن الصرب، فإن ذلك كله لا يبرر التضحية بمبدأ حاكم للعلاقات الدولية والقانون الدولى وهو مبدأ السلامة الإقليمية، وهو أثر من تطبيقات مبدأ قدسية الحدود الذى ظهر فى أمريكا اللاتينية فى ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ثم أصبح مبدأ عالميا بعد أحداث البوسنة، وأكدته محكمة العدل الدولية وهو المبدأ المعروف باسم Uti Possiditis.

صحيح أن هذه المبادئ تمثل نبراسا ساميا، وأن الدول حاولت أن تحقق التعايش أو المواءمة بينها وبين متطلبات المصالح وقواعد الصراع، ولكن يبدو أن واشنطن لم تكتف بتطويع هذه المبادئ لمقتضيات الواقع الدولى الذى صنعته، واستنفدت فى سبيل ذلك كل مساحات المرونة وتجاوزتها.

ولكنها ترى بصراحة أنها تريد نسقا قانونيا جديدا لا تجهده الممارسات الدولية.

ويأخذ فى اعتباره معايير القوة والتمايز بين الدولة مادام الواقع قد فارق تماما مبدأ المساواة فى السيادة بين الدول، صغيرها وكبيرها.

من ناحية أخرى، هناك تداعيات سياسية مهمة للاعتراف الدولى باستقلال كوسوفو.

إن قبول المجتمع الدولى اقتطاع جزء من إقليم الدولة، رغم إرادتها لاى سبب، قد يدفع الكثيرين فى ظروف مماثلة أو متقاربة إلى الاستفادة من هذه السابقة، مما يؤدى إلى فوضى دولية وحروب لا نهاية لها.

وهناك مالا يقل عن 30 حالة مشابهة تطالب فعليا بالاستقلال، وسوف نركز على أبرزها فى سياق هذا التحليل.

الحالة الأولى فى هذا الصدد هى الحالة الفلسطينية، وكانت أول ما توارد إلى الذهن عند إعلان استقلال كوسوفو.

وقد انقسم الصف الفلسطينى حول إمكانية الاستفادة من نموذج كوسوفو، ولكن تم صرف النظر عن ذلك رغبة فى عدم استثارة إسرائيل.

ولكنى اقترح أن يستفاد من تجربة كوسوفو، لا فى إعلان فلسطينى منفرد للاستقلال، ولكن فى إدارة الأمم المتحدة لفلسطين توطئة لإعلان استقلالها، ولكن ذلك كله مرهون بمواقف إسرائيل والولايات المتحدة، وكلها طروحات تناقض أهداف المشروع الصهيونى الذى لا يريد أن تقوم فى ظله أى دولة للفلسطينيين.

والفارق الأساسى بين كوسوفو وفلسطين هو أن كوسوفو تتبع سياديا دولة أخرى، بينما إسرائيل فى المفهوم العام مجرد دولة محتلة.

الحالة الثانية: هى حالة المسلمين الأتراك فى شمال قبرص: فقد سبق للجانب التركى فى قبرص أن أعلن استقلاله من طرف واحد دون الاتفاق مع الجانب اليونانى فى الجزيرة، فسارع مجلس الأمن إلى إصدار قرار يبطل هذا الاستقلال ويحظر الاعتراف بهذا الإعلان الباطل، بصرف النظر عن الأسباب القانونية والسياسية التى سيقت فى هذا الشأن.

لكن تكفى الإشارة إلى أن اليونان ترجح تركيا فى أهميتها لدى الاتحاد الأوروبى وواشنطن، ولذلك تظل وحدة الجزيرة والبحث عن حلول توافقية لتعايش العرقين هو الخط العام الدولي.

ويبدو أن مسارعة تركيا إلى إعلان اعترافها بكوسوفو قد بنيت أساسا على الرغبة فى إرساء السابقة تمهيدا لتجديد طلب استقلال الأتراك القبارصة، ظنا أن تماثل الحالتين يمكن أن يساعد فى نجاح الاستقلال هذه المرة، ولكن تركيا تجاهلت أثر هذا الاعتراف بكوسوفو على أكرادها وأكراد العراق الذين تريد واشنطن لهم وضعا مستقلا، وربما لا تمانع فى أن يكونوا دولة، وكذلك الحال مع أكراد إيران وسوريا، على أساس أن استقلال الأكراد فى هذه الدول الثلاث سيكون خنجرا فى قلب هذه الدول الموحدة.

وذلك هو السبب فى ترجيح حق الدولة فى المحافظة على سلامتها الإقليمية على حق جزء من شعبها فى تقرير مصيره، حتى لو توافرت موجبات التمتع بهذا الحق.

الحالة الثالثة: هى الصحراء الغربية، وهى الحالة التى يتصارع فيها المغرب -الذى يصر على أن الصحراء جزء من ترابه، ولكنه مستعد لمنح الحكم الذاتى لسكان الصحراء- مع البوليساريو التى يعترف عدد كبير من دول العالم بأنها دولة وهى عضو فى الاتحاد الإفريقي.

وقد كانت، ومازالت، مساندة الجزائر للبوليساريو سببا فى شقاق دائم مع المغرب.

ومصدر المشكلة هو الرأى الاستشارى لمحكمة العدل الدولية عام 1975، الذى ترجمته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه الأساس القانونى لحق تقرير المصير لشعب الصحراء، علما بأن تقرير المصير وحتى إعلان الاستقلال لا يعد تمزيقا لوحدة المغرب، لأن الإقليم متنازع عليه.

ولكل هذه الأسباب، يعد إعلان استقلال الصحراء أكثر قبولا من نموذج كوسوفو.

وهناك عشرات الحالات المشابهة فى دول قائمة، مثل أكراد العراق، وأكراد تركيا، وناجورنو كاراباخ، والأقاليم المنشقة فى القوقاز فى الاتحاد الروسى، وفى إسبانيا، وبلغاريا، ورومانيا، وأقليات اليونان، وصرب كوسوفو وصرب البوسنة.

وفى آسيا، نشير الى مسلمى الفلبين، والمسلمين فى الصين، وتايلاند، وكشمير الهندية التى تطالب بالاستقلال أو الانفصال عن الهند منذ تقسيم شبه القارة الهندية.

وهذه الموجة يمكن أن تمتد إلى العالم العربى لتمزيق دول قائمة على أسس سياسية أو دينية أو عرقية، مثل دارفور، وتقسيم العراق، وانفصال البربر.

هناك أيضا قضية أخيرة تتعلق بموقف كوسوفو فى المؤسسات الدولية، ومنها -على سبيل المثال- ملف كوسوفو فى قمة منظمة المؤتمر الإسلامى، التى عقدت فى 13 و14 مارس 2008 بالسنغال.

حيث من المعروف أن موقف المنظمة التقليدى من الأقليات الإسلامية فى الدول غير الإسلامية يؤكد ضرورة احترام حقوق الإنسان لهذه الأقليات، مع المحافظة على سيادة الدول التى يقيمون فيها.

والاعتراف بكوسوفو، رغم اعتراض الصرب، يناقض هذا المبدأ.

وبالفعل، عكس البيان الختامى للقمة حرج موقف المنظمة من استقلال كوسوفو، إذ اقتصر على إشارة بأن المؤتمر الإسلامى أخذ علما بالاستقلال، وهو ما يعنى أن قرار الاعتراف متروك لكل دولة، وأن الأمر لن يثير مشكلة إلا عندما تتلقى المنظمة طلبا بالعضوية.

وقد استبقت السنغال وتركيا والجابون هذه القمة واعترفت بكوسوفو، كل لأسباب مختلفة فى ضوء الاعتراف الأمريكى والفرنسى بالدولة الجديدة.

ولكن اللافت للنظر فى هذا المقام هو أن الأمين العام للمنظمة قد بادر، قبل أن تجتمع القمة، إلى الاعتراف الشخصى بالدولة الجديدة، فتجاوز نطاق صلاحياته بما يمكن أن يحرج الدول الأعضاء.

وقد يفسر هذا الموقف الغريب بأنه يتماشى مع الموقف التركى، كما قد يفسر بأنه رغبة فى تشجيع الاعتراف بدولة إسلامية جديدة قد تصبح عضوا فى المنظمة.

وهناك أيضا مشكلات تتعلق بوضع كوسوفو فى الأمم المتحدة.

فرغم أن الأمم المتحدة تولت الإدارة المدنية لإقليم كوسوفو، وأن اقتراح استقلال كوسوفو صدر عن مبعوث الأمم المتحدة للإقليم، إلا أن مجلس الأمن عجز عن إقرار الاقتراح بسبب الاعتراض الروسى والصيني.

إن هذا الاعتراض يؤدى إلى استحالة قبول كوسوفو عضوا فى الأمم المتحدة.

ومن سوابق المجلس فى هذا الصدد تيمور الشرقية التى استقلت رغما عن إندونيسيا، لكن إقليم تيمور الشرقية لم يعتبر -من وجهة نظر المجتمع الدولي- إقليما إندونيسيا، بل إقليم كان يخضع للاستعمار البرتغالى ثم الإندونيسى، وأن حق تقرير مصير شعبه موجه فقط نحو الوضع الاستعماري.

ولهذا السبب، لم تعترض دولة من الدول الدائمة فى مجلس الأمن على انضمام الإقليم إلى الأمم المتحدة.

والمعلوم أن عضوية الأمم المتحدة تتطلب توصية إيجابية من مجلس الأمن ثم موافقة الجمعية العامة.

وفى ضوء هذا الموقف الصينى والروسى المساند لمبدأ عدم انتزاع أقاليم من الدولة ضد إرادتها، وعجز مجلس الأمن عن حسم الموضوع، برفض الاستقلال أو قبوله، فقد التزم الأمين العام للأمم المتحدة جانب الحذر والتحفظ، مادام يفتقر إلى خط رسمى واضح من جانب مجلس الأمن.

ومما يذكر أن الخط الرسمى للمجلس فى مثل هذه الحالات فى السابق كان يبطل إعلان الاستقلال من طرف واحد، ويدعو الدول إلى عدم الاعتراف بالإعلان، سواء عند إقامة دولة أو ضم أقاليم.

وقد حدث ذلك عندما أبطل مجلس الأمن إعلان أيان سميث فى روديسيا الجنوبية (زيمبابوى الحالية) الاستقلال من طرف واحد، دون مشاركة الأفارقة أو موافقة البريطانيين الذين كانوا يتولون السلطة الاستعمارية للإقليم.

كذلك، أبطل المجلس إعلان الاستقلال من طرف القبارصة الأتراك، حتى لا تتمزق الجزيرة، وهذا النموذج هو الأقرب إلى كوسوفو إلى حد كبير.

وأخيرا، أبطل مجلس الأمن إعلان إسرائيل ضم الجولان والقدس عامى 1980 و1981، لأنها أراض لا يجوز ضمها من جانب السلطة المحتلة.

والخلاصة، لا يزال مبدأ بقاء الدولة والمحافظة على سلامتها الإقليمية هو الأكثر رسوخا من المبادئ الأخرى التى قد تتقابل مع هذا المبدأ، ومنها مبدأ التدخل لاعتبارات إنسانية، والذى يضعفه ما يلابسه من اعتبارات سياسية، ومبدأ تقرير المصير الذى يفصل بينه وبين الواقع الكثير من المعطيات، ويتطلب لتطبيقه الكثير من الموجبات.



المصدر : السياسة الدولية ( 172) - ابريل 2008