المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ضريبة الابومويرا



البريتور
01-03-2008, 11:46 AM
ضريبة الابومويرا

كان غرس الكروم وأشجار الفاكهة والبقول يتطلب من الجهد والنفقات ما يخرج عن طاقة صغار الزراع، ولذلك فإن هذا النوع من الزراعة كان لا ينجح في عهد الفراعنة إلا في ضياع الملك أو أراضي المعابد، فأفضى ذلك، فيما يبدو، إلى أن الكهنة احتكروا هذا النوع من الزراعة حتى خارج أراضي المعابد، بمعنى أنهم كانوا يمنحون الأفراد حق ممارسته لقاء ضريبة، كان دخلها يؤلف جانبًا كبيرًا من موارد المعابد ويخصص للإنفاق على شئون الديانة المصرية. ولا بد من أن يكون بطليموس الثاني قد لاحظ أن دخل هذه الضريبة كان آخذًا في الازدياد، نتيجة لما صادفته عندئذ زراعة الكروم والفاكهة والبقول من العناية والاهتمام، وأن الكهنة لم يستحقوا ازدياد مواردهم نتيجة لعمل لم يساهموا فيه، وأن استمرارهم في جباية هذه الضريبة لا يتمشى مع سياسة تضييق الخناق ماديًا عليهم.

ومن المرجع أن المعابد كانت تتمتع بدخل هذه الضريبة وحق جبايتها منذ أيام الفراعنة الوطنيين، حتى أصدر بطليموس الثاني في العامين الثالث والعشرين (263/ 262) والسابع والعشرين من حكمة قرارين يقضيان بأن دخل هذه الضريبة، التي كان الإغريق يطلقون عليها اسم أبومويرا (Apomoira)، يجب أن يخصص لعبادة أرسينوي "الإلهة فيلادلفوس"، وأن يقوم يجمع هذه الضريبة ملتزمون يشترون من الحكومة حق جبايتها في مزاد علني يعقد في كل مديرية، وكان مقدار هذه الضريبة عندئذ، إن لم يكن من قبل، سدس المحصول، لكن الاقطاعات التي يستغلها جنود يستدعون للخدمة، والأراضي البعيدة عن النيل في منطقة طيبة وتحتاج إلى ري خاص وكذلك ديو يكيسيس سيمار يستوس القديم، كانت تدفع عشر محصول الكرم، هذا وإن كانت كل هذه الفئات تدفع كسائر الأراضي الأخرى سدس المحصول عن الفاكهة والبقول.

ولا جدال في أن الأبومويرا قد ظلت نظريًا ضريبة مقدسة، لكن دخلها النقدي أصبح يدفع إلى الخزائن الملكية، ودخلها النوعي من النبيذ يودع في المخازن الملكية، وتبعًا لذلك غدت حصيلة الأبومويرا تحت تصرف الملك، لكن أراضي المعابد أعفيت من هذه الضريبة، لأن الدولة أدعت بأنها تحترم التقاليد التي تقضي بإعفاء دخل المعابد من الضرائب، ومن أجل هذا الغرض، فإن فيلادلفوس، عندما أوجد النظام الجديد، أمر عمال المالية ببحث حالة الأراضي لكيلا يعتدوا على الأراضي المقدسة.

ولقد اختلف المؤرخون في تفسير مغزى هذا التغيير الذي استحدثه فيلادلفوس، فيرى ماهافي وبوشيه ـ لوكارك أن الملك استفاد من جراء ذلك على حسابه المعابد لأنه سلبها جانبًا من دخلها، لكن مهارة الملك أخفت جوره وأظهرته في ثوب المحسن المتصدق على المعابد، إذ كان الملك يستولي على كل دخل ضريبة الابومويرا ويقدم بدلاً منه للمعابد ما تسمح به نفسه بمثابة هبات أو إعانات سنوية، أما أوتو فيرى أن هذا العمل كان لفائدة المعابد، إذ أن الحكومة وفرت على الكهنة عناء جمع ضريبة الأبومويرا، لأنها كانت تقوم بجاية هذه الضريبة وتدفعها كاملة للمعابد لأغراض العبادة، ولم يستفد الملوك من وراء ذلك إلا تأييد الكهنة لهم، وتخصيص دخل هذه الضريبة لإلهة من أسرتهم، أما فيلكن فإنه كان يرى أولاً في تصرف فيلادلفوس اعتداء على المعابد، لكنه لم يلبث أن انحاز إلى الرأي الآخر الذي ينادي به أوتو، ثم عاد بعد ذلك ثانية إلى رأيه الأول، أما بفان فيرى أنه لم يصل إلى علمه أن الدولة استخدمت دخل الأبوموبرا لأي غرض دنيوي، وبما أنه لا شك في أن البطالمة منحوا المعابد المصرية مبالغ طائلة، فليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الابومويرا لم تخصص بأجمعها لعبادة أرسينوي في المعابد المصرية. وإذا كان الأمر كذلك، فليس ثمة ما يدعو إلى القول بأن المعابد تحملت خسارة مادية نتيجة لعمل فيلادلفيوس، لكن من ناحية أخرى زاد ذلك العمل سيطرة الدولة على الديانة المصرية، وأوجد وسيلة جديدة لاستخدام الديانة في تحقيق أغراض الأسرة الحاكمة، ولذلك يرى هذا المؤرخ أن من الخطأ اعتبار عمل فيلادلفوس اعتداء على دخل المعابد، لأن رأيا كهذا لا يتفق مع ما يعرف عن سياسة البطالمة، إذ أنهم كانوا لا يريدون إفقار المعابد المصرية ولا إنقاص دخلها وإنما وضع الكهنة في قبضتهم واعتبار دخل المعابد هبة منهم، وقد كان البطالمة مستعدين للإنفاق على الديانة المصرية، ولكن بشرط أن تكون هذه الديانة أداة لإخضاع الأهالي لحكمهم.

وترى الآنسة بريو (Pfeaux) أن فيلادلفوس لم يفعل أكثر من أنه طلب إلى المعابد إقامة طقوس عبادة جديدة دون زيادة دخل المعابد لسد نفقات هذه العبادة، وأنه قلم أظافر الكهنة يحرمانهم حق جباية ضريبة الأبومويرا، ويرى روستوفتزف أن جانبًا من دخل هذه الضريبة كان يخصص لعبادة الآلهة فيلادلفوس، أما ما يزيد على ذلك فكانت الحكومة تتصرف فيه كما تشاء.
أما أن عمل فيلادلفوس كان وسيلة من وسائل وضع الكهنة في قبضة البطالمة، فهذا ما لا يختلف فيه أحد من المؤرخين، ومن ثم يكون موضع الخلاف هو: هل كان البطالمة يردون إلى المعابد دخل الأبومويرا كاملاً أم منتقصًا؟

ونحن نرى أنه لو كان البطالمة يردون للمعابد دخل الأبومويرا كاملاً، لما فاتهم دون شك إثبات هذه الحقيقة في الوثائق الرسمية، ولذلك نعتقد أنه لصمت الوثائق عن ذلك دلالة هامة. ولا يبعد أن فيلادلفوس كان يعطي المعابد من دخل الأبومويرا ما تحتاج إليه العبادة الجديدة التي أنشأها، أما ما تبقى من الدخل فكان لفائدة الخزانة الملكية، التي كان غناها إذ ذاك مضرب الأمثال، لكنه ترتب على إنشاء قبيلة خامسة من الكهنة في عهد بطليموس الثالث يورجتيس إجلالاً للأميرة الصغيرة برينيكي، وعلى ما قضى به بطليموس الثالث ثم الرابع والخامس من زيادة الطقوس التي قام لأفراد أسرة البطالمة في المعابد المصرية ـ ترتب على ذلك زيادة النفقات وتبعًا لذلك زيادة ما كانت الدولة تعطيه للمعابد من دخل الأبومويرا.

ويتبين من وثيقة من عام 201 ق.م. أنه في عهد بطليموس الخامس كان دخل ضريبة الأبومويرا مخصصًا "للإلهة فيلادلفوس والإلهين فيلورباتورس"، أو بعبارة أخرى لعبادة أسرة البطالمة التي كان على الخزانة الملكية أن تنفق عليها، ولا يمكن أن توحي العبارات الغامضة التي استخدمها القساوسة في قرار منف، الذي أصدره الكهنة في عام 217 بمناسبة انتصار فيلوباتور في معركة رفح، بأن الكهنة كانوا يحصلون على كل دخل الأبومويرا، لكنه يتضح منها أن نصيبهم من هذا الدخل ازداد في عهد بطليموس الرابع. ويتبين من قرار منف الذي حفظه قرار حجر رشيد أن بطليموس الخامس أبقى الحالة على ما كانت عليه في عهد أبيه، وفي الواقع إذا كان هذا الملكان، بسبب الثورات الوطنية، رأيا ضرورة كسب ود الكهنة بزيادة ما يعطي لهم من الأبومويرا، فإنه من المستبعد أنه كان في وسعهما النزول عن مصدر هام مثل الأبومويرا في وقت كانت حالة الخزانة فيه عسيرة، ولا أدل على ذلك من تدهور العملة واتخاذ البرونز قاعدة لها، ولعل القساوسة قد قصدوا، بامتداح الملك بطليموس الخامس لاحتفاظه بنصيب الآلهة من دخل الأبومويرا كما كان الحال في عهد أبيه، أنه كان يستطيع إنقاص ذلك المقدار إلى ما كان عليه قبل بطليموس الرابع. وهذا المديح دليل قاطع على أن المعابد كانت لا تحصل على كل دخل الأبومويرا قبل عهد بطليموس الرابع، وعلى أن هذا الملك زاد نصيب المعابد من هذا الدخل، لكنه لا يثبت أن كل هذا الدخل أصبح يعطي للمعابد.

ومن المحتمل أنه بمضي ازداد ما كان الملوك يخصصونه للمعابد من دخل الأبومويرا، كما ازدادت الإعانات، بسبب ازدياد عدد أفراد أسرة البطالمة الذين أصبحوا، يعبدون في المعابد المصرية، وبسبب رغبة الملوك المتزايدة في اكتساب ود الكهنة. لكن النقطة الأساسية التي يجب توكيدها هي أن النظام الذي أنشأه فيلادلفوس لم يلغ قط، فإن الدولة احتفظت دائمًا بإدارة دخل هذه الضريبة التي حولت إلى احتكار ملكي وكذلك بالتصرف فيها كما يتراءى لها. ويبدو أن كرم بطليموس الخامس نحو المعابد فيما يخص دخل ضريبة الأبومويرا لم يستمر طويلاً، إذ نرى بطليموس الثامن يورجتيس الثاني، الذي لم يدخر وسعًا في إرضاء الكهنة وإجزال الهبات والعطايا لهم، يأمر في عام 140/139 وفي عام 118 بألا ينتقص شيء من دخل المعابد على اختلاف أنواعه ، ومن بين ذلك ضريبة الأبومويرا، التي كان موظفو الملك لا يزالون يقومون يجمعها، وجدير بالذكر أن كل الإيصالات التي عثر عليها نشير إلى أن هذه الضريبة كانت تدفع نقدًا في القرن الثاني، ويرى البعض أنه لم يسمح بعد عهد بطليموس الخامس يدفع هذه الضريبة نوعًا.

ويمكننا إذن أن نستخلص من كل ما أسلفناه أن النظام الذي ابتدعه فيلادلفوس طبق دائمًا من بعده، وأن الحكومة أدخلت في روع الكهنة أن الأبومويرا كانت لا تزال ملكًا للمعابد باعتبارها مخصصة لنفقات العبادة، غير أنه لما كان الملك يسيطر على شئون تلك الضريبة، فقد كان يخصص للعبادة المقدار الذي يتراءى له من دخلها، على أن ذلك المقدار كان يزداد وفقًا لرغبة الملك الحاكم وازدياد عدد أفراد أسرة البطالمة المؤلهين، لكن يجب ألا نخلط بين الهبات الأخرى التي كان التاج يمنحها للكهنة.

ويتبين مما مر بنا أن البطالمة قضوا على الاستقلال الاقتصادي الذي كانت المعابد المصرية تنعم به في عهد الفراعنة الوطنيين الأواخر، غير أنه لا يبعد أن يكون الفرس قد سبقوا البطالمة إلى ذلك متخذين من الأساليب ما جعل يبدون بالنسبة لهم أكثر كرمًا وسخاء.