المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البطالمة الأوائل يقلمون أظافر الكهنه



البريتور
01-03-2008, 09:43 AM
البطالمة الأوائل يقلمون أظافر الكهنه

وعندما وفد البطالمة على مصر، وجدوا أن الكهنة يؤلفون في كل أنحاء البلاد جماعات دينية منظمة، تنظيمًا دقيقًا، وتتمتع بنفوذ كبير ومنزلة رفيعة وتقاليد متوارثة في البلاد، فرأى البطالمة في رجال الدين أداة إذا تركوا لها الحبل على الغارب نشرت روح الثورة في البلاد، وما أيسر ذلك بين شعب يحتفظ بذكريات مجده القديم، أما إذا كبحوا جماحها فإنها بدلاً من أن نشعل لهيب الثورة في المصريين، تصبح وسيلة لتهدئة خواطرهم، ولذلك على حين أن البطالمة بادروا إلى إظهار إجلالهم واحترامهم للآلهة المصرية بشتى الطرق ولم يتدخلوا إطلاقًا في شئون الديانة المصرية، قيدوا رجال الدين بأغلال من القوانين أخضعتهم لسلطتهم وكسرت شوكتهم مدة طويلة.

ولم يحاول البطالمة تغيير النظم التي كان رجال الدين يألقونها، لكنه يحتمل أن البطالمة كانوا أول من أنشأ وظيفة جديدة في كل معبد من المعابد المصرية، وهي وظيفة مراقب (epistates) المعبد، ونعتقد أن الملك هو الذي كان يعينه، ليكون ممثله في المعبد المسئول أمامه قبل كل شيء عن إدارة موارد المعبد القائمة داخل سياجه، والتزامات المعبد المالية نحو التاج وحسن التصرف في هبات الملك للمعبد والإشراف على اختيار الكهنة ومراقبة سلوكهم.

ونحن نعتقد أنه لتحيق الغرض المنشود من إنشاء هذه الوظيفة كان لا يمكن أن يجمع بينها وبين منصب كبير الكهنة شخص واحد. وإذا كان النص الإغريقي لقرار كانوب ينير عند البعض الشك في أنه كان يشغل هذين المنصبين شخصان مختلفان، فإن النصين الديموتيقي والهيروغليقي لا يدعان لهذا الشك مجالاً، وهما أجدر بالاعتماد عليهما من النص الإغريقي لأن كابتهما كان أعرف بحالة المعابد المصرية من كاتب النص الإغريقي. وعلى كل حال فإن نص العبارة التي جاءت في هذا القرار هو: "يجب أن يسجل مراقب كل معبد ورئيس الكهنة والكتبة المقدسون هذا القرار".

ولو أن مراقب المعبد كان هو نفسه رئيس الكهنة لما كان هناك داع لذكر اللقبين ولأكتفي بذكر أحدهما فقط، وإذا كان سبب نشكك البعض هو ورود أداه التعريف في القرار الذي صدر في عام 18، وينص على إعفاء مراقبي المعابد ورؤساء الكهنة والكهنة من متأخر ضريبة سيأتي ذكرها فيما بعد، فقد وردت أداة التعريف قبل كل من كلمتي مراقبي المعابد ورؤساء الكهنة، ومما يجدر بالملاحظة أن أداة التعريف قد أغفل ذكرها هنا قبل كلمة الكهنة، ومع ذلك لا يجوز طبعًا بسبب ذلك القول بأن الكهنة كانوا مراقبي المعابد ورؤساء الكهنة.

وكان البطالمة يبيعون للكهنة مناصبهم التي لها موارد خاصة تدر على شاغليها دخلاً منتظمًا (Karpeiai)، وكان الكهنة يدفعون ضرائب عن هذا الدخل، وذلك إلى جانب الالتزامات الإضافية التي كانت تفرض عليهم في مناسبات خاصة فقد كان كل كاهن في قبائل الكهنة بدفع أيضًا ضريبة (Telestikon) عند رسامته، ويبدو مما ورد في قرار حجر رشيد أن بطليموس الخامس رفع قيمة هذه الضريبة في بداية عهده ثم أعادها إلى ما كانت عليه في عهد بطليموس الرابع. ويبين أن قيمة هذه الضريبة كانت تتوقف على أهمية منصب الكاهن، وتحدثنا الوثائق عن ضريبة ثانية (grammnatikon) كان يدفعها كهنة كل معبد من أجل مرتب سكرتير جماعتهم. وتذكر الوثائق ضريبة ثالثة (epistatikon) يبدو أنها كانت لدفع مرتب مراقب المعبد وأنها كانت مفروضة على كافة الكهنة ومراقب المعبد نفسه، إذ أ، القرار الذي أصدره يورجتيس الثاني في عام (118) ينص على إعفاء مراقبي المعابد ورؤساء الكهنة والكهنة من المتأخر عليهم سداده من هذه الضريبة، وكانت جماعات الكهنة تدفع كذلك الضرائب المفروضة على سائر الجمعيات (Koinonika). لكن البطالمة أعفوا الكهنة من السخرة ومن ضريبة الرأس، على نحو ما سنرى عند الكلام عن هذه الضريبة.

وإذا كان يبدو من قرار حجر رشيد أن البطالمة كانوا يخصصون للكهنة مرتبات يدفعونها سنويًا للمعابد في شكل منح عينية ونقدية وأن المعابد هي التي كانت تتولى تقسيمها بين رجالها وفقًا لمنسوب معين، فإنه يبدو من قصة توأمتي منف (وكانتا تعيشان من دخل مرتب يتألف من ثمانية أرغفة يوميًا ومتريتس من الزيت كل سنة وحرمتا من هذا المرتب، مما أثار شكاوي التوأمتين وتبعًا لذلك مجموعة من الموظفين ابتداء من وزير المالية حتى أمين المخزن الملكي في منف). أن المخازن الملكية هي التي كانت تصرف الزيت مباشرة للكهنة، على حين أن إدارة العبد هي التي كانت تتولى توزيع الخبز على الكهنة. ولا يبعد أن ذلك كان أيضًا شأن المرتب النقدي. ويتضح من قرار حجر رشيد أن هبات الملوك لم تكن مقصورة على مرتبات الكهنة، بل كانت تشمل كذلك مخصصات أخرى نعتقد أنها كانت لمواجهة نفقات إقامة الطقوس الدينية وكافة مطالب المعبد. وإزاء ضخامة المخصصات التي كان البطالمة يقدمونها للمعابد، لا بد من أنهم كانوا يحتفظون لأنفسهم بحق الإشراف على ميزانية المعابد وحساباتها وكيفية التصرف في أموالها.

وإذا كانت الوثائق تشير إلى أن الحكومة هي التي كانت تدير أراضي المعابد منذ عام 170 ق.م. فإنه من المرجع أن يكون البطالمة قد أسندوا إدارة هذه الأراضي إلى الحكومة منذ أوائل حكمهم، وأني تكون الحال قد بقيت كذلك حتى حوالي منتصف القرن الثاني، كما سنتبينه عند الكلام عن أراضي المعابد فيما بعد.

وقد مر بنا أن لوحة بيثوم، التي تشير إلى أحداث وقعت بين عامي 279 و 264، تحدثنا بأن بطليموس الثاني زاد منحه السنوية للمعابد من 625 تالنت إلى 3215 تالنت، أي أنه جعلها خمسة أمثال ما كانت عليه قبلا، وبذلك أصبحت تزيد قليلاً على خمس الدخل النقدي (14800 تالنت) الذي يقول هيرونيموس إن بطليموس الثاني كان يحصل عليه سنويًا إلى جانب حصيلته النوعية من الحبوب، ونحن نعتقد أن زيادة المنحة الملكية هذه الزيادة الضخمة كانت مقرونة بحرمان المعابد بعض امتيازاتها المادية الهامة، وكذلك بحرمانها الحصول مباشرة على دخل مواردها الرئيسية لكي يصبح الملك ولي نعمة الكهنة الذي يعتمدون عليه للحصول على رزقهم، فيضطرون إلى الخضوع له والإخلاص في طاعته، ومن ثم فإننا نعتقد أنه قد صاحب زيادة المنحة السنوية للمعابد إسناد إدارة أرضها إلى الحكومة، وإلغاء احتكار المعابد صناعتي الزيت والمنسوجات الكتانية، لكنه أبيح للمعابد إنتاج ما كانت تحتاج إليه من الزيت والمنسوجات الكتانية، على أن تؤدي المعابد على منسوجاتها الكتانية ضريبة، إذ أننا نعرف من قرار حجر رشيد أن الملك كان يجبي على صناعة نسيج الكتان في المعابد ضريبة، كان الكهنة يشكرونه على إعفائهم من وقت لآخر ما تأخر عليهم سداده من هذه الضريبة، وكان ذلك الإعفاء يعتبر بمثابة هبة من الملك.