المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موارد داخل المعابد



البريتور
01-03-2008, 11:42 AM
موارد داخل المعابد

ولم تكن المعابد مراكز للعبادة فحسب، بل كانت مراكز للنشاط الاقتصادي كذلك، فقد كانت تملك أراضي كثيرة وتقوم فيها صناعات هامة، وكانت أراضي المعابد واسعة، لكنه يشك في صحة قول ديودوروس أنها كانت تشمل ثلث المساحة المزرعة في مصر بأجمعها وكان الجانب الأكبر من أراضي المعابد يستغل في الزراعة، فيزرع حبوبًا وكرومًا ونخيلاًا وبقولاً، وكان يقوم على بعض هذه الأراضي مدن أو قرى تدر على المعابد دخلا من عقارها، وكانت المعابد نفسها تشيد على أراضيها، وكانت أهم الصناعات التي تشتغل بها المعابد هي نسج الكتان وعمل الزيت والخبز والجعة والطوب وقطع الأحجار، وإذا كان محظورًا على المعابد في عهد البطالمة بيع منتجات صناعتها للجمهور، فإنها كانت تجني فائدة اقتصادية كبيرة من صنع حاجاتها وعدم اضطرارها إلى شراء ما تحتاجه بسعر السوق.

وقد كانت للمعابد موارد دخل أخرى، فإنها إلى جانب هبات البطالمة كانت كلها أو بعضها تملك عبيدًا مقدسين (hierodouloi)، رجالاً ونساء، تستفيد المعابد من نشاطهم، ذلك أن المعابد كانت تؤجر بعضهم للمشتغلين بالتجارة والصناعة وتستخدم البعض الآخر في مصانعها ومزارعها، وكانت المعابد تستدر الريح من اشتغلا عبيدها النساء بالدعارة بل كانت تحتكر هذه المهنة الدنيئة، وكانت توجد في المعابد الكبيرة فنادق ينزل بها الذين يحجون إليها، ولا بد من أن المعابد كانت تحصل من ذلك على دخل لا بأس به، فإن سيرابيوم منف مثلاً كان يتألف من مجموعة معابد مختلفة يوجد بها كل ما يوجد في المدينة، فكان زائرو هذا المعبد يجدون هناك نزلاً للإقامة ومكتبًا للتسجيل ومركز للشرطة في معبد أنوبيس.

وكانت المعابد تقبل، باسم جماعة الكهنة أو بضمان كاهن بعينه، أن تودع لديها الأشياء المنقولة التي يخشى أصحابها عليها الأحداث المختلفة، ولا شك في أن المعابد لم تؤد هذه الخدمة دون مقابل، وكانت توجد بالقرب من المعابد أسواق يحصل منها الكهنة على دخل غير قليل، لقاء تأجير الحوانيت واستخدام موازين المعابد ومكابيلها.

وكان بعض المعابد يتمتع بحق حماية اللاجئين إليها (asylia). وكان هذا الحق يضعها فوق مستوى غيرها وبكسبها منزلة رفيعة ويعود عليها بنفع كبير. وكان اللاجئون فريقين: أحدهما مثل نزلاء سيرابيوم منف الذين أطلق عليهم كاتوخوي (katochoi) أو إنكاتوخوي (enkatochoi ). وقد اختلف العلماء في تفسير مدلول هاتين الكلمتين، فمنهم من يرى أنهما كانتا تطلقان على أشخاص يعيشون معتكفين في هياكل الآلهة، ومنهم من يرى أنهما تعبران عن أشخاص يعتقدون أن أحد الآلهة قد تقمصهم، ومنهم من يرى أنهما تشيران إلى أشخاص سيطر عليهم إيمانهم في أحد الآلهة سيطرة تامة بحيث أصبحوا أسراه لا يبرحون معبده حتى تحسين منيتهم أو حتى يطلق الإله سراحهم. على أنه مهما اختلف المؤرخون في تفسير التسمية التي أطلقت على أولئك الأشخاص، فلا شك في أنهم كانوا متعبدين أوفياء للآلهة الذين استقروا بجوارهم. ويبدو مما ورد في الوثائق أن بعض هؤلاء الأشخاص على الأقل اعتكفوا في المعابد في أوقات عصيبة، أي أنهم احتموا فيها عندما كان يعبث بالأمن ويهدد السلام تك المنازعات العنيفة بين أفراد الأسرة المالكة أو ثورات المصريين. ولم يكن جميع هؤلاء فقراء مثل الناسك أرمايس (Armais)، الذي كان يعيش على الهبات، بل كان بينهم أغنياء، مثل بطليموس بن جلاوكياس (Glaucias) أو مثل هريوس (Hereois)، اللذين كانا يقدمان هبات للمعبد.

أما الفريق الآخر فكان من المجرمين، ونجد في خطاب مؤرخ في الرابع من شهر بابه في العام السادس والعشرين من حكم فيلومتور (3 نوفمبر 156) أن رجال الشرطة يطلبون إلى شخص يدعى أبولونيوس ـ وكان ناسكًا إغريقيًا ـ مساعدتهم في القبض على مجرمين (alastoras) محتمين في المعبد، وقد جاء في هذا الخطاب: "راقبهم وإذا اجترأوا على الخروج من المأوى، اخبرني وستجدني هناك في صحبتك، ونستطيع عندئذ عمل شيء. وتوجد مكافأة قدرها ثلاثة تالنت، ستعطى لك تقديرًا لعملك، هذا إلى أنك ستسرنا بذلك". ولا ندري إذا كان أبولونيوس قد احتقر المكافأة، ونصح إلى الأشخاص الذين يجد الشرطة في البحث عنهم، بأن يهبطوا حياتهم الديانة، ويتخلصوا إلى الأبد من مطاردة الشرطة.

وقد أيد الملك بطليموس الثامن يورجتيس الثاني بوجه عام حق المعابد في حماية اللاجئين إليها، فإنه حظر "حرمان المعابد التي اعترف لها بهذا الحق، أو الاعتداء عليه لأي سبب كان"، ولا بد من أن الملك كان يعرف أن عماله، لكي يحتفظوا بمزاعري الملك تحت تصرفهم، كانوا يرغمونهم على أن يقسموا بألا يلجأوا إلى حماية معبد أو مذبح أو تمثال مقدس، فأراد الملك أن يظهر أمام رعيته بأن لقبه وهو "الخير" لم يكن اسمًا أجوفًا بل حقيقة واقعة. وقد عرفنا أن بطليموس إسكندر الأول منح حق حماية اللاجئين إلى معبد حورس في أتربيس.

وكان الكهنة يحصلون على دخل كبير مما يجمعونه لإقامة شعائر العبادة ولاستشارة الآلهة وللقيام بطقوس معينة، ومما يقدم بمثابة هبات ونذور وما شابه ذلك، ولسنا ندري أنها كانت توجد أسعار لاستخدام الماء المقدس وغيره من وسائل التطهير التي كانت توضع عادة عند مدخل المعبد، لكننا نعرف أن هرون الإسكندر اخترع صنبورًا أوتوماتيكيًا للماء المقدس، كان يستلزم لاستخدامه أن توضع فيه قطعة ذات خمس دراخمات، ونعرف أيضًا أنه في مدينة بطلومييس (Ptolemais) كان لا يسمح بدخول المعابد للأشخاص غير المطهرين، إلا إذا دفعوا ضريبة نتراوح بين دراخمتين وستين دراخمة من الفضة تبعًا لحالة كل منهم.