المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البطالمه احفاد الفراعنه



البريتور
01-03-2008, 11:30 AM
البطالمة ونصب أنفسهم فراعنة
لكي نفهم كنه سياسة البطالمة الدينية إزاء المصريين، ولماذا عمل البطالة على استغلال معتقدات المصريين الدينية في دعم مركزهم ووضع أساس السلطة المركزية في مصر، يجب أن ندرك أن مصر القديمة كانت تعتز بتقاليدها المتوارثة، التي تنظم حياتها العامة و الخاصة، حتى بدت لنا هذه التقاليد وكأنها تضارع الأهرامات في رسوخها وثباتها.ويجب أن ندرك كذلك أن الاحتفاظ بهذه التقاليد يرجع إلى سيطرة الديانة على عقول المصريين القدماء، فكان لها أثر أي أثر في حياتهم، ووقفت حائلاً دول كل بدعة جديدة، وقد كانت الديانة في مصر، كما كانت في غيرها من الجماعات الإنسانية القديمة، المصدر الذي استمد منه حكام البلاد سلطتهم، ولما كنا لا نجد في التاريخ القديم استثناء لهذه القاعدة، فإنه يكفي أن نذكر هنا ملوك الإغريق والرومان في العصور القديمة كانوا يستندون في حكمهم إلى حق الملوك الإلهي.

حق الملوك الإلهي:

ويبدو أن فكرة حق الملوك الإلهي نشأت في مصر منذ أقدم العصور، لكن الأسس التي قامت عليها هذه الفكرة لم تنظم إلا في عهد الأسرة الثانية عشرة، ثم تناقلتها الأجيال المتعاقبة دون تغيير جوهري فيها حتى آخر عهد الوثنية، وذلك برغم الأحداث المختلفة التي طرأت على تاريخ مصر. ومجمل هذه الفكرة أنه كان يحكم مصر على الدوام ملوك، وأن الملوك الأوائل كانوا آلهة حقيقيين، قاموا بتنظيم شئون البلاد، وعلموا المصريين فنون الحياة، و وضعوا قواعد ديانتهم، ثم ارتفعوا إلى السماء وخلفهم على العرش ملوك من البشر، غير أن هؤلاء الملوك كانوا بشرًا في المظهر فحسب، إذ كانوا في الحقيقة صورة مجسمة للآلهة.

ولما كان آخر ملوك مصر من الآلهة وليس أدل على صحة هذا الرأي من أنه لما كانت الأسرة الخامسة لا تمت بصلة إلى الأسرة الرابعة، وأراد ملوك الأسرة الخامسة توطيد مركزهم على العرش، أوعزوا إلى كهنتهم باختراع قصة وردت لنا في وثيقة يبدو أنها من عهد الأسرة الثانية عشرة.

وتروي هذه القصة كيف أن ساحرًا أبلغ الملك خوفوا بأن الإله رع خالط زوجة أحد القساوسة، لكي يضطلع الأبناء الذين تتمخض عنهم هذه المخالطة بحكم هذه البلاد جميعًا. ثم يضيف النص أن الإله رع دعا أولاً جماعة من الآلهات لمساعدة السيدة في وضعها، وأنه عند وصولهن إلى مضجع السيدة وقفت إيزيس أمامها ونفثيس خلفها، وقامت هكيت بتوليدها، وعندما ولد الطفل غسلته الآلهات وربطن سرته ووضعنه على سرير من الطوب، ثم اقتربت منه مسخنت وقالت: "سيقوم ملكًا في هذه البلاد جميعًا"، وبث خنوم الحياة في كل أعضائه.

ولما كان تحتمس الثالث ينازع حتشبسوت حق وراثتها العرض، فإن حتشبسوت زينت جدران معبد الدير البحري بمناظر ونقوش تعلن في الناس أن أمها أحماسيا كانت من سلالة نقية طاهرة، وأنها لم تحملها من أبيها وإنما حملتها من الإله الأكبر آمون ـ رع، وأن هذا الإله اصطفاها لتتربع على العرش. فمناظر ونقوش معبد الدير البحري ترينا كيف أن الإله آمون ـ رع دعا الآلهة الذين كان يتألف منهم تاسوعه الأكبر، وأعلن فيهم قرب مولد فرعون جديد، وطلب إليهم إعداد وسائل الحياة والقوة وحماية الفرعون الجديد من كل خطر، ثم نرى الإله آمون ـ رع يتجه نحو مخدع الملكة، يتقدمه الإله تحوت حاملاً في يده وثيقة بردية ويتلو عليه الأسماء الرسمية التي تحملها الملكة أحماسيا، وذلك لتفادي وقوع أي خطأ، وهنا تروي النقوش أن الإله خلع عن نفسه شخصيته، وتقمص برهة شخصية تحتمس الأول، ووجد الملكة نائمة، لكنها استيقظت عندما استنشقت أريج عبير الإله، فتقدم نحوها وتملكها ووضع قلبه فوق قلبها، وأظهر لها نفسه في شكله الإلهي، فأخذ جماله بمجامع قلبها وسرى حبه الإلهي في جميع أعضائها. وتشكر الملكة للإله حسن صنيعه، فيقدم إليها رمز الحياة والسعادة، ويعلن أن انتبها التي ستلدها منه "ستتمتع بحكم صالح في كافة أنحاء هذه الأرض، لأنني وهبتها روحي وقلبي وإرادتي وتاجي لكي تحكم القطرين". وبعد ذلك يأمر آمون ـ رع بإحضار الإله الخالق خنوم، ويخبره بأنه أنجب فتاة يجب أن تحكم القطرين وتتربع على عرش حورس الدنيوي، فيجيب خنوم بأنه سيخلق الطفلة أجمل من كافة الآلهات، وعندما يقترب موعد الوضع، يذهب الإله تحوت إلى الملكة ويدعوها لأن تتبعه، ثم يأخذ خنوم بإحدى يديها وتأخذ هكيت باليد الأخرى، وتتقدم الملكة إلى غرفة الوضع حيث تلم الملكة ابنتها بمساعدة الآلهات، ثم تغدق عليها مسخنت سائل الحياة، وتنطلق بالعبارة التي تمنحها ملك الجنوب والشمال، وتقدم الإلهة حتحور الطفلة إلى أبيها آمون ـ رع، فيضمها إلى صدره ويقبلها، وبعد ذلك تتولى اثنتان من الآلهات إرضاع الطفلة واثنتان أخريان رعايتِّها.

ولما كان مولد تحتمس الرابع موضع جدل كبير، وكان تزوج من أميرة أجنبية ليست من الدم الفرعوني، بل كانت من أمة الميتاني، التي تنزل على المجرى الأعلى للفرات، فإن ابنة أمينوفيس الثالث أدرك أن مركزه على العرش غير وطيد الدعائم وأراد أن يثبت أنه من سلالة الآلهة، ولذلك صوت على جدران المعبد الذي شيده في الأقصر مناظر تشبه قصة حتشبسوت، إذ نرى فيها كيف أن أم الملك أمينو فيس الثالث قد أنجبته من الإله آمون ـ رع، ووالدته بعناية الآلهات.

فرعون إله وبشر:

ووفقًا لمعتقدات المصريين كان فرعون دون سائر البشر يتمتع بصفة الألوهية في حياته، ولذلك فإنه كان المخلوق الوحيد الذي يستطيع الاتصال بالآلهة، ومن ثم كان الكاهن الأكبر بل الكاهن الوحيد، إذ أن الكهنة الحقيقيين كانوا يعتبرون نائبين عنه، كما أن كل قربان يتقدمون به كان يعتبر مقدمًا من الملك. ولذلك نجد عبارة الملك "يقدم القرابين" مكررة تكريرًا آليًا في الطقوس المصرية، وحتى في الطقوس الجنازية التي كانت تقام لموتى يجهلهم الملك كل الجهل، ووفقًا لمعتقدات المصريين، لم يكن فرعون فقط المخلوق الوحيد الذي يستطيع الاتصال بالآلهة، بل كان أيضًا الإله الوحيد الذي يتمتع بالاتصال ببني الإنسان، فإذا لم يكن على عرش مصر فرعون فإن الديانة المصرية كانت تفقد الحلقة الأساسية في الاتصال بين الناس والآلهة، ومن ثم كانت الأخطار تهب فرعون نعم الحياة، فيقوم بتوزيعها بين رعاياه، ومن ثم اعتبره المصريون منبع الحياة الذي كان الناس ينتهلون من موارده في هذا العالم، وبفضل النعم السماوية التي أسبغت على فرعون كان يتمتع بسلطة شاملة مطلقة على رعاياه، فكان يبقى على من يشاء ويقضي على من يشاء، ويحمي البلاد من الأعداء، ويسهر على أمن رعاياه ويوفر لهم أود الحياة، ولذلك كانت النقوش تصفه بأنه "واهب الحياة"، وكان المصريون يعتقدون بأن فناء يتهددهم إذا لم يرتق عرش مصر فرعون.

وكان فرعون كذلك حلقة الاتصال بين الموتى وآلهتهم في العالم الآخر، تلك الحلقة التي كانت تتوقف عليها حياتهم الثانية، وكانوا يعتبرونها الحياة الصحيحة ـ الحياة السماوية ـ التي تبدأ في العالم الآخر، وتدوم إلى الأبد بفضل القرابين التي يقدمها الملك إلى الآهلة ليقتسموها مع الموتى المؤهلين، أن المصريين كانوا يعتقدون أن طقوس الموتى ترفهم إلى مصاف الآلهة عند ما ينتقلون إلى العالم الآخر. وكان فرعون وحده هو الذي يستطيع أود الحياة إلى الموتى ولذلك كان يتحتم عليه أن يقوم كل يوم بهذا الواجب المقدس، الذي بدونه كان ينزل بهم موت ثان يؤدي تدريجيًا إلى فناء العالم الآخر، وهو ما كنوا يعتبرونه شرًا وبيلاً، ومن أجل أداء هذا الواجب كان يحق لفرعون أن يتصرف في جميع موارد البلاد، فكان وحده مالك الأرض والسيد المطلق على أهليها، الذي يقدم لهم أود الحياة، ولا يستطيعون الحياة بدونه في الدنيا ولا في الآخرة. وكان الملك يشع هذه الحيوية على الجميع بفضل الطقوس، التي يقوم بها كل صباح نحو هيئة الآلهة العظمى في المعابد، ولذلك كان وجود هذا الملك الإله، حورس الحي، أمرًا لا غنى عنه للاحتفاظ بكيان العالم.

وكان فرعون يقوم منذ ارتقائه العرش بهذا الدور الهام، الذي أعدته له طبيعته السماوية، لكن هذا الإعداد كان لا يكتسب أثرًا فعالاً إلا بفضل مراسيم التتويج، وكانت هذه المراسيم لا تختلف عما يقوم به الملك كل يوم. إلا بقدر أكبر من الجلال يناسب هذا الظرف الخاص. وكان الآلهة يطهرون الملك الجديد بالطقوس الخاصة بذلك، ويعلنون بين الآلهة والبشر أنه ابن الإله الأكبر ويتوجونه بالتاج الأبيض، بوصفه ملك الجنوب، وبالتاج الأحمر، بوصفه ملك الشمال، وبعد ذلك يتقدم الملك في موكب حاشد إلى معبد أبيه ليتسلم سائل الحياة من الإله الأكبر، ثم يعقب ذلك إقامة حفلات كبيرة وتوزيع هبات ملكية، وكان على الملك أداء واجب هام نحو الآلهة الذين ساعدوه في التتويج، وهو زيادة هذه الآلهة في معابدها، وكان ذلك يعطيه فرصة للاستيلاء فعليًا على سيادة هذه المعابد، وإرضاء الجماعات المختلفة من الكهنة، والحصول على ولائهم بتجديد منحهم السلطات التي يتولونها من قبل فرعون.

وبالرغم من أن تتويج الملك كان يمنحه النعم السماوية إلى الأبد، فإنه كان يحسن تكرار هذه المراسيم من حين إلى آخر، ليتجدد منح النعم السماوية التي أسبغت عليه وكان الحفل ـ ويسمى حفل سد Sed ـ الذي يتجدد فيه منح فرعون النعم السماوية يشبه حفل التتويج، ويشترك فيه مندوبون عن الجماعات الرئيسية للكهنة، وكانوا يحملون الشارات المميزة لبلادهم أو لآلهتهم المحلية، فإن الملك كان يعتبر في كل مكان ابن الإله المحلي، وكانت له في كل معبد "قاعة للعبادة"، وكانت كل الطقوس تقام باسمه، وقد كان في صالح الملك الإكثار من هذه المناسبات، التي يحتشد فيها الكهنة من كل أنحاء البلاد، لكي يعترف الكهنة جميعًا أمام الملأ بسيادته، وبما أن الملك كان يجزل العطايا في هذه المناسبات، فإن الكهنة كانوا يرحبون بها.

وبما أن فرعون كان يدين للآلهة بمولده القدسي، وبما أسبغوا عليه من نعم الحياة والقوة والخلود، فإنه كان يعني بإظهار حبه وإجلاله لهم، اعترافًا بجميلهم وضمانًا للاحتفاظ بخير العلاقات بينهم وبينه، وتبعًا لذلك بينهم وبين رعاياه، ولذلك كان الفراعنة يهتمون بتشييد المعابد أو بإضافة أجزاء جديدة إلى معابد قديمة أو بإصلاح هذه المعابد وزخرفتها، كما كانوا يهمتون بإقامة الشعائر الدينية وتقديم القرابين وإحياء الحفلات الدينية. وتردد النقوش ما يكنه الفراعنة والآلهة بعضهم نحو بعض من الحب المتبادل.

وكانت صفة فرعون باعتباره إلها دنويًا تنتهي بوفاته، ويحل مكانه في الحياة الدنيا فرعون آخر، وعند وفاة فرعون، كان ينضم إلى زمرة الموتى المتألهين في العالم الآخر في صورة أوزيريس إليه العالم الآخر، ويتبوأ عرش هذا الإله، فكانت مهام الملك لا تنتهي بوفاته وانتقاله إلى العالم الآخر، بل يصبح ملك هذا العالم أيضًا وحلقة الاتصال بين الموتى من البشر وآلهتهم في هذا العالم. ولذلك كانت توجه عناية كبيرة إلى قبر الملك الراحل لكي يبقى جسده خالدًا، وكان القبر يملأ بكل حاجات الحياة الجديدة، لكي يستطيع أن يعيش فيها منعمًا، ويحكم الموتى كما كان يحكم الأحياء، ولذلك أيضًا كان الملك الراحل مدار الطقوس الجنازية جميعًا، منذ عهد الأسرة الثالثة.

الإسكندر ينصب نفسه فرعونًا:

وإذا كان هذا هو مركز فرعون عند المصريين، وهذه هي معتقداتهم الدينية، فماذا كذا كان موقف غزاة مصر الجد، الإسكندر والبطالمة، من هذه المعتقدات؟ أو بعبارة أخرى: هل اتخذ هؤلاء الملوك الأجانب صفات الفراعنة؟ وهل اضطلعوا بالأعباء الدقيقة التي كانت تفرضها "الطقوس الدينية اليومية" على فرعون؟ لكن يجب أن نذكر أن فرعون كان لا يؤدي هذه الواجبات بنفسه، بل كان يلجأ إلى وسيلتين، وإحداهما هي إنابة الكهنة عنه في أداء هذه الواجبات، والأخرى هي المناظر التي تتحلى بها جدران المعابد وتمثل الملك وهو يقوم بهذه الواجبات. ففي كل مكان كان الملك يقدم القرابين، وإنما بواسطة الكهنة الذين يمثلونه، وفي كل معبد نرى دائمًا تصاوير تمثل الملك وهو يقدم القرابين وفروض الولاء للآلهة، أما في حفلات التتويج وفي حفلات تجديد هذا التتويج، فإن الملك كان يباشر ذلك بنفسه.

ولقد مر بنا أن الإسكندر قدم القرابين في معبد فتاح للآلهة المصرية والعجل المقدس أبيس، وأنه توج نفسه على نهج الفراعنة القدماء، وهو ما يحدثنا به كتاب قديم من القرن الثالث للمسيح يعزي للعالم المعروف كاليسثينيس (Callisthenes) مؤرخ الإسكندر، وهذا الكتاب يحتوي كل الأساطير التي نشأت منذ القدم حول هذا البطل، ويشك بفان في صحة هذه الرواية اعتقادًا منه أنها اخترعت في مصر لإرضاء الشعور القومي وإظهار الإسكندر في ثوب خليفة الفراعنة الشرعيين، أما فيلكن فيرى أنه بالرغم من الشك في قيمة هذا المصدر التاريخي، فإن الفكرة في ذاتها يمكن اعتبارها فوق مستوى الشك. ولا يستبعد جوجيه صحة هذه الرواية وإن كان يرى أنه لم يكن هناك داع لإقامة طقوس التتويج، وذلك لأن السماح للإسكندر بدخول قدس الأقداس باعتباره ملكًا كان ينطوي على الاعتراف بأنه قد أصبح منذ تلك اللحظة فرعون مصر الشريع. وهذا صحيح في ذاته لأن فرعون، كما عرفنا، كان هو وحده الذي يستطيع تقديم القرابين للآلهة ودخول قدس الأقداس وإن كان ينيب عنه عادة كبير الكهنة، لكن لما كان الإسكندر قد عني بكسب عواطف المصريين بالظهور في ثوب جدير بخليفة حقيقي للفراعنة القوميين، وكانت طبيعة فرعون السماوية لا تكتسب أثرًا فعالاً إلا بفضل مراسيم التتويج، فإننا نرجح أنه حين ذهب إلى معبد فتاح في منف لقديم القاربين للآلهة المصرية قد توج أيضًا فرعونًا، ولا سيما أن ذلك التتويج كان لا يكسب الإسكندر صبغة شرعية حقيقة فحسب في نظر المصريين، وبذلك يقطع شوطًا بعيدًا في ضمان خلاص المصريين لحكمه، بل كان أيضًا يرفعه إلى مصاف الآلهة، وهو ما كان الإسكندر يرنو إليه من أجل تحقيق مشروعاته.

وقد مر بنا أنه عندما حج الإسكندر إلى معبد آمون في سيوة ناداه الكاهن الأكبر باسم "ابن آمون" ومحه باسم الإله السيطرة على العالم التي كان آمون يمنحها للفراعنة، مما يدل صراحة على أن الإسكندر كان قد أصبح فرعونًا قبل حجه إلى سيوة. وفضلاً عن ذلك فإننا نجد النقوش المصرية اسم الإسكندر مشفوعًا بثلاثة من الألقاب الرسمية التي كان الفراعنة يحملونها منذ غابر الزمن. وهذه الألقاب الثلاثة هي "حورس" (أول ألقاب الفراعنة) و "نسوت بيتي، أي ملك مصر العليا ومصر السفلى" (رابع تلك الألقاب) و"سارع، أي ابن رع" (خامس الألقاب التقليدية).

وإزاء كل ذلك نرجح أن الإسكندر قد رسم فرعونًا، وأنه في حفل رسامته منح الألقاب الفرعونية، ومن ثم فإنه برغم ما تقتضيه روح البحث العلمي من الشك في صحة ما يرويه ذلك المصدر القديم عن تتويج الإسكندر، يبين لنا من القرائن المتعددة أن هذا المصدر قد فحظ لنا حقيقة تاريخية جديرة بالتصديق، ويرى فيلكن أن الألقاب الفرعونية التي تحملها الإسكندر تثبت شيئين، وهما سيطرته على مصر وما تبع ذلك من تأليهه، وهكذا لأول مرة اتخذ الإسكندر لنفسه صفة أخرى، صفة ملك مصر، إلى جانب صفته الأولى، صفة ملك مقدونيا، ولم يكرر الإسكندر ذلك فيما بعد إلا مرة أخرى واحدة.

إن المصدر نفسه، الذي يحدثنا عن تتويج الإسكندر في منف، يروى لنا قصة طريفة، وفحواها أن نكتانبو الثاني ـ وهو آخر فرعون وطني حكم مصر ـ عندما طرده الفرس في منتصف القرن الرابع، لم يفر إلى النوبة بل إلى مقدونيا حيث هام بحب ملكتها، وأن الإله آمون قد تقمص صورة نكتانبو وخالط أوليمباس وأنجب منها الإسكندر، وأنه بعد انتهاء المخالطة، قال للملكة: "إفرحي أيتها السيدة لأنك حملت مني ابنًا سيثأر لك ويحكم العالم أجمع".

ويرى بعض المؤرخين المحدثين أن هذه القصة اخترعت في القرن الثالث للمسيح، لكننا، وإن كنا نسلم بأنها قصة مخترعة حقًا، نرى أنها ترجع إلى أيام الإسكندر، بسبب ما بينها وبين قصة حتشبسوت وأمينوفيس الثالث من الشبه، ويحتمل أن رجال الدين بإيعاز من الإسكندر، كانوا يبغون من وراء هذا الاختراع أن يثبتوا للمصريين أن الأسرة الجديدة التي أسسها الإسكندر في مصر كانت سليلة الأسرة الفرعونية السابقة. ويبدو أنه في أواخر أيام الحكم الفارسي في مصر، راجت نبوءة قيل إنها ترجع إلى عهد أمينوفيس، ومقتضاها أ، الفرس سيطردون، وأن املك الوطني سيعود ثانية.

ولعل هذا يفسر سر ترحيب المصريين بالإسكندر، على اعتبار أنه سليل ملكهم الوطني نكتانبو. ولا شك في أن ذلك كان نوعًا من الدعاية، صادف نجاحًا ملحوظًا.

لم يأل الإسكندر إذن جهدًا في أن يظهر أمام رعاياه في ثوب فرعون حقيقي، لأنه توج على نهج الفراعنة الوطنيين، وحمل ألقابهم التقليدية، وأثبت أنه ابن الإله آمون، وخليفة الفراعنة القدماء، فماذا فعل خلفاؤه من بعده؟ لا شك في أن فيليب أرهيدايوس والإسكندر الرابع لم يرسما فرعونين، لأنهما لم يأتيا إلى مصر، لكن الوالي بطليموس عني بإعطائها صفة الفراعنة، وقد كان ذلك يسيرًا إلى مصر، لأنها كأنا الوريثين الشرعيين للإسكندر الأكبر، فاعتبرا فرعونين مثله، وأغدقت عليهما الألقاب الفرعونية، فنجد في الوثائق أن كلا من فيليب أرهيدايوس والإسكندر الرابع يحمل الألقاب الخمسة التقليدية جميعًا.

بطليموس الأول يحمل بعض ألقاب الفراعنة:

هذا ما كان من أمر أسرة الإسكندر، فماذا كان من أمر أسرة البطالمة؟ لا ريب في أن البطالمة كانوا يدركون مركز فرعون عند المصريون، والفائدة التي يجنونها من وراء نصب أنفسهم فراعنة وحمل الألقاب التقليدية، لكن الوثائق التي وجدت حتى الآن تدل على أن البطالمة لم يأخذوا كل صفات الفراعنة إلا بالتدريج، وبعد مضي وقت غير قصير على تأسيس أسرتهم، إذ ليس في الوثائق ما يثبت أن البطالمة الثلاثة الأوائل قد رسموا فراعنة أو أن بطليموس الأول قد حمل كل ألقاب الفراعنة التقليدية، وإن كان يمكن الجزم بأنه حمل على الأقل لقبين من الألقاب وهما اللقب الرابع (نوست بيتي) واللقب الخامس (سارع)، وأنه حذا حذو الفراعنة والإسكندر الأكبر وفيليب أرهيدايوس فاتخذ اسما للعرش أو بعبارة أخرى اسمًا مميزًا للقب الرابع، وهو "مري آمون ستب أن رع" (محبوب آمون الذي اختاره رع).

بطليموس الثاني وخلفاؤه يحملون كل ألقاب الفراعنة:

أما بطليموس الثاني وخلفاؤه فإنهم كانوا جميعًا يحملون كل الألقاب الفرعونية التقليدية، فقد ورد اسم بطليموس الثاني مشفوعًا بالألقاب الخمسة في النصوص المصرية الموجودة أولاً في لوحة بيثوم (تل المسخوطة)، وهي تشير إلى أحداث وقعت بين العام السادس والعام الحادي والعشرين من حكمه (179 – 264)، وثانيًا لوحة مندس (تل الربع بجوار تمي الأسديد) وهي تتناول أحداثًا وقعت منذ العام الخامس عشر إلى العام الحادي والعشرين من عهده (270 ـ 264 ق.م) وثالثًا على جدران القاعة التي تسبق قدس الأقداس في م عبد إيزيس الكبير بجزيرة فيلة.

ويرى البعض أن فيلادلفوس قطع شوطًا محسوسًا نحو التشبه بالفراعنة لأنه حمل كل ألقاب الفراعنة التقليدية وتزوج من شقيقته ارسينوي الثانية. وعند بعض الباحثين أنه من العسير استبعاد أثر التقاليد المصرية في هذا الزواج، ولا جدال في أن الفراعنة درجوا عادة على اتخاذ زوجاتهم الشرعيات من بين أخواتهم لاعتقادهم أن الزوجة المنحدرة من سلالة ملكية لم تكن فقط قادرة على صيانة الدم الملكي نقيًا، بل كانت أيضًا تنقل من فرعون إلى آخر الصفة الإلهية التي ك انت تعزي إلى الفراعنة منذ أقدم العصور، ومن ثم فإنها كانت أضمن وسيلة لنقل حق وراثة العرش من آبائها إلى أبنائها، وقد كانوا يبررون هذه العادة بإرجاع أصلها إلى آلتهم، فأساطيرهم تحدثنا عن زواج أوزيريس من أخته إيزيس وزواج ست من أخته نفثيس. أما الإغريق فإنهم كانوا يعتبرون زواج الأخر من أخته فسقًا، مما د فع الشاعر الهجاء سوتادس إلى التنديد بزواج فيلادلفوس من أرسينوي.

ولو أن فيلادلفوس كان قد اعتنق حقًا الأفكار المصرية في مسألة الزواج وأراد التشبه بالفراعنة فعلاً، لما تزوج من قبل أرسينوي الأولى ابنة ليسيماخوس. وإذا قيل لعله لم يعتنق هذه الأفكار مبكرًا، فإنه يحق لنا أن نتساءل كيف أنه بعد زواجه من أرسينوي الثانية زوج ابنه الأكبر من برينيكي ابنة ماجاس وابنته برينيكي من أنطيوخوس الثاني؟ وإذا كان المؤرخون يختلفون أيما اختلاف في تفسير أسباب زواج فيلادلفوس من أخته ، فإنه يبدو لنا أن أكثرها هو توافق الأمزجة بين هذين الشخصين، وتأثير أرسينوي على أخيها، وحاجة هذا الملك إلى شخصية نشيطة تشد أزره وتسد ما به من نقص، ولما كان مثل هذا الزواج كريهًا إلى الأغريق، فقد كان يجب إذن البحث عن حجة قوية غير الأغراض الشخصية لتبريره، ولو كان فيلادلفوس قد رفع قبل ذلك الوقت إلى مصاف آلهة الإغريق، لاعتبر زواجه من أخته شبيهًا بزواج زيوس من هيرا، لكن فيلادلفوس لم يكن قد نادي نفسه إلهًا بعد، فلم يبق إذن إلا الالتجاء إلى التقاليد المصرية. ولذلك فإن التشبه بالفراعنة لم يكن هو الدافع الحقيقي إلى ذلك الزواج، وإن كان قد انتحل سببًا لتبريره، وقد اعتبر ذلك الزواج سابقة، حذا حذورها كافة البطالمة تقريبًا منذ عهد بطليموس الرابع. وأصبحت القاعدة منذ زواج فيلادلفوس من أرسينوي الثانية أن يطلق على كل الملكات لقب "الأخت"، حتى إذا لم يكن أخوات بعولتهن، ومثل ذلك برينيكي الثانية زوجة بطليموس الثالث.

ولدينا وثيقة مشهورة من عهد بطليموس الثالث (يورجتيس) تعرف باسم نقش أدوليس. وتحدثنا هذه الوثيقة عن الحرب السورية، وتعني بإثبات أن الملك ينحدر من سلالة آلهة الإغريق، على حين أن ها ت غفل ذكر الألقاب الفرعونية، ويبدو أن السبب الرئيسي لذلك هو أن هذا النص غير الرسمي الذي كتبه وأقامه أحد ضباط الملك الإغريق مكتوب بالإغريقية، وأن رجال البطالمة كانوا يعرفون شدة حرص ملوكهم على الظهور أمام الإغريق في ثوب ملوك إغريق.

وتوجد أمثلة متعددة لوثائق رسمية حررت بالإغريقية و الهيروغليفية وأغفلت الألقاب الفرعونية في النص الإغريقي بينما ذكرت تلك الألقاب في النص الهيروغليفي. ومع ذلك يلقى نقش أدولس شعاعًا من النور على سياسة الملك نحو المصريين، فهو يرينا اهتمام الملك بأن يحذو حذو الفراعنة، إذ يحدثنا النص بأن الملك عندما غزا بلاد الفرس بحث عن الأشياء المقدسة التي كان الفرس قد أخذوها من مصر وأعادها ثانية إلى وادي النيل. وهذه العبارة لا تشبه ما ورد في نص كانوب فحسب، بل ما ورد في غيره من النصوص الرسمية من عهد الفراعنة وكذلك البطالمة، ولا بد من أن العبارة التي وردت في نص أدوليس لم تكن تقليدية جوفاء، لأن هذا النص كما ذكرنا ليس نصًا رسميًا، ولم يكتب لكسب ود المصريين، أي لا بد من أن يكون الملك قد عني حقًا بإحضار بعض الأشياء المقدسة التي كان الفرس قد أخذوها من مصر.

وقد كشفت الحفريات التي قام بها متحف بلدية الإسكندرية في الأعوام 1943 و 1944 و 1945 عن ثلاث مجموعات من اللوحات تحمل جميعًا نقشًا واحدًا مكتوبًا باللغتين الإغريقية والهيروغليفية. وقد خلا النص الإغريقي من الألقاب الفرعونية بينما أثبت النص الهيروغليفي تلك الألقاب، فقد جاء في النص الإغريقي: "الملك بطليموس بن بطليموس وأرسينوي الإلهين الأخوين، شيد لسيرا بيس المعبد والسياج المقدس". أما النص الهيروغليفي فقد جاء فيه "إن ملك الجنوب والشمال، وريث الإلهين الأخوين الذي اختاره آمون، حياة رع، القوى، ابن رع، بطليموس المعمر أبدًا حبيب فتاح قد شيد هذا المعبد".

وفي كانوب أصدر الكهنة في السادس من شهر مارس عام 237 ق.م. في خلال اجتماعهم السنوي بمناسبة عيد ميلاد بطليموس الثالث وعيد ارتقائه العرش قرارًا مشهورًا وصلت إلينا ثلاث نسخ منه منقوشة على الحجر بالإغريقية والهيروغليفية والديموتيقية. وهنا أيضًا أغفل النص الإغريقي ذكر الألقاب الفرعونية بينما أثبت النص الهيروغليفي هذه الألقاب جميعًا، وفضلاً عن ذلك فقد ورد اسم بطليموس الثالث مقرونًا بالألقاب الخمسة التقليدية على جدران معبد فيلة، وكذلك على جدران معبد أقامه في نجع الفوقانية شمالي الكرنك.

بطليموس الرابع وخلفاؤه يرسمون فراعنة:

وإذا كان بطليموس الثاني قد خطا خطوة واسعة نحو اتخاذ صفة الفراعنة، لأنه حمل الألقاب الفرعونية ولأنه تزوج أخته، فإن بطليموس الرابع خطا خطوة أوسع من جده. إذا نجد منذ حكم فيلو باتور ألقاب الفراعنة كاملة حتى في النص الإغريقي للوثائق الرسمية، بل هناك من القرائن ما يدل على أن هذا الملك رسم فرعونًا على نمط الفراعنة الوطنيين، وأهم هذه القرائن عبارة وردت في القرار الذي أصدره القساوسة في 15 من نوفمبر عام 217، بمناسبة انتصار هذا الملك في معركة رفح، فإن هذا القرار ، الذي حفظه لنا نصب عثر عليه في ببثوم، يسرد ألقاب الفراعنة كاملة بالهيروغليفية والديموتيقية والإغريقية، ويذكر أن "الغله فتاح وافق على هذا الملك". أليس معنى ذلك دخول هذا الملك قدس الأقداس في معبد فتاح لتتويجه فرعونًا؟ إن ورود عبارة مشابهة على حجر رشيد، وتفسيرها على هذا النحو فيما يختص ببطليموس الخامس الذي نعرف قطعًا أنه رسم فرعونًا، لا يدع مجالا للشك فيما ذهبنا إليه من تأويل هذه العبارة، وقد وصل فيلكن إلى النتيجة نفسها من عبارة أخرى في صدر هذا القرار، وترجمتها أ، "أباه (أبا الملك، أي الإله الأكبر فتاح) قد أقامه ملكًا". ونجد اسم بطليموس الرابع مقرونًا بالألقاب الفرعونية كاملة في وثيقة بردية يبدو أنها تتضمن أمرًا ملكيًا وفي نقش محفوظ بمتحف القاهرة، وفي نقوش على جدران بهو الأعمدة وكذلك على جدران قدس الأقداس في معبد إدفو، وإذا تذكرنا الأزمة الخطيرة التي واجهت فيلو باتور في عهده مما اضطره إلى تجنيد المصريين لمحاربة أنطيو خوس، وإذا عرفنا أن لهيب الثورة الوطنية اندلع في عهد هذا الملك، مما اضطره إلى إجزال المنح للمصريين، فإننا ندرك أنه إذا كان البطالمة الأوائل، وقد شعروا بقوتهم بفضل تعضيد الإغريق لهم، تحاشوا أن يتخذوا أمامهم كل صفات الفراعنة، ولم يروا حاجة إلى توكيد هذه الصفات أمام المصريين، فإن بطليموس الرابع، وقد شهد انقطاع وفود الإغريق على مصر في وقت تحرح فيه مركزه بسبب الأخطار الخارجية والثورات الداخلية، لم ير مفرًا من الخضوع للتقاليد المصرية، فتوج نفسه فرعونًا وحمل كافة ألقاب الفراعنة.

وإذا كان الشك لا يزال يساور البعض في رسامة فيلو باتور فرعونًا، فليس هناك مجال لهذا الشك فيما يتعلق برسامة بطليموس الخامس (إبيفانس) وخلفائه، فإن حجر رشيد المشهور حفظ لنا بالإغريقية والهيروغليفية والديموتيقية نص القرار الذي أصدره القساوسة المجتمعون في منف في السابع والعشرين من شهر مارس عام 196، وهو يرينا اسم الملك مقرونًا بألقاب الفراعنة كاملة حتى في النص الإغريقي، وكذلك اهتمام القساوسة بأن يقرروا بأن الهيكل، الذي يحمل فيه تمثال الملك، يجب أن يزين بمناظر تسجل تتويج الملك في العام السابق. إذا ورد في النص: "ولكي يميز بسهولة هذا الهيكل من الهياكل الأخرى على الدوام، يجب أن تعلوه عشرة تيجان ذهبية للملك ... ‘لى أن يوضع في وسطها التاج المعروف باسم بشنت "Pechent" الذي لبسه الملك عندما دخل معبد منف لأداء المراسم الضرورية عند ارتقاء العرش....".

ومما يجدر بالملاحظة أن قرار حجر رشيد قد سجل باللغتين الهيروغليفية والديموتيقية فقط على أحد جدران معبد إيزيس الكبير في فيلة، وأن نصبًا عثر عليه في نقراطيش يحمل النص الهيروغليفي فقط لهذا القرار وهو محفوظ بحالة تفضل الأصل كثير، وبطبيعة الحال نجد في هذين النقشين مثل ما نجد في نقش ثالث على جدران معبد أمحوتب في فيلة، وفي نقش رابع على جدران معبد إدفو، اسم بطليموس الخامس مقرونًا بألقابه التقليدية.

وإذا كانت عوامل الضعف والانحلال قد حملت بطليموس الرابع والخامس على التودد إلى المصريين برسامة نفسيهما فرعونين، كما كان يفعل ملوك مصر الأقدمون، فإن هذه العوامل استمرت في عهد خلفائهما، بل أضيف إليها عاملان آخران كان لهما أثر بين في تكييف مجرى سياستهم الداخلية والخارجية، وهما الانقسامات بين أفراد الأسرة المالكة، وتغلغل نفوذ روما في مصر. ولذلك فإنه على الرغم من افتقارنا إلى الوثائق التي تشير إلى رسامة هؤلاء البطالمة المتأخرين فراعنة، فإننا لا نشك في رسامتهم وذلك لأن بطليموس الرابع والخامس قد استنا سنة جديدة لم يكن من إصالة الرأي الخروج عليها، ولا بد من أنها قد أصبحت قاعدة محترمة بين البطالمة المتأخرين، ويؤيد ما نذهب إليه في هذا الصدد تصوير هؤلاء الملوك على جدران المعابد في أشكال وأوضاع مصرية صميمة في حضرة الآلهة، وما نعرفه قطعًا عن رسامة كل من بطليموس الثامن يورجتيس الثاني وبطليموس الثاني عشر (الزمار) فرعونًا، ومما يجرد بالملاحظة أن بطليموس الزمار لم يرسم فرعونًا إلا في شهر مارس عام 76، أي بعد ارتقائه العرش بنحو من أربعة أعوام، ويستخلص البعض من ترجمة حديثة للوحة الهيروغليفية، التي أقيمت على قبر الكاهن الأكبر بشرني ـ فتاح (Psherni-ptah)، أن بطليموس الثاني عشر لم يرسم فرعونًا في معبد منف، كما كانت العادة، وإنما في قصره بالإسكندرية، هذا وإن كان الملك قد زار معبد منف بعد ذلك.

ولا شك لدينا أيضًا في أن كل البطالمة الأواخر قد حملوا مثل أسلافهم الألقاب الفرعونية كاملة، وعلى كل حال فإن لدينا أمثلة متعددة لنقوش قرنت فيها أسماء بطليموس السادس فيلو متور، وبطليموس الثامن يورجتيس الثاني وبطليموس التاسع سوتر الثاني وبطليموس الزمار بكل ألقاب الفراعنة.

ويبدو إذن مما مر بنا أنه إذا كان البطالمة الثلاثة الأوائل لم يتخذوا على الأرجح من صفات الفراعنة إلا ألقابهم التقليدية فقط ولم يثبتوا هذه الألقاب إلا في النصوص المصرية دون الإغريقية، فإن البطالمة الأواخر لم يحملوا الألقاب الفرعونية كاملة فحسب في النصوص المصرية الأغريقية سواء بسواء، بل عنوا أيضًا برسامة أنفسهم فراعنة. ولعل السر في ذلك هو أن البطالمة الأوائل شعروا بقوتهم وشدة بأسهم وحاجتهم إلى تأييد الإغريق لهم، إلى حد أنهم لم يروا داعيًا للإغراق في التشبه بالفراعنة، ولا سيما أن ذلك كان يغضب الإغريق ويكسب الكهنة من القوة ما يهدد مركزهم، لكن عندما بدأ الاضمحلال يدرب دبيبه إلى الدولة وأخذت المخاطر تتهددها، ولم يعد في استطاعة البطالمة الاعتماد كلية على الإغريق لم يجدوا مخرجًا لهم إلا في اتخاذ صفات الفراعنة كاملة فيحملوا ألقابهم ويتوجوا على نمطهم.

بقاء المعتقدات القديمة في مولد فرعون:

وقد بقيت المعتقدات القديمة الخاصة بمولد فرعون من الآلهة سائدة في أيام البطالمة لكن بدلا من أنه كان يخصص المولد فرعون قاعة في المعبد أو جانب من قاعة، كما كان يحدث في عهد الفراعنة الوطنيين، كان في عهد البطالمة يخصص معبد صغير لهذا الغرض، أطلق عليه اسم "الماميزي"، أي بيت الولادة، وقد كان هذا المعبد الصغير يقام إلى جانب كل معبد من المعابد التي يعبد فيها ثالوث مقدس، ويمثل المعبد الصغير صورة المكان السماوي الذي أنجبت فيه الآلهة "ثالث أفراد الثالوث" أو بعبارة أخرى الإله الابن، أي حورس الطفل. ولا شك في أن مولد جورس الطفل كان رمزًا لمولد فرعون، وفي هذا ما يثبت بقاء المعتقدات القديمة، التي تقول بأن فرعون هو حورس وسليل الآلهة.

ونسوق دليلاً آخر على بقاء هذه المعتقدات وأهميتها في نظر الأسرة الحاكمة وأفراد الشعب سواء بسواء في أيام البطالمة، على نحو ما كانت عليه في أيام الفراعنة، فإنه عندما انجبت كليبوبترة السابعة في 23 من يونيه عام 47 ق. م طفلا ذكرًا من يوليوس قيصر، ولم تكن تجري في عروق هذا الطفل دماء الفراعنة، لأن أباه لم يكن فرعونًا، وجدت كليبوبترة لنفسها ولابنه مخرجًا من هذا المأزق في معتقدات المصريين الدينية، ولذلك صورت على جدران معبد أرمنت قصة تشبه قصة حتشبسوت في معبد الدير البحري وقصة امينوفيس الثالث في معبد الأقصر، وقصة نكتانبو الثاني وأوليمبياس أم الإسكندر، إذا نقشت على جدران عبد أرمنت قصة فحواها أن الإله آمون ـ رع تقمص شكل يوليوس قيصر وخالط كليوبترة وأنجب منها ابنها، الذي أطلق عليه الإسكندريون اسم قيصرون، وهكذا اكتسب قيصرون صبغة شرعية، وحق له أن يعتلي عرش الفراعنة، وعندما اعتلى قيصرون العرش واشترك مع أمه في الحكم بعد وفاة بطليموس الرابع عشر، صور على جدران المعابد في شكل الفراعنة الأقدمين.