المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التنمية رؤية من منظور الفكر الإسلامي



almasry
28-02-2008, 01:42 AM
التنمية رؤية من منظور الفكر الإسلامي
بقلم: أ‏.‏د‏.‏ سيف الدين عبدالفتاح إسماعيل
أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية‏,‏ جامعة القاهرة





إن العملية الاجتهادية في أصل مقصودها تتحرك صوب‏'‏ المصلحة‏'‏ و‏'‏الإصلاح‏',‏ ومن ثم فإنه لا يمكن تحريكها إلي مناطق هي ضد هذا القصد الأصلي في العمران إلي عناصر‏'‏ طغيان‏'‏ أو‏'‏ فساد‏'‏ أو تخريب‏'‏ أو‏'‏ خلل‏'‏ مفض لتقويض الأصول العمرانية‏.‏

إن هذا الاجتهاد العمراني حري به أن يواصل تأسيس قواعد المدرسة العمرانية‏,‏ هذه المدرسة التي تجعل من النظام المعرفي العمراني أساسا لتعاملها مع مجمل القضايا المتعلقة بالمناحي الحضارية المختلفة‏,‏ وهذه المدرسة ستفرز حتما أجندة بحثية واهتمامات علمية مهمة‏,‏ يجري إهمالها أو إغفالها أو تهميشها علي أجندة البحث المعاصر‏.‏

كما أنها ستؤصل مداخل وصف ورصد‏,‏ وتقدم وحدات تحليل عمرانية متجددة‏,‏ وتصنيفات حضارية عميقة لا تختزل أو تبسط‏,‏ وتقدم قواعد تحليل وقدرات منهج ومداخل تفسير‏,‏ وتنسج أصولا تنظيرية ضمن نسق تعميماتها ومداخل تقويم تظن أهميتها في هذا المقام‏.‏

الاجتهاد العمراني والتجديد العمراني حركتان متواصلتان تؤسسان دعوة المدرسة العمرانية ومواصلة جهودها‏.‏والاجتهاد هنا حركة ممتدة وعملية متواصلة متعددة المجالات‏,‏ تسير في الأفق المتعدد‏,‏ من أفق الكون إلي أفق الإنسان‏,‏ إلي أفق المجتمع‏,‏ إلي أفق التاريخ‏,‏ ضمن عناصر ناظمة تجعل الاجتهاد عملية متسقة تشد بعضها بعضا‏.‏

ويقع اجتهاد المقاصد أو الاجتهاد المقاصدي ليتوج كل العناصر السابق الإشارة إليها‏,‏ فالاجتهاد المقاصدي فكرة حاضنة لكل العناصر السابقة بحيث توفر لها عناصر الحيوية والفاعلية‏,‏ وهي ذات مقصود يفضي إلي الرعاية والحفاظ والحماية والصيانة‏.‏

أولا‏-‏ مفهوم التنمية محاولة لصياغة مقاصدية‏:‏

'‏ التنمية‏'‏ واحد من المفاهيم المختلف فيها وعليها‏,‏ وهي إحدي الحالات النموذجية علي المستوي المفاهيمي التي تعاني من أعراض‏'‏ برج بابل‏',‏ والتي قد تشير إلي أننا قد نكون حيال فوضي مفاهيمية فيما يخص الظاهرة الإنمائية‏,‏ مفاهيم متعددة‏,‏ وتخصصات تنازعته‏.‏

ومن ثم فقد ظل الحديث عن التنمية معبرا عن رغبات غير محددة‏,‏ أكثر من تعبيرها عن سياسات فاعلة وفعالة‏,‏ ومن هنا كان من الضروري استيعاب هذا المشروع التنموي ضمن رؤية حضارية وكلية شاملة لأن الاهتمام بجزء علي حساب العناصر الأخري أورث جملة من الاختلالات ليس فقط في التصور والإدراك‏,‏ بل في العمل والممارسة‏.‏

وأهم عناصر التمثيل لمثل هذا الخلل في الرؤية والحركة معا‏,‏ هو إهمال البعد الثقافي والقيمي للتنمية‏,‏ ضمن تصور لعوالم التنمية يقتصر علي امتلاك عالم الأشياء‏,‏ لا القدرة علي تحويل المفهوم إلي عالم أفكار يشكل أصولا وعناصر للبناء التنموي العمراني‏,‏ يهتم بالأبعاد الثقافية الغائبة‏,‏ والشروط القيمية المصاحبة للعملية الإنمائية العمرانية‏,‏ كل ذلك إنما يقع فيما يمكن تسميته بمعايير ومقاصد التنمية‏.‏

هذه الأبعاد التي أهملت في النظر أو في العمل أو فيهما معا‏,‏ كانت أهم الدوافع التي أشارت إلي تجديد زاوية الاهتمام التي يمكن الانطلاق منها لو صنعها تحت مجهر الاهتمام‏.‏الاهتمام بالموضوع بمفاصله الأساسية والكلية وخريطته الشاملة بما يشير إليه من عناصر تأسيس وتأصيل للنموذج المعرفي المولد للرؤية التنموية والعمرانية كمقدمة للعمليات التي تتعلق بالتفعيل والتشغيل‏.‏

إن صياغة مفهوم التنمية في إطار فكرة المنظومة السباعية ووسطها بالاعتبار‏'‏ الواصل‏'‏ و‏'‏الحاضن‏'‏ لها من خلال المقاصد‏,‏ إنما يجعل من التنمية عملية حضارية شاملة وكاملة‏.‏ هذه الصياغة الكلية لمفهوم التنمية من خلال المنظومة السباعية الواصلة بين العقيدة الدافعة والشرعة الرافعة والقيم الأساسية والتأسيسية الحاكمة والأمة الجامعة‏,‏ والحضارة العمرانية الفاعلة‏,‏ والسنة الإلهية الماضية‏,‏ كل ذلك يقع في مجال المقاصد‏(‏ الحافظة‏,‏ الحاضنة‏,‏ الواصلة‏)‏ المقاصد ومراعاتها هي الكفيلة بمراعاة الصفات التي أتبعناها بعناصر هذه المنظومة من‏:‏ دافعية ورافعية وحاكمية وجامعية وفاعلية‏,‏ وقاضية وماضية‏.‏

وتأتي المقاصد لتتوج عناصر رؤية سباعية‏,‏ المقاصد الحافظة‏,‏ الحاضنة الواصلة‏:‏ الحافظة لمجالات نشاطها الحيوي‏,‏ وعناصر فعاليتها الجوهرية‏,‏ والحاضنة‏(‏ لعقيدتها الدافعة‏,‏ وشرعتها الرافعة‏,‏ ونسق قيمها الحاكمة‏,‏ والأمة الجامعة والحضارة الفاعلة والسنن القاضية‏..),‏ والواصلة بين واجب المقاصد ومقدماته وآلياته ووسائله‏,‏ فإنه القصد والمقصود‏:‏ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب‏.‏

إنها فاعليات المقاصد حينما تتعلق بمقصودها في الحفظ والوزن والوصف والبناء والتقويم‏.‏ إن مقاصد لا تحفظ مجالاتها ولا تحتضن عناصر وسط تفعليها وشروط فاعليتها‏,‏ ولا تصل بين المقاصد والوسائل والآليات‏,‏ ليست من المقاصد في شيء‏,‏ ولكنها في حقيقة الأمر الوصول بها إلي مضادات مقصودها من استدعاء الضرر لا المصلحة‏,‏ وتوسل طرق التضييع لا الحفظ‏(‏ حفظ أم ضيع‏),‏ وإهدار معاني الواجب والواقع‏,‏ واقتفاء لموازين‏(‏ الأفكار والأحداث‏,‏ والأشخاص‏,‏ والأشياء‏,‏ والنظم والمؤسسات‏,‏ والرموز‏..‏إلخ‏),‏ إنها في واقع الأمر إهدار للوعي بالمقاصد والسعي بها ولها‏.‏

سباعية بعضها من بعض تتحقق منظوميتها ونظامها فتحدد بذلك مناط فاعليتها وتفعيلها‏:‏

*‏ إنه الحفظ لدافعية العقيدة والواصل لعناصره والضام لمكوناته‏.‏ إن‏'‏ عقيدة لا تدفع‏',‏ هو إهدار لمعني العروة الوثقي‏,‏ وإهدار للعقيدة وعيا وسعيا‏.‏

*‏ إنه الحفظ لرافعية الشرعة والواصل بين خصائصها التكوينية والقيام بتفعيل قواعده الكلية‏.‏ إن شريعة لا ترفع‏,‏ هو إهدار لمعني مقاصد الشريعة حينما تأتي لتخرج المكلف عن داعية هواه فترفعه تكريما واستخلافا وأمانة ومسئولية‏,‏ فالشريعة الرافعة‏:‏ حكمة كلها وعدل كلها ورحمة كلها ومصلحة كلها‏.‏

*‏ إنه الحفظ لحاكمية قيم الإسلام التأسيسية‏(‏ التوحيد والتزكية والعمران‏)‏ والأساسية‏(‏ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ والشوري‏,‏ والاختيار‏)‏ والقيم العليا‏(‏ الممثلة في العدل‏)‏ الناظم لأصول منظومة القيم وتصاعدها وتكافلها وتفاعلها‏.‏ إن قيما لا تحكم هي إهدار لمعني مقاصد القيم لأنه إهدار لعموم الدين‏(‏ الدين القيم‏),(‏ دينا قيما‏),(‏ دين القيمة‏),(‏ الصراط المستقيم‏).‏

*‏ إنه الحفظ لمعاني جامعية الأمة والواصل بين معاني اعتصامها بحبل الله وعصمتها‏(‏ لا تجتمع أمتي علي ضلال‏),‏ والضام لمعاني خيريتها ووسطيتها وشهودها الحضاري‏,‏ إن أمة لا تجمع هي فاقدة لأصول معانيها في‏'‏ الأم‏'‏ و‏'‏القصد‏',‏ وهو إهدار لمقاصد الأمة في‏'‏ الوجهة والقبلة‏'.‏ إن أمة لا تجمع ليست من جامعية الأمة في شيء‏,‏ وإن تحول جامعيتها إلي نقيض مقصودها في التنازع مقابل الاعتصام‏,‏ والفشل مقابل الفاعلية‏,‏ وذهاب الريح في مقابل الأثر والتأثير والتمكين‏,‏ إنما يعبر عن إهدار مفهوم الأمة في الوعي والسعي‏.‏

*‏ إنه الحفظ لفاعلية الحضارة والواصل بينها وبين عناصر شهودها وحضورها‏,‏ والضام لفاعليات عمرانهما وعمارتها‏,‏ فاعلية الحضارة في حضورها لا وجودها‏,‏ وحضورها عنوان فاعليتها‏,‏ ونقيض ذلك الغياب في كل أشكاله وكل معانيه‏,‏ إن حضارة لا تفعل ولا تتفاعل ولا تملك تأثيرها وفاعليتها ليست من الحضارة في شيء إنما تعبر عن إهدار مفهوم الحضارة وحضورها في الوعي والسعي‏.‏

*‏ إنه الحفظ لقضاء السنن والواصل بين‏'‏ فعلها‏'‏ و‏'‏شروطه‏'‏ و‏'‏عاقبته‏'‏ والقيام لعناصرها السننية‏(‏ سنن الكون والنفس والتاريخ والمجتمع‏),‏ ونقيض ذلك إغفال السنن أو الانحراف بها أو تزييفها في الواقع والرؤية‏.‏ إن سننا لا تقضي‏,‏ فتتحقق بشروطها‏,‏ ليست من السنن في شيء إنما يعبر ذلك عن إهدار مفهوم السنن الإلهية القاضية في الوعي والسعي‏.‏

التنمية فعل حضاري ممتد‏,‏ وحشد للإمكانات والطاقات‏,‏ وهي كذلك ضمن منظومة الفعل الحضاري بنياته ومساراته‏,‏ والتنمية حركة إحسان وكدح حضاري قادرة علي بلوغ غايتها ومقصدها في الحياة الطيبة‏,‏ ومفهوم السياسة في جوهره مفهوم عمراني وإنمائي وتجديدي يتحرك صوب السياسة بمعني القيام علي الأمر بما يصلحه‏.‏

من الضروري في هذا المقام أن ننظر للتنمية باعتبارها رؤية للعالم تنبثق عنها رؤية للإنسان والكون والحياة‏,‏ ضمن عناصر تأسيس عقدي‏,‏ يستند إلي رؤية توحيدية للعالم‏,‏ تستند إلي عقيدة التوحيد بكل تضميناتها وفاعليتها‏.‏

التنمية‏-‏ ضمن هذا التصور‏-'‏ قيمة‏'‏ شاملة وجامعة وواصلة بين عناصر هذه الرؤية الكلية‏,‏ تتضمن رؤية عمرانية واعية وفاعلة‏,‏ تتضمن أصول وعي وحركات سعي متصلة ومتواصلة‏,‏ ضمن أصول عناصر الكدح الحضاري‏(‏ يا أيها الإنسان إنك كادح إلي ربك كدحا فملاقيه‏(‏ سورة الإنشقاق‏:‏ آية‏6.‏ قيمة تتحرك صوب عمارة الكون وتزكية الإنسان وترقية وتنمية الحياة‏,‏ وتعتبر كل هذه العناصر بدورها فيما تحرك الفاعليات الإنسانية وتفعيلها في الواقع‏,‏ إن النظر إلي القيم الكونية والإنسانية والحياتية‏,‏ والنظر إلي الكون كقيمة‏,‏ والحياة كقيمة إنما يحرك عناصر وعي وسعي يقصد إلي الإلتزام بأصول نظام للقيم ويحرك الطاقات والفاعليات في إطار ترجمة عناصره والقوة المؤمنة إلي طاقات وإمكانية وتمكين‏:'‏ المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف‏'.‏

والتنمية ضمن هذا التصور مفهوم حضاري شامل يشمل كل العناصر الحضارية وفاعليتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية‏,‏ ويشمل عمران العوالم المختلفة من عالم الأفكار‏,‏ وعالم الأشخاص‏,‏ وعالم الأشياء والنظم‏,‏ وعالم الأحداث‏,‏ علي تفاعل واستطراق فيما بينها ضمن علاقات التفاعل والتأثير والتأثر‏.‏ عمران تلك العوالم هو الذي يضمن لها الحياة والفاعلية‏,‏ وحينما يعبر مالك بن نبي عن‏'‏ عالم الأفكار الميتة والقاتلة‏'‏ والتي تعشش في أركان الكيان الحضاري وتفت في عضده‏,‏ فإنه بذلك يدرك أن العوالم الحية غير العوالم الميتة أو القاتلة‏,‏ وأن هذا التصور الشامل هو الذي يحرك عناصر وأصول الوعي الدافع إلي فاعلية السعي ضمن إدراك يعي فعل السنن ضمن هذه العوالم‏,‏ ويتغيا مقاصد كبري هي في الحقيقة تمثل جوهر الرؤية العمرانية والتنموية‏.‏

والتنمية كذلك مفهوم حضاري شامل بما يجعل الواقع في بؤرة اهتمامه وهمه‏,‏ الواقع هنا أكثر اتساعا من نقطة زمانية أو بقعة مكانية‏,‏ إنه امتداد زمني وامتداد مكاني وعمق حضاري وذاكرة في الزمان والمكان‏,‏ تستوعب كل المجالات بتفكيرها وفعلها‏,‏ هادفة إلي عمرانها‏,‏ بحيث تصير وبحق‏-‏ عملية تربوية‏(‏ التربية المستمرة‏),‏ لا تنفك عن التربية أبدا‏.‏

وضمن هذه السياقات فإن مفهوم التنمية‏,‏ ليس أحد المفاهيم البسيطة في تكوينها أو السطحية في تأثيرها‏,‏ بل هو‏'‏ مفهوم منظومة‏'‏ يشير إلي منظومة متكاملة ومتكافلة ومتفاعلة من المفاهيم المستدعاة بحيث تكون عائلة مفاهيمية واحدة ذات نسب واحد‏,‏ أو شجرة مفاهيمية ذات فروع في جذر واحد‏.‏

وواقع الأمر أنه بدون النظر إلي التنمية كمفهوم منظومة أو باعتباره شجرة مفاهيمية سيظل التعامل مع هذا المفهوم قاصرا في فهم الواقع والتعامل معه‏.‏ومن ثم‏,‏ فإن هذا المفهوم يشير إلي عمليات مستمرة ومتواصلة‏,‏ وأدوات وإمكانيات وعلاقات وتفاعلات ومجالات‏,‏ ومساقات بحثية‏,‏ ومساقات ثقافية‏,‏ ومساقات تربوية‏,‏ ومساقات لمناهج دراسية‏,‏ كل ذلك يشكل نظاما ومنظومة متكاملة من المفاهيم تستوعب كل تلك المجالات والفاعليات‏.‏

كل ذلك قد يحيلنا إلي النظر إلي التنمية باعتبارها نموذجا إرشاديا‏Paradign‏ علي ما يشير إليه ذلك من تأصيل رؤية كلية للوجود وللعالم‏,‏ والإشارة إلي بناء نظري‏,‏ وكذلك منظومة مفاهيمية‏,‏ كما أنه يشير إلي أجندة بحثية شاملة ومتكاملة‏,‏ بما توجه إليه الاهتمام من دراسة إشكالات أجدر بالتناول‏.‏

وقد يرتبط بذلك النظر إلي التنمية ضمن النموذج المقاصدي‏(‏ المقاصد الكلية العامة‏),‏ وباعتبار التنمية تعبيرا عن مقاصد كلية وعمرانية‏,‏ وبما يشير إليه كل ذلك من حفظ الدين كعملية تنموية وحضارية تتعلق بعمارة الدين‏,‏ وكذلك حفظ النفس كعملية عمرانية ممتدة‏,‏ وحفظ العقل بما يشير إليه ذلك من مهمات عمرانية في الصياغة العمرانية للعقل وإعادة تشكيل العقل المسلم‏,‏ وحفظ النسل بما يشير إليه من امتداد الاهتمام ومواصلة العمل ضمن عمليات التنمية البشرية والتربوية‏,‏ وحفظ المال بما يشير إليه من عملية استخلافية عمرانية‏,‏ وبما يوفر عناصر البنية الأساسية للعملية التنموية‏,‏ المال هنا رمز لعناصر تنموية في جوانبها التأسيسية والمادية باعتباره من أهم عناصر المادة العمرانية‏.‏

الأمر هنا يشير ليس فقط إلي تلك المجالات العمرانية علي تفاعلها وتكافلها‏,‏ بل يشير كذلك إلي عناصر الأولويات التنموية والعمرانية‏,‏ وذلك في إطار التمييز والتحديد والتعيين والتفعيل لأصول الضرورات العمرانية والإنمائية‏,‏ وتحديد الحاجات الإنمائية‏,‏ وأخيرا العمل في حقل التحسينيات العمرانية‏,‏ وذلك في سياق منظومة اهتمام تتعرف علي أصول عناصر الوزن والترجيح والتقويم‏.‏

وفي هذا المقام يجب ألا يغيب ضمن هذه الرؤية الشاملة الاهتمام بالرؤي الاستشرافية لمستقبل التنمية‏,‏ بحيث نجعل عناصر هذه الرؤية ضمن جوهر مفهوم التنمية والعمران‏.‏

ثانيا‏-‏ المقاربات التراثية لعملية التنمية‏:‏

‏(‏ أ‏)‏ المقاربة الماوردية‏:‏ صلاح الدنيا وعملية التنمية‏:‏

من الأمور المهمة أن نبحث هنا في مجال تلك المقاربات في ذاكرة موضوع التنمية‏,‏ والظواهر المتعلقة بها‏,‏ فهل لم يكن للمفكرين المسلمين رؤية حال عمران الدنيا‏,‏ الأمر يتأكد من خلال ضرورته في بناء الرؤية العمرانية العامة لمفهوم الإنماء‏.‏ الماوردي يقع علي رأس هؤلاء المهتمين في سياق حس عمراني يتحدث حول منهج النظر للعملية الإنمائية وعناصر القيام علي عمارتها وصلاحها وإصلاحها‏,‏ فالنظر في أمور الدنيا لازم من أحوال تنميتها وعمرانها‏.'‏ فواجب ستر أحوالها‏,‏ والكشف عن جهة انتظامها واختلالها‏,‏ لنعلم أسباب صلاحها وفسادها ومواد عمرانها وخرابها‏,‏ لتنتفي عن أهلها شبه الحيرة‏,‏ وتتجلي لهم أسباب الخيرة‏,‏ فيقصدوا الأمور من أبوابها‏,‏ ويعتمدوا علي صلاح قواعدها وأسبابها‏..'.‏

والتنمية والصلاح معتبران من وجهين‏..'‏أولهما ما ينتظم به أمور جملتها‏,‏ والثاني ما يصلح به حال كل واحد من أهلها‏.‏ فهما شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بصاحبه‏',‏ إنها رؤية شاملة للتنمية تتحرك صوب الدوائر المتعددة بدءا بعمران الإنسان الفرد‏,‏ حتي تشمل العمارة الكونية‏.'‏ فاعلم أن ما به تصلح الدنيا حتي تصير أحوالها منتظمة‏,‏ وأمورها ملتئمة‏,‏ ستة أشياء هي قواعدها وإن تفرعت‏,‏ وهي‏:‏ دين متبع وسلطان قاهر وعدل شامل وأمن عام وخصب دائم وأمل فسيح‏',‏ وأما ما يصلح به حال الإنسان ويرقي‏:'‏ فثلاثة أشياء‏,‏ هي قواعد أمره ونظام حاله‏,‏ وهي نفس مطيعة إلي رشدها منتهية عن غيها‏,‏ وألفة جامعة‏..‏ ومادة كافية تسكن نفس الإنسان إليها ويستقيم أوده بها‏'.‏

إننا أمام رؤية كلية شاملة للظاهرة العمرانية والإنمائية تبحث في عناصر التنمية الشاملة والتنمية البشرية‏,‏ فتؤصل القاعدة وتحدد المجالات‏.‏

*‏ علاقة الدين بالظاهرة الإنمائية هي أول هذه القواعد التي تحرك عناصر الالتزام والفاعلية في إطار عقدي يتحرك فيه الإنسان صوب مصلحته وإصلاحه‏.‏ إنه يدرك حقيقة العلاقة الإيجابية بين الظاهرة الدينية والظاهرة الإنمائية في إطار الفهم لصحيح الدين وما يؤثر به من فاعلية‏.‏

*‏ علاقة الظاهرة السياسية بالظاهرة الإنمائية من القواعد المهمة في هذا المقام‏,‏ هيبة السلطة وقدرتها إنما تعبر عن إحدي الضرورات للظاهرة الإنمائية‏.‏

*‏ ثم العدل كحالة شاملة للكيان أفرادا وجماعات‏,‏ حكاما ومحكومين‏,‏ ذلك أن هيبة السلطة لا تتأتي إلا من عدلها وقدرتها أن تجعل من الهيبة رضا بالعدل والسوية‏.‏

*‏ و‏'‏أمن عام‏'‏ هي من أهم شروط عناصر الاستقرار التي توفر قاعدة ووسطا للعملية العمرانية‏,‏ فالفوضي ضد العمران‏,‏ والتهارج ضد الاجتماع‏,‏ والأمن قرين العمران‏,‏ معادلات مهمة‏,‏ تؤسس أصول الأمن العام المترتب علي العدل الشامل‏.‏

*'‏ خصب دائم‏'‏ هو عنوان وإشارة إلي عناصر الإنماء الممتد والشامل والدائم‏,‏ إنها مجالات التنمية بأسرها وبتنوعها وبتكافلها‏.‏

*‏ وأمل فسيح يحدد أفق الرؤية ورحابتها‏,‏ رؤية لحال الجماعة والكيان في استقبالها‏,‏ المتعلق بالأمل المصاغ ضمن أصول وعي وقواعد سعي‏.‏

وصلاح الدنيا موصول بصلاح الإنسان وعمرانه‏,‏ وما يتطلبه ذلك من متقضيات عناصر ووسط التنمية البشرية وعمرانها من أصول الماوردي‏,‏ والتي يمكن إيجازها في الشكل التالي‏:‏

ب‏-‏ المقاربة الخلدونية‏:‏ أصول العمران وتأسيسه وخرابه وانهياره‏:‏

أردنا أن نضع ابن خلدون بمقاربته العمرانية ضمن سلسة من المقاربات التي سبقته أو لحقته حتي لا يتصور البعض أن ابن خلدون فلتة لا تقبل التكرار‏,‏ ومصادفة لا يقاس عليها‏,‏ أو هو نتوء ضمن إسهامات معرفية أو منهجية أو علمية متواضعة‏,‏ فإن هذا كما يحمل ظلما لابن خلدون فإنه يعبر من جانب آخر عن ظلم فادح للحضارة التي أنجبته‏,‏ فخرج من رحمها‏,‏ وتغذي من مرجعيتها ما شاء‏,‏ فكانت مقدمته التي لا تدعي انفصالا عن حضارته بل كانت لبنة ضمن بنائها وضمن شبكتها المعرفية‏,‏ وليس من غرضنا استعراض نصوص خلدونية في مقدمته‏,‏ بل الغرض أن نشير بما تميزت به مقاربته العمرانية‏,‏ والمفاتيح التي دلف من خلالها إلي الظاهرة العمرانية والتعرف علي عناصرها وشبكة علاقاتها‏,‏ والمستلزمات والمتطلبات التي يجب التسلح بها عند مقاربة ظاهرة العمران أو الاقتراب منها‏,‏ ومن هنا فقد أشار ابن خلدون إلي‏:‏

*‏ ضرورة الاعتبار بالتاريخ‏,‏ فأسس وأصل فكرة أن للظاهرة الاجتماعية والسياسية والعمرانية عمقا تاريخيا‏,‏ وللظواهر التاريخية عمقا حضاريا عمرانيا‏.‏

*‏ ضرورة النظر إلي الظاهرة العمرانية ضمن امتدادها‏,‏ وعناصر شمولها‏,‏ لشؤون العمران ما يعرض له فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان‏(‏ ظاهرة السلطة‏),‏ والكسب والمعاش والصنائع والعلوم‏(‏ مجالات العمران‏),‏ وعمارة الحياة والأمة التي هي مقصد عالم عمران ابن خلدون‏(‏ المقاصد العمرانية‏)‏ وهو بذلك يشير إلي انتقادات حادة إلي تفتيت الظاهرة العمرانية بدعوي التخصصات الدقيقة‏,‏ وما يشير إليه من ضرورة إعادة النظر في تصنيف العلوم معرفيا لغرض عمارة العلم بلوغا إلي جوهر العلم النافع الدافع‏.‏

فقد شرح ابن خلدون‏'‏ من أحوال العمران والتمدن‏,‏ وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها‏,‏ ويعرفك‏:‏ كيف دخل أهل الدول من أبوابها حتي تنزع من التقليد‏,‏ وتقف علي أحوال ما قبلك من الأيام والأجيال وما بعدك‏'.‏

وهي إشارات واضحة إلي التنبيه إلي علم الاجتماع العمراني والسياسي الذي يري الظاهرة السياسية في جوف الظاهرة الاجتماعية والظاهرة التاريخية‏,‏ وكل هذه الظواهر تجدل في مساق واحد‏,‏ وتضفر عناصرها ومستوياتها وشبكة علاقاتها بحيث تشكل الظاهرة العمرانية لها وبينها‏,‏ والضابطة لتفاعلاتها‏,‏ والمكونة لتجلياتها‏.‏

*‏ يكمل ذلك تصوره للعمران البشري لا في علاقته التأسيسية‏,‏ بل في وسطه وسياقه‏,‏ فيتحدث عن العمران البشري والمقدمات المتعلقة به التي تتصل بالجغرافيا الطبيعية والبشرية‏,‏ وأثر البيئة علي أبدان البشر وأحوالهم وما ينشأ من العمران‏,‏ وهو يصنف أنواع العمران ويتحرك صوب وصف مفاصل كل نوع وسماته التي يتميز ويميز بها‏,‏ من عمران بدوي‏,‏ ونشأة الدول وتطورها وقوتها ثم ضعفها‏,‏ والعمران الحضري‏,‏ ونشأة الهياكل العظمية وبنائها وخراب الأمصار إذا تراجع عمرانها أو إذا انقرضت الدول القائمة فيها‏,‏ والمعاش وجوبه ووجوهه وأصنافه ومذاهبه‏,‏ والعلوم التي هي من أهم مقدمات العمران وأصنافها والتعليم‏,‏ وطرائقه وسائر وجوهه‏.‏

وعكف ابن خلدون يتحري شبكة العلاقات بين تلك المقدمات العمرانية محققا أصول تحليله وتصنيفه وتفسيره في ضوء عناصر الترتيب المقترن بنظرية المقاصد الكلية العامة من الضروري والحاجي والتحسيني‏,‏ والأصلي والمكمل فيقول ابن خلدون‏'‏ وقد قدمت العمران البدوي لأنه سابق علي جميعها‏,‏ كما نبين لك بعد‏,‏ وكذا تقديم الملك علي البلدان والأمصار‏,‏ وأما تقديم المعاش‏,‏ فلأن المعاش ضروري طبيعي‏,‏ وتعلم العلم كمالي أو حاجي‏,‏ والطبيعي أقدم من الكمالي‏,‏ وجعلت الصنائع مع الكسب لأنها منه ببعض الوجوه‏,‏ ومن العمران كما نبين لك بعد‏'.‏

*‏ وفي هذا السياق ينتقل ابن خلدون إلي فكرة الأطوار متبعا منهجا سننيا‏,‏ فالأطوار الحضارية محكومة بقوانينها وسننها‏,‏ سنن تتعلق بالمظاهر العمرانية وإمكانات تحويلها إلي عالم أفكار تتعلق بالقيم المتعلقة بها‏,‏ إن فهم ابن خلدون لهذه الأطوار لا يركن فيه إلي الانبهار بعالم الأشياء أو المادة العمرانية‏,‏ ولكنه يتحدث عما يكمن تحت سطحها وفي عمقها ومكنونها من قيم وأفكار‏,‏ وما ينتجه من تفاعل بين عالم الأشياء والأفكار والأشخاص من عالم أحوال جدير بالملاحظة والبحث في مفاصله واستنباط قوانينه وسننه‏,‏ إن هذه الرؤية المتعمقة تفرض علينا أن نتخذ بعض ما تمليه علينا من منهج النظر إلي الظاهرة العمرانية والإنمائي وما يرتبط بها من عوالم‏.‏

*‏ يعالج ابن خلدون كذلك أسباب الانهيار والتي عدد بعضها‏,‏ إلا أنه يؤكد علي سنة ذهبية وناموس عمراني‏,‏ هما في غالب الأحوال تعبير عن سنة تحذيرية‏:'‏ أن الترف مؤذن بخراب العمران‏',‏ فالترف أو الانغماس في التمدن هو من أسباب انهيار الحضارة‏..‏ إذا يعلمنا ابن خلدون من مقالته تلك في تأسيس رؤيتنا للتنمية‏,‏ ويولد من سنته التأسيسية سننا مشتقة أو فرعية‏,‏ فإن أكثر المترفين يترفع عن مباشرة حاجاته‏,‏ أو أن يكون عاجزا عنها لما ربي عليه من خلق التنعم والترف‏,'‏ فترك العمل ومباشرة الحاجات مؤذن بدوره بانهيار الحضارة والعمران والتحول إلي مرحلة التمني والركون والدعة‏..'.‏

مفاتيح عمرانية خلدونية يمكن أن تولد رؤية للتنمية علي شاكلتها‏,‏ وتؤصل منهج نظر وتعامل وتناول للظاهرة العمرانية والإنمائية‏,‏ وتحرك عناصر لفهم جوهر العلاقة بين الإسلام والتنمية‏.‏

ج‏-‏ المقاربة الشاطبية‏:‏ المقاصد الكلية وتأسيس قواعد الحفظ وأصول العمران‏:‏

إذ عبر الماوردي في رؤيته عن رؤية قيمية تؤسس للحركة والممارسة في إطار عقلية فقهية صاغت تفكيره ورؤيته‏,‏ وإذ صاغ ابن خلدون رؤيته علي قاعدة من علم العمران السياسي الذي انطلق فيه من الواقع إلي السنن‏,‏ ولكن ضمن وسط يشد إلي مرجعية التأسيس في تأصيل العلم السنني‏,‏ فإن الشاطبي‏-‏ عالم اللغة‏-‏ قصد المعين الأصولي ليؤسس الكليات العمرانية‏,‏ حتي ليمكن أن تري ضمن اختلاف هذه المسالك في وجهات نظرها وتنظيرها كيف تتكامل وتتكافل وتتفاعل‏,‏ فقد خرجت من مشكاة واحدة تضيء النظر إلي الظاهرة العمرانية علي اختلاف جوانبها وعناصرها ومستوياتها وعلاقاتها‏.‏

المقاربة الشاطبية في المقاصد الكلية وتأسيس قواعد الحفظ وأصول العمران لا تتسع الصفحات بل الكتاب الواحد لأن يستوعب مقالاته ومقولاته‏,‏ قواعده ومناهجه في النظر والتعامل للظاهرة العمرنية‏,‏ وحسبنا في هذا المقام أن نشير إلي بعض مفاتيحه العمرانية من غير استيعاب‏,‏ وفي إجمال غير تفصيل‏,‏ وفي حالات إلي مظان التأصيل‏.‏ إن النموذج المقاصدي‏-‏ في أصل بنيته‏-‏ تتفاعل ضمن منظومة عناصر ثلاثة‏:‏

الأول‏-‏ يتعلق بالحفظ كعملية تتضمن عناصر حفظ متوازنة ومتتالية‏,‏ مستطرقة ومتفاعلة‏,‏ والحفظ ضربان هما حفظ دفع‏,‏ أي حفظ سلبي‏(‏ دفع المضار‏),‏ وحفظ جلبي إيجابي بنائي‏(‏ جلب المنافع والمصالح‏),‏ الحفظ عملية تولد جملة من العمليات كلها علي وزن تفعيل‏,‏ بما يشير إلي الوعي بعناصر الفعل‏,‏ والوعي بأصول فاعلية‏,‏ وأصول السعي الحافظة والحاضنة لتلك الأفعال‏,‏ والوعي بضمان استمرارية الحفظ في عملياته المتولدة‏,‏ يتحرك من الحفظ كمنطلق ومبدأ‏,‏ والحفظ كغاية ومقصد عام‏,‏ الحفظ هنا عمليات وأدوات ووسائل‏,‏ ومستويات‏,‏ وعلاقات وإمكانات وقدرات‏.‏

الثاني‏-‏ يتعلق بالمجالات العمرانية‏,‏ كساحة أساسية للفعل الحضاري وإعمال القواعد المقاصدية‏,‏ فقه المجالات‏,‏ عنصر تأسيس آخر في النموذج المقاصدي‏,‏ فهي متعلق الحفظ ومجاله الحيوي‏(‏ حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال‏),‏ إنها مجالات الحفظ العمراني‏,‏ تستوعب كل مجالات الفعل الحضاري والعمراني علي تفاعل بينها واستطراق في تفاعلاتها‏.‏

الثالث‏-‏يتصرف ضمن بنية هذا النموذج بعمليات التصنيف والتكييف والترتيب والوزن‏,‏ عمليات كلها تتعلق بأصول فهم الواقع بغرض حفظ مجالات عمارته وإنمائه‏,‏ نحن أمام‏-‏ ليس فقط محاولة الوزن ضمن ترتيب تصاعدي للمجالات‏-‏ لكن ضمن ترتيب تتابع أفقي‏(‏ الضروري‏,‏ الحاجي‏,‏ التحسيني‏),‏ إن فاعليات الحفظ ووزن المجالات لا يمكن أن تكتمل صورتهما إلا ضمن منظومة تدخل في إطار عمليات التكييف لما يعتبر ضروريا أو حاجيا أو تحسينيا‏.‏

الضروري يتعلق بأصل الكيان والحفاظ عليه وجودا واستمرارا‏,‏ والحاجي يتعلق بمحركات الفاعلية والتفاعل ضمن علاقات‏,‏ والتحسيني يحرك عناصر مهمة في إطار حركة إحسانية مفتوحة تعني طلب الأحسن ضمن عناصر تجويد تضمن مزيدا في إطار الوجود التكريمي للإنسان والوجود الفاعل المؤثر‏.‏

هذه تشكل بنية التأسيس وتتولد من تلك العناصر عناصر أخري تحرك أصول تفكير منهجي في رؤية عناصر الحفظ‏,‏ وسعة المجالات وقدرات الترتيب والوزن‏.‏ تكامل هذه العناصر الحفظ كفعل‏,‏ والمجالات التي تتعلق بالفاعلية والسعي‏,‏ والمراتب التي ترتبط بأصول الفعل والفاعلية والحركة في سياق تحصيلها جميعا إنما يعبر عن قدرات مهمة ضمن هذا النموذج المقاصدي‏.‏

الشاطبي ينقلنا إلي هدف العملية الإنتمائية والعمرانية‏,‏ وعناصر المادة العمرانية‏,‏ ووسائل الحفظ العمراني وتكافل عناصر الحفظ‏,‏ وتنوع مستوياتها بين دفع الضرر وجلب المصالح وعناصر وزن وتكييف الحالات والأفعال‏(‏ الضروري والحاجي والتحسيني‏).‏

إنه يتحرك صوب عناصر فهم العملية العمرانية والإنمائية وفق عناصر النموذج المقاصدي‏,‏ والذي يؤصل بحق منهج تعامل وتناول مع أصول الظاهرة العمرانية‏.‏ كما أنه يلفت الانتباه إلي عناصر تقويم الفعل العمراني للمجالات‏.‏

وإن الخيامي أحد المفكرين في حقل التراث السياسي الإسلامي في العصر الحديث في رسالة‏'‏ الراعي والرعية‏'‏ يبين كيف تعتبر المقاصد الكلية وظائف للدولة تحرك العناصر الإنمائية والعمرانية‏.‏

(‏د‏)-‏ المقاربة الأسدية‏:‏ فساد العمران وفساد سوق المال‏(‏ الاقتصاد السياسي للعملية الإنمائية‏)‏

الأسدي يتحرك بنا في مقاربته ليعرض حالة محددة يتحرك فيها الفساد النقدي‏'‏ سوق المال‏',‏ ليشير إلي العمراني وهياكله وأبنيته ووظائفه وأدواره وغاياته‏.‏ فهو من جانب يعبر عن ضرورة الرؤية المتفحصة لتعلق الظواهر ببعضها البعض في العلاقات والتفاعل في التأثير والتأثر‏,‏ ويتخذ من معالجة الأزمنة كدراسة حالة ضمن مقاربته العمرانية‏,‏ وهو يتحرك صوب أن الأزمات يمكن أن تطول العمران لأسباب طبيعية ولأسباب إنسانية‏,‏ وأن العيب ليس في حدوث هذه الأزمات التي تطول البناء العمراني أو بعضا من مادته أو معظم أدواره ووظائفه إنه يتحرك صوب عنصر مهم‏:‏ أن فساد الوسائل يقود إلي فساد المقاصد‏,‏ والعكس بالضرورة صحيح‏,‏ لأن حكم الوسائل حكم المقاصد والأمور بمقاصدها‏.‏ والوسائل مقدمات الواجب‏,‏ وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب‏,‏ قواعد كلها تشكل منظومة في التفكير‏.‏ إن الأزمة لحظة حرجة وحاسمة تتعلق بمصير الكيان الذي أصيب بها‏,‏ وبالتالي فهي تشكل خطورة وصعوبة أمام متخذ القرار تجعله في حيرة بالغة لقصور المعرفة‏,‏ فهي أشبه بالأزمات الصحية التي يتعرض لها الفرد‏,‏ فهي حادة ومفزعة وشديدة الألم‏,‏ إلا أنها‏-‏ بسماتها تلك‏-‏ لا تخلو من نفع في الاجتماع البشري والعمراني‏,‏ فإن لهذه الأزمات دورا تنبيهيا وتحذيريا هي بحق قد تستحق‏-‏ إذا ما اعتبرنا وظيفتها تلك‏-‏ القول بأنها أزمات كاشفة لمكامن القصور‏,‏ وعناصر الخلل‏,‏ في البنية والبيئة العمرانية‏,‏ في عالم أفكارها وأشخاصها وأشيائها وأحوالها‏.‏ فإن الأسدي في مقاربته‏-‏ ومع استدعاء مقاربة المقريزي‏-‏ يؤصل عناصر إدارة عمرانية للأزمة لا تقف أمامها حائرة‏,‏ بل تبحث في عناصر الأزمة أسبابا ومظاهر والآفات الدنيوية المرتبطة بها‏.‏

وتطرح هذه الرؤية منظومة مهمة من المفردات يجب تفهمها عند البحث في مصادر التهديد للبناء العمراني‏:‏ حفظ الكيان واستمراره‏,‏ الغمة والابتلاء‏(‏ الأزمة‏),‏ الرعية‏(‏ الناس والجماهير‏),‏ الخليفة والسلطان والحاكم‏(‏ السلطة السياسية‏),‏ أولي الأمر‏(‏ النخبة السياسية والعملية‏),‏ الفتن والدسائس‏(‏ الصراعات الداخلية‏)‏ وعدم الاستقرار‏,‏ الأمة‏(‏ الكيان الاجتماعي العمراني‏),‏ الفسق والانهماك في الملذات‏(‏ الترف والفساد‏),‏ والآفة‏(‏ الأسباب والعوامل السلبية‏),‏ الاستقامة والصلاح‏(‏ النسيج الاجتماعي‏,‏ والمقدرة القيادية‏).‏

إن قواعد الضرر علي سبيل المثال والقاعدة العمدة في نظريته‏'‏ لا ضرر ولا ضرار‏',‏ وتتساند معها قاعدة‏'‏ الضرر يزال‏',‏ هي من القواعد الناشئة عن تفاعل الخصيصة الأساسية من خصائص الشرعة كسمة بنيانية من سماتها‏(‏ اليسر ورفع الحرج‏),‏ والتي تملك تأثيراتها بدورها علي النظرة التكليفية للإنسان‏(‏ الاستطاعة والوسع والطاقة‏),‏ أحوال الضرر والضرورة‏,‏ ولا شك أن هذا وذاك يؤثر بدوره في نظرية الأحكام التي تراعي الاختلاف وجهاته المتنوعة‏(‏ الإنسان‏,‏ المكان‏,‏ الزمان‏,‏ الأحوال‏),‏ في إطار‏'‏ المصلحة‏'‏ كفكرة بنيانية في الشرعة‏.‏ فالشريعة مدارها علي المصالح‏,‏ حكمة كلها‏,‏ رحمة كلها‏,‏ عدل كلها‏,‏ ومن مراعاة المصالح تنبع أصول سمات أخري تتسم بها الشرعة من‏'‏ الصلاحية‏'‏ كسمة أساسية تصف الشرعة‏,‏ و‏'‏الإصلاح‏'‏ كهدف ومقصد تأسيسي وعمراني لفكر الإنسان وحركته‏.‏

وفق هذه الرؤية التكاملية ورؤية الشريعة كالجملة الواحدة‏,‏ يمكننا‏-‏ ومن غير عسف أو اعتساف‏-‏ الحديث عن فقه التدين التنموي وشروطه‏,‏ وفقه الفهم التنموي وقواعده‏,‏ وفقه التنزيل التنموي وعناصره ومراحله وأشكاله وتجلياته وآلياته ووسائله‏,‏ وهي أمور كلها يمكن أن تولد عناصر التكليف الإنمائي والعمراني‏,‏ وعناصر فهم الواقع التنموي متوسلا آلات فهمه‏,‏ والبحث في خبراته ضمن الذاكرة الحضارية‏,‏ ومفاصل فهم الواقع الإسلامي التنموي الراهن بكل عوائقه ومسهلاته بكل تحدياته واستجاباته‏.‏ كل ذلك موصولا بفقه التنزيل التنموي والعمراني ومتطلباته من‏:‏ صياغة العقيدة التنموية‏,‏ والصياغات الإنمائية في الشرعة‏,‏ وفقه الإنجاز التنموي‏:‏ شروطه في الوعي والسعي‏,‏ وقواعده في المرحلية والتدرج‏,‏ في الجماعية والحشدية‏.‏

'‏الإنماء والعمران‏'‏ دائر بين عناصر الاستخلاف والشهادة والارتفاق الكوني‏,‏ وعملية الشهود الحضاري العمراني يجب أن تنهض بكل العوامل المتعلقة‏:‏ بكشف العوائق الإنمائية‏,‏ وتأسيس أصول الرشد والوعي الاعتقادي الإنمائي‏,‏ وما يولده من سداد الفكر والتنظير‏,‏ وعالم الأفكار والمفاهيم التي ترتبط بالمجال الإنمائي والعمراني‏,‏ وإرساء حالة النفير الحضاري الإنمائي بما يمكن أن يترجم علي أرض الواقع في سلطان الإنجاز وفاعلياته في عمليات التفكير والتغيير والتسيير والتدبر والتدبير والتأثير المولدة لحال التمكن الحضاري الإنمائي والعمراني إعمالا للشهود وتأصيلا وتمكينا له‏.‏

وضمن تفعيل منظومة القواعد الإنمائية تبرز لدينا‏,‏ منظومة قواعد الضرر والضرورة‏,‏ والتي تعبر عن فحص الواقع بما يشتمل عليه من مناطق الضرر والضرار التنموي‏,‏ والتعامل معها بعناصر المنع الوقائي‏,‏ أو الدفع الآني عند وقوعه‏,‏ أو الرفع بعد الوقوع‏,‏ ضمن عمليات وآليات لمواجهة الضرر أو الضرار الإنمائي‏.‏

ثالثا‏:‏ ملاحظات حول قياس التنمية‏:‏رؤية إسلامية‏:‏

نحاول فقط استعراض الإشكالات التي تحيط بمثل محاولات بناء المعايير وتوليد عملية المؤشرات منها واستخدام ذلك ضمن عملية القياس الكمية للتنمية‏,‏ فيما أسميناه‏,'‏ إغراء التكمية‏'.‏

وضمن هذه الرؤية نقدم رؤية نقدية للنموذج المقاصدي لمحاولات القياس التي قامت عليها دراسات وتقارير حول التنمية‏.‏ هذه الرؤية النقدية ليست إلا مقدمة لرؤية بنائية لتقرير للتنمية الإنسانية وفق هذا المنظور المقاصدي‏,‏ ضمن محاولات بحثية من الواجب الاهتمام بتأسيسها من ناحية المقاصد التي تتغياها والمعايير التي تتبناها‏,‏ والمقاييس التي تستخدمها‏,‏ هذه ليست إلا مؤشرات أولية لدراسات مفصلة حول هذا المقام‏.‏

إلا أنه قبل الشروع في هذا‏,‏ فإنه يجب ملاحظة الواصلة بين المقاصد والوسائل والسياسات‏,‏ والتي غالبا ما تولد قضية‏'‏ المعايير‏'‏ و‏'‏قياسات‏'‏ التنمية وهو أمر يشير إلي‏'‏ النماذج الكامنة‏'‏ خلف تلك المعايير والقياسات حينما نتواصل مع أكثر من عنصر مهم وجبت مراعاته في هذا المقام‏:‏

*‏ منظومة المعايير والمقاييس وارتباطها بعناصر النماذج الكلية‏,‏ سواء كانت تلك النماذج كامنة أو ظاهرة‏.‏

*‏ قضية كفاية المؤشرات والمعايير‏,‏ وهي الكفاية التي تتعلق بالتطبيق الفعال لها في‏:‏

-‏ التأسيس علي عموم مساحة الظاهرة التنموية‏.‏

-‏ فاعليات القياس المعتمد علي نسخة بناء المؤشرات‏.‏

*‏ والقضية الثالثة تتعلق بصدق المؤشر في الدلالة علي الظاهرة أو الظواهر موضع البحث‏.‏

-‏ خاصة أن ظاهرة التنمية بهذا الاعتبار تملك في داخلها‏'‏ إغراء التكمية‏'‏ والذي يشكل سلاحا ذا حدين في هذا المقام‏:‏ حده الأول‏-‏ يتعلق بالانحياز لعملية الترجمة الرقمية وعملية التكمية والقياس الكمي‏,‏ وجعلها هدفا في حد ذاته لا وسيلة بحثية تسهم في وضوح‏'‏ الظاهرة‏'‏ وكشف المستور بها‏.‏ ويتكافل مع ذلك المعضلة البحثية التي يفرضها هذا الأمر من جراء تفاوت عناصر الظاهرة ومفاصلها في قابليتها للقياس هذه الرؤية مع اعتبار القياس الكمي هدفا لا وسيلة‏-‏ يمكن أن تغفل عناصر مهمة ضمن ظاهرة التنمية يصير التغاضي عنها أو الالتفاف عليها‏,‏ عملا لا منهجيا يؤثر في دراسة الظاهرة وبيان تكويناتها‏,‏ فضلا عما يترتب عن الخطأ الذي يطال العمليات المنهجية الأخري‏(‏ التحليل التفسير التقويم‏).‏

ويترافق مع هذا التصور وذاك البحث عن مؤشرات العموم في منطقة أو مناطق تتعلق بالظاهرة التنموية وعناصر خصوصيتها وهي أمور تحدث أخطاء من الناحية العلمية والبحثية والمهنجية من تعميم الخاص‏,‏ أو تخصيص العام في الظاهرة من دون مسوغ‏.‏

إن المعايير التي تولد مؤشرات القياس لابد أن تملك حجية منهجية من ملائمتها للظاهرة ذاتها فيما يمكن تسميته بعناصر‏'‏ اللياقة المنهجية‏',‏ ويقع في مقدمة عناصر هذه الملاءمة مراعاة‏'‏ عموم المؤشرات وتعميمها‏',‏ و‏'‏خصوص تلك المؤشرات‏',‏ المؤشرات في بعض جوانبها لابد أن تملك‏'‏ هوية‏',‏ والظاهرة ما اختلف زمانها ومكانها وأحوالها وإنسانها لابد أن تملك من جهات الاختلاف تلك فضلا عن عالم مرجعيتها ونماذجها وأفكارها‏,‏ خصوصية لا يمكن إنكارها أو تجاهلها أو إغفالها‏.‏

هذا العنصر الأخير يشير ومن أقرب طريق إلي حالة أقرب إلي‏'‏ أيزو‏''ISO'‏ المؤشرات‏,‏ أو إن شئت الدقة‏:‏ محاولة تعميم المؤشرات في سياق عولمي‏,‏ نشهد ذلك في كثير من التقارير والمؤتمرات للأمم المتحدة‏,‏ وهو أمر قد يهمل‏-‏ ومن كل طريق‏-‏ الوحدة في سياقات التنوع‏,‏ وعناصر تعددية ثقافية وأنساقا حضارية وأنماطا مجتمعية لا يمكن بحال تجاهلها‏.‏

إن جملة العناصر اللامنهجية‏,‏ والتي أشرنا إلي ترافقها واستصحابها بعضها البعض قد تحرك عناصر نموذج هو أقرب ما يكون إلي ما يمكن تسميته‏'‏ اللهو بالتكاثر‏',‏ هذا اللهو والإلهاء بالتكاثر الكمي أمر من الخطورة بمكان ضمن نماذج تشير إلي معاني‏'‏ الحياة الطيبة الآمنة المطمئنة‏'‏ كحالتين متناقضتين تعبران عن نماذج تنموية لابد أن تختلف عناصر مرجعيتها وأصول تكويناتها وأسس مقاصدها ومعايير مؤشراتها وقياساتها‏.‏ حالة لا منهجية تتطلب عملا منهجيا رصينا يأخذ في الاعتبار أصول مناهج نظر وتعامل وتناول تحقق مقاصدها البحثية والعلمية والتطبيقية‏.‏

أما الحد الثاني‏-‏ فإنه من الضروري لظاهرة مثل‏'‏ التنمية‏'‏ تتعلق بأصول‏'‏ عمليات إنجاز‏',‏ فإنها تفرض عملية التحديد لهذا الإنجاز أو مخرجات العمليات التنموية‏,‏ وإمكانات قياسها‏,‏ سواء كان ذلك عن طريق مؤشرات كمية ما أحسنت رصد ووصف الواقع‏,‏ أو مؤشرات كيفية مناسبة وملائمة تأخذ في اعتبارها كل عناصر الخصوصية التي أشرنا إليها‏,‏ مقاربات مهمة نستعرضها الواحدة تلو الأخري توضح إشكالية القياس‏.‏

سياقات جعلت‏'‏ عداد التنمية‏'‏ يحصي كل شيء‏,‏ أما إذا كان هذا الشيء لم يقبل أو يتقبل ما يفعله العداد فهو لا أهمية له‏.‏ومن هنا كان استعراضنا لمقاربة الإسلام والتنمية‏:‏ دراسة ميدانية‏(‏ كمال المنوفي‏)‏ محاولات بحثية كمية لدراسة العلاقة‏:‏

تعود أهمية هذه المقاربة إلي أنها قد تطرقت إلي العلاقة المباشرة بين الإسلام والتنمية‏,‏ ولكن في إطار قياس هذه العلاقة بين الإسلام والتنمية ضمن دراسة ميدانية‏.‏ وهذه المحاولة تتسم بالريادة في هذا المقام‏,‏ إلا أنها‏-‏ من جانب آخر‏-‏ مثلت الإشكالية التي عبر عنها إسار بروتيوس في تخفي الظاهرة‏,‏ وتشكلها المتنوع‏,‏ وتبدل تجلياتها مع كل وقت وآن‏,‏ فإذا كان الأمر يتعلق بالظاهرة التي تربط بين عنصرين مهمين في إطار البحث في العلاقة فيما بينهما‏,‏ فإن الأمر أكثر صعوبة وأشد تخفيا‏.‏ ومن أهم ميزات هذه الدراسة ما كشفت عنه من إشكالات تتعلق بعملية القياس‏,‏ والمؤشرات وبناء المفاهيم‏,‏ والدراسة الكمية للعلاقات‏,‏ والربط بين أمرين ليسا من نفس الجنس‏(‏ الإسلام والتنمية‏),‏ والاتجاه الإجرائي الذي ارتبط بالمدرسة السلوكية في دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية‏,‏ واستخدام المؤشرات كأداة منهاجية في قياس المتغيرات وبناء المفاهيم‏.‏

وليس من هدف عرض هذه المقاربة التوجه للدراسة وعرضها عرضا تفصيليا‏,‏ أو العرض للمناهج المستخدمة وتطبيقها‏,‏ أو استعراض النتائج والتعميمات التي وصلت إليها‏.‏ ولكن غاية الأمر أن نحدد عناصر إشكالية القياس للعلاقة بين الإسلام والتنمية‏,‏ والمتطلبات المنهجية التي يمكن أن تشير إليها دراسة من هذا النوع للإمساك بإسار‏/‏بروتيوس‏,‏ والقدرة علي التعامل مع الظاهرة وفض أختامها بالعمق الواجب والدقة اللازمة‏.‏ ذلك أن انتقال القياس من دائرة الوسائل إلي دائرة الغايات مثل بحق أهم عناصر قصور التوجه الذي أراد قياس العلاقة‏.‏ وأهم عنصرين يجب التوجه إليهما بالبحث الدقيق والفحص العميق‏:‏

‏1-‏ القياس واللياقة المنهجية وحدود التعامل الكمي‏.‏

‏2-‏ التعامل مع الظاهر المحسوس والاكتفاء به‏.‏

ويولد هذان العنصران إشكالات بحثية مشتقة من مثل‏:‏

-‏ أن يتحدد استخدام القياس وفق أصول اللياقة المنهجية أو التكافؤ المنهجي بين الأداة والظاهرة بما يحقق عناصر الملاءمة البحثية والمنهجية‏,‏ فمن أهم الشروط لذلك قابلية الظواهر المقاسة لعملية القياس وتعبيرها عن وحدات موضوعية يمكن ترتيبها وتدريجها وقياسها والتعبير عن نتائج ذلك كميا ورقميا‏,‏ أما إذا لم تتحقق هذه الخواص في وحدة القياس‏,‏ صار القياس وهما‏.‏

-‏ حل إشكالية نفلت بعض الجوانب الأساسية لتلك الظواهر الاجتماعية‏,‏ خاصة في حال تعلقها بسياقات القيم والثقافة من إطار القياس لأنها بطبيعتها تتحدي القياس‏,‏ وليس الحل في إغفالها‏,‏ أو الاعتساف بصددها وتحديد مؤشرات قابلة للقياس ولكنها لا تتعلق التعلق المباشر بالعامل موضوع البحث‏.‏ إن إغفال هذه الجوانب في القياس يعني أن نتائج القياس منقوصة وقاصرة وغير كافية‏,‏ بل وربما‏-‏ وبفعل هذا العامل في بعض الخبرات‏-‏ يمكن أن تكون النتائج مقلوبة وغير صحيحة بالمرة‏.‏

*‏ إن عناصر اللياقة المنهجية تلزم الباحث الذي اتخذ القياس أداة‏,‏ ومن المؤشرات أسلوبا‏,‏ ومن التحديد الإجرائي اتجاها‏,‏ أن يقوم بمناقشة نظرية حول‏:‏

‏1-‏ كفاءة المؤشرات وقدرتها علي مباشرة الظاهرة وقياس أهم مفاصلها التكوينية‏,‏ وحال ثباتها أو تثبيتها‏,‏ وحال تحريكها ضمن وسطها‏.‏

‏2-‏ كفاية المؤشرات أي عدد المؤشرات الذي يصلح لتغطية مساحات الظاهرة المختلفة‏,‏ ومساحات العلاقات المحتملة‏.‏

*‏ أحدها يتعلق بالكيف والأخري تتعلق بالكم‏,‏ ثم هناك العلاقة البينية بين الكم والكيف‏,‏ أي حينما يتحول الكم إلي كيف في إطار مؤشرات نوعية‏,‏ مثل‏:‏ كثافة المؤثر وعلاقة ذلك بعملية التأثير‏,‏ والتفاعل الكمي الذي يخرج دائرة التفاعل من مجرد الجمع ضمن متوالية حسابية‏,‏ ولكن التحول نحو المتوالية الهندسية‏,‏ قضايا تستحق التأمل والنقاش والبحث‏,‏ إذا ما أريد لهذه الأداة فاعلية في التطبيق والتعميم‏.‏

فلا شك أن تمحيص مقولة الإسلام كمعوق للتنمية‏'‏ ليس عن طريق تلمس وعرض حجج ورؤي الكتابات التي تدافع عن الإسلام من منظور فقهي شرعي‏,‏ وإنما عن طريق الاحتكام إلي قاعدة من البيانات التجريبية‏,‏ ذلك أن التوصل إلي استنتاجات حول حقيقة علاقة الإسلام بالتنمية بمعني هل يعيقها أم يساعد عليها أم أنه عامل محايد‏,‏ لا يكون بالجدل الفكري والنظري‏,‏ وإنما باتباع منهجية عملية جوهرها الجمع المنظم لبيانات واقعية مع إخضاعها للقياس‏.‏

هذا الجهد وهذه المحاولات المنبثقة عن تلك المقولة لا شك تملك بعضا من الشرعية في القيام بها وعليها‏,‏ إلا أن علينا دائما ألا نجعل تلك المقولة السابقة هي نقطة البدء‏,‏ من دون التفكير فيما قبل ذلك من دراسات الجدوي البحثية والمنهجية وأصول التعامل المنهجي مع موضوع من مثل العلاقة بين الإسلام والتنمية‏.‏

وهو أمر علي صعوبته لا يرفض بإطلاق‏,‏ ولكن قد يكون من الصواب ترشيد الممارسة البحثية وفق قواعد منهجية منضبطة‏,‏ نري ضرورتها‏,‏ خاصة حينما يتعلق الموضوع بالإسلام‏:'‏ فإن الأخطاء المنهجية المرتكبة تحال علي أصل الدين بسهولة ويسر عن قصد أو غير قصد‏-‏ والقائم بالقياس قد لا يتهم نفسه أو أدواته بالتقصير أو عدم الكفاية والكفاءة‏,‏ إلا أنه نتيجة لذلك يرتكب خطأ علميا وبحثيا‏,‏ إن الدراسات الميدانية يجب أن تقوم بدراسة مبدئية حول‏'‏ فقه المعلومات‏'‏ التي تعتمد عليها ووسطها‏,‏ ومدي الاطمئنان إليها في ذاتها‏,‏ والتأكد من مدي صحة الاعتماد عليها‏,‏ وطرائق تحليلها والجمع فيما بينها‏.‏

مؤشرات التنمية‏:‏ معايير وقياسات‏:‏

يتضح من هذا البناء للمؤشرات التنموية وشمولها مع الاتساع الحادث في مفهوم التنمية أن تلك المحاولة أرادت ضمن عملية القياس‏-‏ لنفسها أن تكون علي ذات الدرجة من التنوع والشمول بما يغطي الاتساع والامتداد والتنوع والتعدد الحادث في مفهوم التنمية‏.‏

ورغم ذلك فقد تحركت هذه المحاولة‏-‏ مع التعبير عن محاولاتها للتنمية الشاملة والمطردة‏-‏ إلي مناطق قابلة للتأشير والقياس‏,‏ وظلت الجوانب المعنوية غير محددة في صياغة المؤشرات إن لم تكن مهملة‏.‏ وفي هذا المقام فلنا أن نذكر أن الجوانب المعنوية لمفهوم التنمية في التصور الإسلامي يملك امتدادا أكبر وتنوعا أشد تجب مراعاته عند بناء المفهوم‏,‏ كما أن جوانبه المعنوية والقيمية والأخلاقية التي تمثل دائرة يصعب التأشير عليها أو القياس لبعض مكوناتها‏.‏ وقد تتعامل الرؤي البحثية والمنهجية مع هذه الدائرة بالإغفال تحت دعوي عدم قابلياتها للقياس‏.‏ وكأن القياس لا يهتم في هذا المقام إلا بما تحسن الأداة ذاتها قياسه بغض النظر عن قيمة المقاس‏.‏

وعملية التأشير من المهم ألا ترتبط بصورة حتمية بالقياس والرقم‏,‏ ذلك أن عملية التأشير الكيفي يمكن توظيفها في هذا المقام‏,‏ فإن مؤشرات نوعية الحياة لن تكون بالضرورة وبنفس الصياغات إذا تكلمنا عن‏'‏ الحياة الطيبة‏'‏ والتأشير لها وعليها‏.‏

فضلا عن ذلك فإنه من المهم أن نتذكر ما قاله علال الفاسي‏-‏ في بعض كتبه‏-‏ عن الأرقام والتعويل عليها بالمطلق إذ يؤكد أنه‏'‏ بين الأرقام تتوه القضايا الكبري‏'.‏ فضلا عن ذلك تعتبر عملية التأشير وباعتمادها علي الصياغات المادية للمجالات المراد قياسها‏,‏ بل وتحويل المعنوي إلي مادي قابل للقياس من المسائل الخطرة والقضايا المنهجية الحرجة‏,‏ فإن ذلك مزلة أفهام وأقدام ومنزلق منهجي يجب الفطنة إليه‏.‏ كل ذلك قد يقع ضمن حجاب علي الجوهر القيمي لعملية التنمية من خلال‏'‏ اللهو‏'‏ و‏'‏الإلهاء بالتكاثر‏'.‏

هكذا قدمنا بعض نماذج من إشكالات تتعلق بمحاولة إرساء منهج نظر لبناء مفهوم التنمية من منظور إسلامي أولها هدف الي محاولة لبناء المفهوم من منظور المقاصد الكلية العامة للشريعة‏,‏ وثانيها تغيا الاشارة الي بعض إسهامات تراثية‏,‏ أما الثالث فقد أفضي الي بعض التحفظات المنهاجية التي تتعلق بقياس التنمية في علاقتها بالإسلام‏.‏



المراجع

‏1-‏ د‏.‏ سيف الدين عبد الفتاح‏,‏ مدخل القيم‏:‏ إطار مرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام‏,‏ الجزء الثاني من مشروع العلاقات الدولية في الإسلام‏(‏ د‏.‏ نادية مصطفي‏:‏ مشرف عام‏),(‏ القاهرة‏,‏ المعهد العالمي للفكر الإسلامي‏,1419‏ هـ‏/1999‏ م‏),‏ أصول الفقه الحضاري‏275-279,‏ النموذج المقاصدي‏447-547.‏
‏2-‏ د‏.‏ سيف الدين عبد الفتاح‏,‏ دراسة الظاهرة السياسية من منظور إسلامي‏(‏ النموذج المقاصدي‏:‏ حالة بحثية‏)‏ بحث مقدم إلي الندوة المصرية‏-‏الفرنسية التاسعة‏:'‏ العلوم السياسية والاجتماعية‏:‏ الآفاق والتوقعات‏',(‏ القاهرة‏:19-21‏ فبراير‏2000).‏
‏3-‏ د‏.‏ سيف الدين عبد الفتاح‏,‏ المدخل المقاصدي وفقه الواقع‏,‏ في بحوث ومناقشات الندوة الدولية الافتتاحية لمركز الأمير عبد المحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية بعنوان‏(‏ نحو فقه سديد لواقع أمتنا المعاصر‏),‏ الشارقة‏,‏ أكتوبر‏2002‏ م‏,/‏ شعبان‏1423‏ هـ‏.‏
‏4-‏ د‏.‏ سيف الدين عبد الفتاح‏,‏ مدخل لفهم‏'‏ فتاوي الأمة‏',‏ حولية أمتي في العالم‏,‏ العدد الخامس‏,‏ الجزء الأول‏,(‏ القاهرة‏:‏ مركز الحضارة والدراسات السياسية‏,1424‏ هـ‏/2003‏ م‏),‏ ص ص‏535-594.‏
‏5-‏ د‏.‏ سيف الدين عبد الفتاح‏,‏ مقاصد ومعايير التنمية‏:‏ رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي‏:‏ ورقة أولية‏,‏ قدمت في مؤتمر‏'‏ الأمة وأزمة الثقافة والتنمية‏'-‏ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة‏,‏ ديسمبر‏2004.‏



المصدر : مجلة الديمقراطية http://http://democracy.ahram.org.eg/Index.asp?CurFN=Fron0.htm&DID=9356