المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثورة في أواخر عهد البطالمة



البريتور
24-02-2008, 07:28 PM
ولم تجد فتيلاً المحاولات التي بذلها بطلميوس الثامن لتهدئة البلاد، فإنه عقب وفاته في عام 116 ق.م بقيت البلاد تعاني نفس ما كانت تعانيه في خلال حياته، نتيجة للصراع على السطلة. وقد نشب هذا الصراع أولاً بين كليوبترة الثالثة وكليوبترة الثانية حتى وفاة الأخيرة في أواخر عام 116، وثانيًا بين كليوبترة الثالثة وابنها الأكبر بطلميوس التاسع سوتر الثاني الذي أرغمها الإسكندريون على إشراكه معها في الحكم بدلاً من ابنها المفضل لديها بطلميوس إسكندر وانتهى الأمر بطرد سوتر الثاني (عام 107) وذهابه إلى قبرص ليعد العدة لاستراداد عرشه، وثالثًا بين كليوبترة الثالثة وابنها بطلميوس إسكندر الذي لم يكن أسعد حظًا من أخيه مع أمه، فقد صممت على أن تقبض على كل السلطات، مما أثار الشحناء والبغضاء بينهما وبين أنصارهما إلى أن توفيت كليوبترة (عام 101) فحكم بمفرده إلى أن طرده الإسكندريون (عام 89) ولقى حتفه في العام التالي.

وعندئذ استرد سوتر الثاني عرشه وظل يتولاه إلى أن توفي (عام 80) وبعد وفاة سوتر الثاني ومأساة برينيكي الثالثة وبطلميوس الحادي عشر،تربع على العرش بطلميوس أوليتس (الزمار) حتى عام 51. وكان الزمار ملكًا تافهًا أراق ماء وجهه وبدد ثروة مملكته في شراء اعتراف الرومان به ملكًا وحليفًا. وعندما سطت روما على قبرص ـ أخر ممتلكات مصر الخارجية ـ تذمر الإسكندريون تذمرًا شديدًا. وإزاء عجزه عن تهدئة ثائر رعاياه، ذهب إلى روما (عام 58) يستعديها عليهم وبعد غيبة دامت أكثر من عامين عاد إلى مصر (عام 55) في حماية كتائب جابينيوس، حاكم سوريا الروماني، لقاء رشوة كبيرة، فانتقم من خصومه شر انتقام، وعين أكبر دائنيه ـ الممول الروماني رابيريوس ـ وزيرًا للمالية، فاعتصر دافعي الضرائب إلى حد أثار نقمتهم عليه وعلى الملك الزمار. وفي عام 51 توفي الزمار مكروهًا من شعبه ومحتقرًا من الرومان. وعقب الخلافات الأسرية التي شهدتها بداية حكم كليوبترة السابعة، أكتسبت مصر لفترة قصيرة أهمية سياسية عظيمة كانت أشبه بصحوة الموت، إذ أن روما لم تلبث أن ضمتها إلى إمبراطوريتها في عام 30 ق.م.

إن الأحوال السيئة التي عمت البلاد في خلال عهد بطلميوس الثامن استمرت كذلك في خلال عهد خلفائه، الذي شهد الكثير من القلاقل والاضطرابات والثورات، فإن الظروف نفسها ك انت لا تزال قائمة: نظام اقتصادي مجحف وأهالي أضنتهم مطالب ملوك أجانب ضعاف يتنازعون الملك فميا بينهم من ناحية ويتنازعهم السلطة موظفون أغلبهم أجانب من ناحية أخرى. وتحدثنا وثيقة عن هياج الأهالي في عام 114 ق.م. في إحدى قرى الفيوم ضد موظفي الحكومة الذي طالما أساءوا استغلال سلطتهم. وتذكر مظلمة من منطقة طيبة من عام 111 ق.م. وقوع قلاقل واضطرابات (amixia) حول هذا الوقت في هذه المنطقة. ويبد أنها كانت مماثلة للاضطرابات التي صحبت طرد بطلميوس الثامن ومحاولته استرداد مملكته (131-127)، فإنها أدت كالعادة إلى الاعتداء على الأملاك، إذ أن شخصًأ استولى على كرم هجرة صاحبه الإغريق، كما حدث في حالة منزل هرمياس صاحب القضية المشهورة، وفي حالة الكثير من المنازل والأراضي في منطقة طيبة وغيرها في خلال عهد إيفانس.

ونعرف عن الثورة التي انتهت في خلال الفترة الثانية من حكم سوتر الثاني أكثر مم نعرفه عن غيرها. وتدل معلوماتنا عىلى أن هذه الثورة لم تختلف عن الثورات السابقة، فإنها كانت مزيجًا من الاحتجاج على حال الطبقات الدنيا، ومن الآمال القومية والتعصب الديني. وقد تفاقمت الحال في منطقة طيبة إلى حد أ، بطلميوس سوتر الثاني خرب مدينة طيبة، معقل الثورة، تخريبًا شديدًا. ويحدثنا بارسانياس بأنه ترتب على مقتل كليوبترة الثالثة وهرب بطلميوس إسكندر خوفًا من الإسكندريين أن بطلميوس سوتر استرد عرشه ثانية، وأنه حارب أهل طيبة الثائرين وأخضعهم بعد ثلاث سنوات من بدء الثورة، أن انتصاره عليهم كان انتصارًا باهرًا، إلى حد أنه لم تبق لهم بقية من رفاهيتهم السابقة.


ومتى بدأت هذه الثورة ومتى انتهت؟ أن وثيقة من عام 90 ق.م (وهو العام الرابع والعشرون من حكم بطلميوس إسكندر) تشير إلى اعتداء الثوار على الأراضي الملكية في لأتوبوليس وباثيريس. ولدينا من عام 88 (وهو العام السادس والعشرون من حكم بطلميوس إسكندر وكذلك العام الثلاثون من حكم سوتر الثاني) بعض رسائل شخص يدعى أفلاطون، كان دون شك الحاكم العام في منطقة طيبة، إذ نراه بضطلع بمهام القيادة العليا، التي كانت من اختصاص هذا الموظف.

ويتضح من كل هذه الوثائق أمران: وأحدهما أن بعض أحداث الثورة وقعت ـ على نحو ما رأينا ـ في عام 90، أي قبل عودة سوتر الثاني، والآخر أن أهل منطقة طيبة لم يكونوا يداً واحدة في خلال هذه الثورة، إذا أننا نرى أفلاطون يكتب في 28 مارس سنة 88 إلى أهالي باثيريس، الذين كانوا موالين للملك وتتهددهم أخطار الثورة، يبلغهم أنه قد برح لاتوبوليس للقبض على ناصية الحالة ويدعوهم إلى الهدوء ومساعدة فائدهم نخثيرس، إلى أن يصل إليهم بأقصى سرعة ممكنة. ونرى أفلاطون يكتب في اليوم نفسه إلى نخثيريس يبلغه فحوى خطابه إلى أهالي باثيريس ويطلب إليه الدفاع عن باثيريس والعمل على أن يسودها الهدوء والسكينة إلى أن ينضم إليه ويتولى بنفسه إخضاع الثورة. وفي 30 مارس سنة 88 نرى أفلاطون يكتب إلى نخثيريس ليهتم بأن يتوافر لدى كل فرد أردب قمح من باب الاحتياط، وهو مقدار مؤنة شهر وكذلك ما يكفي من الخبز والشعير.

وهكذا نرى الخوف يتملك الأهالي من اقتراب الثوار من إحدى المدن الموالية للملك، ونرى أشباح المجاعة تتهدد هذه المدينة فيعمل المختصون على مواجهة الأزمة والاحتياط لها. ونرى مرة أخرى التصادم بين المدن الثائرة والمدن الموالية على نحو ما شاهدنا مرارًا من قبل في عهد بطليموس الثامن. ومما يجدر بالملاحظة أن نرى مصريًا يتولى الدفاع عن باثيريس الموالية كما رأينا باوس من قبل يتولى أخماد بعض الثوار. ولما كان الثوار قد أفلحوا في محاصرة باثيريس عندئذ ولم يرفع الحصار عنها سريعًا، فإن أفلاطون كتب في أول نفومبر عام 88 إلى "كهنة باثيريس وغيرهم" من أهليها لتشجيعهم، بإبلاغهم أن الملك سوتر الثاني قد وصل إلى منف وأنه قد عهد إلى هيراكس بأخضاء منطقة طيبة بمساعدة قوات كبيرة. ويبدو من هذا الخطاب أنه كان يتزعم المقاومة في باثيريس الموالية للملك رجال الدين فيها، وكانوا كهنة حتحور الذين يضمون عداء وراثيًا لكهنة آمون. وهذا ينهض دليلاً على شيئين: وأحدهما هو أثر الخلافات الشخصية بين رجال الدين في موقفهم إزاء البطالمة، والآخر هو أن كهنة آمون في طيبة كانوا يناصبون البطالمة عداء شديدًا. ويرى البعض أن سبب ذلك العداء لم يكن عداءهم للأجانب وإنما رغبتهم في استعادة استقلالهم القديم، تلك الرغبة التي كانت تدفعهم إلى مناهضة كل ملكية قوية حتى في عهد الفراعنة منذ أزمة العمارنة. لكن إذا كان أولئك الكهنة الأقوياء يكرهون الخضوع لفراعنتهم القوميين، الذين لم يفرضوا عليهم من القيود ما فرضه عليهم البطالمة، فلابد من أنهم كانوا أقل استعدادًا للخضوع لفراعنتهم الأجانب، وأكثر ميلاً للتحرر من رقبتهم. وهل يمكن أن تشك في أن حركتهم، مهما كان الدافع إليها، لابد من أنها قد اصطبغت عندئذ بصبغة وطنية لتكتسب تأييدًا واسعًا وأنصارًا كثيرين؟ وإذا صح أن كهنة طيبة هم الذين كانوا حركون الثوار لأغراضهم الشخصية، فكيف نفسر استمرار الثورات حتى بعد القضاء على طيبة إذا لم يكن الدافع إليها أبعد مدى وأجل خطرًا من مجدر استقلال كهنة طيبة عن السلطة المركزية في البلاد؟ لكن بما أننا لا نسمع بعد ذلك عن ثورات خطيرة كالثورات السابقة، فإن ذلك يدل على الدور الهام الذي كان كهنة آمون يقومون به في هذه الحركة القومية.

وإاذ صح أن ثورة منطقة طيبة قد بدأت في عام 90 ق.م، فلابد من تكون قد أنتهت بحملة هيراكس في آخر عام 88، وبذلك تكون قد انقضت في نهاية ذلك العام السنين الثلاث التي يقول باوسانياس أنها مرت قبل أخماد الثورة. أما إذا كانت الثورة لم تبدأ إلا عقب عودة سوتر الاثني إلى عرشه، فإن ال؛داث التي ترويها رسائل أفلاطون لا تمثل إلا الأدوار الأولى في هذا الصراع، وفي هذه الحالة تكون الثورة التي يشير إليها بوسانياس قد بدأت في عام 88 وانتهت في عام 85.

على كل حال فإن تخريب طيبة، وإن كان فيما يبدو قد قصم ظهر الثورة، إلا أنه لم يؤد إلى هدوء الحالة في مصر، لأن نقشا من هرموبوليس من عام 79/78 ق.م، وأوراقًا بردية من مديرية هيراكليوبوليس من عام 64/63 ق.م. ترينا أن أحوال البلاد كانت مضطربة إلى حد اضطرت معه الحكومة إلى توزيع فرق قوية من الجنود المرتزقة ـ أكثرهم من السوريين والآدوميين ـ في مختلف أنحاء البلاد لوضع الأمور في نصابها، وتكليف وحدات من الأسطور الملكي بتأمين سلامة المواصلات النهرية. في عام 58/57 ـ عندما كان يتولى الحكم برينيكي الرابعة وكليوبترة بريفاينا في أثناء غيبة الزمار في روما ـ اضطربت الأحوال ثانية في منطقة هيراكليوبوليس. وقد لعب في هذا الاضطراب دورًا هامًا شخص يدعى هرمايسكوس (Hermaiscos)، لعله كان مثل ديونيسيوس بتوسيرابيس أحد موظفي الحكومة ثم تزعم حركة ثورية قام بها بعض الأهالي، أو لعله كان أحد المتذمرين من سوء الحالة فهجر أرضه أو مصنعه وألف جماعة من أقرانه السطو والنهب. وقد أزعجت هذه الحركة الأهالي الوادعين المسالمين، إلى حد أنهم هددوا الحكومة بالنقطاع عن العمل. فقد ورد في تقرير رسمي عن هذه الأحداث ما يلي : "وفي اليوم التالي تجمع حول ... أشخاص أكثر عددًا وطالبوا بمساعدة الملكتين وفرق الجيش، ماقبلهم القائد ومعه خايراس (Chairas) وبعض الإسكندريين الذين يقطنون في الأقاليم، وعلم قانية ما ارتكبه رجال هرمايسكوس من المساوئ الكثيرة ضد كل منهم. وقد أعلن الشاكون أنهم يرفضون الاضطلاع بأي عمل خاص أو عام إذا لم يقدم القائد للملكتين ووزير المالية تقريرًا يطالب بإقصاء رجال هرمايسكوس عن المديرية. ولهذا السبب قدمت هذا التقرير".

وقد ازدادت حال الأهالي سوءًا بقدر ازدياد مطالب الحكومة منهم، ولاسيما أن بطلميوس الزمار بدلاً من أن يسدد ديونه لدائنه الروماني وأبيريوس بوستوموس أقامه في عام 55 وزيرًا للمالية. ويمكننا أن نتصور مدى نشاط دائن جشع أقيم وزيرًا للمالية قد بلد أجنبي، ومدى تصرفات موظفي الحكومة في مثل هذه الظروف. وقبل أن ينتهي العام كان رابيريوس قد أثار نقمة الإسكندريين عليه إلى حد أن الملك اضطر إلى أن يسجنه هو وعماله لتهدئة الإسكندريين وحماية رابيريوس ورجاله من الإعتداء عليهم. وحسبنا دليلاً على عبث الموظفين وثيقتان، وإحداهما شكوى قدمها بعض المسجونين في عام 51/50 لأنهم عذبوا وسجنوا بالرغم من براءتهم. والوثيقة الأخرى هي القرار الذي أصدرته كليوبترة السابعة وأخوها بطليموس الثاني عشر في عام 49/48 يحظرا القبض على المدينين ويأمرا باحترام ما أصدره من خطابات الأمان على الأقل طوال موسم الزراعة.

وليس أدل على الأحوال السيئة التي عمت البلاد مما يصوره لنا عدد من الوثائق من مديرية هيراكليبوليس من حوالي منتصف القرن الأول قبل الميلاد، إذ يبدو أن أشباح الفافة والإرهاق المالي دفعت الكثيرين إلى هجر أراضيهم والهرب من قرأهم. وفي بعض الحالات هجر جميع الأهال يموطنهم، إذ يحدثنا تقرير كهنة معبد في هيرانيسوس (Hiera Nesos) عن قلقهم على موارد المعبد لأن كل أهالي القرية قد برحوها ولم يبق فيها إلى الكهنة وحدهم. وفي حالات أخرى لم يبق إلا عدد قليل من الأهالي، أرهقتهم الحكومة بتكليفهم بزراعة مساحات كبيرة من الأراضي. مما حملهم على الإضراب عن العمل. ولاشك في أن هذه الأمثلة لم تكن فريدة في بابها. ويؤيد ذلك ما كشفت عنه الحفريات المنظمة التي قامت بها جامعة مشيجان في كارنيس (كوم أوشيم) بالفيوم، إذ أثبتت أن مساحة هذه القرية كانت في أواخر عهد البطالمة أصغر مما كانت في عهد أوائلهم.

ولا عجب وسط هذه الظروف إن كان لظاهرة عادية مثل عدم بلوغ فيضان النيل مستواه العادي في منتصف القرن الأول قبل الميلاد نتائج فادحة، وإن أظهرت الحكومة جزعها وضعفها إزاء ذلك، إذ صدر في الإسكندرية أمر ملكي في عام 50/49 ق.م. يفرض عقوبة الإعدام على من يصدر القمح من مصر الوسطى إلى مصر السفلى أو مصر العليا بدلاً من تصديره إلى الإسكندرية، ويفسر هذا القرار بأن محصول القمح كان قليلاً فيما عدا في مصر الوسطى، ولذلك كانت مصر العليا ومصر السفلى وكذلك الإسكندرية فيحاجة إلى القمح، لكن الحالة في الإسكندرية كانت أشد خطرًا لأنها لا تزرع الحبوب. وقد خشيت الحكومة عاقبة تذمر الإسكندريين، ولذلك أمرت بإرسال كل القمح الزائد على حاجة مصر الوسطى إلى العاصمة. ولا يرجع نقص المحصول إلى هذا الحد إلى هبوط مستوى النيل فحسب، بل كذلك إلى نقص عدد سكان القرى وقلة مساحة الأرض المنزرعة. وتنم العبارات القلقة التي صيغ فيها هذا القرار عن فزع الحكومة، وتدل الإجراءات التي اتخذت على أن أهم ما عنيت به الحكومة كان ضمان سلامتها بالإرغام والإرهاق مهما تعرضت له البلاد من المخاطر، لكن هذا القرار يدل على شيء آخر، وهو أن الحكومة لم تعد تخشى أهالي البلاد بقدر ما أصبحت تخشى الإسكندريين، ولعل مرد ذلك إلى الضربات المتلاحقة التي أصابت المصريين وازداد أثرها في إضعافهم بقدر ما ازداد تفرقهم.

ومن أهم مظاهر الحياة في مصر في آخر القرن الثاني وفي خلال القرن الأول ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة، وهكذا تشير جميع القرائن إلى ما انتاب مصر، حكومة وشعبًا، من الفقر في خلال هذه الفترة. لكن يجب ألا نبالغ في تقدير الحالة، إذ لا شك في أن البلاد لم ينضب معينها تمامًا ولا في أن البطالمة كانوا لا يزالون يعتبرون أغنى ملوك عصرهم، ولعل من أسباب ذالك أنهم لم يستنزفوا كل الكنوز التي كدسها البطالمة الأوائل بالتدريج، مما ساعد أوليتس على الإنفاق عن سعة وكذلك على الإستدانة عن سعة لرشوة م ؤيديه من الرومان، ومكن كليوبترة السابعة من إعداد ح ملة أنطونيوس في موقعة أكتيوم، وحتى بعد هذه الحملة، عندما فتح أغصطس مصر استولى على كميات هائلة من الكنوز. ولا يرجع ثراء كليوبترة السابعة إلى إدخال أي تعديل ملحوظ على أحوال البلاد الاقتصادية في عهدها، فإن الوثائق البردية القليلة التي وصلتنا من عهدها وكذلك نقودها تدل على أن أحوال البلاد لم تتحسن كثيرًا في عهدها عما كانت عليه في عهد أبيها أوليتس. ويؤيد ذلك المجاعتان اللتان حدثتا في عهدها. فإنه قد يكون سببهما انخفاض مستوى الفيضان، لكن من المؤكد أنه قد ساعد على استفحال أمرهما سوء حالة الجسور والقنوات ونقص عدد السكان في مصر بوجه عام. وإذا كان البعض يرى أن مصر كانت هادئة في عهد هذه الملكة، مما يدل على أنها اكتسبت محبة الأهالي، فإن القرائن تدل على أنها توصلت إلى ذلك عن طريق العناية بالديانة المصرية. ولا ريب في أن كليوبترة كانت كغيرها من البطالمة شديدة الحرص على ثروتها، ولا في أنها كانت شخصيًا غنية، لكن هذا لا يدل على غنى البلاد، فقد لا يبعد أن مخازنها كانت تفيض بالحبوب على حين كانت البلاد وأشد الحاجة إلىالحبوب.

ولنجمل الآن أسباب ثورات المصريين في عهد البطالمة وأسباب فشل هذه الثورات. لقد رأينا كيف أن نظم البطالمة قسمت سكان البلاد فئتين. أحداهما فئة عليا تتمتع بامتيازات سياسية واجتماعية واقتصادية، ويتكون أغلب أفرادها من الأجانب، الذين كانوا يتكلمون الإغريقية ويحيون حياتهم الخاصة ويعبدون آلهتهم ويخضعون لقوانين تتمشى مع تقاليدهم وعاداتهم، ومنهم كانت تتألف أغلب قوات البطالمة وكذلك تلك الأداة الحكومية، التي لم تكتف بتطبيق ما وضعه البطالمة من النظم الجائرة التي فرضت على المصريين أثقل التبعات، بل استغلت كذلك سلطتها لإشباع أطماعها وشهواتها. أما الفئة الأخرى فهي غالبية الأهالي الذين حرموا أرفع المناصب وخيرات بلادهم وقيدت الحكومة حريتهم الاقتصادية واستغلتتهم إلى أقصى حد. ولم يكن كل ذلك لفائدة ملوك قوميين وطبقة ممتازة قومية. بل لفائدة ملوك أجانب وجنس غريب عن أهالي البلاد في اللغة والدين والتقاليد والعادات. فضاق المصريون ذرعًا بهذه الحالة واحتجوا عليها منذ بداية القرن الثالث، لكن احتجاجاتهم لم تتخذ شكلاً خطيرًا إلا عند ما استعادوا ثقتهم بأنفسهم عقب انتصارهم في موقعة رفح. ويبدو إذن أن أسباب هذه الثورات كانت مزيجًا من ال عوامل القومية والدينية والاجتماعية والاقتصادية. وإذا كان للعامل الاقتصادي أثر بعيد في هذه الثورات، فإنه لا يمكن كذلك إغفال العامل القومي، وإلا لما رأينا نبوءة صانع الفخار تردد آمال المصريين في تحريرهم من ربقة الأجانب وإقامة حاكم وطني عليهم في عاصمة وطنية.

أما فشل هذهالثورات فيبدو أنه يرجع إلى سببين رئيسيين وهما : (أولاً) بالرغم من كثرة عدد الثوار فإنهم افتقروا إلى ما امتازت به عليهم قوات البطالمة من النظام والعتاد والأموال. (ثانيً) عدم اتحاد المصريين فإن فريقًا مهماً منهم بدلاً من أن يشتركوا في مناهضة الحكم الأجنبي الجائر اشتركوا في مناهضة مواطنيهم أو على الأقل وقفوا منهم موقفًا سلبيًا، وذلك إشباعًا للأحقاد الشخصية وسعيًا وراء مصالحهم المادية فكانوا بذلك مطية للأجنبي وجزءًا من أداة تنفيذ سياسته الاستعمارية. ويبدو أن البطالمة قد استخدموا قديمًا سياسة إفساد الأخلاق التي درج عليها المغتصبون الأجانب دوامًا، وهي سياسة تنطوي على تفرقة الصفوف وإشباع الأطماع الشخصية للقاء على الحركات القومية. إذ يبين أن البطالمة استغلوا العداء القديم بين كهنة آمون وكهنة الآلهة الأخرى، وشفعوا ذلك مبا أجزلوه لرجال الدين بوجه عام من العطايا والامتيازات والحقوق، فنجحوا في استمالة جانب كبير من رجال الدين، فيما عدا على الأقل كهنة آمون الذين ناصبوهم عداء شديد إلى أن قضى بطلميوس التاسع على طيبة معقل عبادة آمون. وقد نجح البطالمة كذلك في كسب ود جانب من المصريين المتأغرقين بما منحوهم من الأراضي والمناصب، وجانب من المحاربين المصريين بما منحوهم من الإقطاعات والمركز الممتاز.

ولا شكل في أنه قد ساعد لبطالمة على نجاهم في هذه السياسة سموم الاحتلال الأجنبي الطويل الأمد في عهد الفرس ثم في عهدهم، إذ لابد من أن هذه السموم قد أضعفت إيمان فئة من المصريين بقوميتهم. وضعاف الإيمان بقوميتهم في كل عصر وكل أمة مرضى النفوس والعقول والقلوب، ولا يتورعون عن الانحدار إلى أي درك ما دامت نفوسهم المريضة وعقولهم الكليلة وقلوبهم الغليظة تصور لهم أن في ذلك منفعة لهم.

ويابئس المنفعة التي تكتسب على حساب الوطن، فإنها ليست منفعة غير مباركة فحسب. مثل أي ربح غير مشروع، بل هي مذلة وهوان في الدنيا وشقاء وعذاب في الآخرة يوم تجزى كل نفس بما عملت. وقد عرف الوطنيون كيف يثأرون لأنفسهم ممن باعوا أنفسهم لمغتصبي بلادهم، فإنهم اعتدوا عليهم وعلى أملاكهم مهما عظم مقامهم. ولابد من أنه قد فت في عضد المصريين أن يروا على الأقل جانبًا منزعمائهم الروجيين، وهم رجال الدين، وجانبًا من أبطالهم، وهم رجال الجيش الذين أثبتوا كفايتهم في مديان القتال، وجانبًا من سراتهم، وهم أرباب الأملاك، يهللون للأجانب ويسبحون بنعمتهم. ولابد كذلك من أنه قد أضعفت حركات المصريين القومية وساعدت على مقاومتها تلك الأساليب التي ابتعها قادتهم أو فريق كبير من الثوار، إذ لا شك في أن أعمال السلب والنهب التي كانت تعم البلاد في خلال الاضطرابات كانت تدفع أصحاب المصالح من الأهالي إلى مقاومة الثوار أو على الأقل مناشدة الحكومة حمايتهم.